اخر الروايات

رواية اصداء القلوب الفصل الحادي عشر 11 بقلم سهي الشريف

رواية اصداء القلوب الفصل الحادي عشر 11 بقلم سهي الشريف


11 | خيُـوط مُتشـابكـة

                                              

سَنَرجِعُ يوماً إلى حَيِّنا
ونغرَقُ في دافِئاتِ المُنى
سنرجِعُ مهما يمرُّ الزمان
وتَنْأى المسافاتُ ما بيننا

+


ومازال بين تلالِ الحنينْ
وناسِ الحنينْ مكانٌ لَنا
فَيَا قلبُ كَم شَرَّدتنا الرياحْ
تعالَ سنرجِعُ هَيّا بِنا .

+


- إنتهى العد؛ مُبارك يا شعب غزة.

1


───────────────── ˖.˚⋆ .

+


#رواية_أصداء_القلوب
#الفصل_الحادي_عشر
#سهى_الشريف 

+


- قـراءة مُـمتعـة ෆ .

+


───────────────── ˖.˚⋆ .

+


يمتد الطريق المؤدي إلى الجامعة البريطانية ، على طول شوارع مدينة الشروق وتُحيط به مساحات خضراء واسعة تعكس الطابع الهادئ للمنطقة ، عند الاقتراب من الجامعة تبرُز البوابة الرئيسية بتصميمها الفخم والحديث، تحمل شِعار الجامعة محفورًا على لوح معدني أنيق، بينما يقف حُراس الأمن بزي رسمي للتحقق من هويات الداخلين.

+


بمجرد العبور من البوابة، تُفتح الساحة الرئيسية أمامك، حيث تمتد الممرات بين مبان ذات تصميم معماري متناسق وحديث ، مبنى كلية "التكنولوجيا الحيوية" يبرز بألوانه الزاهية ونوافذه الكبيرة التي تُظهر تجهيزاته الحديثة ، يُزين المدخل الرئيسي لوح يحمل اسم الكلية بحروف بارزة.

+


عند الدخول إلى مبنى الكلية، تُصادف ممرًا طويلًا تتوزع على جانبيه القاعات الدراسية والمعامل ، السقف المرتفع والإضاءة الطبيعية يمنحان المكان إحساسًا بالرحابة ، الأرضية الملساء تعكس خطوات "يوسف" الواثقة بينما يحمل بيده ملفات التجارب الخاصة بالمعمل .

+


صعد "يوسف" درجات السُلم المؤدي إلى الطابق الأول، حيث تنتشر المكاتب الصغيرة على جانبي الممر ، لافتة صغيرة تحمل عبارة 'مكتب المعيدين' كانت الوجهة النهائية ، المكتب بسيط وعدة ملفات مرتبة بعناية على الأرفف الخلفية.

+


بعد إلقاء السلام على زُملائه وضع أغراضه و نظمها بشكل مُرتب و راجع الأدوات التي سيعمل بها اليوم ثم غادر مكتبه متجهًا إلى المعمل الكبير في الطابق الأرضي. 

+


أبواب المعمل من النافذة الزجاجية كانت تُظهر مجموعة الطلاب المُنتظرين، بينما الأجهزة مُرتبة على الطاولات الطويلة .

+


كانت الساعة تُشير للتاسعة و الأربع دقائق صباحاً حين دلف عبر باب المعمل ، ليأخُذ انتباه جميع الطُلاب ، و من هيئته المُنمقة لم تخفى على أحد كونهُ " مُعيد " هذا المعمل. 

2


وضع أغراضه على المكتب ثم رفع وجهه و أعاد نظارته الطبية للخلف ثم ألقى نظره على الطُلاب من حوله و هتف بهدوء و ابتسامة ودودة :

+


- السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

+


رد الطُلاب السلام في نفس واحد ، ليعُم صمت بعدها لوهلة فتستائل في محاولة لكسر الجمود بينهم :

+



          

                
- كدة كُلنا كاملين ولا حد برا ؟

+


طالع الجميع في بعضهُم و أجابوا بالإيجاب ليومأ برأسه و طالع ساعة معصمة ثم أردف :

+


- طيب مش مشكلة ، نستناهم خمس دقائق كمان عشان سيكشن النهاردة مهم. 

1


و بعد ذلك عم صمت مُطبق إلا من بعض الهمسات بين الطُلاب و رفاقهم ، أستغل فيها " يوسف" توصيل جهازة اللوحي بشاشة العرض لتجهيز العرض التقديمي. 

+


مرت دقائق عديدة توالا فيها الطُلاب تِباعاً ، و حين أنتهت مُدة الإنتظار بدأ " يوسف" بتناول التمهيد حول مُقرر المعمل لهذا العام .

+


دقائق تبعتها أُخرى ، حتى انتصفت التاسعة بل و اقتربت لدقيقتها الأربعون ، و أثناء ذلك الإنشغال التام في الشرح و المحاولة لتدوين كم المعلومات المشروحة وصلت طرقات مُنتظمة شتت ذلك التواصل و أخذت أنتباه الجميع نحو هوية الطارق .

+


ألتفت " يوسف" للباب ثم هتف بالموافقة للطارق لينفتح الباب على مهل ، توقفت الأنفاس للحظة حين ظهرت «هي» في المشهد وتسللت رائحة عطرها الناعمة لتملأ الأجواء .

