اخر الروايات

رواية شيخة القبيلة الفصل الثاني عشر 12 بقلم رانيا ممدوح

رواية شيخة القبيلة الفصل الثاني عشر 12 بقلم رانيا ممدوح



                                              
توقف صقر عن التنفس للحظة، وعيناه تثبتتا على القادم.
كان رجلًا في بدلة رمادية أنيقة، قميص كحلي داكن ينساب تحتها، خطواته واثقة، وكتفاه مشدودتان في اعتداد. ملامحه حادة، يبرز خط الفك القوي مع الذقن البارز بوضوح، وكأن وجهه منحوت من صخر.

1


لم يكن في حركته شيء من التردد، بل بدا كأنه يعرف مكانه بين المقاعد قبل حتى أن يراه، وعيناه تجولان بهدوء في أرجاء المدرج، دون أن يرمش أو يتعثر.

+


جلس في الصف الأمامي، وضع حقيبته الجلدية بجانبه، ثم أخرج دفترًا وألقى نظرة سريعة على المكان.

+


شعر صقر بوخزة غريبة في صدره… لم يكن يعرف لماذا، لكن شيئًا ما في هذا القادم جعل كل حواسه تتأهب، وكأن هناك سرًا ثقيلًا يرافقه.

+


وفي داخله، بدأ يهمس لنفسه:
"هو ده… بدر الحمداني؟"

+


بدأ الأستاذ الجامعي حديثه بصوت رتيب وهو يكتب على السبورة، يشرح نظرية معقدة عن التحليل المقارن في سياق المادة، بينما أصوات أقلام الطلبة تخط على دفاترهم.

+


لكن صقر… لم يكتب كلمة واحدة.
كان جسده في مقعده، لكن عينيه معلقتان على الرجل الجالس في الصف الأمامي… بدر.
كل حركة، كل ميل خفيف برأسه، كل طريقة يرفع بها يده ليعدل ياقة قميصه… كانت تشد صقر أكثر مما تشده أي معادلة أو فكرة على السبورة.

1


وبينما يظن الجميع أن بدر يحدق إلى الأمام باهتمام، كانت عيناها  خلف قناعها الجديد تلتقطان كل ومضة من نظرات صقر. تشعر بها تلامس كتفيها، تنفذ من خلف رأسها، وتثقل الهواء المحيط بها.

+


نبضها لم يسرع، لكنها كانت متيقظة… مستنفرة.
كانت تعرف يقينًا أن صقر لم يلتفت عن مراقبتها منذ جلست.
أما هي، فظلت ملامحها ثابتة، لا تومئ ولا تبتسم، وكأنها صفحة حجرية، بينما في داخلها تدور حسابات دقيقة: 
"بيبص عليا كده ليه ؟ هو عرفني ؟ و لا شاكك في شكلي بعد كل ده ؟ "

+


الأستاذ يواصل الشرح، الأرقام والمعادلات تتطاير في الهواء، وصقر لم يسمع منها شيئًا… كل ما كان يراه هو هذا الرجل الغريب، الذي في حضوره شيء مألوف، وشيء لا يريد أن يفارقه.

+


ما إن أعلن الأستاذ انتهاء المحاضرة، حتى نهضت بدر بسرعة محسوبة، جمعت أوراقها في حركة واحدة، وخرجت بخطوات ثابتة لا تلتفت خلفها، وكأنها تهرب من شيء تعرف أنه يلاحقها بعينيه.

+


صقر ظل جالسًا للحظة، يتابعها وهي تشق طريقها بين المقاعد نحو الباب، ثم اختفت من مجال رؤيته. شيء في صدره انقبض، لكنه لم يتحرك… لم يرد أن يبدو متعجلًا.

+


أما بدر، فكانت قد عبرت الممرات الطويلة للكلية حتى وصلت إلى مكتب رئيس القسم، ماركو. طرقت الباب ثلاث طرقات قصيرة، ثم دخلت دون انتظار الإذن، بابتسامة رسمية لكنها مشوبة بلهجة جدية:
"صباح الخير يا دكتور ماركو، أنا بدر الطالبة عند حضرتك ،عندي موضوع مهم لازم أناقشه معاك… على انفراد."

+



                                      


                
رفع ماركو رأسه من فوق أوراقه، نظر إليها من خلف نظارته بإمعان، ثم أشار لها بالجلوس:
"تفضل… واضح إن الأمر عاجل."

+


جلست بدر، مسندة ظهرها إلى الكرسي، ووضعت حقيبتها بجانبها بعناية، نظراتها مركزة على ماركو… كأنها تستعد لوضع حجر أول في خطة أكبر بكثير مما يبدو.

+


كان المكتب غارقًا في هدوء ثقيل، وأشعة الشمس تتسلل من النافذة الكبيرة خلف ماركو، تلقي بخطوط ذهبية على أوراقه المبعثرة. جلست بدر في المقعد أمامه، لكنها لم تستند تمامًا، وكأن جسدها في حالة تأهب دائم.

+


رفع ماركو حاجبيه، وقد لاحظ تلك الصرامة الغريبة في ملامحها رغم أناقتها الرسمية الرجالية:
"تفضلي، يا بدر… أو… أعتقد لازم أناديك باسمك الحالي المناسب لهذه الملابس."

+


ابتسمت بدر ابتسامة باهتة، لكن عينيها ظلتا جادتين:
"خليك تقول بدر… حتى لو شكلي ما بيقولش كده."

+


اتكأ ماركو للخلف، يراقبها بنظرة فاحصة:
"واضح إن الموضوع أكبر من مجرد تغيير مظهر علشان دور في مسرحية أو تدريب جامعي."

+


تنهدت بدر، وأخفضت نظرها للحظة قبل أن ترفعه من جديد بثبات:
"أنا… مش هنا علشان أهرب من دراسة أو ألعب دور. أنا مضطرة أعيش بهوية جديدة… علشان حياتي في خطر."

+


تغيرت ملامح ماركو، وارتسمت على وجهه مسحة قلق حقيقية:
"حياتك في خطر؟ من مين؟ وليه؟"

+


ابتلعت بدر ريقها، كأنها توازن بين ما يمكن قوله وما يجب كتمانه، ثم قالت بصوت منخفض لكنه واضح:
"بلدي… قبيلتي… هناك خلافات قديمة وسياسة قذرة. أنا… أنا مش مجرد طالبة عادية،يا أستاذ ماركو. في بلدي، أنا الوريثة الشرعية لزعامة القبيلة… لكن في ناس شايفين إني ما أستحقش، أو لازم أختفي للأبد."

+


ظل ماركو صامتًا، مرفقاه على المكتب ويداه متشابكتان أمام فمه، عيناه مثبتتان عليها:
"يعني فيه احتمال إنهم يلحقوكِ لهنا؟"

+


أومأت بدر ببطء، وارتجفت أنفاسها قليلًا وهي تكمل:
"احتمال كبير. وصلتني معلومات إن في ناس اتبعتوا… وأنا مش عارفة وجوههم، بس عارفة إنهم يعرفوا وشي كويس. لو شافوني… يمكن ما ألحقش حتى أشرح."

+


رفع ماركو حاجبًا واحدًا، وصوته صار أكثر جدية:
"والتنكر ده… إنتِ واثقة إنه كافي يحميكي؟"

+


ابتسمت بدر هذه المرة ابتسامة حزينة، ملامحها تعكس خليطًا من الثقة والمرارة:
"مش بس كافي… هو فرصتي الوحيدة. المجسم، القناع، الشعر… كل حاجة مدروسة. حتى المشية والصوت. دلوقتي، في عيون أي حد، أنا راجل اسمه بدر الحمداني… مش البنت اللي عايزين يقتلوها."

+


أطرق ماركو للحظة، ثم قال وهو ينظر إليها بعينين تلمعان بالتحذير:
"لكن يا بدر، العيش بهوية غير هويتك… له ثمن. هتضطري تلبسي القناع طول الوقت، حتى لما يكون ما فيش حد بيراقبك. هتتحولي لشخصية تانية، وتنسي نفسك الحقيقية و ده في حد ذاته شئ مرهق جدا ، ايه في الدنيا يستاهل تعملي في نفسك كده؟."

