رواية جنتي علي الارض الفصل الثاني عشر 12 بقلم Fallen angel
الفصل الثاني عشر
" لَقدْ عَاد مَنْ يَعْجَزْ الكلُ أمَامَه "
---------------------------------
عشر دقائق تلك هي المده التي استغرقها سائق الأجره لإيصالهم إلى المشفى ، عشر دقائق مرت و كأنها عشر عقود ، عشر عقود من الرعب و القلق على سلامتها ، جلس في سيارة الأجره ينظر إلى ذلك الوجه الملائكي و الجسد النحيل يتآكل قلبه من قلة حيلته ، تمنى لو بمقدوره مساعدتها و لكن فشلت جميع محاولاته بإيقاظها .
فور توقف سيارة الأجره حملها و هرول مسرعاً إلى داخل المشفى ، صارخاً يطلب الإسعاف الفوري ، تقدمت منه إحدى الممرضات
و قالت : اهدى أرجوك و حالاً هيجي الدكتور .
حضر المسعفون و تم نقلها إلى إحدى الغرف المجاوره ، صرخ إياد : أنا لازم ادخل معاكو ، عايز اطمن عليها ، وقفت الممرضه أمام الباب و قالت آمره : ممنوع حضرتك اتفضل في الاستراحه و أنا أول بأول هاطمنك عليها .
¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤
داخل غرفة الطوارىء
قال الطبيب الشاب : نبض القلب منخفض جداً ، لازم نعمل انعاش .
قالت جنه : هو أنا ليه مش قادره افتح ، شكله رجع تاني ، ليه يا قلبي ، ليه دلوقتي !
ثم شهقت .. بلاش الصاعق .
ثوانٍ بعد تلقيها الصدمه أحست بعودة دقات قلبها كما اعتادتها و تدريجياً اختفت الآم الصدر التي كانت تحس بها ، و لكنها ما زالت متعبه ، لا بأس ستبقى مغمضة العينين قليلا ً حتى تحصل على قسط من الراحه.
¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤
حاول إياد اعتراض طريق المسعفين عندما أخرجوا جنه على النقاله ، أراد أن يطمئن عليها و لكن أوقفه الطبيب قائلاً : حضرتك جاي مع المريضه ؟
أجاب إياد : أيوه أنا أخوها ، طمني يا دكتور، هي كويسه ؟
أجابه الطبيب : مخبيش عليك ، هي عندها بدايه سكته قلبيه ، لكن احنا لحقناها و قدرنا نرجع نبض القلب لطبيعته مره تانيه .
تراجع إياد و جلس على المقعد ، فلم تقدر قدماه على حمله بعد تلقي ذلك النبأ و قال : يعني ايه سكته قلبيه ، دي لسه طفله ، و السكته دي احتمال ترجع تاني ، احتمال تموتها ....
كان إياد يهذي باحتمال تلو الآخر مما اضُطر الطبيب إلى الصياح في وجهه و قال : اهدا يا أستاذ ، لسه في فحوصات كتير لازم تتعمل عشان نتأكد هل القلب سليم ، و لو في مشكله كل شيء و له علاج ، بلاش تستبق الأحداث و تتوقع الأسوء ، خلي أملك في الله كبير ، و أحب اطمنك إن قلبها استجاب بسرعه للانعاش و في ثانيه رجع لمعدله الطبيعي ، و دي إشاره كويسه .
قال إياد متوسلاً : أنا لازم اشوفها و اطمن عليها .
أجابه الطبيب : نظراً لحالتك أنا هخليهم يسمحولك تشوفها ، بس الأول لازم يتعملها بعض الاجراءات و عشر دقايق و تقدر تدخل تشوفها .
¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤
طلبت الممرضه داخل غرفة العنايه المركزه من إياد أن يلتزم الصمت .
ثم أضافت بصوت آمر : خمس دقايق و بس .
أومأ إياد برأسه موافقا ، ثم تقدم من السرير الذي ترقد عليه جنه ، و جلس على المقعد المجاور ، أراد أن يُمسك بيدها ليتأكد من عودة نبضها لطبيعته كما قال الطبيب ، و لكنه لم يستطع فحسب تعليمات الطبيب ممنوع اللمس أو الكلام .
سمعها تتمتم : لازم الاقيه ، حرام ...هتحرقه تاني .
همس إياد : جنه ، أراد أن يفيقها لينتهي هذا الكابوس الذي تمر به .
أعاد نداءه هامساً مره أخرى : جنه متخافيش ، ده كابوس .
شاهدها تدير رأسها ببطء ناحيته ، ثم فتحت عينيها لتعود و تغلقها ، و تمتمت : إياد ، أخويا الأمير ، ثم أضافت بأسى : بس للأسف طلع أمير شرير .
ابتسم إياد رغما عنه فمصطلحاتها الطفوليه أسعدته و همس قائلاً : حمدالله على السلامه يا أميرتي الصغيره .
لم ترد جنه ، فيبدو أنها في حالة من اللاوعي ، دخلت الممرضه و أشارت بأن عليه الخروج فقد مضت أكثر من خمس دقايق .
نهض من مقعده ، و نظر إلى جنه ثم انحنى و قبل جبينها هامساً : لازم تخفي بسرعه عشان أخوكي الأمير يرجع طيب زي ما كان .
¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤
جلست سماح تصغي إلى حديث الحاجه رقيه " أم عبدالله " ، تاره تعلق و تاره تبتسم لدعابة المرأه التي تفوق الستين عاماً ، و ذات الوجه البشوش ، و تمنت للحظات لو أن باستطاعتها أن تكون مثل باقي الفتيات عندما تأتي والدة أحدهم لخطبتها ، تمنت لو أن قلبها تتخالجه تلك الأحاسيس التي تسمع عنها من غبطه و قلق و بهجه و توتر في آن واحد .
قالت رقيه : من زمان و أنا نفسي أقابلك من كتر ما عبدالله حكالي عنك ، بس هو كان بيقولي أما الظروف تسمح .
ردت سماح بهدوء : حضرتك تقدري تشرفي في أي وقت .
قالت رقيه ضاحكه : ما خلاص بكره هتبقي زي بنتي تمام .
قالت سماح بأسى : رينا يخليكي يا طنط .
قالت رقيه بصوت ينم عن الجديه : معلش يا بنتي أنا رغيت كتير و لسه متكلمتش فالموضوع اللي عبدالله بعتني عشانه .