+


كانت ترتدي بِنطالًا من الجينز الأزرق الفاتح واسع الساقين، مع حزام بُني عريض يبرز خصرها المُتزن ، ارتدت فوقه بلوزة بيضاء حريرية بأكمام منفوخة قليلاً، تزينها تطريزات أنيقة على أطراف الأكمام التي انسدلت حتى منتصف ساعديها ، البلوزة كانت مدسوسة بعناية داخل البنطال مما أضاف لمسة أنيقة لطلّتها.

+


شعرها البُني تم جمعه في كعكة مرتفعة بعفوية، مع خصلات حريرية انسدلت لتؤطر وجهها برقة ، ناهيكم عن تناسق الحقيبة و الحذاء و الإكسسوارات مع باقية الهيئة .

+


و لكن ما كان أخاذاً بحق ؛ هو عيناها ذات اللون المُميز الزمردي، و جمالها الذي يسحر ناظره لوهلتهِ الأولى ، قبل أن يتحدث لسانها ليجعل فكرة إعادة النظر حولها فكرة سديدة ، بل تنتهي بالحذر في التعامل معها .

+


توقفت خطواتها و اتجهت ببصرها لـ " يوسف " الذي مثله كغيره شاهد تقدمها و آثرها الذي لا يخفى على أحد و لكن كانت نظراته لسبب آخر ، صرح بهِ قائلاً بشئ من الحِدة :

+


- هو إنتِ معانا ؟

+


طالعت فيه للحظة و حاولت السيطرة على أنفاسها المُرتفعة بعض الشئ و أجابت بسؤال آخر بهِ شئ من الإستعلاء :

+


- مش دا سيكشن الهندسة الوراثية؟

+


أجابها " يوسف " بنظرات مُحايدة:

+


- آيوه صحيح .

+


طالعت فيه قليلاً تنتظر أن يسمح لها بالدخول ، بينما هو شعر بشئ خاطئ فضيق عيناه و سألها بشئ من الحِدة :

+


- يعني إنتِ معانا هنا ؟؟

+


ضاقت في نفسها شئ من حِدته معها ، هي لا تقبل التعامُل بشِدة معها أي كانت الظروف ، و لكنها لمحت رفيقتها من بعيد فأردات تمرير الموقف للذهاب لها فأجابت بملامح باردة :

+



        

فتقدم " مراد " بلا مبالاة يتجه للمقعد و هو يقول :

+


- طيب إذا كان كدة ماشي .

+


تابعه " جواد " بقلة حيلة و هو يستوطن المقعد أمام مكتبه بكل برود ليهتف مُتسائلاً :

+


- عملت إلي قلتلك عليه ؟؟

+


طالع فيه " مراد " لبُرهة ثم تنحنح قائلاً :

+


- طبعاً دا أنا جبتلك الديب من دماغه .

+


- "ديله" ..

+


هتف " مراد " بعدم فِهم :

+


- إيه ؟

+


- أسمها جبته من ديله مش من دماغه !

+


- لا دماغه أحسن ، يعني مسكت فيه كويس ..

2


هتف " جواد " بعدها بنفاذ صبر و حدجه قائلاً :

+


- آيوه عملت إيه بقا ؟

+


- بص وصلت للعنوان إلي قلتلي عليه بس ملقتش حد في البيت ..

+


طالع فيه " جواد " بتركيز ثم سأله :

+


- مسألتش حد من المنطقة ؟

+


- سألت ؛ قالوا أنها ست عايشة لوحدها و معاها ولد و بنتين بس ..

+


ضيق " جواد " عيناه بتفكير ، ليهتف " مراد " بجدية مُتسائلاً :

+


- هو أنت بعتني ليه ؟ مبعتش حد من إلي شغالين معاك ليه ؟؟

+


عاد " جواد " من شروده و قال بنبرة غامضة :

+


- هتعرف بعدين .. بس المهم عندي إنت لازم تروح الحتة دي تاني و في كمان منطقة تانية عاوزك تروحها ..

+


هتف " مراد " باعتراض :

+


- لا بقا كدة كتير ! مش رايح حتت شعبية أنا تاني مبعرفش أتعامل مع الناس دي ، روح المحقق إلي جواك مطلعهاش عليا !

+


- أفهم يا متخلف ، مقدرش أثق في حد غيرك في الموضوع ده .

+


هتف " مراد " بسخرية :

+



        
          

                
- يعني مش واثق في المحامين إلي معاك ؟

+


أجابه " جواد " بنبرة جامدة :

+


- على فكرة دول محاميين مش جواسيس !

+


- تقصد إني جاسوس !

+


طالع فيه " جواد " لوهلة بصدمة عاجز عن إيجاد عبارة مُناسبة لوصفه بها و لكن قاطعته طرقات " يُمنى " تدلف بفنجان القهوة ثم وضعته أمامه بهدوء و قالت :

+


- تُأمرني بحاجة تانية يا مستر جواد ؟

+


خفت حِدة ملامح " جواد " و ارتسمت ابتسامة خفيفة على وجهه و قال :

+


- تسلميلي يا يُمنى ..

+


فأومت برأسها بخجل و غادرت ، بينما " مراد " لم يجهل ما حدث و راقب الموقف بأعيُن ضيقة و فور أن غادرت ألتفت لجواد و مال بجذعه و هتف له :

+


- إيه إلي حصل ده ؟؟؟!

+


رفع " جواد " عيناه له ثم أرتشف من القهوة و تسائل بتصنُع :

+


- إيه إلي حصل ؟

+


- أوعي تقولي إنك ...