+



        

          

                
ارتجفت شفتا بدر قليلًا، لكنها تماسكت:
" قبيلتي و أهلي و ناسي كل دول يستاهلوا ، لازم أفكر بنفسي في الاخر أو ممكن مفكرش في نفسي خالص ،أنا عارفة إن الموضوع يبدو غريب… بس لو الثمن هو إني أعيش و الكل يعيش معايا… فأنا مستعدة أدفعه بكل حب."

+


ظل الصمت يملأ الغرفة لثوانٍ، لا يُسمع سوى عقارب الساعة. ماركو مد يده ببطء يداعب لحيته، وكأنه يوقّع اتفاقًا غير مكتوب:
"لو ده قرارك… فأنا هساعدك تحافظي عليه. بس لازم تبقي أذكى من أي حد بيدور وراكِ."

+


رفعت بدر رأسها، وفي عينيها بريق لم يختفِ رغم كل الخوف:
"ده بالظبط اللي ناوية أعمله."

+


كان ماركو ما زال يراقبها بعينين نصف مغلقة، وكأن كل كلمة منها تنقش في ذاكرته. بعد لحظة من الصمت، تنهد وأدار كرسيه قليلًا للجانب، ثم عاد لينظر إليها مباشرة، وصوته انخفض لكنه صار أكثر دفئًا وحزمًا في آن واحد:

+


"خلاص يا بدر… متقلقيش. أنا هساعدك قدام الكل ، و محدش هيكتشف السر ده."

1


رفعت حاجبيها بدهشة خفيفة، وبدت في عينيها لمعة امتنان، لكنه أكمل قبل أن تتكلم:
"عارفة إن المفروض ما فيش راجل اسمه بدر مقبول هنا في القسم… القواعد واضحة. لكن طالما الأمر يحتمل حياة أو موت، يبقى الموضوع أكبر من القوانين. وأكبر من أي لائحة."

+


تنفست بدر بعمق، وكأن الكلمات فتحت لها نافذة هواء وسط غرفة مغلقة، لكنها ظلت متماسكة، تنظر إليه بثبات:
"أنت مش فاهم قد إيه ده فرق معايا."

+


أومأ ماركو ببطء، ملامحه لا تزال جادة:
"فاهم أكتر مما تتخيلي. من النهاردة… أنا مش بس أستاذك، أنا حارسك قدام أي حد يحاول يشك أو يقترب منك و يظن إنك مش بنت."

+


في تلك اللحظة، أحست بدر أن الخطر لم يختفِ، لكنه صار على الأقل أقل وحشية… لأن هناك من قرر أن يقف في الصف نفسه.

+


كانت بدر تدرك أن كلماتها أمام ماركو لم تكن الحقيقة كاملة، بل مزيجًا محسوبًا من الصدق والاختلاق. لم يكن في نيتها أن تروي له أسرار قبيلتها أو الصراعات التي تشتعل بعيدًا عن أسوار الجامعة، لكنها كانت مضطرة أن تلوِّن الحكاية بخطرٍ أكبر مما هو عليه، حتى تمنحه سببًا وجيهًا ليتجاوز القوانين الصارمة.

+


في أعماقها، شعرت بوخز الضميرفهي لم تحب يومًا الكذب، خاصة على من يمد لها يد العون لكنها رأت أن الأمر ليس كذبًا بقدر ما هو حماية لنفسها وخطتها. كان هذا القناع، وهذه الحكاية، جدارًا لا بد أن يُبنى الآن، حتى تنجو.

+


رفعت بصرها إلى ماركو وهي تتحدث، ملامحها جدية، وصوتها يقطر إصرارًا: لقد صدّق، وهذا ما كانت تحتاجه. أما الحقيقة، فستبقى في مكان آخر… بعيد عن هذا المكتب الإيطالي المضاء بنور باهت.

+


نهضت بدر من مقعدها ببطء، وعيناها تلمعان بشيء من الارتياح الممزوج بالحذر. ابتسمت لماركو ابتسامة ممتنة، رغم أن قلبها ما زال يخفق بسرعة من وطأة الحديث. قالت بصوت ثابت:
"شكرًا يا ماركو… أنت ما تعرفش قد إيه دي مساعدة كبيرة بالنسبة لي."

+



        
          

                
أومأ ماركو برأسه، وملامحه تحمل مزيجًا من الجدية والتفهم:
"امشي دلوقتي وركزي على تمثيل الدور… والباقي عليّ."

+


دفعت بدر الباب برفق، لكن ما إن انغلق خلفها حتى تجمدت في مكانها. أمامها مباشرة، على بُعد خطوة واحدة، كان صقر واقفًا، ظهره مستند إلى الجدار، وعيناه مثبتتان عليها بثبات حاد.

1


لم ينطق أحدهما بكلمة، لكن الهواء بينهما كان مشحونًا بنظرات طويلة، نظرات تُشعل الأسئلة في الصمت، وتزرع الترقب في كل نبضة قلب.
كانت عينا صقر تتفحصها كأنه يحاول اختراق القناع ورؤية من تحته، بينما حافظت بدر على رباطة جأشها، تحدق فيه بنفس الثبات، حتى صار الصمت أكثر ثِقَلًا من أي حديث.

+


تجمدت بدر لثوانٍ وهي تشعر بحرارة نظرات صقر تخترقها، لكن لم تدع شيئًا يظهر على وجهها. مرت بجانبه بخطوات هادئة، متعمدة ألا تلتفت.

+


في داخلها، كانت العاصفة تدور:
"يا ترى… هو كان واقف هنا من إمتى؟ هل سمع اللي دار بيني وبين ماركو جوا؟ لو سمع… يبقى نص الخطة في خطر. ولو ما سمعش… ليه بيبصلي بالشكل ده؟"

1


ضغطت على أسنانها قليلًا وهي تواصل السير، تحاول إقناع نفسها أن الأمر مجرد صدفة، لكن إحساسها كان يهمس بعكس ذلك… وأن صقر لم يكن مجرد مُصادف لوجودها هناك.

+


كانت بدر على وشك أن تخطو خارج الممر حين اخترق صوته الأجواء من خلفها، عميقًا وهادئًا لكنه مشحون بمعنى خفي:

+


"مش تسلم على بلدياتك يا بدر؟ و لا عامل مش عارفني."

+


توقف الزمن للحظة في أذنيها، وتيبست أصابعها على مقبض الباب. التفتت ببطء، ملامحها تحاول الاحتفاظ ببرود متعمد، بينما قلبها يخفق بشدة.

+


نظرت إليه، كان واقفًا متكئًا على الجدار، ذراعاه متشابكتان، وعيناه تتفحصانها بدقة وكأنه يزن كل حركة وكل نفس. ابتسم ابتسامة جانبية، لا تُفصح عما يدور في ذهنه، لكنها توحي أنه يعرف أكثر مما ينبغي.

+


ابتلعت ريقها قبل أن ترد بصوت متماسك:
"أكيد… بس شكلها مش أحسن لحظة. وقت تاني إن شاء الله."

+


ثم أعادت يدها إلى مقبض الباب، وهي تتساءل في أعماقها إن كان ما قاله مجرد تحية… أم اختبارًا.

+


لم تكن قد أغلقت الباب بعد حتى سمعته يخطو خلفها بخطوات هادئة، ثقيلة، كأنها تدق على قلبها قبل الأرض.

+


كانت بدر ترتعش من الداخل، شعرت ببرودة غريبة تسري في عروقها، لكنها حاولت أن تحافظ على هدوئها الظاهري، رغم أن يدها ترتجف قليلاً فوق مقبض الباب.

+


التفتت ببطء، فوجدته واقفًا على بعد خطوات قليلة، وجهه متجهم قليلًا، وعيناه تخترقانها كما لو كان يقرأ أسرارها.