تنهدت سماح و قالت : خير يا طنط .
قالت رقيه بفرح : خير و كل خير ، عبدالله ابني و نور عيني قالي يا ريت تزوري الآنسه سماح و تاخدي عنوان أهلها عشان نيجي نزوركم و نطلب إيدك من أهلك .
تنحنحت سماح و قالت : بس الاول في حاجه عايزه أصححها .
قالت رقيه باستغراب : حاجه ايه اللي تصححيها يا بنتي ؟
أجابت سماح بضيق : أنا مش آنسه .
ضحكت رقيه و قالت : مش آنسه ازاي يعني ؟
¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤
أمضى إياد الساعتين المنصرمتين أمام غرفة العنايه المركزه ، ينتظر الطبيب ريثما ينتهي من الفحوصات الضروريه لمعرفة ما العله الموجوده بقلب جنه .
حضرت الممرضه و قالت : تقدر تفضل في غرفة الدكتور ، نتيجة الفحوصات ظهرت ، و إن شاء الله تطمن عليها .
شكرها إياد و توجه إلى غرفة الطبيب ، طرق الباب و من ثم دخل .
قال الطبيب : تفضل استريح حضرتك .
سأل إياد بقلق : طمني يا دكتور ، جنه هتبقي كويسه مش كده .
قال الطبيب مطمئناً : هي بقت كويسه الحمد لله .
سأل إياد باهتمام : بس حضرتك قلت إن عندها بدايه سكته قلبيه .
أجاب الطبيب بتردد : فعلا الأعراض اللي دخلت بيها المستشفى هي أعراض السكته القلبيه ، من ضيق تنفس و فقدان للوعي و تباطىء دقات القلب بشكل كبير ، لكن قلبها دلوقتي سليم ميه فالميه .
سأل إياد : طب ايه سبب اللي حصلها ؟
قال الطبيب بعد تفكير : يمكن تكون سكته مفاجأه و ده أصعب نوع ، بيجي بدون مقدمات و غالباً بيؤدي للوفاه ،لكن قلبها دلوقتي بيؤدي وظايفه بشكل طبيعي .
قال إياد بحزم : طالما حضرتك مش متأكد ، أنا عايز أعرف امتى أقدر انقلها لمستشفي متخصص ، أنا مستعد اجبلها أكبر المتخصصين بس تخف .
قال الطبيب : مبدئياً ضروري الليله تبات هنا فالمستشفي تحت المراقبه .
قال إياد : طب أنا محتاج نتايج الفحوصات و التحاليل اللي عملتها .
رد الطبيب معتذراً : للاسف مقدرش ، دي حاجه تخص المريضه ، و اللي عرفته إن حضرتك مش أخوها ، فمقدرش اديك معلومات عن المريضه ، أنا هنا عملت استثناء لأننا كلنا شفنا قلق حضرتك عليها ازاي ، لكن نتايج و فحوصات لازم بإذن المريضه .
قال إياد ممتعضا ً : طب هي فاقت دلوقتي ، أقدر ادخل اطمن عليها ؟
أجاب الطبيب : الحمد لله فاقت و بتتكلم و مُصره تخرج من المستشفى كمان .
نهض إياد من مقعده و قال مسرعاً : طب عن اذنك ، أنا هاروح اطمن عليها .
استوقفه الطبيب و قال : استنى ، أنا طلبت ينقلوها من قسم العنايه المركزه .
سأل إياد بقلق : نقلتوها فين ؟
أجاب الطبيب بحرج : متقلقش نقلناها غرفه تانيه ، حالتها مستقره ، و زي ما انت شايف المستشفي إمكانياته قليله و في مرضى كتير محتاجين عنايه أكتر منها .
زفر إياد بغضب و قال : طب هي فين دلوقت ؟
أجاب الطبيب بتثاقل : اهو هاكلمهم و اشوف نقلوها أنهي قسم .
انتظر إياد ريثما ينتهي الطبيب من المكالمه ، عازما ً على نقل جنه في الغد إلى مستشفي متخصص في أمراض القلب ، فهذا المستشفى ذو امكانيات متواضعه كما هو ظاهر و لكن عندما فقدت وعيها اضطر إياد للجوء إليه نظرا لكونه الأقرب.
¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤
نزلت ماهيتاب الدرجات كالفراشه ، فالليله بفضل هذا الهيثم ستحضر حفل " شباب مجنون " ، تلك الشله المسئوله عن تنظيم ذلك السبق الشهير ، لم تقتصر العضويه فيها على أبناء بلدتها بل تضم بعض من أبناء كبار نجوم المجتمع من مختلف المدن ، وجدته ينتظرها بسيارته على مدخل الفيلا و تكدرت .
فتحت الباب و ركبت بجواره في المقعد الأمامي و قالت بضيق : أنا مش قلتلك تستنى على آخر الشارع .
قال هيثم متهكماً : ايه خايفه من مين يا حلوه ، مش بابا الله يرحمه برده .
قالت ماهيتاب بحنق : مش حكاية خايفه ، بس ليه أجيب لنفسي وجع الدماغ.
سأل هيثم بخبث : ابن عمك برده ؟
ردت ماهيتاب : ما انت عارف و فاهم اهو .
سأل هيثم مدعياً عدم الاهتمام : بس ده شكله مرتبط مع الموزه بتاعة المطعم .
قالت ماهيتاب بغضب : مزه ، ايه شكل حضرتك معجب بيها بقى .
قال هيثم مسرعاً : لا معجب ايه ، أنا مش مالي قلبي و لا عقلي غيرك يا روحي ، و أما نوصل الحفله هتعرفي أنا سألت عنها ليه .
قالت ماهيتاب : احنا هنفضل نرغي كتير ، يلا شغل العربيه دي بلاش نتأخر .
بعد أقل من نصف ساعه ، أوقف هيثم السياره و ترجل منها و كذلك فعلت ماهيتاب التي تأبطات ذراعه و دلفا إلى مدخل الفيلا المقام بها الحفل .
على البوابه ، قام شاب يرتدي زي الخدم بتسليم كل منهما مظروفاً مكتوبا عليه بخط عريض "تفاصيل اللعبه"
Game’s Instructions
¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤
وقف إياد على باب الغرفه التي أخبره الطبيب بنقل جنه إليها ، حاملا في يده حقيبتها ، طرق الباب لتفتح له الممرضه مبتسمه ، و قالت : اتفضل حضرتك ، قريبتك أول سرير على ايدك اليمين .
