رواية اصداء القلوب الفصل الثاني عشر 12 بقلم سهي الشريف
12 | في زِحَـام اللحَظات
فَمَا كُلُّ مَنْ تَهْوَاهُ يَهْوَاكَ قَلْبُهُ
وَلَا كُلُّ مَنْ صَافَيْتَهُ لَكَ قَدْ صَفَا
+
إِذَا لَمْ يَكُنْ صَفْوُ الْوِدَادِ طَبِيعَةً
فَلَا خَيْرَ فِي وُدٍّ يَجِيءُ تَكَلُّفَا .
+
- الإمام الشافعي - رحمهُ الله - .
+
───────────────── ˖.˚⋆ .
+
▪︎ تنويه قبل القراءة : ستجدون في حسابي هنا على واتباد أسفل الأسم مجموعه من الروابط لجروباتي الشخصية على الفيس بوك و التيلجرام، أرجوا منكم فضلاً و ليس أمراً الإنضمام لها ؛ بالإضافة لمتابعتي هنا على الواتباد .
+
───────────────── ˖.˚⋆ .
+
#رواية_أصداء_القلوب
#الفصل_الثاني_عشر
#سهى_الشريف
+
- قـراءة مُـمتعـة ෆ .
+
───────────────── ˖.˚⋆ .
+
في اللحظة التي أعلنت فيها "مريهان" قرارها :
+
- باشمهندس إسلام هيتكفل بتدريب وردة إن شاء الله.
+
نقلت "وردة" نظراتها سريعًا نحو "مؤمن" تبحث في عينيه عن أي تأييد أو اعتراض ، أما الأخير فقد لمح في ملامحها اضطرابًا خفيًا لم تستطع إخفاءه ، ظل للحظات يُراقبها ثم قال بنبرة هادئة ومهنية:
+
- معلش، ممكن نسأل وردة الأول؟
2
نظرت إليه "مريهان" بدهشة خفيفة، بينما التفتت "وردة" نحوه وكأنها لم تصدق أنه قد تدخل لصالحها ، تابع حديثه بهدوء و جدية موجهًا السؤال مباشرة لها:
+
- إنتِ عايزة تكملي تدريبك معايا ولا تفضلي حد تاني؟ القرار في إيدك.
1
ارتبكت "وردة" للحظة ثم قالت بصوت منخفض:
+
- أنا... أنا مرتاحة مع حضرتك.
+
أومأ "مؤمن" برأسه ثم التفت إلى "مريهان" و أردف :
+
- لو حضرتك موافقة، ممكن أكمّل تدريبها .. هي شاطرة، وأعتقد إنه ممكن نتقدّم بشكل أسرع لو استمرينا.
+
تأملت "مريهان" الحوار للحظة، ثم ابتسمت وقالت:
2
- تمام، أنا واثقة فيك يا باشمهندس مؤمن، وأكيد لو هي مرتاحة خلاص مفيش مشكلة.
+
تبدد التوتر تدريجيًا في وجه "وردة" لكنها لم تستطع إخفاء نظرة الامتنان التي وجهتها لـ"مؤمن" ، شعرت أنه مهتمًا بالفعل بتقديم الدعم لها بطريقة تحترم رغباتها.
+
قبل أن يترك المكتب ألقى نظرة جانبية عليها وقال بابتسامة خفيفة تحمل جدية :
+
- طيب يا وردة، ركزي بقى في التدريب عشان الشغل معايا مش هزار.
+
ابتسمت "وردة" بخجل، وهي تشعر لأول مرة منذ بداية اليوم و وسط عواصف عقلها .. بالارتياح.
+
خرج " مؤمن " بثبات من المكتب يتجه لخاصته بينما ركضت تتبعه " وردة " بحماس كبير .
+
دلف للداخل و هو يستمع لصوت خطواتها خلفه ، ثم اتجه للمقعد خلف مكتبه ليسمعها تهتف له بتلعثم :
+
- آ .. أنا .. أنا متكشرة .. متشكرة أوي يا بشمهندس مؤمن .. يعني إنك وافقت .. بجد بجد يعني أنا أنبسطت أوي ..
+
كان " مؤمن " يستمع لحماسها باهتمام شديد و هو يُطالع الورق أمامه ثم رفع عيناه لها و قال بتسلية و هو يمد ورقة لها :
+
- طيب ، خلينا نشوف إيه إلي عندك !
+
اتسعت ابتسامتها و اقتربت تلتقط منه الورقة و أخذت موضعها الثابت على الأريكة و تلك الطاولة الصغيرة القابعة أمامها مكانها شاهداً على إخلاصها و تدريبها .
+
بعد أن انتهت "وردة" من تقسيم الصفحة كما دربها في آخر لقاء ، وضعت القلم و نهضت إليه و جلست على المقعد أمام مكتبه و رفعت رأسها إليه بتعبير يشوبه الترقب:
+
- طيب، إيه الخطوة اللي بعد كده؟
+
تنهّد "مؤمن" ببطء، ثم قال:
+
- الخطوة اللي بعد كده إننا نبدأ نفهم الفكرة وراء كل حاجة بنعملها... مش مجرد تنفيذ وخلاص.
+
بدت "وردة" مرتبكة قليلًا، لكنها سرعان ما سألت بحماس:
+
- يعني إيه؟
+
اعتدل "مؤمن" في جلسته وأمسك بورقة بيضاء جديدة ، رسم مربعًا بسيطًا في المنتصف، ثم بدأ يضيف خطوطًا ومثلثات صغيرة داخله، بينما يشرح:
+
- المهندس مش بيرسم أشكال وخلاص ، كل خط ليه معنى والمربع ده ممكن يبقى بيت و الخطوط اللي جوّاه ممكن تبقى غرف أو أماكن للباب والشبابيك لكن هيكلها الابتدائي وساعات بيبقى مش مفهوم .
+
حدقت "وردة" في الورقة باهتمام بالغ، ثم همست وكأنها اكتشفت كنزًا:
+
- يعني كل حاجة ليها سبب؟
1
ابتسم "مؤمن" بخفة وأومأ:
+
- بالظبط ؛ إحنا بنخطط عشان كل حاجة تكون مرتبة ومفهومة.
+
أومأت "وردة" بخفه وعيناها تتألقان بالحماس:
+
- طيب، أنا ممكن أجرب أرسم بيت كده زي ما قلت؟
+
رد "مؤمن" وهو يدفع الورقة نحوها:
+
- جربي ، هديكي عشر دقايق، وعايز أشوف فكرتك.
+
أمسكت "وردة" القلم وأخذت ترسم بحماسة واضحة ، بينما كان "مؤمن" يراقبها بطرف عينه و عاد للعمل على حاسوبه، متظاهرًا بالتركيز لكنه كان يسمع همساتها:
+
- هنا الباب... وهنا البلكونة... لا، خلي البلكونة أكبر... آه، وهنا ممكن شجرة...
+
بعد دقائق، دفعت الورقة نحوه بابتسامة عريضة:
+
- ها! ده بيت مش كده؟
+
أخذ "مؤمن" الورقة ونظر إليها ، كان الرسم بسيطًا جدًا، لكنه مليء بالتفاصيل العشوائية ، ابتسم ابتسامة جانبية وقال:
+
- ده بيت آه... بس محتاج شغل كتير عندك مثلاً البلكونة دي أقرب تكون حديقة عامة.
1
احمرّت خدود "وردة" بخجل، لكنها ضحكت وقالت:
+
- أصل أنا كنت بفكر في بيت يكون مريح كده... واسع ومليان حاجات حلوة !
+
أجابها "مؤمن" بتأمل :
+
- الفكرة حلوة، بس لازم نتعلم إزاي نرتبها عشان تكون عملية ، العمارة مش بس شكل جميل، لازم تكون مفيدة ومريحة.
+
سكت قليلًا، ثم أضاف:
+
- طيب، خلينا نعمل حاجة ، هرسم معاكِ خطوة بخطوة بيت صغير ونشوف النتيجة.
+
هتفت "وردة" بفرح:
+
- بجد؟ طيب يلا!
+
بدأ "مؤمن" يرسم معها، يشرح لها كيفية وضع الخطوط الأساسية وترتيب المساحات ، وبينما كان يعمل لاحظ كيف كانت "وردة" تتابعه بتركيز ، تسأل عن كل تفصيلة وتتعلم بسرعة رغم عفويتها.
+
بعد نصف ساعة، انتهيا من رسم تصميم بسيط لبيت صغير ، نظرت "وردة" إلى الرسم بدهشة وقالت:
+
- دا كل حاجة ؟!
+
ضحك "مؤمن" بخفة وقال:
+
- لا بس لسه بداية ، محتاجين شغل أكتر عشان نبقى محترفين.
+
ابتسمت "وردة" وقالت بثقة:
+
- طيب، أنا هتعلم كل حاجة ، وعد!
+
أجابها "مؤمن" بابتسامة جانبية:
+
- طيب، هنشوف بس لو هتكملي، خلي عندك صبر وطولة بال ، العمارة مش لعبة سهـ ..
+
وقبل أن يُكمل حديثه، قاطعته "وردة" وهي تمسك بالقلم مجددًا:
+
- ما تقلقش، أنا قوية !
+
نظر إليها "مؤمن" نظرة خاطفة ثم عاد ببصره للورقة التي رسمها تواً و هتف بفكره :
+
- إيه رأيك نخلي البيت دا مسودة ؟
+
- يعني ايه؟
+
وضع الورقة أمامها و قام بشرح فكرته :
+
- يعني كل ما تتعلمي حاجة جديدة طبقيها في البيت دا و آخر التدريب إن شاء الله هنشوف النتيجة النهائية .
+
اتسعت عيناها بإعجاب من تخيل الفكرة فأكمل بتسليه :
+
- و مين عارف ممكن نشتغل عليه كمشروع ..
+
زادت أتساع ابتسامتها و هتفت بحماس :
+
- بتهزر ؟
+
أتسعت ابتسامة " مؤمن " بخفه من دهشتها و طالع فيها بهدوء قبل أن يحيد ببصره و قال :
+
- الكلام دا لسه بدري عليه اشتغلي بس دلوقتي .
+
و بالفعل أكملت "وردة " رسمتها ، ليستأذن " مؤمن " بعد لحظات هاتفاً :
+
- عندي إجتماع دلوقتي ، إبقي كملي في البيت و أشوفها المرة الجاية.