+


قال بصوت منخفض لكنه واضح:
"ليه بتخبي عني؟"

1


لم تستطع الرد، وكانت الكلمات حبيسة في حلقها، وكل ما تريده الآن هو أن تختفي من أمامه، لكن قدرك أحيانًا لا يترك لك هذا الخيار.

+



        
          

                
تبادلا النظرات الحادة، مشحونة بالتوتر والكلمات غير المنطوقة، وكأنهما في ساحة معركة لا يُسمح فيها بالضعف. وقفت بدر بثقة، عينيها تلمعان بثبات لا ينكسر، تحدق في صقر الذي كان يقف أمامها بكل ثقته المتراكمة عبر السنوات.

+


قالت بدر بنبرة مباشرة، تحمل تحديًا وتوقعًا، وكأنها تريد أن تقيس قوة هذا اللقاء بعد طول غياب:
"بخبي عنك إيه؟"

+


ابتسم صقر ابتسامة شبه ساخرة، لكنه في عينيه كان هناك شيء أكثر من مجرد استهزاء، كان هناك فضول ممزوج بشيء من الإحباط:
"مش قصدي بتخبي عني، قصدي بتتهرب مني."

+


ارتفعت حاجبا بدر، ونظرت إليه بنظرة تحاول أن تقيس مدى جدية كلامه، ثم نطقت بسؤال يحمل تحديًا وحرارة:
"إنت نسيت أنا مين؟"

+


توقف صقر للحظة، ثم أجاب بثقة متينة، صوته محمّل بذاكرة اللحظة التي لم ينساها أبداً:
"لأ طبعا، حد ينسى بدر الحمداني؟ من أول نظرة عرفت إنه إنت."

2


ردت بدر بابتسامة حادة، تلمح فيها المراوغة، وسخرية الخبير الذي يعرف مدى تأثير كلماته:
"عندك الحاسة السادسة ولا إيه؟ و لا بقيت ساحر و لا مشعوذ."

+


تقدم صقر خطوة نحوها، ونظر إليها من أعلى رأسها حتى أخمص قدميها، عيناه تحاولان التقاط كل تفصيلة في مظهرها الجديد، لكن وجهه حمل ملامح عدم الرضا الصريح، كأنه يقول إن ما يراه لا يرقى لتوقعاته:
"شكلك مش عاجبني، مفتكرش فيه بنت تعبرك وتبصلك."

+


ضحكت بدر ضحكة قصيرة لكنها مشحونة بالتحدي، وصرخت بنبرات حازمة، لا تقبل الاستهانة ولا التهوين:
"أنا مش جاي هنا علشان البنات تعجب بيا، جاي عشان أتعلم وأرجع أروق عليك إنت وأبوك زي ما أبويا كان بيعمل دايمًا."

4


صمت صقر للحظة، وعيناه تلمعان بمزيج من التعجب والريبة، فهو يرى في كلماتها صلابة لم يعهدها، لكنها في الوقت ذاته تحمل عبء التاريخ، ومهمة لم تكتمل بعد.

+


في ذلك الصمت، بدا وكأنهما يعيدان قراءة صفحة لم تُكتب بعد في قصة معقدة، صفحة تحمل مزيجًا من الغضب، التحدي، والآمال التي لم تمت. كل منهما يعرف أن هذه المواجهة ليست مجرد لقاء عابر، بل بداية لصراع أكبر بين إرادتين لا تستسلمن.

+


تقدم صقر بخطوة وامتلأ وجهه بابتسامة ماكرة تعكس ثقة مبطنة لا تخلو من تحدٍ صريح، وكأنه يستنطق الماضي في لحظة المواجهة هذه، مستعيدًا ذكريات لم تندثر رغم مرور الزمن. نظر إلى بدر بحدة، وعيناه تتوهجان بتلك الشرارة التي يعرفها من كان يومًا خصمًا أو منافسًا، ثم قال بصوت خافت ولكنه ثقيل بالمعنى:
"ممممم ماشي، ادينا عايشين، وهنشوف مين هيروق على التاني يا بدر."

1


ومضى قائلاً بنبرة فيها استهزاء وتحدٍ يختلطان بذكريات لا تنسى:
"بس ياريت ما تنساش لما سيفي كان على رقبتك الحلوة دي."

1



        
          

                
في تلك اللحظة، مد يده ببطء نحو أسفل أذنها، تلك الحركة التي كانت تمثل رمزًا للسيطرة والتذكير بالهيمنة القديمة. لكن بدر، التي لم تكن تلك الفتاة الصغيرة التي يعرفها، كانت كالنار التي لا تقبل الاقتراب منها، فبعثرت تلك اليد بصرخة صامتة من القوة والعزم.

+


بقوة غير متوقعة، أبعدت بدر يد صقر بحدة لافتة، كأنها ترفض كل ما كان يرمز إليه ذلك اللمس، وكأنها تقول بلا كلمات: "ابتعد." كانت الحركة مفاجئة، صادمة لصقر الذي لم يعتد أن يُرفض بهذه الطريقة، وكانت نظراته تعكس مزيجًا من الاندهاش وعدم التصديق، عينيه تتسعان وكأنه يلتقط صورة جديدة لها لم تكن متوقعة.

+


ردت بدر بنبرة حازمة لا تعرف التراجع، عينان مليئتان بالنار، وكلمات تحكي تاريخًا جديدًا:
"اوعى تفكر تلمسني تاني، وده كان زمان. أنا كبرت وبقيت راجل أقدر أقف قدام عشرة زيك ، و أقدر أعرفك تمامك."

+


في تلك اللحظة، لم تكن مجرد كلمات تنطق بها بدر، بل كانت إعلانًا صريحًا عن تحول، عن انتفاضة الروح، وعن صناعة جديدة لصقر لم يكن يتوقعها. كانت عيناه تلتقيان بنظراتها، محاولًا استيعاب ذلك التحول في جسد وروح كانت تعرفها ذات يوم.

+


كانت بدر الآن أقوى، أكثر ثقة، وأكثر استعدادًا لمواجهة العالم كله، وخاصةً ذلك الرجل الذي كان يظن أنه قادر على التحكم بها كما في الماضي. أما صقر، فقد وجد نفسه أمام حقيقة صادمة: لم تعد تلك الفتاة الصغيرة التي كان يظنها، بل أصبحت خصمًا لا يُستهان به، ذا شخصية حازمة وعزيمة لا تلين.

2


وبين الصمت الذي تلا تلك الكلمات، بقيت الأجواء مشحونة بالتوتر، وكأن كل كلمة وُجهت بمثابة رصاصة محكمة الاستهداف في صراع طويل لم ينته بعد.

+


لم يعرف صقر ماذا يقول، فقد تجمدت كلماته في حلقه، وأحس بثقل غير متوقع يثقل صدره. كانت نظرات بدر الغاضبة تحدق فيه بلا هوادة، تحمل بين طياتها شعلة من الغضب المشتعل، وقوة لا تلين. كان تنفسها السريع يتصاعد كأنه نداء تحذيري، يملأ الأجواء بتوتر مشحون.

+


وقف صقر مصدوماً، غير قادر على تفسير رد فعلها المبالغ فيه، كأنها ترفض مجرد فكرة اللمس تلك بكل ما تملك من عزم. نظراتها، التي لم تعرفه على حقيقتها الحقيقية بعد، بدت له وكأنها سيف حاد ينفذ إلى أعماق ذاته، تكسر ثقة كان يظنها لا تقهر.

+


تلك اللحظة، وسط الصمت المتوتر، أدرك صقر أن ما بينهما لم يعد مجرد لعبة قديمة، بل صار تحديًا حقيقياً، وصراعاً يتطلب إعادة حسابات جديدة لا يستطيع هو وحده التحكم في مجرياتها.