شكرها إياد و دلف إلى الغرفه ، ماراً بثلاثة أسره ، وقف بجوار الستاره التي تحجب جنه عن السرير المجاور لها ، تنحنح و قال : جنه ، ممكن ادخل اشوفك ؟
ردت جنه بصوت خفيض : اتفضل .
أزاح إياد الستاره قليلا ليدخل ، ثم أعادها كما كانت و قال : حمد الله على السلامه.
أجابت جنه و هي تقبض بيديها على الملاءه : الله يسلمك .
بقي لحظات يتأملها ، وبقيت هي على حالها تقبض على الملاءه بشده و تنظر إلى الحائط بتركيز شديد كأنها في خضم حل لغزٍ ما في ذلك الفراغ .
قالت جنه : ممكن الشنطــ قال إياد : الدكتور طمنـ
تحدثا في آن واحد ، ثم صمتا ، ليقول إياد : كنتي عايزه تقولي ايه ؟
قالت جنه : عاوزه اكلم سماح ، زمانها قلقانه عليا جدا .
قال إياد : طب قوليلي رقمها و أنا هاكلمها و اطمنها عليكي .
ردت جنه : ما أنا مش حافظه الرقم ، عشان كده ممكن تديني الشنطه آخد الموبايل اكلمها .
قال إياد مطمئنا : خلاص أنا كمان شويه هاكلمها ، الاول طمنيني عليكي انتي كويسه.
قالت جنه بنفاذ صبر : معلش أنا حابه أكلمها بنفسي.
قال إياد محاولاً إقناعها : هتكلميها دلوقتي ، هتيجي جري على المستشفى ، و هتحتاس فالمواصلات فالوقت ده ، أنا بعد شويه هاكلم عبدالله يروح يوصلها و يجبهالك لحد عندك ، ايه رأيك و لا عايزه صاحبتك تتبهدل فالمواصلات فالوقت المتأخر ده .
أومأت جنه موافقه : عندك حق ، ثم أضافت :و متشكره اوي تعبت حضرتك معايا .
و عاد الصمت سيداً للمكان مره أخرى ، و مره أخرى ظل يتأملها و ظلت هي تنظر للحائط و تقبص بيديها على الملاءه .
قال إياد : طمنينـــــــــ قالت جنه : حضرتك تقدر .....
و مره أخرى تحدثا في نفس الوقت ، ليضحك إياد و يقول : المرادي هقول أنا الأول .
و أضاف : الدكتور طمني عليكي و قال إن الحاله مستقره .
قاطعته جنه : آه ما هو جه و طمني و قال إني أقدر أخرج بكره .
قال إياد بحزم : بس مش هتروحي البيت على طول .
نظرت جنه إليه بقلق و سألت : بس الدكتور قال إني أقدر اروح البيت بكره !
حاول إياد إخبارها بما عزم عليه دون أن يقلقها و قال : صحيح ، لكن زي ما انتي شايفه المستشفى هنا إمكانياته متواضعه ، و الدكتور المختص لسه شاب و معندوش خبره كافيه ، فأنا من بكره هأنقلك لمستشفى متخصص ، يعني عشان نبقى مطمنين
و ناخد second opinion مش أكتر .
هزت جنه رأسها بالنفي و قالت : مفيش داعي ، أنا مش حاسه بوجع و لا تعب ، و هابقى اعمل زي ما قال الدكتور ، هاخلي اسبرين في شنطتي لو حسيت بوجع هآخد حبايه و هابقى كويسه .
زفر إياد و قال بهدوء : برده مش هنخسر حاجه لو عرضنا حالتك على دكتور تاني.
قالت جنه : مفيش داعي حضرتك تقلق ، خلاص أنا بقيت كويسه ، شوية ارهاق و راحوا لحالهم ، و زي ما قلت هاخلي الاسبرين احتياطي معايا.
لم يتمالك إياد نفسه و قال بعصبيه : حبايه ايه و اسبرين ايه ، انتي مستوعبه حالتك ، ده انتي مكنتيش قادره تاخدي نفسك ، هتلحقي تاخدي حبايه ، بكره هنروح و نعرضك على دكتور متخصص .
قالت جنه بحنق : اظن أنا اقدر أحدد إذا كنت محتاجه دكتور متخصص و لا لا ، و الحمد لله أنا بقيت كويسه ، و تقدر حضرتك تتفضل تروح .
لعن إياد نفسه بصمت ، فبعصبيته هذه لن يستطيع اقناعها ، و حتماً ما زالت متأثره بما فعله و قاله لها في طريق العوده البارحه .
قال إياد بصوت حانٍ : هو انتي لسه زعلانه مني ؟
ردت جنه على الفور : و هازعل منك ليه يعني ، ده كتر خيرك جبتني هنا .
قاطعها إياد و قال : أنا أقصد عشان اتعصبت عليكي امبارح .
هزت جنه رأسها و قالت : لا مش زعلانه ، و عموماً كل واحد بيتصرف حسب أخلاقه.
ضحك إياد و قال مازحاً : مالها أخلاقي بقى ، ده أنا حتى أمير ، يعني أخلاقي أخلاق الفرسان .
قالت جنه بفتور : ما أنا كنت فاكره كده برده .
قال إياد مدعياً الزعل : و دلوقتي ، غيرتي رأيك .
صمتت جنه ، فقال إياد : أنا آسف إني اتعصبت عليكي ، بس أنا كنت زي أي أخ بيخاف على أخته ، و ساعات من خوفه بيتعصب عليها و يزعلها ، لكن كمان أخته لازم تقدر مشاعره و تلتمسه العذر.
سألت جنه بغيظ : كنت خايف عليا من ايه بالظبط ، معلش مش فاهمه !!!!
فكر إياد في الرد الأمثل قبل أن يجيبها ثم قال : مش حاجه معينه بالظبط ، و لا كلامي اللي هاقوله أقصد بيه كريم لانه عشرة عمر و أعرفه كويس ، بس أنا خايف عليكي من طيبتك الزياده و تلقائيتك في التعامل مع الناس و خاصه لو اللي بتتعاملي معاه راجل ....
قاطعته جنه : مفيش داعي تكمل ، أنا فهمت قصدك الحقيقي .