+


ترك " مراد " جملته مُعلقة فـ تجهم وجه "جواد" فجأة وقال بصرامة:

+


- بطل تخلف ، إلي بتفكر فيه مش حقيقي .

+


عاد " مراد " بجذعه للخلف مرة آخرى و قال بارتياح :

+


- آيوه قول كدة .

+


وضع " جواد " الفنجان على الطبق و طالع في عينان شقيقه و قال بجدية و نظرات راجية :

+


- عشان كدة بقولك تساعدني .. أنا متأكد إني هعرف أرجعها .

1


تأمله " مراد " للحظات أستجاب فيها لرجاء عيناه ثم قال بنبرة جادة يشوبها بعض السخرية :

+


- أنا بعمل كدة عشان هبقى عم العيال ، بس بالله عليك ما تبعتني كل شوية الحتت دي ، الناس هناك مش مستوايا !

+


أحتدت نظرات " جواد " و هتف بحِدة :

+


- صدقني يا عمهم هي مرتين بس و مش هتلمح المناطق دي تاني ، بس لسانك دا تعدله بدل ما أعدله أنا بطريقتي . 

+


- و على إيه يا متر ، إنتوا مينفعش معاكم الهزار خالص .

+


ارتسمت على وجه "جواد" ابتسامة واثقة تحمل طيفًا من السخرية، قبل أن يهتف قائلاً:

+


- طب وريني عرض كتافك... يا عمهم.

+


قال كلمته الأخيرة بسخرية خفيفة، ليهب "مراد" واقفًا متجهًا نحو الخارج بخطوات سريعة ، تابع "جواد" طيفه بنظرات صامتة مليئة بالتأمل، قبل أن يطلق نفساً عميقاً .

+


ببطء مد يده إلى درج صغير بجواره ، و أخرج صورة باهتة بفعل الزمن، أطرافها مهترئة قليلًا لكنها لا تزال تحتفظ بوهجها الخاص.

+


ثم همس بخفوت، صوته يرتعش بشُحنة المشاعر التي حاول كتمانها طويلًا:

+


- بدور عليكِ في وشوش الكل... بس زي طيفك ؛ ما لقيت.

2



        
          

                
───────────────── ˖.˚⋆ .

+


كان " يوسف " مُنغمس في الشرح النظري و في تلك الأثناء مالت " ساره " نحو جسد" يـارا " قليلاً مع الحفاظ على بصرها نحو الشاشة و همست قائلة :

+


- أتأخرتي ليه ؟؟

+


حدجتها " يـارا " بنظرة جانبية سريعه مع ثبات جسدها تجاهه، ثم تجاهلتها بإزدراء بينما عادت " ساره " بجسدها مرة آخرى و ركزت نظرها نحو " يوسف " رغم شرود الاثنان في أمر آخر. 

+


بعد عدة دقائق دلف مسؤول من الكلية فقطع " يوسف " شرحه و أخذ جنباً يتحدث معه ، لتلتفت " ساره " ليارا سريعاً و تهتف لها :

+


- ليه أتأخرتي كل ده ؟؟

+


زرفت " يـارا " نفساً بضيق ، لتضيق منها " ساره" ذرعاً بسبب تجاهلها فحدجتها و قالت :

+


- يـارا ! أنا بابي مكلمني على المادة دي و قالي أنها مادة مهمة ، إنتِ إزاي تعملي كده في المادة دي ؟ و كمان دكتور المادة و المعيد مش أي حد ، متخليش حد فيهم يحطك في دماغه ، المادة دي مهمة أوي و مش هينفع متنجحيش فيها عشان متتقفلش عليكِ مقررات في سنة رابعة .. عاوزين نعدي ها .. عاوزين نعدي !

+


أجابت " يـارا " بنفاذ صبر:

+


- بالله عليكِ يا ساره طلعيني من دماغك دلوقتي. 

+


تأملتها " ساره " للحظة و ضيقت عيناها و هتفت تستجوبها:

+


- أصلاً إنتِ إيه إلي آخرك كل ده ؟

+


- كنت بجيب plusher.

+


رفعت " ساره " إحدى حاجبيها باستنكار و قالت :

+


- ريلي ؟؟ كنتِ بتجيبي بلاشر الساعة ٩ الصبح ؟؟ يارا إنتِ مستوعبة إن السكشن دا ثلاث ساعات بعدها هنروح ! بقية اليوم أقصر معاكِ في إيه ؟ إنتِ إيه إلي حصلك بس !!

+


أجابت " يـارا " بملامح جامدة غير مُبالية :

+


- سبيني في حالي أنا فيا إلي مكفيني..

2


زمت " ساره " شفتاها بضيق ثم أردفت :

+


- تمام يا يـارا على راحتك .. بس متنسيش بعد المحاضره تعتذري من المعيد عشان ميحطكيش في دماغه .

+


أجابت " يـارا " ببرود :

+


- مش هعتذر من حد أنا .

+


- يـارا أسمعي الكلام ، الكلام ده مفيش فيه هزار ، إحنا في أعلى قسم و إنتِ عارفة إحنا داخلينه إزاي فمش عاوزة اعتراضات!

+


- خلاص بقا أسكتي عاوزة أركز ..

+


- ركزي يا حبيبتي ركزي ..