+
أومأت " وردة " رأسها بخفه فخرج فوراُ و تركها داخل المكتب تُجمع أغراضها .
+
أستقلت المصعد و أثناء الهبوط كانت تسترجع بعقلها أحداث اليوم و الذي كان لطيفًا على ذاكرتها ، ابتسمت بخجل فور أن تذكرت تدخل " مؤمن " لها و كل تلك التفاصيل التي سجلها عقلُها بحرافية عاليه ، و مشاعر .. كانت تزور جوفها لأول مرة .
+
هبطت للطابق الأرضي و فور أن خرجت منه و وجهت بصرها تجاه بوابة الشركة توقفت و اتسعت عيناها بانبهار شديد.
+
و كان المشهد كالتالي ...
+
قبل لحظات كان قد صف " وائل " سيارته في مرآب الشركة و أغلق باب السيارة ببعض الحِدة ، فما زال مزاجه مُعكراً من لقائه بمريم صباحاً .
+
أبتعد عن السيارة بضع سنتميترات و أغلق زر بدلته ، حتى وجد من يدلُف للمرآب بسيارته المُميزه ، لتتوقف خطواته و هو يُطالع تحرك السيارة حتى أستقرت في إحدى الأماكن و هبط منها بهيبته المُعتادة و لكن ملامح مشدودة أيضاً .
+
فجأة سمع " آسر " صفيراً ليلتفت لجهة الصوت فوجده " وائل " ، فابتسم بخفوت ثم تقدم تجاهه و ما أن اقترب منه حتى مد يده له فبادله " وائل " السلام بشكل خاطف و هم يسيران بجنب بعضهم بتناسق عجيب لا تُخطئه عين.
1
هتف " وائل " بتسليه فور أن رأى تلك الملامح سيطرت على وجه " آسر " :
+
- في حد هنا مزاجه مش أحسن حاجة.
+
ارتسمت ابتسامة جانبية على شفاه " آسر" ليهتف مع جمود ملحوظ :
+
- بس على الأقل مش لوحدي ..
+
ثم رمقه بنظرة جانبية ليفهم " وائل " عبارته فارتسمت ابتسامة ماكرة على وجهه .
+
و بخطوات مُتنزنة واثقة ، و ملامح حادة كانت نتيجة شُحنات سلبيه تلقاها كلاهُما صباحاً ، دلفا عبر البوابة لداخل الشركة بتلك المظاهر، تلك المظاهر التي تبعث لشخص يراهم لأول مرة بأنهم مغروران ، و هذا لا ينطبق مع من يعرفهم و هو ما يُدعِم هتاف " وردة " فور رؤيتهم يتقدمون للداخل بفخامة و جدية عاليه:
+
- واااااو ...
+
قالت كلمتها ببتسامه عريضة ثم تقدمت تجاههم بخطوات سريعه و وقفت أمامهم فجأة جعلتهم يقطعون خطواتهم في ذات الدقيقة و يتأملونها بتعجُب:
+
- ء .Stop !
+
وقف كلاهُما بلا حراك لتُردف " وردة " و هي تفتح هاتفها :
+
- أستنوا أصوركم !
+
أطلقا الأثنان ضحكات خافته بغير تصديق ليجدوا أن " وردة " تضع حديثها قيد التنفيذ و توجه عدسة الكاميرا لهم و تهتف بسعادة:
+
- اضحكوا عشان الصورة تطلع حلوة .
+
هكذا و الآن وسط صالة الشركة ! و لكن " وردة " لا تكترث ، و في الحقيقية هما أيضاً ، فالشركة أولاً و أخيراً تعود لهم و لا مانع من بعض الجنون أحياناً طالما أنه لن يضر الشركة.
3
وقف " آسر " مُتعجباً للحظات لكنه وجد " وائل " يقترب منهُ و يضع ذراعه حول عُنقه وتتسع ابتسامته و هو ينظر تجاه الكاميرا، ليُطلق " آسر" ضحكة مُستنكره و يلف ذراعه حول ظهر " وائل " و يرسم أبتسامه خفيفه لتتسع بدورها ابتسامة " وردة " ثم ألتقطت الصورة .
+
و فور أن ألتقتطها تقدم الأثنان منها بثبات فرفعت نظرها لهُما و ابتسامة بريئة تُزين وجهها ليقترب منها " آسر" أولاً و يمر من جانبها سريعاً بينما مر خلفهُ " وائل" و هو يهتف بخفوت و يلوح بيده بتسليه :
+
- ابعتيلي الصورة واتساب ..
+
و ختم عبارته بغمزة و هو يسير خلف " آسر" ، فكانا على عُجالة من أمرهم و الذي أتضح لوردة في رد فعلهم السريعة و عدم وقوفهم معها ، لكنها ابتسمت بلُطف ثم عادت ببصرها تتأمل الصورة و التي للحق أعجبتها.
+
───────────────── ˖.˚⋆ .
+
كان المسجد الصغير في المستشفى ملاذًا هادئًا من صخب الحياة والعمل ،اصطف بضعة أطباء وممرضين خلف "ريان" الذي رفع يديه بتأنٍ وهو يقول بصوت خاشع:
+
- استووا... اعتدلوا.
+
كبر للصلاة بصوته الواثق، وبدأت آيات الفاتحة الخافته تملأ المكان وبعد انتهاء الصلاة، جلس "ريان" مع رفاقه على السجاد ، اقترب منه أحد الأطباء و مد يدهُ بالسلام و قال :
+
- ربنا يبارك فيك يا دكتور ريان ، إمامتك دايماً فيها روح كده.
+
بادله " ريان" بابتسامة خفيفة و أجاب :
1
- ربنا يتقبل منا جميعًا ، ده فضل من عنده سبحانه.
+
أخذ " مروان" يقرأ آية قصيرة بصوت رخيم:
+
- " فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون "
+
ثم نظر لزملائه قائلاً :
+
- عارفين سبحان الله، إحنا وسط شغلنا ساعات كتير بننسى إن الذكر ده طوق نجاة ، بنجري ورى الدنيا لكن راحة القلب في ذكر ربنا.
+
أضاف طبيب آخر كان أكبرهم عُمراً بلهجة حنونه :
+
- ربنا يزيدكم من فضله يارب و ينورلكم طريقكم .
+
آمن الجميع على دعائه ، فأردف "ريان" بابتسامة خفيفة :
+
- وسط زحمة الشغل، الصلاة دي هي اللي بتخليني أرجع لنفسي ، بتحسسني إني مش لوحدي.
+
أجاب طبيب آخر وقال:
+
- أنا دايمًا بقول كده للناس مهما كنت تعبان عشر دقايق لله يفرقوا معاك كتير ، ربنا مش محتاج من صلاتك حاجه إنت إلي محتاجه والله يا مسكين.
+
أومأ "ريان" هز رأسه موافقًا، ثم أضاف:
+
- وإحنا كدكاترة لازم نحس إن شغلنا نفسه عبادة ، تخيل كل خطوة بتعملها لتهون على مريض ممكن تبقى سبب في رضا ربنا عنك.
+
أومأ الجميع على كلماته ثم نهضوا استعدادًا للعودة إلى أعمالهم ، وقف "ريان" ومسح على جبينه لكن بينما كان يهم بالمغادرة، اهتز هاتفه و نظر إليه سريعًا وظهر اسم الدكتور مدحت على الشاشة.
+
أجاب "ريان" بقلق :
+
- السلام عليكم يا دكتور مدحت... خير؟
+
أجاب " مدحت" - الطبيب النفسي - :
+
- وعليكم السلام، آسف لو أزعجتك يا دكتور، بس ميرال في حالة مش مستقرة، لو أستأذنك تيجي.
+
أجاب "ريان" بتنهيدة :
+
- حاضر، أنا جاي حالًا.
+
أغلق الهاتف، ثم نظر لزملائه مبتسمًا ابتسامة متعبة وقال:
+
- استأذنكم، عندي حالة ضروري.
+
خرج من المسجد بخطوات سريعة، وعقله ممتلئ بالأفكار ، كان يعرف أن تعلق "ميرال" به أصبح جزءًا من علاجها، لكنُه لم يستطع تجاهل ثِقله على نفسه ، لكنهُ كان يعلم أيضاً أن حالتها النفسية حساسة، وأن كل كلمة أو تصرف منه يمكن أن يؤثر فيها بعمق.
+
وصل إلى باب الغرفة من الخارج، سمع صوت أنفاس متسارعة وبكاء مكتوم استجمع نفسه، ثم طرق الباب ودخل.
+
كانت "ميرال" جالسة على الفراش، يداها تقبضان على الغطاء بشدة، وعيناها تائهتان في الفراغ ، بجانبها كان الدكتور "مدحت" يحاول التحدث إليها بلطف، لكن كل محاولاته قوبلت بالصمت.
+
- كويس إنك جيت ، رفضت إنها تتجاوب معايا أو مع أي حد من الفريق.
+
نبس بها " مدحت " فنظر "ريان" إلى "ميرال" التي كانت تأنّ ببكاء ، ثم اقترب ببطء وجلس على الكرسي بجانب الفراش لم يتحدث في البداية فقط جلس، لكن فجأة آنينها اختفى وبدأت تتنفس بسرعة وتضغط على يديها بقوة ، و بدأت تهمس:
+
- أنا السبب... أنا السبب.
+
كانت عيناها زائغه و يداها ترتعشان فأمسك"ريان" يدها اليسار بين كفيه و بدأ بتمرير يده العلوية على كفها سريعاً ليُعيد لها توازنها ويقول:
3
- لا لم يكن خطأكِ الآن انظري إلى عينيّ... أنتِ بأمان هنا.
3
لكن لا إجابة منها فرفع عيناه لدكتور "مدحت" الذي تحدث مُفسرا :
+
- كنت بكلمها عن يوم الحادث.
+
عاد " ريان " ببصره لها بعد أن أدرك سبب حالتها و توقف عن فرك يدها بعد لحظات ثم قال بصوت هادئ:
+
- ميرال، تنفسي بهدوء... خذي نفس عميق.
+
لم تتحرك في البداية، فقط زاد ارتعاش يديها وعيناها ظلت معلقة بالسقف ، هتف "ريان" بنبرة أهدأ :
+
- اسمعي صوتي، ميرال نحن في المستشفى، وأنتِ بأمان هنا.
+
بدأت عيناها تتحرك ببطء إلى أن استقرت عليه ، همست بصوت خافت:
+
-لا تذهب... لا تتركني.