سأل إياد بجديه : و ممكن أعرف بقى قصدي اللي فهمتيه ؟
قالت جنه : انت مكنتش خايف عليا ، انت كنت خايف اتعدى حدودي ، و اخرج بره الاطار اللي انت محددهولي .
قال إياد بدهشه : ايه الكلام الكبير ده ، أنا مش فاهم أي حاجه !
ثم أضاف : تحبي احلفلك عالمصحف ، و الله كله من خوفي عليكي .
احتار إياد ماذا يفعل لإرضائها ، و تمنى أن تقتنع بالسبب الذي ذكره لانفعاله عليها البارحه ، فهو بالتأكيد لن يستطيع أن يبوح بالسبب الحقيقي ، على الأقل الآن ، لن يستطيع أن يخبرها بمشاعره و هي في هذه الحاله .
عنَت له فكره و قال : طب لو مقلتيش إنك مش زعلانه ، هاعمل اعتصام و هنام جنبك هنا عالارض و خلي بالك ..
قاطعته جنه و قالت : مش هتقدر ، ممنوع راجل يبات عند الستات .
قال إياد بمرح : طب تراهنيني و نشوف مين يكسب .
قالت جنه بتردد : مفيش داعي ، أنا خلاص مش زعلانه .
سأل إياد بجديه : من قلبك ؟؟؟
أومأت جنه برأسها و قالت : مش هتكلم عبدالله .
قال إياد : أما أتأكد الأول إنك مش زعلانه .
قالت جنه مؤكده : و الله خلاص مش زعلانه .
سأل إياد : امال ليه مش راضيه تبصيلي ، أنا من ساعة ما دخلت و انتي مركزه اوي مع الحيطه دي !
نظرت جنه إليه و قالت : مش عايزه سماح تقلق .
قال إياد بجديه : يبقى الأول أوعديني تسمعي الكلام و بكره تيجي معايا نشوف دكتور متخصص.
قالت جنه و هي تغالب دموعها : اهو انت كده على طول عاملني لعبتك ، اسمعي الكلام اكلم عبدالله ، تعالي نتعشى الأول و هآخد القسط ، اعزميني و مش عارفه هيحصل ايه...
اضطرب إياد لدى رؤية دموعها و قال : أنا مش قصدي ازعلك ، و اهو خلاص هاكلم عبدالله ، بس متعيطيش.
و في غضون ثوان أنهى المكالمه و قال : كلها نص ساعه و سماح تكون عندك.
مسحت جنه دموعها و قالت : متشكره .
قال إياد بفتور : العفو ، على ايه.
أحس إياد بفشله الذريع فهو حتى الآن لم يقنعها برؤية طبيب آخر ، زد على ذلك تكديره لها و تسببه في بكائها .
عضت جنه على شفتها السفلى و نظرت إليه ثم قالت بتردد : حضرتك تقدر تتفضل ، أنا تعبتك معايا ، و سماح زمانها جايه .
قال إياد بعتاب : ايه زهقتي مني ؟
قالت جنه بحرج : لا مش كده ، بس حضرتك أكيد وراك حاجات مهمه .
زفر إياد و قال : احنا مش اتقفنا بلاش حضرتك دي ، و لا خلاص معدتيش عاوزانا نفضل أخوات .
قالت جنه : لا ازاي ، أكيد حابه نفضل اخوات .
قال إياد محاولاً استفزازها : بس أنا حاسس غير كده خالص .
نظرت إليه جنه مندهشه و سألت بقلق : ليه بتقول كده يا إياد ؟
ضحك إياد و قال : الله اتاري اسم حلو و انا مش عارف.
ابتسمت جنه فأضاف : طب لو احنا اخوات بجد ، قوليلي كنتي بتجري ليه كده و رايحه على فين ؟
قالت جنه بصوت مليء بالحزن : كنت عايزه أساعده ، بس مقدرتش .
سأل إياد باهتمام : تقصدي مين ؟
قالت جنه : أصل في ولد بيجي المكتبه و شكله غلبان اوي ، هدومه مقطعه و مش نضيف ، اول مره جه خاد كتاب ، افتكرته بيجي عشان يسرق ، لكن انهارده جه و رجع الكتاب اللي خده ، و أول مره هرب و لحقته كنت عايزه اساعده بس شكله خاف مني .
قاطعها إياد : يعني دي مش أول مره تخرجي تلفي وراه فالشوارع ، و المره اللي فاتت حصلك ايه .
ابتسمت جنه و قالت : فاكر أما بت عندكو في الفيلا ، اهو يوميها كنت ماشيه وراه ، و هرب مني و حصل اللي حصل بعدها .
قال إياد بغضب : تقومي تعملي كده تاني ، ايه مش خايفه يحصلك حاجه ، و لا يكون وراه مصيبه .
قالت جنه مدافعه : أصل المرادي كان شكله مضروب جامد ، و ايده ، ايده يا إياد كانت زي اللي محروقه ، صعب عليا محستش بنفسي ، كان لازم اعمل أي حاجه عشان أساعده و انقذه من البيئه اللي هو فيها .
قال إياد موبخاً : هو انتي مش بتسمعي أخبار و لا بتقري جرايد ، أكيد اللي بيعمل كده حد من أهله ، هتعملي ايه ساعتها هاتشتكيهم للبوليس .
قاطعته جنه : لا مش أهله ، هو قالي ان الست بتقوله أنها مش مامته .
لم يشأ إياد أن يجادلها أكثر في هذا الموضوع ، فما زالت متعبه ، و عليه أن يقنعها بأن تذهب معه غداً لرؤية طبيب آخر.
قال إياد محاولا إقناعها : ايه رأيك لو جه الولد ده تاني المكتبه ، تكلميني فساعتها و أنا هابعت حد يعرفلك عنوانه و ساعتها نقدر نساعده ، بس بعقل .
أومأت جنه موافقه و قالت : متشكره اوي يا إياد ، أنا مش عارفه اشكرك ازاي .
قال إياد مستغلا الفرصه : توعديني بكره نروح لدكتور متخصص ، و نآخد رأيه ، مش هتخسري حاجه .
لاحظ إياد ترددها فقال مازحاً : ايه مش عايزه تطمني قلب أخوكي الأمير ، على فكره كده هتبقي أنتي الأميره الشريره .