+


ثم عادوا ببصرهم تجاه " يوسف " مُجدداً ليستأنف الشرح ، و مضت دقائق المعمل سريعاً تخللها بعض التدريب العملي البسيط مع الوعد بتصعيد التجرُبة في كل معمل .

+


جلس " يوسف " على مقعد المكتب و آخرج ورقة من أحد الملفات أمامه و بدأ بمُنادة الأسماء أبجدياً و كانت حركة لتسجيل أسماء الحاضرين. 

+



        
          

                
مرت أسماء عديدة تجاوزو فيها المئة طالب ، لم يرفع " يوسف " نظره للطلاب إلا قليلاً و كان بصرُه متجه نحو الورقة و تسجيل علامة الحضور ، حتى اقترب من الحروف الأخيرة و تحديداً ختام الحروف ليهتف :

+


- يـارا الشافعي ؟

+


- موجودة .

+


و على آثر ذلك رفع " يوسف " عيناه تجاه مصدر الصوت ليُبصرها و يتأكد من حدسه ثم عاد ببصره تجاه الورقة و سجل حضورها و لكن ظهر كأنه يقوم بفعل شئ آخر لتلفت " ساره " لها سريعاً بقلق و كأنها تُخبرها " أرأيتِ ؟ " .

+


فهمت " يـارا " مغزى نظراتها بوضوح و شعرت بضرورة الإعتذار بالفعل كما نصحتها من قبل ، لتجد " يوسف " يستقيم واقفاً و يوجه نظره بين جميع الطُلاب عدا الجهة التي استقرت فيها " يـارا " و هو يقول بصوت هادئ مُتزن :

+


- تمام يا شباب خلص سيكشن النهاردة، و معادنا كل سبت الساعة ٩ الصبح إن شاء الله، مش عاوز تأخير نهائي و مش هدخل حد بعدي ، صدقوني بقول الكلام ده لمصلحتكم السكشن دا مهم جداً جداً يا سنة ثالثة ياريت تهتموا بيه ، و كان معاكم دكتور يوسف لو حد عنده أي سؤال ، أو تقدروا تتفضلوا ..

+


طالعت " ساره " في " يـارا " بفضول لما ستفعل ، لينتبهوا مرة آخرى لقول " يوسف " :

+


- صحيح يا شباب مين لسه مستلمش كراسة المعمل ؟؟ إلي مستلماش يستنى..

+


هتفت " يـارا " بصوت خافت :

+


- كراسة إيه ؟ أنا لسه مستلمتش..

+


ألتفت لها " ساره " و قالت :

+


- خلاص روحي شوفي هيسلمها فين و اعتذريله..

+


ابتلعت " يـارا " ريقها بتوتر و علمت أن " ساره " معها حق ، لتجد الأخيرة تقول بلُطف:

+


- يلا روحي و أنا هستناكِ قدام البوابة ..

+


أومأت " يـارا " برأسها بصمت ثم نهضت تجاه الطُلاب الذين اجتمعوا لآخذ الكتاب .

+


───────────────── ˖.˚⋆ .

+


بعد أن هدأت أنفاسها المُتقطعة ومسحت دموعها بيدين مرتعشتين وقفت "نورين" على قدميها بتثاقل ونظرت حولها للحظة، الغرفة خالية إلا من ظلال الاتهامات التي تركها "آسر" معلقة في الهواء .

+


بخطوات مرتبكة خرجت من المكتب، لكن قبل أن تبتعد وقعت عيناها على "مليكة" التي كانت تلعب في الممر بجوار الدرج  فتوقفت "نورين" وجحظت عيناها لرؤيتها ، كانت الطفلة صورة طبق الأصل عن "چيهان" تحمل نفس العينين اللامعتين ونفس الابتسامة الطفولية .

+


تجمدت في مكانها للحظات، و ابتلعت "نورين" غصة عالقة في حلقها، ثم اقتربت بخطوات بطيئة حتى وصلت إلى الطفلة و انحنت أمامها و يداها ترتعشان وهي تحاول مدّهما نحو وجهها الصغير ، همست بصوت مكسور بالكاد يُسمع:

+



        
          

                
- شبه ماما أوي... فعلاً إلي خلف مامتش.

+


لم تفهم "مليكة" شيئًا لكن براءتها دفعتها للابتسام وهي تنظر إلى وجه "نورين" الذي كان يغرق في الدموع ، فجأة انهارت "نورين" و عانقت الطفلة بقوة، وكأنها تحتضن "چيهان" نفسها ،دموعها انهمرت بغزارة وكل كلمة قالتها خرجت مختنقة بالمشاعر:

+


- أنا آسفة... آسفة يا مليكة... آسفة إني ما كنتش موجودة... آسفة على كل حاجة.

1


و"مليكة" شعرت بالارتباك لكنها لم تتحرك ، هي صغيرة جدًا لفهم ما يجري، لكنها شعرت بـ"نورين" فبادلتها العناق على طريقتها الصغيرة، وربتت على ظهرها بيدها الصغيرة وهي تهمس:

+


- إنتِ كويسة يا طنط ؟

+


كلمات الطفلة اخترقت قلب "نورين" كالسهم ، رفعت وجهها لتنظر إليها، مسحت دموعها سريعًا، ثم ابتسمت ابتسامة مهزومة، وقالت:

+


- أنا هبقى كويسة... عشانك، و عشان ماما .. و بابا.

+


رفعت "نورين" الطفلة بين ذراعيها، وفي داخلها وعد خفي بأن تكون جزءًا من حياة "مليكة" حتى لو لم تغفر لها الحياة ما حدث مع "چيهان".