+
تجاهل " ريان " لحظيًا عبارتها و لاحظ أن أنفاسها ما زالت متسارعة، فبدأ في استخدام أسلوب التنفس الموجه:
+
- ميرال، كرري معي ، خذي شهيق ببطء واحد، اثنان، ثلاثة.. الآن زفير بهدوء ..
+
بدأت تتجاوب تدريجيًا و هي تنظر له تُحاول اتباع تعليماته رغم ارتعاشها ، بينما هو يركز على يديها و بعد دقائق قليلة بدأت أنفاسها تستقر ، هتف "ريان" بابتسامة خفيفة :
+
- ممتاز جدًا، أنتِ شجاعة .
+
طالعت فيه " ميرال" للحظات بنظرات مُنكسرة بهمس :
+
- كنت... أسمع أصواتهم... أمي كانت تصرخ.
+
رفع "ريان" عيناه له يتعمق في نظراتها المُنكسرة ثم قال بنبرة مطمئنة جادة :
+
- الذكريات أحيانًا تظهر بشكل مفاجئ، و هذا طبيعي جدًا .
+
ثم استقام واقفاً و هتف بهدوء :
+
- لكن أنصتِ .. أنتِ هنا، في مكان آمن ، لا يوجد ما يُمكنهُ أذيتِك ، لقد أنتهى كل هذا .
+
رآها تحاول الاسترخاء، لكنها ما زالت تمسك بطرف الغطاء بشدة ، فأشار لكوثر قائلاً :
+
- لو سمحتي ، تعالي شربيها مايه ..
+
استجابت " كوثر" سريعاً ليعود " ريان " خطوة للخلف و يعقد ذراعيه أمام صدره، فالتقطت " ميرال " حركة قدماه للخلف بفزع ، لتقترب " كوثر" بكوب الماء لميرال و لكنها تُثبت عيناها على " ريان" و لا تستجيب لحركة " كوثر " ، بينما هو تبادل النظرات مع الطبيب "مدحت" الذي سجل كل شئ عن حالتها ، ليُعد بنظرة لها يجد محاولة " كوثر " في سُقياها و عيناها معلقتان عليه ، فأومأ برأسه لها بهدوء كإذن فاستجابت له و ارتشفت قليلاً .
+
بعد أن أنهت ، نظرت إليه بعينين مليئتين بالدموع وقالت بتوسل :
+
- هل ستتركني الآن ؟
+
صمت " ريان " لوهله و طالعها بهدوء و أردف :
+
- ستكونين بخير ، لا تقلقي ، سأتي لزيارتك.
+
أرتخت ملامحها تدريجيًا و هتف الطبيب "مدحت" :
+
- عملت شغل كبير يا ريان، شكرًا ليك.
+
أقترب منه " ريان" و أجاب :
+
- دا واجبي ، الحالة دي مش هتتحسن إلا لو اتعاونّا كلنا ، هي محتاجة دعمنا سوا .
3
ثم خرج "ريان" بعد ذلك من الغرفة بعد أن تأكد أن "ميرال" استقرت ، أتجه لمكتبه و تنفس بعمق ثم همس لنفسه:
+
- لا حول ولا قوة الا بالله، نسأل الله السلامة.
+
───────────────── ˖.˚⋆ .
+
هبطت من درجات السلم ببطء وتحفز، كانت تسير بحذر شديد، وحذاؤها البسيط المُبطن يمنع أي صوت قد يفضح وجودها .
+
وقفت خلف أحد جدران الڤيلا ذات الطراز العتيق ، ومالت بجزعها قليلًا تكتم أنفاسها وهي تُلقي مسامعها على الحديث الدائر في الصالة الكبيرة:
+
- والله يا كمال بيه مجيتك ده شرف كبير، لكن حضرتك عارف، فاتن لسه صغيرة، ولسه بتكمل تعليمها، ولسه الحياة قدامها.
1
رد "كمال" بابتسامة وقورة، تُفصح عن شخصية مليئة بالنفوذ وقال بصوت جهوري مُطمئن:
+
- يا ضياء بيه، بنتك فاتن هتبقى زي مريهان و داليا بناتي، تعليمها هيكمل، وكرامتها متصانة، و ليك كلمتي إن حياتها معانا مش هيكون ناقصها فيها حاجة، دي هتبقى في عِزّ ونعيم.
+
ثم أشار برأسه نحو شاب يجلس بجواره، وابتسم له بحنان الأب:
+
- و جليل ابني ده حاببها بجد، وطلبها بالحلال ، إحنا برضو هنقول للشباب لا؟
2
ابتسم "ضياء" وأخذ يمسح بكفه على شاربه الكثيف بإحراج، ثم رد بصوت هادئ:
+
- والله يا كمال بيه، اللي حضرتك شايفه، طالما الشباب عاوزين بعض، يبقى على خيرة الله.
+
كانت تلك التي تُنصت خلف العمود تشعر وكأن قلبها يطرُق صدرها بقوة ، لم تصدق ما سمعته، وكتمت شهقتها بصعوبة، ثم اندفعت على أطراف أصابعها نحو المطبخ ، أسرعت إلى والدها وألقت ذراعيها حولها بقوة، وهي تهمس بانفعال مُختلط بالفرح:
+
- وافق يا مامي ، بابي وافق.
+
ضحكت والدتها برضا، وضمتها بين ذراعيها:
+
- ألف مبروك يا حبيبتي، هشوفك عروسة في أحلى ليله .
+
و على إثر تلك العبارة الحنونة عادت " فاتن " من ذكرياتها الماضية قبل ما يزيد من ثلاثة عقود و اخفضت رأسها تكتم شهقاتها و هتفت بصوت مبحوح :
+
- كُله كان كِدب .. كِـدب !!
6
بينما في الأسفل كان " جواد " يتحدث مع والده قبل أن يذهب للمطعم برفقة " حنان " ، أما " مراد " كان خارجاً من المطبخ بمرح بعد أن سرق بعد اللُقيمات ، ليستمع الجميع لصوت أرتطام عنيف يأتي من الأعلى ، لتهتف " حنان " سريعاً :
1
- يا ستير، إيه ده !
+
بينما هتف " جواد " بلهفه و هو يرتقي درجات السُلم:
+
- مـــاامـــاا ...
+
و لحق به " جليل" و " حنان " و " مراد" و بعض عامِلات المنزل .
+
فتح " جواد " الباب بلوعه و هتف برُعب فور أن وجدها مُستلقيه أرضاً :
+
- مـــــاامـــا.. مــامــا !!
+
و تقدم منها سريعًا يرفع رأسها عن الأرض برفق ، بينما شهقت " حنان " و اتسعت أعيُن " مراد " بصدمة و توقف مكانه ، أما " جليل " فاقترب منها و حملها بين ذراعيه و وضعها على الفراش بمِهل و هو يهتف بتوتر :
+
- كلموا الدكتور حالاً !
+
───────────────── ˖.˚⋆ .
+
عادت " يـارا " إلى المنزل بعد يوم مُرهق ، تُفكر في كلمات " عماد " لأول مرة تشعُر بهذا التيه ، خطوات ثقيلة تقدمتها داخل الڤيلا ، لتفيق من شرودها على صوت ضحكات " وردة " برفقة " ليان" - شقيقتهم الصغرى - في الصالة الرئيسية ، تأملتها لثوان بنظرات حانيه ثم أكملت وهي تصعد السُلم إلى غرفتها، تُغلق الباب خلفها بهدوء .
+
اقتربت من المرآه و أخرجت المسحوق الوردي من حقيبتها و وضعت قليلاً منه على وجنتيها، ابتسمت بعد ذلك بإعجاب و هتفت :
+
- بس دا أحلى من إلي أتكسر .
+
وصلت طرقات مُنتظمة على باب غرفتها فأعطت الأذن لتجد " وردة " تجلت لها هاتفه :
+
- يارا مشفتيش الـ skirt - جيبه - البني بتاعتي ؟
+
ألتفت لها " يـارا " بهدوء و قالت :
+
- و أنا هشوفها فين ؟؟
+
- إنتِ كنتِ لبساها من يومين .
+
أجابت " يـارا " بلا إكتراث و هي تضع من قلم تحديد الشفاه :
+
- خلاص روحي و هدورلك عليها ..
+
و خرجت على إثر ذلك " وردة " لتنتهي " يـارا " من وضع مكياج كامل ثم طالعت في هيئتها و قالت بنبرة يائسه :
+
- زي القمر ، بس لازم أمسحه بقا عشان الـ skin care بتاعي .
+
ثم تقدمت نحو خزانة الملابس و بدأت بالبحث عن تنورة " وردة " ؛ و في أثناء البحث وقعت نظراتها على ذلك ملف شفاف المُخبأ في ركن خزانتها ،للحظة ترددت و مدت يدها بتردد إليه .
+
أخرجت الملف الشفاف البالي و طالعت هيئته بعد أن أرتخت ملامحها ثم ألتفتت و تقدمت تجاه الفراش و جلست على طرفه و وضعته أمامها، أطراف أصابعها ترتجف وهي تفتح غطائه.
+
فور أن فتحته تجلى امامها اوراق عديدة ووسطهم كان دفتر قديم ،فأخذت الدفتر بيدين مرتجفتين ، وبدأت تقلب صفحاته ،أوراقه مليئة بخط يدها الذي عكس حماسة شبابها وبراءته ، توقفت عند صفحة مكتوب فيها:
+
"بكرة هعترفله بكل حاجة ، هو أكيد بيحس بيّا، طريقته لما بيتكلم معايا دايمًا مختلفة، ضحكته لما يشوفني... أنا متأكدة إنه مش زي الباقيين "
+
ضحكة خافتة خرجت منها، لكنّها كانت ضحكة مكسورة، مُثقلة بالحزن والسخرية من نفسها ، قلبت الصفحة حتى وصلت إلى جملة أخرى مكتوبة بخط يدها:
+
" استنيني بكره .. هكتب هنا رد فعله "
+
نظرت إلى الصفحة التالية، لكن لم يكن هناك سوى رسمة كبيرة لقلب مكسور ، حدّقت فيها طويلًا وملامح وجهها تجمدت ، دموعها انهمرت وكأنها أُعيدت إلى تلك اللحظة.