ابتسمت جنه رغماً عنها و قالت : أمري لله .
يتبع
" لَقدْ عَاد مَنْ يَعْجَزْ الكلُ أمَامَه "
---------------------------------
عشر دقائق تلك هي المده التي استغرقها سائق الأجره لإيصالهم إلى المشفى ، عشر دقائق مرت و كأنها عشر عقود ، عشر عقود من الرعب و القلق على سلامتها ، جلس في سيارة الأجره ينظر إلى ذلك الوجه الملائكي و الجسد النحيل يتآكل قلبه من قلة حيلته ، تمنى لو بمقدوره مساعدتها و لكن فشلت جميع محاولاته بإيقاظها .
فور توقف سيارة الأجره حملها و هرول مسرعاً إلى داخل المشفى ، صارخاً يطلب الإسعاف الفوري ، تقدمت منه إحدى الممرضات
و قالت : اهدى أرجوك و حالاً هيجي الدكتور .
حضر المسعفون و تم نقلها إلى إحدى الغرف المجاوره ، صرخ إياد : أنا لازم ادخل معاكو ، عايز اطمن عليها ، وقفت الممرضه أمام الباب و قالت آمره : ممنوع حضرتك اتفضل في الاستراحه و أنا أول بأول هاطمنك عليها .
¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤
داخل غرفة الطوارىء
قال الطبيب الشاب : نبض القلب منخفض جداً ، لازم نعمل انعاش .
قالت جنه : هو أنا ليه مش قادره افتح ، شكله رجع تاني ، ليه يا قلبي ، ليه دلوقتي !
ثم شهقت .. بلاش الصاعق .
ثوانٍ بعد تلقيها الصدمه أحست بعودة دقات قلبها كما اعتادتها و تدريجياً اختفت الآم الصدر التي كانت تحس بها ، و لكنها ما زالت متعبه ، لا بأس ستبقى مغمضة العينين قليلا ً حتى تحصل على قسط من الراحه.
¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤
حاول إياد اعتراض طريق المسعفين عندما أخرجوا جنه على النقاله ، أراد أن يطمئن عليها و لكن أوقفه الطبيب قائلاً : حضرتك جاي مع المريضه ؟
أجاب إياد : أيوه أنا أخوها ، طمني يا دكتور، هي كويسه ؟
أجابه الطبيب : مخبيش عليك ، هي عندها بدايه سكته قلبيه ، لكن احنا لحقناها و قدرنا نرجع نبض القلب لطبيعته مره تانيه .
تراجع إياد و جلس على المقعد ، فلم تقدر قدماه على حمله بعد تلقي ذلك النبأ و قال : يعني ايه سكته قلبيه ، دي لسه طفله ، و السكته دي احتمال ترجع تاني ، احتمال تموتها ....
كان إياد يهذي باحتمال تلو الآخر مما اضُطر الطبيب إلى الصياح في وجهه و قال : اهدا يا أستاذ ، لسه في فحوصات كتير لازم تتعمل عشان نتأكد هل القلب سليم ، و لو في مشكله كل شيء و له علاج ، بلاش تستبق الأحداث و تتوقع الأسوء ، خلي أملك في الله كبير ، و أحب اطمنك إن قلبها استجاب بسرعه للانعاش و في ثانيه رجع لمعدله الطبيعي ، و دي إشاره كويسه .
قال إياد متوسلاً : أنا لازم اشوفها و اطمن عليها .
أجابه الطبيب : نظراً لحالتك أنا هخليهم يسمحولك تشوفها ، بس الأول لازم يتعملها بعض الاجراءات و عشر دقايق و تقدر تدخل تشوفها .
¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤
طلبت الممرضه داخل غرفة العنايه المركزه من إياد أن يلتزم الصمت .
ثم أضافت بصوت آمر : خمس دقايق و بس .
أومأ إياد برأسه موافقا ، ثم تقدم من السرير الذي ترقد عليه جنه ، و جلس على المقعد المجاور ، أراد أن يُمسك بيدها ليتأكد من عودة نبضها لطبيعته كما قال الطبيب ، و لكنه لم يستطع فحسب تعليمات الطبيب ممنوع اللمس أو الكلام .
سمعها تتمتم : لازم الاقيه ، حرام ...هتحرقه تاني .
همس إياد : جنه ، أراد أن يفيقها لينتهي هذا الكابوس الذي تمر به .
أعاد نداءه هامساً مره أخرى : جنه متخافيش ، ده كابوس .
شاهدها تدير رأسها ببطء ناحيته ، ثم فتحت عينيها لتعود و تغلقها ، و تمتمت : إياد ، أخويا الأمير ، ثم أضافت بأسى : بس للأسف طلع أمير شرير .
ابتسم إياد رغما عنه فمصطلحاتها الطفوليه أسعدته و همس قائلاً : حمدالله على السلامه يا أميرتي الصغيره .
لم ترد جنه ، فيبدو أنها في حالة من اللاوعي ، دخلت الممرضه و أشارت بأن عليه الخروج فقد مضت أكثر من خمس دقايق .
نهض من مقعده ، و نظر إلى جنه ثم انحنى و قبل جبينها هامساً : لازم تخفي بسرعه عشان أخوكي الأمير يرجع طيب زي ما كان .
¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤
جلست سماح تصغي إلى حديث الحاجه رقيه " أم عبدالله " ، تاره تعلق و تاره تبتسم لدعابة المرأه التي تفوق الستين عاماً ، و ذات الوجه البشوش ، و تمنت للحظات لو أن باستطاعتها أن تكون مثل باقي الفتيات عندما تأتي والدة أحدهم لخطبتها ، تمنت لو أن قلبها تتخالجه تلك الأحاسيس التي تسمع عنها من غبطه و قلق و بهجه و توتر في آن واحد .
قالت رقيه : من زمان و أنا نفسي أقابلك من كتر ما عبدالله حكالي عنك ، بس هو كان بيقولي أما الظروف تسمح .
ردت سماح بهدوء : حضرتك تقدري تشرفي في أي وقت .
قالت رقيه ضاحكه : ما خلاص بكره هتبقي زي بنتي تمام .
قالت سماح بأسى : رينا يخليكي يا طنط .
قالت رقيه بصوت ينم عن الجديه : معلش يا بنتي أنا رغيت كتير و لسه متكلمتش فالموضوع اللي عبدالله بعتني عشانه .