+


لم تنتظر رده، استدارت بسرعة وتمشّت بعيدًا، تاركة صقر واقفًا في مكانه، مذهولًا من شدة رد فعلها، وحيرته تعلو وجهه.
صمت المكان لفترة، وكأن الهواء نفسه يحمل وقع الكلمات التي لا تزال تتردد بينهما.

+


ركضت بدر بخطى سريعة نحو السيارة التي كان عبد ربه ينتظرها عند الباب، وجهها متحجر من شدة الانفعال. وصلت إليه وهي تلهث، قالت له بصوت مختلط بين الغضب والقلق:
"بسرعة يا عبد ربه."

+



        
          

                
التفت إليها عبد ربه، مبدياً استغرابه وقلقه:
"في إيه؟"

+


تنهدت بدر قليلاً، محاولة كبح انفعالاتها، ثم أجابت:
"مفيش."

+


لكن عبد ربه لم يقتنع، ورأى في عينيها ما يخبره بغير ذلك، فتابع بحنان:
"شكلك متضايقة."

+


أطلقت بدر نظرة سريعة إليه، وقررت أن تكشف له السبب:
"صقر كلمني، واستفزني جداً، وحاول يلمسني، وحط إيده علي."

+


تعالت ملامح القلق على وجه عبد ربه، سألها بسرعة:
"هو كشفك؟"

+


هزت بدر رأسها بالنفي، لكن كلماتها كانت تفيض بالمرارة:
"لأ، بس كان بيفكرني لما هزمني واحنا صغيرين في المجلس، لا يمكن أنسى لما بسهولة رماني على الأرض من غير أي مقاومة."

+


ابتسم عبد ربه بتعاطف، وضحك قائلاً:
"طبيعي، ده مش خلل منك، ده بس عشان قوتك مش زي قوته، عمر الست ما تكون زي الراجل في القوة أبداً."

+


نظرت بدر إليه بعينين حادّتين تحملان العزم، وأجابت:
"ماشي، دي حاجة خلقة ربنا، إنما أنا بقى هوريه في الدراسة وييجي يوريني نفسه."

+


تنهد عبد ربه وهو يردد:
"ربنا يوفقك، بس برضو حاولي ما تختلطيش بيه وتجاهليه على قد ما تقدري."

+


ابتسمت بدر بسخرية مختلطة بالغضب، وقالت:
"أنا مش عبرته، هو اللي جالي السدغ، وقعد يكلمني، معرفش إزاي عرف إني أنا لأ، وكمان بيقولي البنات مش هتعبرك. آهطل، وأنا أعمل إيه بالبنات؟"

2


ضحك عبد ربه بصوت عالٍ على انفعالها وقال مازحاً:
"صح، هتعملي إيه بالبنات؟ بس هو مش عارف كده."

1


وبين ضحكاتهما المتبادلة، خفّ التوتر قليلاً، لكن في عيني بدر ظلّ الشرر متقداً، عازمة أن تثبت نفسها مهما كلفها الأمر.

+


كان يزيد ينتظر صقر، وعيناه تراقبان خطواته البطيئة التي تقترب من المكان. بنبرة مازحة، قال يزيد وهو يبتسم بسخرية خفيفة:
"إيه يا بني، هتوصل بعد ساعة ماشي كده ليه؟"

+


لكن صقر لم يرد عليه، وظل صامتًا، يضعف صمت اللحظة وتزداد ثقلاً.

+


عاد يزيد يسأله بفضول واضح في نبرته:
"في إيه؟ شكلك مدلل كده ليه؟"

+


أجاب صقر بصوت منخفض، مشحون بمزيج من الغضب والترقب:
"أصل شوفت ابن الحمدانية."

+


ضحك يزيد مستهزئًا، معلقًا بنبرة تعكس عدم تصديقه:
"أنا شوفته أنا كمان، كان بيجري. اتعلم، خايف على وقته، مش إنت جاي بسرعة السلحفاة."

+


أجاب صقر وهو يبتسم ابتسامة كئيبة:
"بيجري خايف لاضربه."

1


تعجب يزيد، وسأل باندهاش:
"لا يا راجل، ليه يعني؟"

+


أجابه صقر بنبرة فيها تحدي وقوة:
"شدينا مع بعض جوا."

+


تدخل يزيد بسؤال سريع، ناظراً له بعينين تلمعان بالفضول:
"لحقتوا؟"

+



        
          

                
رد صقر، عاقدًا حاجبيه في تعبير يوحي بالثقة المكتسبة:
"تخيل بيقولي هروق عليك إنت وأبوك."

1


هز يزيد رأسه ضاحكًا، غير مصدق لما يسمع:
"ده اتهبل ده ولا إيه؟"

+


تابع صقر بصوت صارم، يكشف عن تقديره وتغيره:
"بس إيه، متدرب حلو، مش زي ما توقعت، هيكون طري زي ما كان وهو صغير."

+


سأل يزيد، بنبرة ممزوجة بالفضول والتحذير:
"هتفضل مركز معاه لحد إمتى؟"

+


أجاب صقر ببطء، وكأن كلمة بعد كلمة تزن على قلبه:
"لحد ما أخد الحمدانية وأخليه مذلول، وبعد كده هقتله."

4


توقف يزيد عن الكلام للحظة، وعيناه اتسعتا من المفاجأة، قال وهو يحاول استيعاب ما سمع:
"تقتله؟"

+


رد صقر بحزم لا يلين، عيناه تلمعان بعزيمة لا تقهر:
"أه، ده أكيد. وجوده يفتح النار علينا، لازم يموت، بس مش دلوقتي. لما اندمه على طول لسانه معايا ، وقلة أدبه."

+


وقفت الكلمات في الهواء، تتردد بينهما وكأنها نبض لقصة صراع محتدم، ومصير محتوم، لا سبيل للهرب منه إلا بالقوة والقرار الحاسم.

+


سأل يزيد بنبرة ممزوجة بالفضول :
" و هتندمه ازاي"

+


صقر نظر إلى يزيد بعينين ثاقبتين، تعجبت فيهما لمعة الغضب والإصرار، ثم قال ببطء وكأن كلماته تزن بحجم مصير:
"هندمه لما يشوف كل خطوة بحطها صح، لما يشوف كل حركة بتخرج من تحت يدي، لما يعرف إنه مش قادر يهرب من ضلّي... لما يفقد كل شيء كان فاكره ملكه."

1


ابتسم يزيد بابتسامة ساخرة، لكنه تلمس في نبرة صديقه صدق الإصرار قائلاً:
"يبقى جهز نفسك، يا بطل. المعركة لسه في أولها، واللعبة دي مش سهلة."

+


صقر أومأ برأسه، عاقدًا عزمه، وكأن ثقل الكلام يُحفر عميقًا في قلبه:
"المهم إن النهاية تبقى لي، والنصر يكون بيدي."

+


صقر ابتسم ابتسامة قاتمة، وعيناه تلمعان بلهيب لا يرحم، وقال بصوت خافت لكنه ثقيل بالتهديد:
"هيدفع تمن كل كلمة غلط قالها عني... مش بس هخليه يندم، هخليه يصرخ من الندم. هكسر روحه قبل جسده، وأموت فيه كل أمل يملكه."

1


ثم أشار بإصبعه نحو الأفق وكأنه يرى المستقبل المرير أمام عينيه:
"ده مش مجرد صراع على لقب أو سلطة، دي حرب وجود... اما هو أو أنا. واللي يوقف في طريقي هيتحطم."

+


يزيد تنفس بعمق وهو يسمع تلك الكلمات، مدركًا أن صقر دخل في دوامة من الغضب والانتقام لا رجعة منها.

+


نظر يزيد إلى صقر بعينين تحملان مزيجًا من القلق والحكمة، ثم تنهد وقال بصوت منخفض لكن حازم:

+


"يا صقر، الغضب والانتقام أعداء مش بيرحموا، وأحيانًا بيخلونا نخسر نفسنا قبل ما نضيع غيرنا. خليك ذكي، لا تخلي الحقد يعمي عينيك. اللعب في النار ممكن يحرقك، والأعداء مش دايمًا اللي قدامك، ساعات بيكونوا جواك."