+
" هو انتِ يتحب فيكِ إيه يا يـارا ؟ "
+
عبارة و صوت ضحكات ساخرة ، شعرت بكل شيء من جديد؛ الإحراج، الخذلان، والألم الذي كاد يمزقها ، شهقت دون وعي و هتفت بصوت مكسور خانق :
+
- خسرت حب ... مش سهل عليك ... إنك تلاقيه تاني ...
+
وأغلقت الدفتر بعنف تُحاول إسكات صدى صوته في رأسها ، أعادت الملف إلى مكانه، لكنها لم تتمكن من إعادة قلبها إلى هدوئه.
+
وقفت أمام المرآة تمسح دموعها بيدين مرتجفتين، و وجهها يتحول تدريجيًا من الحزن إلى القسوة ، نظرت إلى انعكاسها و تذكرت مكالمة "عماد" و تسلُط والدها و ذلك الحُب اللعين الذي سكن جوفها يومًا ، وقالت بصوت ثابت مليء بالحقد المكبوت:
+
- الحب؟ مجرد وهم غبي ، ورقة و حرقتها خلاص ، عمري ما هسمح لغلطة زي دي تتكرر تاني ، أنا مش لعبة في إيد حد... لا بابا، ولا حتى أنت يا عماد ولا أي حد يتشددلك !
1
───────────────── ˖.˚⋆ .
+
- بعدها مشى ، و بس يا بنتي زي ما بقولك كدة .
+
هكذا ختمت " مريم" سرد موقفها مع " وائل " لميار عبر الهاتف التي هتفت بهدوء :
+
- بس يا مريم ! دا إنتِ كان ناقص تضربيه .
1
أجابت " مريم" و هي تسير بتجاه بوابة الجمعية:
+
- يستاهل والله عشان مستفز أوي ..
+
كتمت " ميار " ضحكتها و قالت بتسلية :
+
- بس الراجل كتر خيره جالك يومين ورا بعض كان ممكن حد تاني ياخد الكارد يعمله بيه مصيبة .
+
جزتّ " مريم " على اسنانها و هتفت بشدة :
+
- بس متقوليش الجملة المستفزة دي قدامي ، يعني إيه يعمل بيها مصيبة ! هيسحب بيها قرض ؟ و لا هيسرق بيها فلوسي ؟!
+
شهقت " ميار " بالضحك بمرح و قالت :
+
- يا بنتي بقا ، الراجل نيته شريفه و صارف بنزين عشانك .
+
أجابتها " مريم " بضيق :
+
- قال يعني شقيان في فلوسه !! الناس إلي زيه بتجيب الحاجه و مش بتبص على سعرها من أساسه.
+
- قال يعني إنتِ مبتعمليش كده يا مس مريم !
+
ترددت " مريم " في إجابتها ثم قالت :
+
- لا طبعاً .. أنا عارفة قيمة القرش .
+
ضحكت " ميار " بخفة و قالت :
+
- طب يلا يدوبك تروحي عشان تلحقي تحضري الدرس.
+
- طيب يلا سلام يا حبيبي .
+
و أغلقت " مريم " هاتفها ثم اقتربت من سيارتها ، و دلفت ثم أدارت محرك السيارة لتجد عدم استجابة من المحرك، فتعجبت و أعادت الكرة لتجد نفس النتيجة ثم حادت ببصرها لشاشة البنزين لتجد أنها فارغة لتضرب بكفها عجلة القيادة هاتفه بغضب :
1
- يالله ! جيتي على السيرة يعني !
+
ثم تحكمت بأنفاسها و أطلقت ضحكة مُستنكره و قالت :
+
- أكيد دا من عينه ، أهو ربنا خد حقك ياريت تكون مرتاح دلوقتي !
+
───────────────── ˖.˚⋆ .
+
- أنا عايز أعرف أنا مالي ؟
1
طالعه " آسر " بنظرات هادئة ثم قال :
+
- يا وائل يا حبيبي أفهمني... أنا مش هنا عشان أهاجمك ولا أقلل من شغلك بالعكس ، أنت عارف أنا بعتمد عليك إزاي في الشغل !
+
رد "وائل" بنبرة متوترة:
+
- طيب لو أنا شاطر للدرجة دي، ليه كل مرة بتدخل في شغلي؟! أنا بعمل اللي المفروض أعمله وأكتر، ومع ذلك دايمًا بحس إني مش كفاية بالنسبالك لا أنت ولا والدي !
+
ابتسم "آسر" بهدوء وأسند ظهره للكرسي قبل ما يرد:
+
- لا مين قالك كده ، مش قصة كفاية، القصة في الطريقة ، شطارتك محدش يقدر ينكرها، لكن اندفاعك ممكن يجيب نتائج عكسية. ، القرارات الكبيرة دي يا وائل لازم تكون مدروسة مش رد فعل سريع.
+
قاطع "وائل" كلامه وقال بحدة:
+
- أيوة بس القرارات اللي أنا بأخدها بتكون لصالح الشركة! يعني كل مرة حد يستنى يدرس ويحلل، ممكن نخسر فرصة كبيرة.
+
رفع" آسر" يديه لتهدئته :
+
- فاهم قصدك، وده اللي أنا بأقدّره فيك ، بس اسمعني، كونك شاطر ومجتهد مش معناه إنك تاخد كل حاجة على كتافك ، وجودي هنا مش عشان أقلل منك، أنا هنا عشان أساعدك ، و لو على عمي فهو عاوزلك الأحسن و أنا سبق و قلتلك عن المشروع ده قد إيه مهم .
1
تنهد "وائل" وحاول يخفف نبرة صوته وهو يقول:
+
- بس أنا بأحس أوقات إنك مش واثق في قراراتي يا آسر ، متبقاش أنت و والدي عليا !
+
اتسعت ابتسامة "آسر" بتفهم وهو يقول بصوت هادي، عينه متأملة وجه "وائل" المتوتر:
+
- وائل... إزاي أكون مش واثق فيك وأنا سايبلك أهم المشاريع اللي عليها اسمنا كلنا؟ لو مش واثق فيك كنت هتصرف لوحدي من زمان، بس أنا عارف إنك قدّ المسؤولية ويمكن أكتر.
+
رفع "وائل" عينه بحركة سريعة ، و أجاب بنبرة بها غضب مكبوت:
+
- طيب ليه كل مرة بحس إنك بتحاسبني على أي قرار؟ كأن كل خطوة لازم تراجعها أو تصححها وكأنك بتقولي إن اللي بعمله مش كفاية.
+
اتسعت نظرات "آسر"، وصمت للحظة يقيس كل كلمة قبل قولها:
+
- مش كده يا وائل أبداً ، الموضوع مش تصحيح ولا حكم على شغلك ، أنا بأدخل بس عشان أتأكد إنك مش شايل كل حاجة لوحدك خصوصًا مع الضغط اللي حوالينا...
+
قاطعه "وائل" بحدة، عيناه فيها ألم أكتر من الغضب:
+
- الضغط ده بقى هو حياتي يا آسر ، والدي شايفني مشروع لازم يبقى زي ما هو عايز ، لازم أمثل العيلة، لازم أكون الصورة اللي تخدم اسمنا ،أي غلطة حتى لو بسيطة بتتحسب عليا كأنها كارثة!
+
نظرات "آسر" ازدادت عمق، وعينيه اتنقلت بين "وائل" وصدره المرتفع مع أنفاسه الثقيلة، ثم قال بهدوء:
+
- عارف يا وائل... عارف كل اللي أنت فيه ، يمكن أكتر من اللي أنت فاكر ، بس اللي عايزك تصدقه إنك مش لازم توصل للكمال اللي شايفه غيرك ، أنت كفاية... بالطريقة اللي أنت عليها، مش بالصورة اللي هم عايزينها.
+
حاول "وائل" يخفي ارتجافة صوته، لكنه نطق بصعوبة:
+
- أنت مش فاهم... لما تكون عايش طول عمرك على إنه "لازم تبقى كده" مش بيبقى عندك مساحة حتى تتنفس.
+
وقف "آسر" و جلس على الكرسي أمامه مقابل مكتبه وقال بصوت أقرب للهمس:
+
- فاهم أكتر مما تتخيل ، عشان كده أنا هنا ، مش عشان أضغط عليك زيهم، ولا أكون واحد من اللي بيحطوا حمل فوق كتافك ، أنا هنا عشان أشيل معاك وأساعدك تقف لو حسيت إنك مش قادر تكمل.
+
نظر "وائل" ليه نظرة طويلة يحاول أن يجد بها شفقة، لكنه وجد صبر و محبة ، و بعد لحظة قال بصوت منخفض لكنه مكسور:
+
- ساعات بأحس إن وجودك هو اللي منعني من السقوط ، بس مش عايزك تبقى شايفني ضعيف.
+
ضحك "آسر" ضحكة صغيرة لكنها مليانة دفء، و أردف :
+
- الضعف الحقيقي إنك تشيل كل حاجة لوحدك وتنهار في الآخر ، القوة إنك تعرف إنك بني آدم وتطلب المساعدة لما تحتاجها ، مش عشانك ضعيف، لكن عشانك ذكي وبتعرف إزاي تحافظ على نفسك.
+
تنهد "وائل" أخيرًا، وكأنه كان يحتاج لسامعه مؤخراً وقال:
+
- بس وعدني يا آسر... لو شفتني بعمل حاجة غلط، ساعدني من غير ما تخليني أحس إنك بتحاسبني أو... زيهم.
+
مد "آسر" يده وربت على كتفه بثقة، وقال بنبرة فيها حزم وحب:
+
- ليك كلمتي يا وائل طول ما أنا موجود ، أنا مش بس ابن عمك أو شريكك في الشغل... أنا أخوك وعمري ما هسيبك تقع ، و قبل ما تفكر حتى هتلاقي إيدي بتشدك .
+
ابتسم " وائل " بمحبة و قال بتسلية و هو ينهض :
+
- طيب أنا قايم أجيب قهوة .
+
و لكن كان صوته خافت فهتف " آسر " بعدم فهم :
+
- هتقوم تعمل تعمل إيه ؟
+
ألتفت " وائل " له و هتف بمرح :
+
- هعمل مبسوط أعملك معايا ؟!
+
ضحك " آسر " بثبات و عدم تصديق ، ليبتسم " وائل " و هو يقول :
+
- هعمل قهوة ، هعمل قهوة .
+
- ربنا معاك توصل بالسلامة.