تنهدت سماح و قالت : خير يا طنط .
قالت رقيه بفرح : خير و كل خير ، عبدالله ابني و نور عيني قالي يا ريت تزوري الآنسه سماح و تاخدي عنوان أهلها عشان نيجي نزوركم و نطلب إيدك من أهلك .
تنحنحت سماح و قالت : بس الاول في حاجه عايزه أصححها .
قالت رقيه باستغراب : حاجه ايه اللي تصححيها يا بنتي ؟
أجابت سماح بضيق : أنا مش آنسه .
ضحكت رقيه و قالت : مش آنسه ازاي يعني ؟
¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤
أمضى إياد الساعتين المنصرمتين أمام غرفة العنايه المركزه ، ينتظر الطبيب ريثما ينتهي من الفحوصات الضروريه لمعرفة ما العله الموجوده بقلب جنه .
حضرت الممرضه و قالت : تقدر تفضل في غرفة الدكتور ، نتيجة الفحوصات ظهرت ، و إن شاء الله تطمن عليها .
شكرها إياد و توجه إلى غرفة الطبيب ، طرق الباب و من ثم دخل .
قال الطبيب : تفضل استريح حضرتك .
سأل إياد بقلق : طمني يا دكتور ، جنه هتبقي كويسه مش كده .
قال الطبيب مطمئناً : هي بقت كويسه الحمد لله .
سأل إياد باهتمام : بس حضرتك قلت إن عندها بدايه سكته قلبيه .
أجاب الطبيب بتردد : فعلا الأعراض اللي دخلت بيها المستشفى هي أعراض السكته القلبيه ، من ضيق تنفس و فقدان للوعي و تباطىء دقات القلب بشكل كبير ، لكن قلبها دلوقتي سليم ميه فالميه .
سأل إياد : طب ايه سبب اللي حصلها ؟
قال الطبيب بعد تفكير : يمكن تكون سكته مفاجأه و ده أصعب نوع ، بيجي بدون مقدمات و غالباً بيؤدي للوفاه ،لكن قلبها دلوقتي بيؤدي وظايفه بشكل طبيعي .
قال إياد بحزم : طالما حضرتك مش متأكد ، أنا عايز أعرف امتى أقدر انقلها لمستشفي متخصص ، أنا مستعد اجبلها أكبر المتخصصين بس تخف .
قال الطبيب : مبدئياً ضروري الليله تبات هنا فالمستشفي تحت المراقبه .
قال إياد : طب أنا محتاج نتايج الفحوصات و التحاليل اللي عملتها .
رد الطبيب معتذراً : للاسف مقدرش ، دي حاجه تخص المريضه ، و اللي عرفته إن حضرتك مش أخوها ، فمقدرش اديك معلومات عن المريضه ، أنا هنا عملت استثناء لأننا كلنا شفنا قلق حضرتك عليها ازاي ، لكن نتايج و فحوصات لازم بإذن المريضه .
قال إياد ممتعضا ً : طب هي فاقت دلوقتي ، أقدر ادخل اطمن عليها ؟
أجاب الطبيب : الحمد لله فاقت و بتتكلم و مُصره تخرج من المستشفى كمان .
نهض إياد من مقعده و قال مسرعاً : طب عن اذنك ، أنا هاروح اطمن عليها .
استوقفه الطبيب و قال : استنى ، أنا طلبت ينقلوها من قسم العنايه المركزه .
سأل إياد بقلق : نقلتوها فين ؟
أجاب الطبيب بحرج : متقلقش نقلناها غرفه تانيه ، حالتها مستقره ، و زي ما انت شايف المستشفي إمكانياته قليله و في مرضى كتير محتاجين عنايه أكتر منها .
زفر إياد بغضب و قال : طب هي فين دلوقت ؟
أجاب الطبيب بتثاقل : اهو هاكلمهم و اشوف نقلوها أنهي قسم .
انتظر إياد ريثما ينتهي الطبيب من المكالمه ، عازما ً على نقل جنه في الغد إلى مستشفي متخصص في أمراض القلب ، فهذا المستشفى ذو امكانيات متواضعه كما هو ظاهر و لكن عندما فقدت وعيها اضطر إياد للجوء إليه نظرا لكونه الأقرب.
¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤
نزلت ماهيتاب الدرجات كالفراشه ، فالليله بفضل هذا الهيثم ستحضر حفل " شباب مجنون " ، تلك الشله المسئوله عن تنظيم ذلك السبق الشهير ، لم تقتصر العضويه فيها على أبناء بلدتها بل تضم بعض من أبناء كبار نجوم المجتمع من مختلف المدن ، وجدته ينتظرها بسيارته على مدخل الفيلا و تكدرت .
فتحت الباب و ركبت بجواره في المقعد الأمامي و قالت بضيق : أنا مش قلتلك تستنى على آخر الشارع .
قال هيثم متهكماً : ايه خايفه من مين يا حلوه ، مش بابا الله يرحمه برده .
قالت ماهيتاب بحنق : مش حكاية خايفه ، بس ليه أجيب لنفسي وجع الدماغ.
سأل هيثم بخبث : ابن عمك برده ؟
ردت ماهيتاب : ما انت عارف و فاهم اهو .
سأل هيثم مدعياً عدم الاهتمام : بس ده شكله مرتبط مع الموزه بتاعة المطعم .
قالت ماهيتاب بغضب : مزه ، ايه شكل حضرتك معجب بيها بقى .
قال هيثم مسرعاً : لا معجب ايه ، أنا مش مالي قلبي و لا عقلي غيرك يا روحي ، و أما نوصل الحفله هتعرفي أنا سألت عنها ليه .
قالت ماهيتاب : احنا هنفضل نرغي كتير ، يلا شغل العربيه دي بلاش نتأخر .
بعد أقل من نصف ساعه ، أوقف هيثم السياره و ترجل منها و كذلك فعلت ماهيتاب التي تأبطات ذراعه و دلفا إلى مدخل الفيلا المقام بها الحفل .
على البوابه ، قام شاب يرتدي زي الخدم بتسليم كل منهما مظروفاً مكتوبا عليه بخط عريض "تفاصيل اللعبه"
Game’s Instructions
¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤
وقف إياد على باب الغرفه التي أخبره الطبيب بنقل جنه إليها ، حاملا في يده حقيبتها ، طرق الباب لتفتح له الممرضه مبتسمه ، و قالت : اتفضل حضرتك ، قريبتك أول سرير على ايدك اليمين .