+



        
          

                
وقف يزيد قريبًا منه ووضع يده على كتفه بلطف، مضيفًا:
"خلي هدفك واضح، وخطط بعقل مش بقلب مولع، عشان لما تيجي تنفذ، تكون انت اللي مسيطر مش العواطف. وانت قوي، بس القوة الحقيقية هي التحكم في نفسك قبل أي حاجة."

+


ابتسم صقر قليلاً، لكنه ظل صامتًا، يدور في ذهنه كلمات يزيد التي بدأت تغزل خيطًا رفيعًا من الهدوء وسط عاصفة غضبه.

+


ابتسم صقر بحذر، ثم قال بحدة مختلطة بالاستسلام:
"أبويا كان معاه حق… يكرههم، متكبرين علينا، كأننا أقل منهم، كأننا ما لناش قيمة جنبهم."

1


نظر إلى يزيد بعينين تحملان الألم والغضب، ثم أكمل بصوت أجشّ:
"مش بس عشان الحكم، دي كرامتي اللي ما بترضاش أكون تابع لحد تاني في بلدنا."

+


تراجع قليلًا ثم أضاف بصرامة:
"بس يمكن كلامك صح، لازم أكون أذكى، مش بس قوي.العقل أحيانا يهزم أسرع من القوة."

+


تنفس صقر بعمق، وعيناه تلمعان بعزم لا يلين، ثم قال بثقة حادة:
"أول معركة لازم أفوز فيها هي التعليم، يبقى يوريني ابن الحمدانية نفسه."

+


أدار وجهه نحو يزيد، مفعمًا بالتحدي والاصرار، وكأنّه يرسم خطوته الأولى في معركة أكبر من مجرد السلطة، معركة إثبات الذات والكرامة.

+


تقطّبت حاجبا صقر، وهو ينفث غضبه المكبوت كألسنة لهب متطايرة من بين شفتيه، وقال بلهجة حادة:
"أنا حاليًا عصبي وعايز أفرغ طاقتي في قتال عنيف."

1


تراجع يزيد خطوة إلى الوراء، عينيه تلمعان بحذر وتحذير:
"إيه؟ لأ، بعيد عني."

1


ابتسم صقر ابتسامة مريرة، عابسة، وأردف بقسوة ممزوجة بضحك:
"الصاحب ليه عند صاحبه إيه غير يكسره ويعوره."

1


كان صوته يحمل ثقلاً من الألم والمرارة، كأنّه يوزّع صدى جراحه على من حوله، بينما عينيه كانت تكشفان عن صراع داخلي بين الرغبة في الانفجار والتماسك أمام أصدقاء الأمس.

+


تشدّق صقر بنظرة حادة، وعيناه تتقدان بلهيب الغضب، وقال بجرأة لا تخلو من تحدي:
"جهز نفسك لقتال عنيف."

+


كانت كلماته وكأنها صاعقة تصعق الصمت حولهما، تحمل في طياتها وعدًا بنيران لا تهدأ، وحربًا لا تُرحم، تجسد إصراره على مواجهة كل ما يقف في طريقه، مهما كلفه الأمر.

+


بعد أن وصلا إلى المنزل، دخل كل منهما غرفته على عجل، تبدّلت ملابسهما بسرعة، وكأنهما يستعدان لمعركة قادمة، لا مكان فيها للضعف أو التردد. الهواء كان محملاً بتوتر مكبوت، وقلوبهما تنبض بإيقاعٍ متسارع، تعكس صراعهما الداخلي واستعدادهما للقاء المصيري الذي ينتظرهما.

+


في ساحة صغيرة خلف المنزل، حيث لا يراهم أحد، وقف صقر ويزيد يستعدان للتدريب، لكن صقر كان يحمل في قلبه نارًا لم تُطفأ، وأهدافًا أكبر من مجرد ضربات.

+



        
          

                
في ساحة التدريب، تلاشت الأصوات من حولهما، وحلّ الصمت المطبق، إلا من صوت ضربات الصراخ واللكمات التي يوجّهها صقر نحو يزيد. كانت نظرات صقر مليئة بالاحتقار والغضب المكبوت، كأنه يتحدث ليس فقط إليه بل إلى صورة بدر التي يراها فيه:

1


في ساحة التدريب، وقف صقر بعينين متقدتين ونفَسٍ ثقيل، بدأ يوجّه لكمةً قاسية نحو يزيد، صوته ملؤه الغيظ المكتوم:

+


"فاكر نفسك مين يا بدر؟"

1


وأتبع كلامه بضربة قوية على وجه يزيد، فتراجع الأخير من قوة الضربة.

+


صقر بتنهيدة مكتومة، وهو يجهّز لكمة أخرى:
"ده أنا أفعصك بإيدي، يا حقير، يا واطي ،ياللي مالكش لازمة."

1


واصل صقر ضربه بعنف، كل ضربة تعبّر عن استهزاءه واحتقاره لبدر في عينيه، وكأن يزيد هو من يستحق الغضب، يتنفس بغضب متراكم، وكأن المعركة ليست فقط جسدية، بل حرب نفسية تفرضها ذكريات وألم دفين.

+


يزيد يحاول يرد، لكنه يجد نفسه محاصرًا بين قوة صقر ونبرته الساخطة، في معركة لا تخلو من شحنات الغيظ والعداوة المكبوتة.

+


"فاكر نفسك مين يا بدر؟ مش بس واحد عادي... أنت العدو، والخصم اللي لازم أطحنه."

1


وجّه لكمة قوية أصابت وجه يزيد، فأحسّ الأخير بثقل الضربة وتراجع خطوة إلى الوراء وهو يحاول استجماع أنفاسه.

+


"لأ وقف، عديتها... انت مش شايف إنك بتضرب في حد صاحبك؟"

+


اقترب صقر أكثر و يزيد يهرب منه في أرجاء المكان :

+


"صاحبي؟ ايه لا، ده هو بدؤ اللي واخد كل حاجة لوحده وظلمني... أنا اللي هخلي اسمه يندثر، وأوريه يعني إيه الضعف."

+


وجّه صفعة على وجه يزيد، وكانت ضربة مؤلمة، كأنها مشحونة بكل سنوات الغضب والكراهية التي يحملها بداخله.

1


قال يزيد و هو يضع يده كدرع حامي لوجهه:

+


"يا راجل، ما تسيبش الحقد ده؟ كل واحد ليه طريقه."

+


"طريق؟ طريقه انتهى من ساعة ما اسمه اتحط جنب اسمي و اتقال بنافس بعض. هو  مش بس منافس، هو  هزيمة مستنية تحصل."

1


وجّه لكمة أخرى، وأخذ يزيد يتراجع لكن وجهه كان يحمل إصرارًا يرفض الانكسار.

1


"أنا مش هقف قدامك كعدو، أنت اللي بتشن الحرب، بس بكلامك مش بضرباتك بس، و أنا لحد دلوقتي مش عايز أرد عليك."

+


صقر بحنق:
"أقول الكلام ليه لما الأفعال تقدر تثبت الحقيقة؟ لما تلاقي نفسك واقع بين إيديي، هتفهم."

1


ثم أخذ صقر نفسًا عميقًا، ووجه لكمة أخيرة كادت تطيح بيزيد أرضًا.
يزيد بإستسلام:
"يمكن انت بتضربني، بس أنا مش بدر، واللي انت بتقول عليه ما هوش أنا."

+



        
          

                
"لازم يكون انت لحد ما أخلص و أفرغ غيظي ."

3


ثم عاد صقر ليركز على التدريب، لكن في أعماقه كان يقاتل صراعات أكبر من مجرد ضربات ولكمات، صراعات هوية وكبرياء، كلها تجسدت في شخص يزيد الذي يرى فيه ظلّ بدر.

+


هكذا، اشتد القتال لكن مع كل ضربة كان هناك كلام يغذي نار المنافسة والعداوة، حوار مشحون بالغضب والاحتقان ينسج قصة صراع متشابك بين الماضي والحاضر.