+
أجابه " وائل " بابتسامة و هو يٌمسك مقبض الباب :
+
- فعلا ربنا معايا و أنا باخد الأسانسير تلاث أدوار لتحت.
+
اشتدت ملامح " آسر " و هتف :
+
- هو أنت مستغني عن إعانة ربنا ليك حتى في أبسط خطواتك ؟ روح يا عم ربنا يسهلك .
+
زمّ " وائل " شفتاه بإدراك ليهتف:
+
- صحيح ربنا يسامحني.
+
و قبل أن يُغلق الباب فتحه قليلاً و مد يده و قال بتسلية :
+
- طب حاجة لله ؟!
+
ابتسم " آسر " و آشار بيده و قال :
+
- يا عم روح بقا الله يسهلك .
+
ثم أغلق " وائل " الباب ليضحك " آسر " بعدم تصديق وتنهد بعدها بعمق و عادت ملامحه الجامدة مرة آخرى ، ليعود لمقعده وراء المكتب و يُكمل عمله ، لتصل له إشعار رسالة نصية على هاتفه ، ليتناول الهاتف و يفتح الرسالة ثم يتأملها للحظات قبل أن يهتف بإزدراء :
+
- الله يحرقك يا عز ، هو أنا معدش ورايا غيرك اليومين دول ؟!
+
أما في الخارج ؛ بعد أن اغلق " وائل " الباب تلاشت ابتسامته سريعاً و عاد لملامح واجمة ، ثم تقدم بعيداً ليجد من يُقاطع سيره هاتفاً :
+
- مالك ؟
+
رفع " وائل " عيناه للسائل فاتسعت ابتسامته بتحفُظ و قال :
+
- مفيش يا مؤمن والله ، مشربتش قهوة من الصبح بس .
+
تأمله " مؤمن " للحظات ثم قال بلُطف :
+
- طبعًا أنت عارفه لو محتاج حاجة أنا موجود..
+
- طبعًا طبعًا ، أنا أصلاً لما بحتاج حد بقول علطول.
+
أطلق " مؤمن " ضحكة قصيرة و هتف :
+
- طب خليني مصدق كدة .
+
ابتسم " وائل " بمرح و قال :
+
- و أنا كمان .
+
تنهد " مؤمن " ثم قال :
+
- طب لو مش وراك حاجة أعزمك على قهوة ؟
+
أومأ " وائل " ثم هتف :
+
- لا فاضي طبعاً ، حتى نجيب لآسر معانا من الصبح ياعيني متكدر و زعلان .
+
تقدم الثنائي تجاه باب المصعد و قال " مؤمن " بنبرة ذات مغزى :
+
- آسر برضو ؟؟
3
دلف " وائل " للمصعد و وضع يداه في جيب بدلته و هتف بتسلية:
+
- قلتلك خليك مصدق كده .
+
ليبتسم " مؤمن " بخفة و يومأ برأسه ، ليُغلق المصعد بابه على هذا المشهد .
3
───────────────── ˖.˚⋆ .
+
أخذ الطبيب نفسًا عميقًا بعدما انتهى من الفحص، ورفع نظره إلى "جليل" الذي كان واقفًا بجواره بقلق، قائلاً:
+
- الحمد لله، مش حاجة خطيرة ، دا ضغط و إرهاق نتيجة ضغط أعصاب ، محتاجة ترتاح شوية.
+
أخذ "جليل" نفسًا عميقًا وابتسم بشكر للطبيب ، الذي بدوره أضاف قبل أن يرحل:
+
- خلي بالك منها، الراحة هي العلاج الوحيد دلوقتي ، لو احتاجت أي حاجة، اتصلوا بيا .
+
- حاضر، شكرًا يا دكتور.
+
أشار له " جليل " ليغادر برفقة الطبيب ، وقبل أن يغادر اقترب منها و قال بصوت هادئ ولكنه مليء بالتوتر:
+
- هروح الشركة دلوقتي، خلي بالك من نفسك.
+
أومأت " فاتن " برأسها بوهن ، فابتسم لها " جليل " و غادر .
+
لكن "جواد" الذي كان يراقب الموقف بهدوء، قرر التدخل وقال:
+
-أنا هقعد معاكِ النهاردة ، أنا مش هسيبك لوحدك إنتِ لسه تعبانة.
+
ابتسمت "فاتن" بشكل ضعيف وقالت برقة:
+
- لا يا حبيبي روح شغلك وأنا هبقى كويسة .
+
- خلاص خلي ست حنان معاكي النهاردة..
+
أومأت " فاتن " برفض ، وفجأة تدخل "مراد" الذي كان في الزاوية يتابع المشهد، وقال بنبرة فكاهية :
1
- إيه ده؟ أنا دكتور برضو ! متخافوش هقعد معاها .
+
ضحك الجميع قليلًا لكن "جواد" رد عليه قائلاً بنبرة ساخرة:
+
- إحنا مش خايفين غير عشان أنت اللي قاعد !
+
ثم ضحك الجميع، وعادت "فاتن" لتبتسم بوهن وقالت:
+
- مفيش داعي يولاد روح يا جواد شغلك ، هبقى كويسة يا حبيبي .
+
قبل "جواد" رأسها بحنان وقال:
+
- خلاص مش هتأخر ، هبقى أكلمك بقا ، ماشي ؟.
+
- ماشي يا حبيبي.
+
ثم توجه الجميع إلى الباب، وقالت "حنان" بابتسامة لطيفة:
+
- ألف سلامة عليك يا ست فاتن، ربنا يكمل شفاكِ على خير .
+
غادرت "حنان" ومعها بقية الخدم، بينما بقي "مراد" مع والدته و أخذ مكانه على طرف فراشها، وقال مازحًا:
+
- خلاص، أنا هنا متقلقيش ...
+
ابتسمت " فاتن " بوهن و أجابت بحنو :
+
- حبيب قلبي أنا كويسة عشان أنت جمبي.
+
أمسك " مراد " يد والدته برفق و لم يتخلى عن مزاحه حتى في أحلك اللحظات و هتف :
+
- ما تجوزيني يا ماما !!
2
أطلقت " فاتن " ضحكة بعدم تصديق ثم قالت :
+
- ياواد إنت بتعمل فيا كده ليه ؟؟
+
جمد " مراد " ملامحه و هتف ببراءة :
+
- هو أنا قلت حاجه حرام ؟! أصل لو مستنية جواد الأول فدا مطول.. أنا جاهز قدامك .
+
اختفت ضحكت " فاتن " تدريجيًا و اكتفت ببتسامه حنونه و قالت بعد أن شددت على يده بعُمق :
+
- ركز يا ابني على دراستك و أكلك و الجيم بتاعك و مشروع التخرج و نام بدري و أبعد عن الحب يا مراد .
6
قطب " مراد " حاجباه بعدم فهم و تسائل بتسلية :
+
- و أشمعنا الحب دا إلي أبعد عنه ؟؟
+
طالعت فيه " فاتن " للحظات ثم أخفضت نظرها و كأنها تتجنب لقاء تلك المشاعر مجددًا و قالت بعُمق :
+
- عشان مفيش حد دخل الحب قلبه إلا و أتعذب بيه .
+
تأملها " مراد " للحظات و لم يعلم ماذا يقول حيال نبرة صوتها و جديتها التي ظهرت في الحديث رغم كون سبب حديثه بالأمر هو المزاح لا غير ، لكن يظهر الآن أن الحُب سيأخذ تعريف جديد في قلبه ... تعريف لم يختبره من قبل .
1
───────────────── ˖.˚⋆ .
+
وقفت " هَـنا " أمام المرآه تُهندل ملابسها قبل الذهاب من المستشفى، خرجت من دورة المياه و إتجهت لغرفة " ليلى " طرقت الباب بخفة ثم فتحته بحذر لتدلف لداخل .
+
كانت " ليلى " جالسة على طرف الفراش بملامح هادئه واضعه بجانبها الحقيبة التي بها عبائة الصلاة ، فاهتفت " هَـنا " بقلق :
+
- إنتِ كويسه صح ؟
+
رفعت " ليلى " عيناها لها و أجابت :
+
- كويسة ، كويسة ، بس كنت بفكر في حساب المستشفى !
+
زمت " هَـنا " شفتاها بتفكير ثم قالت بابتسامة :
+
- مش مشكلة هخليه يتخصم من مُرتبي .
+
نهرتها " ليلى " هاتفه :
+
- لا طبعاً متعمليش كده هزعل منك !
+
لكن باء رجاء " ليلى " بالفشل إذ وجدت " هَـنا " تضع حقيبتها بجانب خاصتها و هي تهتف بإصرار :
+
- متشغليش بالك هروح بسرعه و أرجع.
+
ثم خرجت سريعاً وسط هتاف " ليلى " بإسمها لتوقفها، و لكن لم تنصت لها ، فهمست لنفسها :
+
- أول ما أقبض هرجعه ليها ، ربنا يصلح حالها يارب ، الحمد لله ليك يارب .
+
بينما " هَـنا " توقفت أمام مكتب الإستقبال و هتفت قائله :
+
- لو سمحتي عاوزة أعرف حساب الآنسه ليلى الي جت الطوارئ كام ؟
+
- لحظة لو سمحتي..
+
أومأت " هَـنا " رأسها في إنتظار لتجد الموظفة تسألها بعد بُرهة:
+
- ليلى سامي صح ؟؟
+
طالعت فيها " هَـنا " للحظات لم تكن مُتأكدة من الأسم لتُجيب بتردد :
+
- تقريباً آاه ، هي جت من يومين ، قالو أنها موظفة في مطعم...
+
و قبل أن تكمل " هَـنا " عبارتها قالت الموظفة بتوضيح :
+
- تبقى ليلى سامي ، و دي مدفعولها الحساب من أستاذ جواد الرفاعي ، مدير المطعم .
+
أومأت " هَـنا " برأسها لها بتفهُم ثم ابتسمت بخفة و قالت :
+
- تمام متشكرة جداً ، هي تقدر تطلع دلوقتي صح ؟
+
أومأت لها الموظفة بابتسامة و قالت :
+
- العفو ، آيوه تقدر تطلع .
+
و بعد تلك العبارة أنهت " هَـنا " تواجدها و إتجهت لغرفة " ليلى " و فور أن دلفت طالعتها " ليلى " بترقُب و قالت :
+
- يا بنتي إنتِ تعبتي نفسك ليه بس ؟؟
+
ابتسمت لها " هَـنا " بعدما اقتربت و حملت الحقائب و قالت :
+
- مفيش تعب و لا حاجه أصلاً قالولي مدير المطعم دفع الحساب .