+


───────────────── ˖.˚⋆ .

+


كانت الغرفة تسبح في سكون ثقيل لا يقطعه سوى صوت الأجهزة الطبية التي ترصد حالة "ميرال" فظلت مستلقية على السرير، أنفاسها مضطربة وعيناها تحدقان في السقف .

+


لاحظت الممرضة "كوثر" توترها فاقتربت بخطوات هادئة متفادية أي حركة قد تزيد من ارتباكها ، تحدثت بلطف وهي تميل قليلاً نحوها:

+


- ميرال هل تسمعينني؟ أنا كوثر، وأنتِ في أمان هنا.

+


لكن "ميرال" لم تستجب، بل تحركت شفتيها كأنها تحاول قول شيء بينما جسدها بدا جامدًا كالصخر.

+


- ميرال؟

+


نادت "كوثر "مجددًا ولكن دون جدوى ،و بيد مرتجفة ضغطت على زر استدعاء الطبيب ، لم تمضِ سوى دقائق قليلة حتى دخل " ريان " إلى الغرفة بخطوات سريعة ونظرات متفحصة.

+


- إيه إلي حصل ؟

+


سأل وهو يقترب من السرير فأجابته كوثر :

+


- كانت هاديه طول اليوم ، بس فجأة بدأت تتنفس بسرعة و خُفت تجيلها حالة الهياج تاني ..

+


جلس " ريان" على الكرسي أمامها، محاولاً تهدئتها بصوت منخفض وواثق:

+


- ميرال، أريدكِ أن تستمعي إلي ، أنتِ في المستشفى الآن، ونحن هنا لنساعدك.

+


ببطء، تحركت عيناها نحو صوته ، كانت نظراتها تائهة ومضطربة، لكنها تحمل في طياتها رجاءً خفياً فسألها :

+


- ميرال، هل تسمعينني؟

+


شفتيها تحركتا مجددًا، لتهمس بصوت ضعيف يكاد لا يُسمع:

+



        
          

                
- أمي...

+


اقترب "ريان" قليلاً، محاولًا التقاط ما تقوله: 

+


- ماذا عنها؟ هل تتذكرين شيئًا؟

+


همست مجددًا، وكأنها تتحدث لنفسها: 

+


- أين...؟

+


ارتخت ملامح " ريان" بهدوء ليطمئنها:

+


- أنتِ في المستشفى، يا ميرال ، هنا بأمان تام.

+


لكنها لم تهدأ تمامًا ، رفعت يدها ببطء نحو معدتها، وأشارت بخفوت وهمست:

+


- هو .. بخير ؟

+


فهم "ريان" مقصدها، لكنه تردد قليلاً قبل أن يجيبها و كأنها نست ما أخبرها به قبلاً :

+


- لقد أُصبتِ ببعض الجروح في الحادث، لكننا نهتم بكِ جيدًا ، كل شيء سيكون على ما يرام.

+


ظلت عيناها تحدقان فيه للحظات ثم تحركت نظراتها بعيدًا وغرقت في صمت جديد.

+


استقام وقفاً و قبل مغادرته الغرفة ألقى نظرة أخيرة على" ميرال"عيناها ما زالتا تُتابعانه بصمت تحملان خليطًا من الحيرة والخوف ، شعر بثقل نظرتها لكنه لم يقل شيئًا، فقط أغلق الباب بهدوء خلفه لتتبعه " كوثر " و أوقفته ثم تسائلت بقلق :

+


- دكتور ريان، هو دا طبيعي؟ يعني بقالها كم يوم على الحالة دي ! 

+


تنهد " ريان " و أجاب بصوت منخفض، يشرح الموقف:

+


- إلي بتمر به ميرال دي حالة التجمّد أو ما بعد الصدمة النفسية ، عقلها لسه بيحاول يعالج إلي حصل عشان كده بيبقى عندها صعوبة في الكلام ساعات و الأفكار بتبقى أسرع من قدرتها على التعبير .

+


ثم صمت لوهلة و تابع :

+


- الصدمات الكبيرة زي دي بتخلّي العقل يدخل في وضع الحماية، بيحجب كل التفاصيل اللي مش قادر يتعامل معاها حاليًا.

+


- طيب هتفضل كده كتير ؟

+


- دا يعتمد على استجابتها للعلاج النفسي، لكنها محتاجة صبر كبير، الحالات إلي زيها بتاخد وقت.

+


أومات " كوثر " له بتفهُم ليُكمل " ريان" سيره ، وفي الممر وجد "مروان" بانتظاره ، اقترب منه وسأله وهو ينظر إلى تعابير "ريان" المتعبة.

+


- عامله إيه دلوقتي ؟

+


تنهد " ريان " و أجاب بنبرة المشتكي و ليس الطبيب :

+


- مش عارف والله ، بحسها بتاخد الخطوة و ترجعها ، بس لسه هي في مرحلة صعبة برضو. 

+


قال "مروان" بابتسامة خفيفة :

+


- بس واضح أنها بدأت تثق فيك بشكل خاص ، و دي نقطة حلوة في العلاج .

+


شرد " ريان " بتفكيره و أجاب بهدوء :

+


- الثقة دي مش ثقة حقيقية، دا نوع من أنوع التعلق الغزيزي بشخص بتحسه مصدر آمان، دوري هو إني أساعدها تبني ثقتها في نفسها و متعتمدش عليا .

