📁 آخر الروايات

رواية ظلام الذئاب الفصل الحادي عشر 11 بقلم سلمي خالد

رواية ظلام الذئاب الفصل الحادي عشر 11 بقلم سلمي خالد


بدت الحيرة تُحلق فوقها، غارقة في بحور التعجب، كيف وافق بتلك السرعة، تجهلت الموضوع وعادت إلى غرفتها تستعد للحديث مع والدها بهذا الموضوع، الذي وقعت فيه، لتخوض مغامرة لن تنساها أبداً، بل ستصبح ذكرى مشؤومة!!
******
بمنزل السيد أحمد،،،،،،
يجلس شارداً، أصبح الفراغ يحتل حياته، يتسأل متي ستأتي ساعتها لينفصل عن الحياة؟، مزق تلك الأفكار صوت الهاتف، ابتسم بغموضٍ ثم مد يديه الضعيفة وأخذه ليجيب بصوتٍ مشتاق:
_ ألو يا لينو، عاملة إيه يا حبيبتي؟!
ابتسمت ليان بسعادة عند سمعها لهذا الصوت الذي ينعم قلبها الهش بالدفء والراحة، كأنها طفل رضيع ينتظر أن تنعمه أمه بأحضانها الدفئة الحميمة، أجابته ببسمة رقيقة تشعر بسعادة لم تغمرها منذ أيام:
_ أنا كويسة يا بابا، وحشتني أوي أوي أوي يا بابا، عارف نفسي أشوفك.
غصة اجتاحت قلبه؛ لتزيد من شدة ألمه فما باليد حيلة، ليهتف بنبرة متماسكة تنعم بنغمة هادئة لعله يهدء من قلب أبنته الوحيدة:
_ وأنا كمان يا حبيبتي وحشتني جداً، بس أكيد لما تحققي حلمنا هتجيلي هنا رافعة راسك، وكمان وأنتِ محققة أحلامك هيكون للسعادة طعم تاني.
هزت رأسها بهدوءٍ، ثم تحولت أنفاسها الهادئة إلى أرتباك وتوتر شديد، هامسة بصوتٍ خافت:
_ بابا...كنت عايزة أقول لحضرتك على موضوع مهم شويا!!
أجابها بغموض واضح:_
_« قولي يا لينو معاكِ»•
استنشقت قليلاً من الهواء ثم دفعته مرةً واحدة، تهتف سريعاً:
_« في واحد متقدملي هنا وهو من مصر وعايز نتجوز».
ابتسم السيد أحمد بحب قائلاً بحنو:
_ لو أنتِ موافقة عليه وصليتي استخارة وارتاحتي أنا موافق.
اتسعت حدقتيها بشدة، صدمة أُلقيت عليها؛ كمن يلقي صخرة وسط البحر صانعاً موجاً مضطرب، هل وافق بهذه السهولة؟، سؤال دار بخُلدها، فرددت بتعجب:
_بابا أنت وافقت بسرعة كده عادي!
زفر ببطءٍ شديد ثم همس بنبرة جادة:
_« أيوة يا ليان وافقت، أنا عايز أطمن عليكِ، وأكيد هرتاح لما تتجوزي وأبقي أطمن عليكِ».
لم تقتنع ليان بما قاله، ولكنها هتفت بصوتٍ هادئ:
_ خلاص يا بابا هصلي استخارة تاني.
ثم اضافت بتساؤل:
_ طب يا بابا أنت مش هتسائل عليه حتى ولا تعرف هو مين؟!
تمتم بهدوءٍ ليجيبها ويرضي قليلاً من فضولها:
_ متقلقيش يا حبيبتي، هو جه هنا وأتقدم ليكِ واما عرف إنك مسافرة قرر يسافر هناك عندك وتتجوزوا في السفارة ولما تيجي تعملوا الفرح، وأقنعني الصراحة وأنا وافقت بس لو أنتِ مش عايزة خلاص
رمشت بعينيها عدة مرات، وأنشغل عقلها بما فعله زياد وتملكها الغضب ولكنها تحكمت بنبرات صوتها لتردد بصوتٍ هادئ يحمل التزيف:
_ خلاص يا بابا، طالما حضرتك مرتاح وأنا هصلي استخارة وهقول لحضرتك كل حاجة بس شكلها كده يبقى فيه موافقة.
تنهد براحة ثم غمغم بهدوء:
_ مبارك يا بنتي وربنا يجعله زوج صالح ليكِ.
ابتسمت بسخرية واضحة، قائلة بنبرة تحمل في ثناياها السخط:
_ لا متقلقش من ناحية زوج صالح فهو صالح أوي وعنده تقوى وإيمان مش قادرة أقولك عليهم.
تعالت ضحكات السيد أحمد على سخريتها الواضحة، فأردف بخبثٍ:
_ أه لو سمعك بتقولي إيه عليه!!
ألتفت خلفها بسرعة ترى إن كان يقف خلفها أم لا؟ لتتنفس براحة هاتفه بإريحية:
_ عيب يا حاج دا أنا بميت راجل متخفش عليا.
ابتسم بسعادة فقد انتهي من المهمة الموكلة إليه، وهتف بنبرة في أطيافها الحب:
_ ربنا يريح بالك يا بنتي ويبعد عنك كل وحش.
:_ يارب
قالتها قبل أن تغلق معه لتتحول عيناها إلى غضب مميت:
_ آه يا زياد ماشي بقي مظبط أبويا، عشان يوافق وأنا أقول وافقت بسرعة كده ليه؟ ماشي!