+
طالعتها " ليلى " بتفكير ثم ابتسمت بخفة و قالت :
+
- ربنا يصلح حاله والله ، غيره كان ممكن ميهتمش.
+
أومأت لها " هَـنا " باتفاق ثم اقتربت منها تعقد ذراعهما معاً لتُساعدها للوقوف و هي تقول :
+
- تعالي يلا هنمشي ...
+
نهضت " ليلى " برفقتها ثم توقفت فجأة و تسائلت بعينان حزينه :
+
- أهلك مش هيضايقوا صح ؟
+
ابتسمت " هَـنا " بخفة و قالت :
+
- هو أنا مش بقالي ساعة بقنع فيكِ ! و بقولك مفيش غيري أنا و ماما ، و أخويا بيشتغل فمش معانا أصلاً ، و أختي متجوزة مش بتجلنا غير ساعة الكوارث ؟! و حكيتلك عن حارتي جلابة المصايب و عم منصور الطيب صاحب العمارة ، و عم سعيد صاحب أجمد سوبر ماركت في القاهرة و القطة " مستكة " هي و عيالها الأربعة ؟؟
2
ضحكت " ليلى " بخفة على عبارتها الأخيرة و قالت :
+
- أنا مش جاية غير عشان القطة " مستكة " دي ، ليه سمتيها الأسم ده ؟؟
1
- لا دي حكاية طويلة نحكيها في الطريق ، يلا عشان نلحق نوصل الحارة بدري قبل ما الدنيا تليل.
+
ابتسمت " ليلى " لها و تابعت الطريق معها خارج المستشفى ذراعاً بذراع و " هَـنا " لا تتوقف عن الحديث عن مغامرات حارتها و " ليلى " تنصت بشغف و قد واستها رفقة " هَـنا " كثيراً .
+
هبطا من سيارة الأجرة بعد نصف ساعة، واستقبلتهما الحارة بصخبها المعتاد ، كانت الأضواء البيضاء المعلقة بين المنازل العتيقة تُلقي ظلالًا متراقصة على الأرض، فيما امتلأت الأزقة بالأصوات؛ صوت أطفال يلعبون، وأم تنادي على ابنها من النافذة، وباعة متجولين يعرضون بضاعتهم.
+
أخذت "هَـنا" تسير بجانب "ليلى" تمسك بيدها لترافقها عبر الممرات الضيقة، بينما كانت تشرح لها عن كل شيء وكأنها مرشدة سياحية في عالم صغير خاص.
+
- بصي يا ليلى الحارة دي على قد ما هي قديمة ومليانة دوشة، بس ما أبدلهاش بأي مكان تاني ، كل واحد هنا ليه حكايته وكل حودة فيها حكاوي بتتقال في القهاوي.
+
ابتسمت "ليلى" وهي تنظر حولها، محاولة استيعاب كل التفاصيل الجديدة ، لم تكن معتادة على هذه الحيوية وهذا الكم من التفاعل بين الناس.
+
توقفت "هَـنا" فجأة عند مدخل زقاق صغير، وأشارت إلى مجموعة من القطط التي تتجمع حول طبق معدني صغير، وقالت بحماس:
+
- أهي "مستكة" وعيالها الأربعة !
+
نظرت "ليلى" نحو القطط، فوجدت قطة بيضاء صغيرة بعيون زرقاء تتقدم نحوها بحذر، بينما يتبعها أربع قطط صغيرة متشابهة، يلعبون ويدورون حول الطبق.
1
- "مستكة" دي أشهر قطة في الحارة! أول مرة شفتها هنا كانت مكسورة ومتخبية، ما حدش كان عايز يقرب منها، بس دلوقتي هي الملكة ! خدتها و راعتها و اهتميت بيها و الكل حبها وبقى يحطلها أكل.
+
ضحكت "ليلى" بخفة وسألت:
+
- ليه سميتها "مستكة"؟
+
ردت "هَـنا" بابتسامة عريضة:
+
- عشان لونها زي المستكة، أبيض صافي! وبعدين أول ما جت كانت هادية كده، فكرتني بطعم المستكة في الشربات... بسيطة ولطيفة.
1
ضحكت "ليلى" أكثر وهي تراقب القطط الصغيرة، ثم قالت:
+
- شكلها واخدة روح الحارة فعلاً، حتى عيالها أشقية زي الأطفال اللي هنا.
+
ابتسمت "هَـنا" تشير بيدها إلى زقاق آخر:
+
- تعالي أوريكي السوبر ماركت بتاع عم سعيد ، ده أكتر واحد يعرف كل حاجة عن كل الناس ، لو محتاجة أي حاجة، هتلاقيها عنده وحتى لو ما عندوش هيجيبهالك في نفس اليوم.
+
مرتا بجانب محل صغير يعج بالزبائن، ورجل مسن يقف خلف الكاونتر، يبتسم لكل من يمر فقالت " هَـنا " :
+
- ده عم سعيد، أشهر راجل في الحارة... السوبر ماركت بتاعه صغير، بس تحسي إنك بتشتري منه حاجات ومعاها حنية فوق البيعة.
+
ضحكت "ليلى" بخفة وهي تقول:
+
- شكله كده صاحب الحارة كلها.
+
- آه، حرفيًا ، مفيش حاجة بتحصل هنا إلا وهو عارفها، وبيمد إيده لأي حد محتاج... يلا نروح نجيب شاي بالنعناع، ده بيعمله أحلى من أي قهوة.
+
دلفتا إلى المحل الصغير، حيث وقف "عم سعيد" خلف الكاونتر بوجهه البشوش الذي تزينه التجاعيد وكأنه خريطة للحياة ، ابتسم فور أن رأى "هَـنا" وقال:
+
- يا أهلاً بالدكتورة اللي بتنور حارتنا !
+
ضحكت "هَـنا" وهي ترد عليه مازحة:
+
- دكتورة مرة واحدة يا عم سعيد؟
+
رد عليها بخفة وهو يرفع حاجبه:
+
- وست الكل كمان! ما إحنا مش لاقيين زيك يا بنتي، هو إحنا بنقابل ناس محترمة كتير كده؟
+
ابتسمت " هَـنا "بخجل و هتفت بعد أن أشارت على " ليلى " :
+
- وأهو جبتلك ضيفة جديدة للحارة "ليلى"صاحبة القطة مستكة دلوقتي رسميًا.
+
ابتسم "عم سعيد" وهو ينظر إلى "ليلى" وقال بحماس:
+
- أهلًا بيكِ يا بنتي... الحارة هنات كلها ناس طيبين، لو احتجتي حاجة دي أختك هَـنا قدامك.
+
أومأت "ليلى" بخجل وهي تقول:
+
- تسلم يا عم سعيد، والله الحارة شكلها كده مليانة ناس طيبة.
+
رد "عم سعيد" بفخر:
+
- آه والله يا بنتي، هنا في ناس على قد حالهم، بس قلبهم أوسع من الدنيا ، وإنتِ خلاص بقيتِ من أهل الحارة، اعتبري نفسك في وسط عيلتك.
+
- تسلملي يا عم سعيد .
+
ابتسم عم " سعيد " و هتف بمحبة :
+
- طالما جيتي و نورتي لازم تشربي الشاي بالنعناع من إيدي ..
+
أجابت " ليلى " بإعتراض:
+
- لا يا عم مش عاوز اتعبك ، كفاية مقابلتك الحلوة.
+
زم عم "سعيد " ملامحه و هتف بإصرار :
+
- أنا هنا محدش بيرفضلي طلب ، ما تقوليلها يا هَـنا ..
+
ابتسمت " هَـنا " و طالعت فيها و قالت بهدوء :
+
- آيوه فعلا محدش بيرفض طلب لعم سعيد فطالما قال هعملك يبقى تسمعي الكلام .
+
ابتسمت " ليلى " بخجل و قالت :
+
- خلاص الي تشوفوه .
+
───────────────── ˖.˚⋆ .
+
توقفت خطواته فجأة تأملًا لذلك الذي كان يدور حول منزله ، اقترب منه بنظرات سوداء جامدة كعادته، وخطوات ثابتة تنم عن حزم ، وحين اقترب بما يكفي، هتف بصوت حاد:
+
- بتعمل إيه هنا؟
+
اتسعت عينا "كريم" بفزع، ثم وجه بصره نحو المتحدث محاولًا الحفاظ على ثباته وهو يجيب:
+
- عمي سامي! هي ليلى مش هنا؟
+
اقترب "سامي" أكثر وملامحه تزداد تجهمًا، قبل أن يهتف بنبرة صارمة:
+
- وإنت مالك هي في أنهي داهية؟ تحب تلحقها ؟؟
+
ابتلع "كريم" ريقه بصعوبة، كم كان هذا الرجل فظًا وقاسي القلب ، حتى هو رغم قوته الظاهرة، يخشى الاقتراب منه ، قال بصوت متردد:
+
- مفيش... أنا بس قلقان عليها.
+
لم يرد "سامي" على الفور، بل مد يده ليمسك بكف "كريم" قبل أن ينتزعها بقوة ، حينها أبصر "كريم" خاتمًا في يده و الذي يعود له ، ثم رفع عينيه نحو "سامي" لكن الأخير سبقه بالكلام، بنبرة حادة:
+
- ما أنت لما بتقلق... بتعرف تتصرف بروح أمك.
+
اشتعلت نظرات "كريم" بالغضب المكتوم، وشد قبضته حول الخاتم وقال بصوت يحاول أن يبدو ثابتًا:
+
- يا عم، أنت فاهم الموضـ ....
+
قاطعه "سامي" بصوت مرتفع، مشيرًا بإصبعه نحوه:
+
- لا، أنا فاهمك أكتر مما أنت فاهم نفسك يا كريم ، عارفك و عارف حركات أمك الحمضانه دي ، متفكرش إني مغفل.
+
حاول "كريم" أن يتحدث لكن الكلمات لم تسعفه ، اقترب "سامي" أكثر وضع كفه الثقيل على كتف "كريم" ونظر في عينيه مباشرة، ثم أكمل بنبرة أهدأ لكنها أكثر تهديدًا:
+
- بص، أنا مبحبش أعيد كلمتي ، لو ليلى ليها علاقة بأي حاجة شِمال منك، أو حاولت تدخل حياتها بأي طريقة، صدقني روحكم أنتم الأثنين هسحبها بإيديا .