+



        
          

                
توقف ثم أضاف بتنهيدة ثقيلة و كأنه يُجيب نفسه : 

+


- وده اللي بيقلقني ، المفروض إن علاقتنا تفضل في حدود المهنية... لكن دايمًا في الحالات دي بتبقى الحدود مش واضحة.

+


أرتخت ملامح " مروان " و تأمل في صديقه الذي يعلمهُ جيداً و وضع يده على كتفه و قال بنظرات ذات مغزى :

+


- لا أنت هتقدر و محدش هيعمل كدة غيرك ، الأفكار إلي في دماغك دي في دماغك بس .. مفيش حاجة حقيقية!

4


ظل "ريان"  ينظر من بعيد نحو نافذة غرفتها، وهو يشعر بثقل الكلمات التي تتردد داخله .

+


───────────────── ˖.˚⋆ .

+


كانت "هَـنا" مصدومة من تصرفات الرجل ومن الحالة التي رأت عليها "ليلى" ، لم تكن تتوقع أن تشهد مثل هذا المشهد في مكان يُفترض أن يكون ملاذًا للراحة والعلاج ، حاولت جمع نفسها وربتت على كتف "ليلى" بحنان محاولة تهدئتها رغم أن قلبها كان يرتجف مما حدث.

+


قالت "هَـنا" بصوت هادئ لكنها حازمة:

+


- ليلى، إهدي، مش ذنبك... مش ذنبك أبدًا ، أنا كويسة، وإنتِ كمان هتبقي كويسة، مش هسمح لحد يأذيكِ هِنا.

+


كانت "ليلى" تحاول كتم شهقاتها، لكنها شعرت لأول مرة منذ سنوات أن هناك من يحميها ، "هَـنا" بدت كطوق نجاة وسط بحرٍ هائج من الألم والخوف ،ضمتها "هَـنا" لها و قالت بحزم:

+


- مين ده؟ وليه بيعمل كده؟ أنا لازم أعرف عشان أقدر أساعدك.

+


ارتجفت "ليلى" وأخفضت رأسها، كلماتها خرجت متقطعة:

+


- ده... ده إلي المفروض أبويا ، بس مش بيحبني، عمره ما حبني ، أنا مجرد حِمل عليه.

+


شعرت " هَـنا " بمرارة كلمات "ليلى" وكأنها سهم أصاب قلبها ، كيف يمكن لأب أن يتحول إلى وحش بهذا الشكل؟ 

+


شددت على ضمها وقالت:

+


- أنا مش هسيبك لوحدك ، واللي حصل النهارده مش هيتكرر هنكلم الإدارة في المستشفى ولو اضطرينا هنبلغ الشرطة ، مفيش حد له الحق يأذيكِ .

+


لكن "ليلى" خرجت من بين ذراعيها و تراجعت بذعر:

+


- لا، بلاش الشرطة! لو عرف هيتجن، أنا مش مستحملة أكتر من كده! 

+


نظرت "هَـنا " إليها بعينين مليئتين بالتفهم، لكنها لم تستطع تجاهل إحساسها بالمسؤولية تجاهها.

+


- طيب، أنا مش هضغط عليكِ، لكن لازم نلاقي حل وأنا مش هسيبك لحد ما نرتب كل حاجة.

+


أمسكت "ليلى" بيد "هَـنا" وأخذت نفسًا عميقًا وحاولت التماسك ، و نظرت إلى "هَـنا" بعيون مليئة بالدموع وقالت بصوت ضعيف:

+


- لكن... لكن أبويا مش هيسكت ، هيرجع تاني و هيضرني، وأنا مش عارفة أعمل إيه ، لو روحت له هيدمرني... أو... أو... مش عارفة! لازم أمشي من هنا، لازم أكون بعيد عنه.

+



        
          

                
أومأت "هَـنا" برأسها، وعينيها مليئة بالقلق، لكنها حاولت أن تبدو قوية:

+


- هتروحي فين طيب ؟

+


طالعت فيها " ليلى" بعينان مذعورتان و قالت :

+


- مش عارفه ، مش عارفه ، هقعد في الشارع .. أو في مـ..

+


- الشارع ؟؟!

+


هتفت " هَـنا " باستنكار ثم تابعت :

+


- تباتي في الشارع إزاي يعني ؟؟

+


تأملتئها " ليلى" للحظات و كأنها تستوعب ما قالت ثم ابتلعت غصة و قالت بصوت يائس :

+


- صدقيني إنت مش فاهمة المرادي ممكن يعمل إيه ..!

+


ثم قامت  برفع أكمام ذراعيه لتشهق أنفاس " هَـنا" بذُعر ، أمسكت ذراعها بصدمة تتفحصها بعدم تصديق ، علامات لا نهائية من آثار جار الزمن عليها و لم تزول ، علامات قررت إثبات نفسها مُعلنةً عن ظُلم مر عليها .

+


رفعت " هَـنا " عيناها لها بصدمه و سألت سؤال ذا مغزى :

+


- العلامات دي في دراعك بس صح ؟؟؟

+


سالت دمعه حاره على وجنتي " ليلى" الباردة الشاحبة كسيف يقطع أرض قاحله، لتتأملها " هَـنا " للحظات تحاول إستعاب كمية الآلام التي مرت بها تلك المسكينة ، قبل أن تُعيد إخفاء ذراعاي " ليلى" و تهتف بنظرات صارمة :

+


- إنتِ مش هتروحي في حتة ، إنتِ هتيجي تقعدي معايا في البيت .