+


بينما كانت الضربات تنهال، حاول يزيد أن يرفع يديه بحزم، ووقف بثبات رغم الألم الواضح على وجهه، وقال بصوت جاد لكنه متعب:

+


"خلاص يا صقر، كفاية."

+


كان صقر يلهث من شدة القتال، عينيه ما زالت تلمع بغضب مكبوت، لكنه تراجع قليلاً، يلتقط أنفاسه، ناظراً إلى يزيد بعينين ثاقبتين.

+


قال يزيد مجدداً بنبرة أكثر حزمًا وهدوءًا:

+


"مش لازم تستمر كده، ما فيش فائدة من القتال ده. احنا مش بس بنضرب أجسادنا، احنا بنضرب نفسنا كمان."

+


صقر، وهو يمسح الدم عن شفتيه، ردّ بنبرة مملوءة بالغضب:

+


"أنت مش فاهم، دي مش بس معركة، دي حرب أنا لازم أفوز بيها."

+


وقف يزيد بحزم، مستعدًا للحوار أكثر من القتال:

+


"أنا عارف، بس لازم تفكر في النهاية، مين اللي هيخسر أكتر؟ احنا الاثنين كده اللي هنخسر، خلاص بقى كفاية."

+


صقر، وقد هدأت بعض نبضاته، أخذ نفسًا عميقًا وأومأ برأسه، كأنه بدأ يدرك أن الغضب ليس هو الحل الوحيد.

+


ابتعد صقر خطوة إلى الوراء، تنفس بعمق محاولًا تهدئة روعه، لكن عينيه ما زالت تحملان بريق التحدي والاصرار.

+


نظر إليه يزيد بنبرة نصح وأخوة مختلطة بالجدية، وقال:
"لازم تتمرن على كيس رملي، أنا مش مستنغني عن روحي، ولا شوفلك جيم هنا تروح تتدرب فيه."

1


ابتسم صقر بمرارة وهو يرد:
"ماشي، هديهم فرصة... لكن خلي بالك، مش بس التدريب هو اللي هيخلي حد يفوز، لازم القلب والعقل يكونوا معايا."

+


وقف يزيد إلى جانبه، وكأنهما يتشاركان في نفس المعركة، رغم كل الخلافات بينهما.

+


لم يكن يزيد يشعر بالتعب من كثرة قتال صقر، بل كان يعتبر ذلك واجبًا وتدريبًا ضروريًا له أيضا. فهو من الجنود المكلفين بحراسة صقر وملازمته في كل مكان و يجب أن يكن في مستوى مقارب منه ، ورغم أن هذا العمل فرض عليه، إلا أن صداقتهما التي تمتد منذ الطفولة جعلتهما يتعاملان كأصدقاء لا مجرد جندي و أمير.

+


بعد أن أنهى صقر تدريبه المكثف، استحم ببطء ليزيل عن جسده تعب التمرين. ارتدى ملابس خفيفة وهادئة، ثم جلس أمام كتبه بعينين ملتهبتين بالعزم. كان يراقب بدر عن بعد، يدرس أساليبها ويخطط لكيفية أن يُرهقها ويُسقطها أرضاً في معركة المذاكرة، مصمماً على أن يكون هو المنتصر بلا منازع. كانت عينيه تحمل نار المنافسة التي لا تنطفئ، مصمماً على ألا يترك لها مجالاً للتفوق.

1



        
          

                
جلب الخادم الكثير من الطعام، فجلس يزيد يلتهم بشراهة وهو يقول:
"مش هتاكل؟ الأكل طعمه جميل"
أجاب صقر بثبات، عينيه لا تفارق الكتب:
"لأ، ورايا حاجات أهم من الأكل ، بكرا في مناقشة و ورشة لازم اركز على الفوز و بس."

+


بعد عودتها، استسلمت بدر لنوم قصير يخفف عنها تعب الأيام الماضية. استيقظت منتعشة وأعدت لنفسها وجبة خفيفة، ثم جلست بهدوء أمام كتبها، عازمة على الانطلاق في تحدي جديد مع صقر. كانت تشعر بنفَس متجدد، مستعدة لتثبت نفسها بكل قوة في دراستها، مستعدة لمواجهة الصعاب التي تنتظرها في ساحة المنافسة.

+


في اليوم التالي، تجمّع الطلاب في قاعة الورشة الكبيرة، حيث كانت الأنوار تسلط بريقها على الطاولات المليئة بالأدوات والمواد المختلفة. كانت هذه الورشة مخصصة للمنافسة في التصميم، وهو الحدث الذي أشرف عليه الأستاذ ماركو بنفسه.

+


ماركو وقف أمام الجميع، وجهه يملؤه الحماس والجدية، وقال:
"اليوم هو فرصتكُم لتظهروا مهاراتكم وإبداعكم في التصميم. هذه ليست مجرد مسابقة، بل اختبار حقيقي لقدرتكم على الابتكار وتحويل الأفكار إلى واقع ملموس."

+


كانت الأنظار تتجه نحو بدر، التي شعرت بضغط المسؤولية يثقل كاهلها، لكنها كانت مصممة على أن تثبت نفسها في هذا التحدي الكبير. أما صقر، فكانت ملامحه متحفظة، لكن عينيه كانت تتابع بدر بعناية، كأنه يعد الأيام واللحظات التي سيواجهها فيها بقوة وعزيمة.

+


كانت ورشة التصميم بداية جديدة، حيث ستتواجه المواهب، وتنطلق رحلة التحدي الحقيقي بين اثنين يحملان إرث القبيلة وتاريخها في صراعهما الموعود.

+


كانت نظرات صقر وبدر تلتقي من وقت لآخر في الورشة، كل لقاء منها كأنه شرارة تشعل نار التحدي بينهما. كان صقر يراقب بدر بتركيز مكثف، يتفحص كل حركة تقوم بها وكأنها خصمه المباشر في معركة لم تبدأ بعد، أما بدر فكانت ترد عليه بنظرات حازمة، لا تخلو من تحدٍ وصمود، كأنها تقول له: "أنا هنا لأثبت نفسي، فلا تتوقع أن تهزمني بسهولة."

+


كانت تلك اللحظات الصامتة التي تحمل بين طرفيها كل ما لم يُقال من كلمات، تُبث في قلب كل منهما نار التنافس والرغبة في التفوق، وسط صخب الورشة وضجيج الأدوات، كأنهما في عالمهما الخاص، يتصارعان بحذر وقوة غير مرئية.

+


مع انقضاء ورشة المنافسة والتصميم، تجمّع الطلاب حول الأستاذ ماركو، وكان الجوّ يعبق بتوترٍ جميلٍ ونديةٍ متبادلة. تقابلت النظرات بين بدر وصقر، فكانتا تحملان حملاً من التحدّي والرغبة في التفوّق، والكل يشعر بثقل اللحظة.

+


ارتسمت على وجه ماركو ابتسامة هادئة وهو ينظر إلى الحضور، ثم قال بصوت واضحٍ ومهيب:

+


"شكراً ليكم كلكم على تعبكم وجهدكم اللي شفناه في التصاميم دي، كل واحد فيكم قدم حاجة مميزة، بس لازم نعلن الفائز النهاردة."

+



        
          

                
تبادل الطلاب نظراتٍ مشتعلة، تعبيرات الوجوه بين القلق والترقب، وعيناهُ تحومان بين بدر وصقر. كانا أبرز المتنافسين، كل منهما يحمل في عينيه عزيمة لا تلين.

+


ماركو رفع يده قليلاً، ثم أعلن بصوت حاسم:
"الفائز في المسابقة دي هو... صقر!"

2


ارتسمت على وجه صقر بسمةُ انتصارٍ خفية، عيناه تتلألأان بنورٍ لا يخفي فرحته، لكن تمالكه نفسه ليُبقي ملامحه هادئة. أما بدر، فارتسم على شفتيها ابتسامة تقبلٍ، وعيونها التي كانت تلمع في السابق بالترقّب، امتزجت بالحزن الخفيف، لكنهما سرعان ما عادتا لتسكنا وسط هدوء وقوة.