+
شد "سامي" قبضته على كتف "كريم" للحظة كأنه يريد تأكيد كلماته، ثم أضاف بابتسامة ساخرة:
+
- خلي المشي الشمال ينفعك... ولو شايف نفسك بطل، أبقى حاول تقرب من البيت تاني ، عشان المرة الجاية متكونش الرصاصة في رجلك ..
+
صمت لبُرهة و بنبرة كفحيح الأفعى أكمل :
+
- تكون في نفوخك .
+
ثم دفعه بخفة من على كتفه، متخطيًا إياه باتجاه المنزل فوقف "كريم" مكانه عاجزًا عن الرد، وكلمات "سامي" ترن في أذنيه كصفعة ثقيلة لا يستطيع استيعابها.
+
───────────────── ˖.˚⋆ .
+
- يا بت سبيني أنام بقا !!
+
هتفت " ميار " بإزدراء لريم التي بدورها أردفت :
+
- لا قومي متناميش ، أقعدي معايا ..
+
رفعت " ميار " رأسها من على الوسادة و لوحت بيدها و هي تقول :
+
- إنتِ ست متجوزة مش وراكي حاجه ، أنا عندي مدرسة حضرتك !
+
عقدت " ريم " ذراعيها أمام صدرها بحُزن مصطنع و كادت أن تُجيب لو أنها سمعت صوت " ريان " عائد من الخارج لتهتف بمرح :
+
- رياني جه ، خليكي نايمة يا بومة ، رايحه أشوف رياني .
+
ثم خرجت و أغلقت باب الغرفة، لتتجه بخطوات سريعه تجاه " ريان " الذي كان أغلق الباب و فزع من هتافات " ريم " فجأة ليُبصر الجهة القادمة منها بتحفز و ابتسامة على وجهها ، ليُطالعها بأعين مُتسعة حتى وقفت أمامه و هي تقول بتسلية :
+
- أنت جيت يا رياني ؟؟!
+
عقد " ريان " حاجباه بتحفُز و مال بجزعه للخلف قليلاً و هتف :
+
- عاوزة إيه دلوقتي؟؟
+
اجابته " ريم " بابتسامة واسعه :
+
- أصل البت بومة نامت عندها مدرسة الصبح و مش هتقعد معايا ، بس أنت أخويا هتقعد معايا صح ؟؟
+
طالعها " ريان " بذات التحفُز ثم قال ببساطة :
+
- والله أخوكي دا تعبان كمان و عاوز ينام عشان عنده مستشفى بكرا .
+
شدت " ريم " ملامحها و هتفت بإزدراء:
+
- أنتوا أخوات مش جدعين..
+
ضيق " ريان " عيناه و قال بمرح :
+
- إنتِ منيمه عيالك بدري عشان تفوقيلي ولا إيه ؟ ما تروحي تنامي جمبهم يا ست إنتِ !
+
و فور أن أنهى عبارته خطى من أمامها تجاه غُرفته و على وجهه ابتسامة ماكرة ، قبل أن تتوقف خطواته حين أمسكته " ريم " من ذراعه بعناد و هي تهتف :
+
- ماتبقاش أخ بومة بقا !!
+
و بحركة سريعه أمسك " ريان " ساعدها و جذبها لها و لف ذراعه حول عُنقها بحركة عنيفه بعض الشيء و هو يهتف :
+
- قولي تاني كده مين البومة ده ؟؟
2
بينما أنطلقت ضحكات " ريم " و هي تحاول التملص من ذراعه و تهتف باستنجاد:
+
- يا إبراهيم !! ألحقني .. يا إبراهيم
+
خرج " إبراهيم " من غرفتها سريعًا ليشهد عراك زوجته و شقيقها ليبتسم بتسلية و قال :
+
- يا ابني سيب مراتي في حالها بقا !
+
سحب "ريان" ذراعه من حول عنقها ثم جذبها خلف ظهره و هتف مُدافعًا :
+
- مراتك مين ؟ دي أختي يا عم !
+
أجاب "إبراهيم" بمرح :
+
- ما هي أختك و مراتي كمان .
+
أجاب "ريان" بغيره أخويه و هتف بتسليه :
+
- لا هيا طالما عندنا أختي بس ، و ملكش دعوة بيها !
1
اتسعت ابتسامة " إبراهيم " و طالع في "ريم" بنظرات بريئة :
+
- طب و عيالنا يا ريم !!
2
ألتفت لها "ريان" سريعاً بنظرات حادة و سألها :
+
- إنتِ خلفتي منه ؟؟
3
لم تتوقف "ريم" عن الضحك ، و هتفت من بين ضحكاتها :
+
- حصل .
+
أعاد "ريان" بصره لإبراهيم و هتف :
+
- بتقولك محصلش عاوز إيه بقا ؟؟
+
أطلق " إبراهيم " ضحكة بعدم تصديق ثم مد يده لها و هو يقول:
+
- طب تعالي أوريكي العيال إلي نايمين جوه ، شكلي طلبتهم أونلاين .
+
و قبل أن يرُد " ريان " سمعوا صوت باب الشقة يُفتح و تجلى أمامهم " علي " و شقيقه الأكبر " أحمد " بينما صمتت الأجواء للحظات، ليلتفت " علي " قدراً و يشهد تجمُع ثلاثتهم بهيئة غريبة ، ليهتف بتسلية :
+
- طب شكلي دخلت عليكم في وقت غلط !
+
ضحك ثلاثتهم بعفوية و أبتعد " ريان " عن الجمع أولاً و اتجه لوالده و عمه يبادلهم السلامات ، فخلت الساحة بين " ريم " و " إبراهيم " ليلتفت لها بنظرات ضيقة لتفزع " ريم " في حركتها و تتجه نحوهم و هي تهتف بسعادة تجاه عمها :
+
- عمو أخو أبويا .. واحشني والله.
+
تلقفها " أحمد " بين ذراعيه بعدم فهم و ابتسامة على وجهه وهو يقول بهدوء :
+
- مالك يا حبيبتي؟؟
+
كتم " إبراهيم " و " ريان " ضحكاتهم بينما اكتفى " علي " بابتسامة خفيفة و اتجه للأريكة.
+
تجمع خمستهم في صالة البيت و تبادلوا الضحكات بينهُم حتى أتت " فريدة " بصينة من المطبخ تحمل عليها أكواب العصير ليتناولها " ريان " من يد والدته سريعاً و يوزعها عليهم.
1
أستمر حديث ودي بينهم حتى هتف " علي " لإبراهيم قائلاً :
+
- إنت ماشي إمتى بكرا يا ابني ؟؟
+
تنهد " إبراهيم " قليلاً ثم أجاب :
+
- والله يا عمي الطيارة هتطلع ١١ الصبح إن شاء الله ، فهطلع ٩ إن شاء الله .
+
تدخل " أحمد " و هتف :
+
- توصل بالسلامة يارب ، و طمنا عليك لما توصل ..
+
ابتسم " إبراهيم " باحترام و قال :
+
- يارب اللهم آمين ، حاضر أكيد إن شاء الله..
+
وضع " ريان " يده على كتفه و قال :
+
- إن شاء الله ربنا يجعلها رحلة توفيق ، و ربنا يهدي على إيديك ناس كتير و تبقى في ميزان حسناتك يا حبيبي يارب .
+
- متحرمش منك يارب ، اللهم آمين ، النية موجودة و بسعى، و بسأل ربنا يتقبل .
+
بينما كانت تتابع " ريم " حوارهم بقلب مفطور على رحيله القريب ، فقد أخبرها بأنه أخبر عائلتها يوم التجمُع ، و أخبر والدتها بعد أن أختبرتهم ، فبات الجميع يعلم رحيله ، مستبشرين لهُ برحلة دعوية سالمة، أما هي و إن كانت أكثرهم فرحاً بهذه الرحله إلا أنها أكثرهم حُزناً و شوقاً على زوجها و رفيق دربها من الآن ، مدة غيابه التي لا تعلم عددها .
+
أفاقت من شرودها على حديث " ريان " الحنون :
+
- في الصحيحين عن سهل بن سعد رضي الله عنه عن النبي ﷺ أنه قال لعلي رضي الله عنه لما بعثه لخيبر : « فوالله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حُمر النعم » ، اللي هي الإبل الغالية جدًا وقتها وكانت رمز للغنى والثروة ،فالنبي ﷺ بيأكد قد إيه إن هداية الناس للدين عند ربنا أعظم وأفضل بكتير من أي حاجة دنيوية مهما كانت قيمتها كبيرة ، لو أنت مثلًا رحت لقرية أو ناس ودعيتهم لربنا، ولو واحد بس اهتدى بسببك، فالأجر اللي هتاخده عند ربنا أعظم من الدنيا كلها وما فيها .
+
ثم تنهد و تلا قوله تعالى :
+
- ( وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ )
+
ثم أردف بتوضيح :
+
- أحسن الناس هم اللي يدعوا غيرهم لربنا، يعلموهم الدين، ويوضحوا لهم الصح والغلط، ويصبروا على التعب اللي بيواجهوه في الطريق ده وكمان لازم يكونوا قدوة، يعني كلامهم يتوافق مع أفعالهم ما يقولوش حاجة ويعملوا عكسها ، الناس دي هم الرسل والأنبياء واللي بييجي بعدهم من العلماء الصالحين اللي بيمشوا على طريق الحق ، دول أنفع الناس للناس، لأنهم بيعلموا الخير ويدلوا الناس عليه، وده أعظم حاجة ممكن الواحد يعملها ..
+
ابتسم بهدوء و طالع " إبراهيم " و قال :
+
- و أنا أحسبك على خير يا أخويا ، و ربنا ينفع بيك و يجعلك مبارك أينما كُنت ..
1
ابتسم الجميع بمحبة لكلمات " ريان " و أجابت " إبراهيم " بتأثر :
+
- ربنا يصلح حالك و يبارك فيك يا ريان يارب ، و يكفيني دعائك ، و دعواتكم كلكم ربنا يتقبلها يارب .
+
ابتسم الجميع و حاوطوه بدعوات مُحبه بينما اجتمعت الدموع في عيون " ريم " و ارتسمت ابتسامة حانيه على ملامحها و كم تشعر بالفخر به ، و تحاوطه بمحبتها و خالص دعائها له .
+
───────────────── ˖.˚⋆ .