4


───────────────── ˖.˚⋆ .

+


بدأت "يـارا" تتحرك ببطء لتقف في آخر الصف الذي تجمع حول "يوسف" وتُراقب بعينيها الحذرتين كل خطوة يقوم بها ، بينما يوزع الكراسات بملامح هادئة، لاحظت أنه لم يُعطِ أي اهتمام خاص لأي أحد، مما جعلها تتساءل عن طريقة تعامله معها لاحقاً.

+


تقدمت الأدوار واحدة تلو الأخرى، لكنها تعمدت أن تبقى الأخيرة، وهي تحاول التظاهر بعدم الاهتمام، لكنها في الواقع كانت تُمعن النظر في تفاصيله؛ طريقته في الكتابة، حركات يديه، وحتى تعابير وجهه ، كان يبدو شديد التركيز، ولم يرفع رأسه نحوها ولو لمرة واحدة.

+


حين انتهى الجميع من استلام الكراسات، ألقى "يوسف" نظرة سريعة على من تبقى، ثم لاحظها واقفة وحدها ، لم يُظهر أي رد فعل خاص، بل أعاد ترتيب الأوراق أمامه وكأنه لم يلاحظ وقوفها المتعمد.

+


تقدمت "يـارا" نحوه بخطوات محسوبة، ووقفت أمام المكتب مباشرة ، رفع "يوسف" رأسه أخيراً، ونظر إليها دون أي تعبير خاص، ثم مد يده بالكراسة وقال بهدوء:

+


- أتفضّلي.

+


أخذت الكراسة لكنها لم تتحرك ، جمعت شجاعتها و حاولت أخماد غرورها لبعض اللحظات وقالت بصوت منخفض قليلاً:

+


- أنا آسفة إني تأخرت النهارده.

+


رفع حاجبه قليلاً، وكأنه لم يتوقع اعتذارها، لكنه أجاب ببساطة:

+



        
          

                
- ولا يهمك يا يـارا ، أهم حاجة المرة الجاية تكوني على الوقت.

+


تفاجأت "يـارا" من رد فعله العادي، فلطالما ظنت أن الاعتذار يجعلها في موقف ضعف، ابتسمت بخفة وكأنها مرتاحة ثم ترددت للحظة قبل أن تسأله:

+


- هو... حضرتك كتبت حاجة جمب اسمي؟

+


نظر إليها بتعجُب خفيف وسأل:

+


- حاجة إيه ؟

+


أشارت بخجل خفيف إلى الورقة التي كانت أمامه:

+


- وأنت بتنادي على الأسامي، حسيت كأن حضرتك كتبت حاجة لما وصلت لأسمي.

+


ابتسم "يوسف" بشكل غير مرئي وقال وهو يشير إلى الورقة:

+


- آه... كنت بوقّع أسمي بس.

1


عندها شعرت "يـارا" بارتياح كبير، وتحركت يدها لتلمس الكراسة بين يديها وابتسمت بحذر وقالت:

+


- شكراً ...

+


أومأ برأسه بلطف دون أن يقول شيئاً، ثم عاد لترتيب أغراضه، بينما غادرت هي المعمل، وقد ترك هذا اللقاء أثراً غير متوقع في قلبها.

+


خرجت لتجد " ساره " واقفه خارجاً بقلق و فور أن رأتها تهلل وجهها و تقدمت لها سريعاً تسألها :

+


- ها عملتِ إيه ؟

+


طالعت فيها " يـارا " للحظات ثم ابتسمت بارتياح و كأنها خرجت من إختبار و قبل أن تقول شئ ، أشارت لها " ساره " بالتوقف لتُدير عيناها فوجدته مر من جانبهم بهدوء و جدية فتابعته " يـارا " بعيناها حتى إبتعد عنهم ثم عادت ببصرها لساره التي أكلها الفضول ، لتهتف " يـارا " بلامبالاة مع إخفاء تعجُبها :

+


- معملش حاجة ، أعتذرت و قالي متتأخريش المرة الجاية. 

+


اتسعت ابتسامة " ساره " بفرح و هتفت :

+


- كنت عارفه مش هيعمل حاجة ، أصلا باين عليها قمور و هو قمور أصلاً ..

+


أطلقت " يـارا " ضحكة قصيرة بعدم تصديق و هتفت :

+


- بت إنتِ بتقولي على نص الكلية قمورين ! مع إن مفيش فيهم حد عِدل !

+


أجابت " ساره " بتسليه:

+


- أعمل إيه يعني قلبي مش بيستحمل الحلوين !!

+


أطلقت " يـارا " ضحكة أكثر رقة و هتفت قائلة:

+


- طب أمشي قدامي يلا خلينا نروح ..

+


ثم عقدا ذراعيهُم معاً ، وتقدما عدة خطوات قبل أن يصل لهاتف " يـارا " إتصال ، فرفعت شاشة الهاتف لتتجمد ملامحها و هي تتأمل الأسم لترتبك " ساره " من نظراتها و تتسائل :

+


- في حاجة؟

+


ألتفتت لها " يـارا " و هتفت بجدية :

+


- استنيني هنا هرُد على المكالمة دي .