1


وقف ماركو متوجهاً إلى صقر وقال بنبرة تحفيزية:
"إنت فعلاً أثبت إن عندك موهبة عالية، ودقة في التنفيذ، ده اللي كنا بندور عليه."

+


صقر رد بعيون مليانة تواضع ونبرة ودودة:
"شكرًا يا دكتور، المنافسة كانت قوية، ومن غيرها ماكنتش وصلت للي أنا فيه."

+


بدر نظرت إلى صقر، وقالت بصوت هادئ لكن مليء بالعزم:
"المهم مش الفوز بس، إحنا هنا بنتعلم وبنكبر، والمنافسة دي هتخلينا دايمًا نتحسن."

+


ابتسم ماركو مبتسمًا بعينين متقدتين، وقال:
"ده بالظبط اللي بيفرق، الروح دي هي سر النجاح الحقيقي، برافو عليكم كلكم."

+


وهكذا، انهى اللقاء، حيث التقى التنافس بالاحترام، وعلت الأرواح بروح التحدي والتطور، وبقيت نظرات بدر وصقر تحمل وعدًا بمزيدٍ من الصراع والتفوق في المستقبل.

+


الجميع أملوا أشيائهم وبدأوا يخرجون، إلا أن بدر تأخرت قليلاً. اقترب صقر منها بخطوات واثقة، وقال مازحًا:
"آخ، أول معركة كده تخسرها يا بدر، الكرامة عندك في ذمة الله. لازم تتجدعن شوية، لسه الموضوع طويل ، و بصراحة ناوي أهزمك كتير."

+


نظرت إليه بدر بثبات وأجابت بصوت هادئ لكنه مليء بالعزم:
"فوزك النهاردة مالوش لازمة، المهم النتيجة النهائية."

+


قالت بدر بثبات، ثم استدارت بخطى واثقة وخرجت من المكان، تاركة صقر واقفًا يتأمل كلماتها الحادة التي لم تغب عن ذهنه.

+


كان صقر يسير خلفها بهدوء، فتقدمت نحوه فتاة تدعى مليسيا وقالت بلهجة فضولية ومغرورة:
"أنت اللي فزت اليوم؟"

1


وقفت بدر حالما سمعت صوتها، فهي أجمل فتاة هنا، ومعروفة بغرورها، خاصة أن والدها يساهم بتبرعات كبيرة للجامعة، لذلك يخضع لها الجميع ويتمنون الحديث معها.

+


حينما لاحظ صقر بدر تتابع الحديث من بعيد، توقف ثم توجه إليها قائلاً بثقة:
"أه، أنا اللي فزت."

+


ردت مليسيا بابتسامة متحكمة: 
"في حاجة واقفة معايا ومقدرتش أعملها، ممكن تشرح لي عملتها إزاي؟"

+


قال صقر بتودد وابتسامة خفيفة:
"اتفضلي طبعا بكل سرور."

+


اقترب صقر بثقة وابتسامة هادئة، وقال لمليسا:
"الحقيقة إن التصميم اللي عملته كان نتيجة ساعات طويلة من التفكير والتدريب، ما كانش سهل خالص، لكن كنت مركز جداً في كل تفصيلة صغيرة عشان أطلع حاجة مختلفة ومميزة."

+



        
          

                
نظرت مليسا إليه بعينين متفحصة وقالت بتحدٍ:
"بس في حاجة معينة حسيت إنها صعبة، كنت محتاجة أفهمها أكتر. مثلاً، في الزوايا الحادة، إزاي قدرت تحافظ على التوازن بدون ما يتأثر الشكل العام؟"

+


ضحك صقر بخفة وقال:
"دي نقطة مهمة جداً، استخدمت تكنولوجيا معينة في توزيع القوى داخل التصميم، وكمان لعبت على التوازن بين المواد المستخدمة عشان يكون قوي وفي نفس الوقت جذاب."

1


مليسا أومأت برأسها وقالت:
"يعني مش بس شكل، ده علم وفن في نفس الوقت. ما توقعتش إن الفوز يكون نتيجة شغل متقن كده."

+


صقر نظر حوله ليتأكد إن بدر ما زالت تراقبهم من بعيد ثم أضاف:
"أكيد، التصميم مش بس صورة، ده قصة بتتحكي، وكل جزء فيه له سبب وجود."

+


مليسا ابتسمت وقالت:
"بصراحة، أنا حاسه إنك مش بس فزت اليوم، لكنك أثرت في الكل بحرفيتك."

+


صقر بخفة ظل قال:
"أنا مش بس عايز أفوز، أنا عايز أكون سبب في إلهام الكل حواليا، وحتى اللي بيفكروا يستسلموا، أحسسهم إنهم يقدروا يحققوا أحلامهم."

+


ابتسمت مليسا وقالت:
"دي فعلاً حاجة مش سهلة. ممكن تتعلمني أكتر في المرة الجاية؟"

+


صقر بسرور: 
"أكيد، مفيش مشكلة أبداً. دي فرصتنا نتعلم من بعض."

1


تبادل الاثنان النظرات، وبينما كانت بدر تتابع من بعيد، شعرت بنوع من الاحترام والندية بين الاثنين، رغم اختلاف طباعهما، لكن الصراع لا يزال مستمراً في الخفاء.

+


رفعت بدر زاوية فمها بتهكم، وهمست بلغة لا يفهمها إلا هي وصقر:
"ملزق."
لم تغب عن أذن صقر تلك الكلمة، فقد وصلت صوته إلى مسامعه، فابتسم بتهكم خفي وأجابها بنظرة تحدي.

+


غمز لها صقر من بعيد بعينٍ ماكرة، ظنًّا منه أن بدر قد شعرت بغيرة خفية لأنه يتحدث مع أجمل فتاة في الجامعة. كانت تلك الغمزة تحمل تحديًا وسخرية خفية.

+


ما إن أنهت ميليسا ما كانت تريده، وشكرت صقر بابتسامة مرسومة على شفتيها، حتى غادرت بخطوات واثقة، تاركة صقر وحيدًا وسط الأجواء التي ما زالت حيوية. لكن بدر، التي لم تبرح مكانها، ظلت تراقب كل ما يجري بعينين ثاقبتين، لا تفوت تفصيلة ولا كلمة.

+


تقدم صقر نحوها بخفة روح وابتسامة عريضة، وقال مازحًا: 
"إيه، غيران؟"

+


ردت بدر بتلك النبرة الهادئة المتماسكة، لكنها تحمل نبرة تحدٍ خفيفة:
"لأ، هغير من إيه؟"

+


ضحك صقر بثقة، يلمع في عينيه توهج الانتصار وقال بتودد واضح: 
"من إن أنا قدرت أخلي أجمل بنت تكلمني."

+


رفعت بدر زواية شفتيها ببرود، ونظرت إليه بنظرات حادة تخفي استهزاءً خفيفًا، وقالت: 
"دي جميلة؟ شكلك اتعميت ،دي كلها حاجات كده ما يملاش عيني غير بنات قبيلتي. كل دول مالهمش لازمة زيك كده."

+



        
          

                
ثم أدخلت نبرة نصحية تحذيرية في صوتها، مصحوبة بابتسامة ساخرة: 
"نصيحة مني، ركز في دراستك. بعد ما قلعت الجلابية وإنت مش مظبوط، متفكرش إن البدلة والقميص هيخلوا ميليسا تبصلك. أخرك واحدة من الزيح تبصلك."