شكرها إياد و دلف إلى الغرفه ، ماراً بثلاثة أسره ، وقف بجوار الستاره التي تحجب جنه عن السرير المجاور لها ، تنحنح و قال : جنه ، ممكن ادخل اشوفك ؟
ردت جنه بصوت خفيض : اتفضل .
أزاح إياد الستاره قليلا ليدخل ، ثم أعادها كما كانت و قال : حمد الله على السلامه.
أجابت جنه و هي تقبض بيديها على الملاءه : الله يسلمك .
بقي لحظات يتأملها ، وبقيت هي على حالها تقبض على الملاءه بشده و تنظر إلى الحائط بتركيز شديد كأنها في خضم حل لغزٍ ما في ذلك الفراغ .
قالت جنه : ممكن الشنطــ قال إياد : الدكتور طمنـ
تحدثا في آن واحد ، ثم صمتا ، ليقول إياد : كنتي عايزه تقولي ايه ؟
قالت جنه : عاوزه اكلم سماح ، زمانها قلقانه عليا جدا .
قال إياد : طب قوليلي رقمها و أنا هاكلمها و اطمنها عليكي .
ردت جنه : ما أنا مش حافظه الرقم ، عشان كده ممكن تديني الشنطه آخد الموبايل اكلمها .
قال إياد مطمئنا : خلاص أنا كمان شويه هاكلمها ، الاول طمنيني عليكي انتي كويسه.
قالت جنه بنفاذ صبر : معلش أنا حابه أكلمها بنفسي.
قال إياد محاولاً إقناعها : هتكلميها دلوقتي ، هتيجي جري على المستشفى ، و هتحتاس فالمواصلات فالوقت ده ، أنا بعد شويه هاكلم عبدالله يروح يوصلها و يجبهالك لحد عندك ، ايه رأيك و لا عايزه صاحبتك تتبهدل فالمواصلات فالوقت المتأخر ده .
أومأت جنه موافقه : عندك حق ، ثم أضافت :و متشكره اوي تعبت حضرتك معايا .
و عاد الصمت سيداً للمكان مره أخرى ، و مره أخرى ظل يتأملها و ظلت هي تنظر للحائط و تقبص بيديها على الملاءه .
قال إياد : طمنينـــــــــ قالت جنه : حضرتك تقدر .....
و مره أخرى تحدثا في نفس الوقت ، ليضحك إياد و يقول : المرادي هقول أنا الأول .
و أضاف : الدكتور طمني عليكي و قال إن الحاله مستقره .
قاطعته جنه : آه ما هو جه و طمني و قال إني أقدر أخرج بكره .
قال إياد بحزم : بس مش هتروحي البيت على طول .
نظرت جنه إليه بقلق و سألت : بس الدكتور قال إني أقدر اروح البيت بكره !
حاول إياد إخبارها بما عزم عليه دون أن يقلقها و قال : صحيح ، لكن زي ما انتي شايفه المستشفى هنا إمكانياته متواضعه ، و الدكتور المختص لسه شاب و معندوش خبره كافيه ، فأنا من بكره هأنقلك لمستشفى متخصص ، يعني عشان نبقى مطمنين
و ناخد second opinion مش أكتر .
هزت جنه رأسها بالنفي و قالت : مفيش داعي ، أنا مش حاسه بوجع و لا تعب ، و هابقى اعمل زي ما قال الدكتور ، هاخلي اسبرين في شنطتي لو حسيت بوجع هآخد حبايه و هابقى كويسه .
زفر إياد و قال بهدوء : برده مش هنخسر حاجه لو عرضنا حالتك على دكتور تاني.
قالت جنه : مفيش داعي حضرتك تقلق ، خلاص أنا بقيت كويسه ، شوية ارهاق و راحوا لحالهم ، و زي ما قلت هاخلي الاسبرين احتياطي معايا.
لم يتمالك إياد نفسه و قال بعصبيه : حبايه ايه و اسبرين ايه ، انتي مستوعبه حالتك ، ده انتي مكنتيش قادره تاخدي نفسك ، هتلحقي تاخدي حبايه ، بكره هنروح و نعرضك على دكتور متخصص .
قالت جنه بحنق : اظن أنا اقدر أحدد إذا كنت محتاجه دكتور متخصص و لا لا ، و الحمد لله أنا بقيت كويسه ، و تقدر حضرتك تتفضل تروح .
لعن إياد نفسه بصمت ، فبعصبيته هذه لن يستطيع اقناعها ، و حتماً ما زالت متأثره بما فعله و قاله لها في طريق العوده البارحه .
قال إياد بصوت حانٍ : هو انتي لسه زعلانه مني ؟
ردت جنه على الفور : و هازعل منك ليه يعني ، ده كتر خيرك جبتني هنا .
قاطعها إياد و قال : أنا أقصد عشان اتعصبت عليكي امبارح .
هزت جنه رأسها و قالت : لا مش زعلانه ، و عموماً كل واحد بيتصرف حسب أخلاقه.
ضحك إياد و قال مازحاً : مالها أخلاقي بقى ، ده أنا حتى أمير ، يعني أخلاقي أخلاق الفرسان .
قالت جنه بفتور : ما أنا كنت فاكره كده برده .
قال إياد مدعياً الزعل : و دلوقتي ، غيرتي رأيك .
صمتت جنه ، فقال إياد : أنا آسف إني اتعصبت عليكي ، بس أنا كنت زي أي أخ بيخاف على أخته ، و ساعات من خوفه بيتعصب عليها و يزعلها ، لكن كمان أخته لازم تقدر مشاعره و تلتمسه العذر.
سألت جنه بغيظ : كنت خايف عليا من ايه بالظبط ، معلش مش فاهمه !!!!
فكر إياد في الرد الأمثل قبل أن يجيبها ثم قال : مش حاجه معينه بالظبط ، و لا كلامي اللي هاقوله أقصد بيه كريم لانه عشرة عمر و أعرفه كويس ، بس أنا خايف عليكي من طيبتك الزياده و تلقائيتك في التعامل مع الناس و خاصه لو اللي بتتعاملي معاه راجل ....
قاطعته جنه : مفيش داعي تكمل ، أنا فهمت قصدك الحقيقي .