+


ثم ابتعدت عدة خطوات و فتحت الإتصال و هتفت بترقُب :

+


- آلو ؟

+



        
          

                
- لحد فين تتوقعي اللعبة دي ممكن توصل ؟

1


أجابها الطرف الآخر و الذي لم يكُن سوا " عماد " بالطبع ، لتتجمد نظراتها الحادة و هي تهتف :

+


- عاوز إيه يا عماد ؟

+


أجاب " عماد " بكلمات دبت رُعب طفيف في جوفها وهو يهتف بصوت كفحيح الأفعى :

+


- يـارا، يـارا .. أنا سألت سؤال يا بيبي مردتيش ليه !

1


ابتلعت " يـارا " غصة و حاولت أن لا تظهر ضعفها و هتفت بجمود :

+


- والله أنا حرة في الأسئلة إلي أرد عليها ، أحب أفكرك إني قلتلك قبل كدة محدش بياخد حاجة مني غير بإرادتي، فلو مكالمتك دي عشان تفتحها تحقيق فـ sorry مش فاضية دلوقتي. 

+


أطلق " عماد " ضحكة أقل ما يُقال عنها بئرة خُبث ثم قال :

+


- بتعجبيني أوي .. بكام و أشتريكِ ؟

+


اتسعت أعين " يـارا " بفزع صامت و إزدراء شديد ثم أردفت بلهجة لم تكن بالهينة أبداً تضغط على كل حرف :

+


- أنا سعري عالي عليك أوي يا عماد بيه ، أوي ، بس سعري مش فلوس عشان كدة عمرك ما هتعرف تِملكني .

+


صمت " عماد " للحظات بينما ابتسمت " يـارا " باستشفاء ليُجب بنبرة تسللت لداخلها بمهارة :

+


- و ماله ، الغالي ميلقش بيه غير الغالي ، بس أوقات الدنيا ممكن تقدملك الرخيص عشان توصل بيه للغالي .

+


قطبت " يـارا " حاجبيها بعدم فهم، ليهتف بنبرة باردة :

+


- قوليلي بقا ، وردة أختك سعرها كام ؟؟

1


طرقت رأس " يـارا " صدمة عنيفه ، و اتسعت عيناها بعدم تصديق لتهتف بحدة :

+


- أنت .. أنت بتقول إيه ؟!! وردة أختي تبعدها من اللعبة دي أنت فاهم !!

+


ارتسمت ابتسامة على طرف شفتاه لم تكُن ظاهرة لها ليهتف قائلاً :

+


- إزاي يعني تبعد؟ ما هي اللعبة يا يـارا، ما حَصَلش حاجة جديدة، والأخت جزء من الصورة ،يعني هي مش هتقدر تبقى بره اللعبة حتى لو حاولتِ ، بس لو إنتِ مش حابة تشوفي ده، ده موضوع تاني.

+


تجمعت الكلمات في فم "يـارا" لكنها لم تستطع الرد، ارتبكت للحظة ثم حاولت أن تتمالك أعصابها، وكانت كلمات "عماد" تدور في عقلها كأفعى تتلوى حول قلبها.

+


- مش هتقدر تهددني بيها ، ده كلام فارغ.

+


ضحك "عماد" ضحكة هزت أعصابها، وأجابها بنبرة فيها الكثير من التأكيد على قوته:

+


- لو كنتي فاكرة كده، يبقى إنتِ غلطانة ، أنا مش بهدد يا يـارا، أنا ببساطة بحطك قدام الاختيار ، و صدقيني... مرات قليلة إلي هتكوني فيها في موقف تقدر تختاري فيه.

+


تسمّرت "يـارا" في مكانها، وعقلها يعجز عن إدراك كل ما يجري ،كانت تعلم تمامًا أن هذه مجرد بداية لمؤامرة أكبر، لكنها لم تعرف كيف ستواجه هذه الدائرة المغلقة التي أغلقها "عماد" حولها ، فهتفت بحدة:

+



        
          

                
- انتَ بتلعب بالنار يا عماد، و السكة إلي ماشي فيها هتولع فيك و في أي حاجة هتوصلها ..

+


ابتسم "عماد" ابتسامة خبيثة أخرى وهو يُطالع ورقة أمامه بمُكر :

+


- النار دي هتدفنك يا يـارا، ولو فكرتي تلعبي معايا ، ممكن تلاقي نفسك في الجحيم اللي مش هتقدري تخرجي منه.

1


ثم أغلق المُكالمة في وجهها ، وابتسم ابتسامة جانبية، بينما كانت نظراته الحادة موجهة تمامًا على الورقة البيضاء سوى من عبارات مُنمقة باللغة الإنجليزية، يتصدرها عنوان "الرفاعي للتطوير العقاري" وفي الزاوية السفلى من الورقة، كان هناك توقيع بخط أنيق باسم رئيس مجلس الإدارة، و... عماد الزيني.

+


───────────────── ˖.˚⋆ .

+


يـُــتــبــع ᥫ᭡ ˖.˚⋆. . . .

+



أنا لا أُحبذ كشف كل شخصياتي دُفعة واحدة لذلك كُلما رأيتم هذه الصور إعلموا إنهم من الأبطال و سيكون لهم مُنحيات مُهمة في القصة .

+


و للعلم ؛ أدوار الرواية عديدة منها الجيد و السئ و لكلٍ ماضي و تحديات سيواجهها ، تقبلوا إختلافاتهم لأنها ستُلامس مشاعر عديدة لديكم .

+


----

+


و السلام على قلوبكم .
سُهى الشريف

+


تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close