+


وقف صقر للحظة، فاغر الفم كأنه لم يتوقع هذا الهجوم، ثم رد بنبرة تمسّح مع استهزاء في آن: "ماكنتش أعرف إنك حقود كده. وبتوع الزيح دول ليك إنت يا بدر؟"

+


ابتسمت بدر ابتسامة باردة تكتنفها السخرية، ونظرت إلى صقر بعينين حادتين كالسيف وقالت بنبرة مليئة بالثقة والحدة:
"هحقد على إيه؟! كل الحكاية إني خايف تعرّ سمعة القبيلة."
توقفت للحظة، ثم أضافت بنبرة تحدٍ ووعي بالواقع: 
"إنت متعرفش إن قبيلتك مش معروفة لسه، وكل الناس عارفة قبيلة الحمدانية وبس. يعني سمعتي لازم أخاف عليها."

+


انفجر صقر بغيظ، وعلت ملامحه علامات الاستفزاز والتحدي، صوته صار أشبه بالرصاص وهو يرد بحدة: "خليك في حالك، قبيلتك المعروفة دي دلوقتي بس ، لكن قدام قبيلتي بس، اللي هيكون ليها وجود حقيقي."

+


لم تترك بدر الفرصة تهرب منه، بل تحدته بنظرة حادة قاطعة، وقالت بابتسامة نصفها ازدراء ونصفها حزم: "طب ركز على هدفك، أنا ما أحبش أنافس حد أخلاقه فلتانة."

1


ابتسم صقر استعلاءً، كأنه يحتفظ بحق الرد والتمرد، ورد بثقة لا تخلو من غرور:
"أنا حر، وبراحتي، وأعمل اللي أنا عايزه."

+


كانت كلماتهما كالرصاص يتطاير بينهما، وكل منهما يزداد إصرارًا، والنظرات تحكي صراعًا قديمًا جديدًا، يتجدد مع كل كلمة تُقال، كلٌ منهما يحيك خيوط التحدي في مواجهة الآخر بلا هوادة.

+


وقفا متقابلين، يختلط في عيونهما تحدي العارفين بقوة الآخر، ورغبة الصراع التي لا تهدأ. كانت الأجواء مشحونة، تتطاير منها شرارات الغضب والكبرياء.

+


نظرت بدر إلى صقر بعمق، كأنها تقرأ تفاصيل روحه، ثم قالت بهدوء يشوبه الإصرار: 
"أنا مش هنا عشان أخسر، ولا عشان أبينلك إني أقل منك. جيت عشان أثبت أني قدّها وقدود، وإن ما فيش حد هيقف في طريقي، حتى لو كنت أنت."

+


ابتسم صقر بسخرية مريرة، كأنه يستمتع بالتحدي، وأجاب: 
"ده الكلام اللي عايزه أسمعه. خلينا نشوف مين فينا فعلاً يستحق لقب شيخ القبيلة. بس خلي بالك، أنا مش هسيبك تفلت بسهولة من تحت ايدي لو مسكتك."

2


تبادل الاثنان نظرات ملتهبة، ثم بدأ كل منهما ينسج خطته في صمت، عارفين أن المعركة لم تنتهِ بعد، وأن الحرب الحقيقية ستبدأ حينما يحين الوقت.

+


وغادرا المكان، وكلٌ منهما يحمل في قلبه نار الغيرة والانتقام، وفي عقلهما حلم الفوز الذي لن يتنازلا عنه مهما كانت التضحيات.

+


قصت بدر لعبد ربه ما حدث، عينيها تتلألأ بالغضب والإصرار، وصوتها يحمل ثقل الموقف: 
"صقر كان قاسي معي، استهزأ بي، وحاول يستفزني بطريقة ما كنتش متوقعاها أبداً. ما صدقتش إن شخص زيه ممكن يوصل لمرحلة كده. لكني ما خليتش له فرصة، وقفت له بالمرصاد."

+


عبد ربه استمع لها بتركيز، وحمل وجهه تعبير الحزم والوقوف إلى جانبها:
"ما تقلقيش يا ست بدر، اللي حصل ده مش مقبول. إحنا معاكِ في كل خطوة، ومش هسيب حد يظلمك أو يقلل من قيمتك."

+


ابتسمت بدر بخفة، كأنها تجد في دعمه قوتها، وقالت: "ده اللي محتاجاه دلوقتي، عشان أقدر أكمل طريقي وأثبت نفسي بعيد عن كل الظروف دي."

+


كانت الكلمات بينهما تعبيراً عن تحالف جديد في معركة أكبر تنتظرهما، معركة صراع الهوية والقوة في عالم لا يرحم.

+


عبد ربه رد بنبرة هادئة لكن حازمة، وجهه يعبر عن الحكمة:
"بس برضو ما ينفعش تتدخلي في حاجة زي كده، احنا مالنا، يكلم اللي يكلمه، ومش لازم تخلطي نفسك في موضوع مش بتاعك."

+


نظرت بدر إليه بحدة، عيناها تتحدى: 
"ازاي كده؟ هيقولوا احنا الاتنين زي بعض! وأنا مش هسيب حد يستهزئ بيا أو يظلمني كده ، عايزهم يقولوا برا القبيلة بنعمل حاجات مش كويسة ، ماينفعش ، إنت ناسي النظام في قبيلتنا صعب."

+


عبد ربه تنهد وقال:
"أنا بس بحاول أحميكي، بس لازم توازني بين الدفاع عن نفسك وبين إنك ماتدخليش في مشاكل ممكن تأثر على مستقبلك."

+


ابتسمت بدر ابتسامة ضعيفة وقالت:
"أنا مش هخلي حد يقف في طريقي، ولا حتى صقر."

+


على النقيض الآخر، كان صقر يكتم غيظه العميق في أعماقه، تتلاطم مشاعره بين الغضب والاحتقار، ولكن شفاهه صامتة، وعبوسه لا يفارقه.

+


جلس يزيد بجانبه، يرتشف عصيره ببطء، ونظرته تلمع بسخرية خفيفة وهو يهمس: 
"قلتلك ده قبل كده إنك فلاتي، ما صدقتكش، اهو ارتحت لما ابن الحمدانية قالك كده."

1


رفع صقر رأسه بنظرة تحدٍ، وصوته يملؤه التحدي: "هو ماله أصلاً."

+


ضحك يزيد ساخراً، متكئًا على الكرسي، وقال:
"ما هو قالك عشان سمعة القبيلة، إنت عارف إن قبيلة الحمدانية محافظة جدًا ومنغلقة لأبعد الحدود. محدش بيشوف نساءهم إلا ليلة الزواج. لما يلاقوك واقف مع واحدة، الكلام هيوصل لشيخ القبايل."

+


تغيرت ملامح صقر، تلاشى التحدي للحظة، لكنه رد بنبرة حادة: 
"أسكت، هو أنا قاعد معاها في مطعم ولا ديسكو؟ ده في حرم الجامعة وكمان لسبب. وأنا كنت عايز أعيظه، غير كده ولا فارق معايا أصلاً ميليسا دي ولا غيرها."

+


ضحك يزيد بمرح وقال وهو يهز رأسه:
"ماشي، بس برضو خلي بالك. لو قال حاجة زي كده لشيخ القبايل، ساعتها هيخافوا على حريمهم منك."

+


نظر صقر إليه بغضب مكتوم، وعيناه تحملان شعلة تحدٍ لا تنطفئ، كأن الحرب بينهما لم تبدأ بعد، لكنها في طريقها إلى الانفجار.
.......
بعد كده مواعيد النشر هتكون اتنين و خميس 🤐 
شوفوا أنا جدعة معاكم بس أنتم لأ مفيش تفاعل خالص 😒 

1


توضيح 
الزيح دول البنات الخاصين بالخدم
هما بيكبروا للهدف ده و في ولاد كمان كده

2


ممكن بدر لما تكون متنكرة اتعاملوا كأنها راجل كأنه مثلا تبديل أدوار بينها و بين شخصية تانية 
و اي حوار بينها و بين صقر مافيهوش أي تجاذب من أي نوع 🤣 هو تنافس مش أكتر و هي بالنسبة له راجل مئة بالمئة تمام ، مفيش مشاعر هتتحرك خالص و هي كده نصحى شوية الله يبارك لكم 😂😒🤐

4



تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close