سأل إياد بجديه : و ممكن أعرف بقى قصدي اللي فهمتيه ؟
قالت جنه : انت مكنتش خايف عليا ، انت كنت خايف اتعدى حدودي ، و اخرج بره الاطار اللي انت محددهولي .
قال إياد بدهشه : ايه الكلام الكبير ده ، أنا مش فاهم أي حاجه !
ثم أضاف : تحبي احلفلك عالمصحف ، و الله كله من خوفي عليكي .
احتار إياد ماذا يفعل لإرضائها ، و تمنى أن تقتنع بالسبب الذي ذكره لانفعاله عليها البارحه ، فهو بالتأكيد لن يستطيع أن يبوح بالسبب الحقيقي ، على الأقل الآن ، لن يستطيع أن يخبرها بمشاعره و هي في هذه الحاله .
عنَت له فكره و قال : طب لو مقلتيش إنك مش زعلانه ، هاعمل اعتصام و هنام جنبك هنا عالارض و خلي بالك ..
قاطعته جنه و قالت : مش هتقدر ، ممنوع راجل يبات عند الستات .
قال إياد بمرح : طب تراهنيني و نشوف مين يكسب .
قالت جنه بتردد : مفيش داعي ، أنا خلاص مش زعلانه .
سأل إياد بجديه : من قلبك ؟؟؟
أومأت جنه برأسها و قالت : مش هتكلم عبدالله .
قال إياد : أما أتأكد الأول إنك مش زعلانه .
قالت جنه مؤكده : و الله خلاص مش زعلانه .
سأل إياد : امال ليه مش راضيه تبصيلي ، أنا من ساعة ما دخلت و انتي مركزه اوي مع الحيطه دي !
نظرت جنه إليه و قالت : مش عايزه سماح تقلق .
قال إياد بجديه : يبقى الأول أوعديني تسمعي الكلام و بكره تيجي معايا نشوف دكتور متخصص.
قالت جنه و هي تغالب دموعها : اهو انت كده على طول عاملني لعبتك ، اسمعي الكلام اكلم عبدالله ، تعالي نتعشى الأول و هآخد القسط ، اعزميني و مش عارفه هيحصل ايه...
اضطرب إياد لدى رؤية دموعها و قال : أنا مش قصدي ازعلك ، و اهو خلاص هاكلم عبدالله ، بس متعيطيش.
و في غضون ثوان أنهى المكالمه و قال : كلها نص ساعه و سماح تكون عندك.
مسحت جنه دموعها و قالت : متشكره .
قال إياد بفتور : العفو ، على ايه.
أحس إياد بفشله الذريع فهو حتى الآن لم يقنعها برؤية طبيب آخر ، زد على ذلك تكديره لها و تسببه في بكائها .
عضت جنه على شفتها السفلى و نظرت إليه ثم قالت بتردد : حضرتك تقدر تتفضل ، أنا تعبتك معايا ، و سماح زمانها جايه .
قال إياد بعتاب : ايه زهقتي مني ؟
قالت جنه بحرج : لا مش كده ، بس حضرتك أكيد وراك حاجات مهمه .
زفر إياد و قال : احنا مش اتقفنا بلاش حضرتك دي ، و لا خلاص معدتيش عاوزانا نفضل أخوات .
قالت جنه : لا ازاي ، أكيد حابه نفضل اخوات .
قال إياد محاولاً استفزازها : بس أنا حاسس غير كده خالص .
نظرت إليه جنه مندهشه و سألت بقلق : ليه بتقول كده يا إياد ؟
ضحك إياد و قال : الله اتاري اسم حلو و انا مش عارف.
ابتسمت جنه فأضاف : طب لو احنا اخوات بجد ، قوليلي كنتي بتجري ليه كده و رايحه على فين ؟
قالت جنه بصوت مليء بالحزن : كنت عايزه أساعده ، بس مقدرتش .
سأل إياد باهتمام : تقصدي مين ؟
قالت جنه : أصل في ولد بيجي المكتبه و شكله غلبان اوي ، هدومه مقطعه و مش نضيف ، اول مره جه خاد كتاب ، افتكرته بيجي عشان يسرق ، لكن انهارده جه و رجع الكتاب اللي خده ، و أول مره هرب و لحقته كنت عايزه اساعده بس شكله خاف مني .
قاطعها إياد : يعني دي مش أول مره تخرجي تلفي وراه فالشوارع ، و المره اللي فاتت حصلك ايه .
ابتسمت جنه و قالت : فاكر أما بت عندكو في الفيلا ، اهو يوميها كنت ماشيه وراه ، و هرب مني و حصل اللي حصل بعدها .
قال إياد بغضب : تقومي تعملي كده تاني ، ايه مش خايفه يحصلك حاجه ، و لا يكون وراه مصيبه .
قالت جنه مدافعه : أصل المرادي كان شكله مضروب جامد ، و ايده ، ايده يا إياد كانت زي اللي محروقه ، صعب عليا محستش بنفسي ، كان لازم اعمل أي حاجه عشان أساعده و انقذه من البيئه اللي هو فيها .
قال إياد موبخاً : هو انتي مش بتسمعي أخبار و لا بتقري جرايد ، أكيد اللي بيعمل كده حد من أهله ، هتعملي ايه ساعتها هاتشتكيهم للبوليس .
قاطعته جنه : لا مش أهله ، هو قالي ان الست بتقوله أنها مش مامته .
لم يشأ إياد أن يجادلها أكثر في هذا الموضوع ، فما زالت متعبه ، و عليه أن يقنعها بأن تذهب معه غداً لرؤية طبيب آخر.
قال إياد محاولا إقناعها : ايه رأيك لو جه الولد ده تاني المكتبه ، تكلميني فساعتها و أنا هابعت حد يعرفلك عنوانه و ساعتها نقدر نساعده ، بس بعقل .
أومأت جنه موافقه و قالت : متشكره اوي يا إياد ، أنا مش عارفه اشكرك ازاي .
قال إياد مستغلا الفرصه : توعديني بكره نروح لدكتور متخصص ، و نآخد رأيه ، مش هتخسري حاجه .
لاحظ إياد ترددها فقال مازحاً : ايه مش عايزه تطمني قلب أخوكي الأمير ، على فكره كده هتبقي أنتي الأميره الشريره .
ابتسمت جنه رغماً عنها و قالت : أمري لله .
يتبع