+
واصلتا " ليلى " و " هَـنا " السير بعد أن خرجا من بقالة عم " سعيد " حتى وصلا إلى مدخل مبنى سكني عتيق الطراز لكنه مُتماسك ، أشارت "هنا" إلى نافذة صغيرة في الطابق الثاني وقالت بفخر:
+
- أهو ده شباك أوضتي، هتشوفيه في الصبح مليان عصفير حواليه، عشان دايمًا بحط لهم شوية عيش هناك.
+
كانت "ليلى" تنظر حولها بدهشة، محاولة أن تستوعب هذا العالم المختلف تمامًا عن عالمها ، شعرت بدفء غريب يتسلل إلى قلبها، ربما بسبب حماس " هَـنا" أو بسبب بساطة الناس من حولها.
+
ابتسمت "ليلى" وهي تحاول مواكبة حماس "هَـنا":
+
- شكل الحارة حلو فيها دفا كده.
+
أجابتها "هَـنا" بابتسامة عريضة :
+
- الحارة بتاعتنا دي آمن حارة في المنطقة ، الحتت الي بعيد عن كده سمعتهم مش في النضيف .
+
- بحب طريقة كلامك أوي .
+
قالتها " ليلى " بخفة لتبتسم " هَـنا " خجلاً و هي تقول :
+
- حبيبي، تعالي بقى كده هتشوفي عم منصور واقف على الباب كالعادة.
+
وفعلًا، لم يكد تمر لحظات حتى وصلتا إلى مدخل العمارة، حيث كان يجلس رجل في الستينيات من عمره على كرسي خشبي، يمسك مسبحة في يده وينظر إليهما بحنو.
+
هتف "عم منصور" فور أن أبصر " هَـنا " بابتسامة كبيرة:
+
- يا مرحب يا مرحب بالدكتورة .
+
أجابت " هَـنا " بابتسامة عريضة :
+
- السلام عليكم يا عم منصور .
+
- و عليكم السلام ورحمة من الله وبركاته يا بنتي .
+
ألتفت " هَـنا" صوب " ليلى " وهي تمسك بيدها :
+
- دي ليلى يا عمو هتقعد معانا كام يوم كده .
+
ابتسم "عم منصور" وقال بود:
+
- البيت بيتك يا بنتي، لو احتاجتي حاجة قولي.
+
ردت "ليلى" بخجل:
+
- ربنا يخليك يا عم منصور.
+
أمسكت "هنا" بذراع "ليلى" مرة أخرى، وهمست لها:
+
- يلا بينا، هتشوفي ماما دلوقتي، هتحبك على طول.
+
صعدتا السلالم سريعاً فسألتها " ليلى " :
+
- هو إنتِ ليه بتعرفيني على إلي هَـنا ؟ يعني أنا أكيد مش هطول عندكم .
+
ألتفت لها " هَـنا " التي كانت تتقدمها في الصعود و أجابت :
+
- عشان يبقوا عارفينك في أي حتة تروحيها ، و محدش يتعرضلك ، أصل الكل هنا عارف بعضه .
+
ثم توقفت عن الصعود و ألتفت لها و قالت بمرح :
+
- و طالما أسمك وصل لعم سعيد و عم منصور يبقى إنتِ اتشهرتي.
+
ضحكت " ليلى " على قولها الأخير بينما أكملا صعود لأعلى ، عندما وصلا إلى شقة " هَـنا " فتحت الباب بحماس وقالت بصوت عالٍ :
+
- يـــا مـــامــــا أنا جيـــــت ..
+
ظهرت والدة " هَـنا" من المطبخ ، وهي سيدة تبدو في أواخر الأربعينيات، ترتدي ملابس بسيطة ووجهها يشع طيبة نظرت إلى "ليلى" بابتسامة واسعة وقالت:
+
- أهلًا وسهلًا يا بنتي، نورتينا.
+
ردت "ليلى" بأدب:
+
- ربنا يخليكي يا طنط، متشكرة جدًا.
+
دخلت "ليلى" الشقة خلف "هَـنا" بخطوات مترددة، بينما الأم تسحبها إلى الداخل بلطف قائلة:
+
- تعالي يا حبيبتي، البيت بيتك، اعتبريه بيتك من النهارده.
1
ابتسمت "ليلى" بخجل وهي تنظر إلى الشقة البسيطة، لكنها دافئة ومليئة بتفاصيل صغيرة تدل على حياة أسرية حقيقية.
+
كانت الحوائط مزينة بإطارات لآيات من القرآن، وطاولة صغيرة في المنتصف ، فأشارت الأم نحو الكنبة وقالت:
+
- اقعدي يا بنتي ارتاحي، أكيد اليوم كان طويل عليكي.
+
جلست "ليلى" وهي تنظر إلى "هَـنا" التي بدأت تنظم حقائبها في زاوية قريبة، ثم التفتت الأم إلى "هَـنا" وقالت:
+
- انتي كمان يا بنتي روحي غيري هدومك وارتاحي، وأنا هغرف الأكل و أحطه .
+
ردت "هَـنا" بابتسامة واسعة:
+
- حاضر يا ماما، بس الأول أوري ليلى أوضتي عشان ترتاح.
+
أمسكت "هَـنا" بيد "ليلى" وقادتها إلى غرفة صغيرة لكنها مرتبة بعناية ، كانت الحوائط مطلية باللون السكري ، وستائر وردية خفيفة تُزين النافذة الصغيرة، وعلى أحد الأرفف تراصت مجموعة من الكتب والروايات التي يبدو أنها قرأت معظمها.
+
- أهي دي أوضتي ، بسيطة بس بحبها .. و السرير ده ليكي النهارده، وده سريري أنا ، لو عاوزة أي حاجة قوليلي.
+
لم تستطع "ليلى" أن تمنع نفسها من الابتسام وهي تنظر إلى التفاصيل الصغيرة في الغرفة، من الصور المُلصقة على الحائط إلى دفتر صغير مفتوح على الطاولة بجانب الفراش .
+
- أوضتك مريحة جدًا يا هَـنا ، حسيت براحة من أول ما دخلت.
+
ردت "هَـنا " بحماس و لُطف :
+
- الحمد لله، المهم إنك ترتاحي ، بس خلي بالك أول ما تنامي ممكن تسمعي صوت "مستكة" بتخربش على الشباك، بتحب تيجي تسلم علينا بالليل.
+
ضحكت "ليلى" بخفة وقالت :
+
- مستكة مش بتسيبكوا في حالكم صح؟
+
- أبدًا ! دي بنتي دي ، و فرد من العيلة ، لو ما ظهرتش يوم بنبقى قلقانين عليها.
+
قطع حديثهما صوت الأم من الخارج وهي تنادي:
+
- الأكل أتحط يا بنات أطلعوا يلا !
+
- حاضر يا ماما ..
+
هتفت " هَـنا " لوالدتها، لتلتفت " ليلى " تجدها تُطالع مجموعة الكتب خاصتها فاقتربت منها و قالت :
+
- بتحبي الكتب و الروايات ؟؟
+
ألتفت لها " ليلى " وابتسمت قائلة :
+
- آيوه جدًا ، نفسي أشتريهم ، بقرأ ألكتروني بس .
+
- أيوه فهماكي، عمومًا في روايات و كتب هنا كتير ممكن تقرأي إلي عوزاه .
+
اقتربت " ليلى " منها وضمتها بمحبه و قالت :
+
- شكرًا ، شكرًا أوي يا هَـنا ، جميلك دا هشيله طول عمري .
+
بادلتها " هَـنا " العناق و قالت بمودة :
+
- متقوليش كده ، إحنا هِنا عشان نساعد بعض .
+
و في تلك الأثناء سمعتا صوت طرقات على باب الشقة لكن لم يعيراه أنتباه حتى سمعت " هَـنا " بعد لحظات نداء والدتها:
+
- أخوكي جه يا هَـنا !
+
قطبت " هَـنا " حاجبيها بتعجُب و تسائلت هي تتجه للخروج من الغرفة :
+
- إيه ده ! جه دلوقتي ليه ؟؟
+
خرجت و استقبلت شقيقها الذي تعجب حالتهم فسأل بصوت خافت :
+
- في حاجه ولا إيه ؟
+
أجابت الأم بتوضيح :
+
- مفيش ، دي صاحبة هَـنا جاية تقعد معاها كم يوم .
+
أومأ برأسه بتفهُم ليهتف قائلاً :
+
- طب خلاص أمشي أنا بقا .
+
لتمنعه الأم هاتفه :
+
- لا خلاص طالما جيت أقعد كُل معانا لقُمة .
+
بينما دلفت " هَـنا " لـ " ليلى " و قالت :
+
- معلش أخويا مكنش عارف إنك هِنا ، هيتعشى معانا و هيمشي علطول .
+
- لا لا خدوا راحتكم ، متعملوش حاجه عشان أنا موجودة .
+
ابتسمت " هَـنا " لها و امسكت بكفها و قالت :
+
- طب يلا عشان نتعشى سوا .
+
سارت معها " ليلى " حتى خرجا من الغُرفة و سألتها " هَـنا " :
+
- بتحبي محشي الكوسة ؟ أصل ماما عمـ ...
+
و لكن توقفت كلماتها حينما توقفت خطوات " ليلى " فجأة و شدت على قبضتها عندما أصبحا في منتصف الصالة ، ألتفت لها " هَـنا " لتجد أنها جحظت بصرها لأحد الجهات فالتفت لتجد أن الجهة هذه ليست سوى جسد شقيقها.. و الذي تصنم بدوره فور رؤيتها .
+
خرجت والدة " هَـنا " من المطبخ و لم تنتبه لما يحدث فهتفت لـ " ليلى " :
+
- دا حسام إبني ، تعالي متتكسفيش.
+
لكن توقفت فجأة حين سمعت صوت " ليلى " المبحوح تمنع دموعها من الهروب و هي تقول :
+
- هـــــو أنـــــت !!!!
+
───────────────── ˖.˚⋆ .
+
يـُــتــبــع ᥫ᭡ ˖.˚⋆. . . .
+
───────────────── ˖.˚⋆ .
+
إهداء إلى 'ندى' لا خلت الأيام من دعمك ومحبتك لي ، كل حرف أكتبه هو امتنان لوجودك في حياتي ، شكرًا لأنك الصديقة المُرافقة لقلبي .
+
─────
+
و السلام على قلوبكم .
سُهى الشريف
+