نهضت من مكانها، ثم توجهت إلى الخارج، تبحث عنه بعينيه لتجده يجلس بثقة يضع قدماً فوق الأخرى، هاتفاً بمكر:
_ وافق ولا لاء ؟!
نظرت له بغيظٍ شديد بل كادت أن تنفجر، فأجابته بحنقٍ شديد تتمني أن تقلع رأسه من مكانها:
_ وافق..وافق يا أستاذ زياد.
هب واقفاً، يهتف ببرودٍ مُغادراً المكان:
_ جهزي نفسك بكرة عشان كتب الكتاب يا عروسة!!.
********
بشقة سهام،،،،،
تنفخ بمللٍ واضح، يجتاح قلبها الشعور بالضجر، تجلس على الأريكة تغير محطات التلفاز، لعلها تجد ما يشغل وقتها، ولكن لم تتحمل لتقف فجأة هاتفة بعصيبة:
_ لا كده كتير.. أنا كده مش هستحمل، شقة مفهاش صريخة بيومين ومعرفش حد هنا وكمان ممنوع الخروج، هكلم البت لينو..
تحركت بضع خطوات لتصل إلى المنضدة الموضوع عليها هاتفها، وسريعاً ما التقطته، تضعه على أذنيها بلهفة تنظر منها أن تجيب، ومر وقت ولم ترد، فعودت الإتصال فلم تلقى إجابة، فقطبت جبينها بتعجب قائلة بحيرة:
_ راحت فين دي؟ ليكونوا عاملوا فيها حاجة!!.
فجاة تذكرت الرقم الذي دونه جاسر بهاتفها، فاسرعت بأصابعها لتُهاتفه سريعاً وما أنا استمعت لصوته هتفت بإنفعالٍ عنيف:
_ أنا بكلم ليان يا كابتن من الصبح ومش بترد، ممكن أعرف السبب، أوعوا تكونوا عملتوا فيها حاجة هوديكوا في داهية أنتم متعرفوش أنا ممكن أعمل إيه آآل...
بتر كلماتها عندما هتف بصوتٍ عالي لتسمعه:
_ أهــــــــــــــــــــدي.. الدكتورة بخير.. ممكن بتعمل حاجة مقدرتش ترد عليكِ وقتها، لكن هتوصل معها وأخليها تكلمك دا بعيداً عن تهديدك اللي مش مرحب بيه نهائي، وأتمنى أسلوبك يكون أحسن من كده يا آنسة سهام.
تهدجت أنفاسها وتلون وجهها بحرجٍ شديد، فهو أسكتها بأسلوبٍ مهذب دون أن يلفظ بكلمةٍ سيئة، لتتحدث بصوتٍ متلثم، و أنفاسٍ متهدجة:
_ آآل أنا آسفة طبعاً على انفعالي.. بس كنت قلقانة عليها مش أكتر وحضرتك أكيد عارف إننا لوحدنا في الغربة.. فبعتذر منك يا كابتن
ابتسم جاسر بلين وهتف بنبرة هادئة:
_ مفيش حاجة ومتقلقيش أنتم مش لوحدكم في الغربة وأحنا أكيد معاكم.
ابتسمت سهام بخجل واضح مرددة بهدوء:
_ شكراً يا كابتن
قطب جبينه بإستنكار، هاتفاً بقليلٍ من السخط:
_ كابتن!!! لا قوليلي جاسر أرحم.
رفعت حاجبها بغيظٍ، ثم تمتمت بإستفزاز:
_ حاضر يا كابتن سوري قصدي يا أستاذ جاسر حلو كده؟!!
جز علي أسنانه من طريقتها، و شعر أنه يريد قتلها، فهتف بهدوءٍ مزيف حتى لا يتصدم معها، فهي بالنهاية مهمة يريد إنجازها:
_ حلو يا آنسة سهام.. حلو.
تخللها شعور بالرعب، ولكن قبل أن يغلق باغتته بسؤالٍ فضولي قائلة:
_ هو أنا عايزة أنزل وأروح المستشفى عند ليان أخرج أمتى؟!
تعجب من إرتباط سهام بـ ليان و قوة العلاقة بينهما، فأجابها بتعجب واضح:
_ تقدري تروحي عادي بس هتبلغني قبلها عشان أوفرلك حماية .
تذكرت سهام ما حدث لصديقتها، وبدأ يتسلل لقلبها الذعر فهتفت بإيجابية:
_ خلاص ماشي يا كابتن.
زفر بضيق وهتف بضجر:
_ كابتن تاني!!
ضحكت سهام بخفة وهتفت بإعتذار:
_ لا أنا آسفة في دي مكنش قصدي أقولها.
ابتسم بهدوءٍ ولم يعلق سوى بكلماتٍ صغيرة:
_ تمام حضرتك عايزة حاجة تانية؟!
صمتت سهام قليلاً ثم أجابته ببعض الحزن:
_ هو أحنا لو حبينا نرجع بلدنا هنعرف نرجع عادي؟!
لم يسود تلك اللحظة سوى الصمت، لا يعلم بماذا يجيب فبمجرد عثورهم على الميكروفيلم سيختفيان تماماً؛ لذا هتف جاسر بصوتٍ خافت:
_ لسه الأوامر مجاتش، سلام
أغلق معها سريعاً، لا يريد أن يخوض معها جولة جديدة من فضولها الذي لا ينتهي، بينما هي بقيت جالسة شاردة في كلماته الغريب، لا تعلم ماذا يحدث معها هي وصديقتها؟ ولما كل هذا؟ ومِمَنْ يأخذون الأوامر، ظهر في مخيلتها شكل جاسر، ولكنها نفضت تلك الأفكار هاتفه وهي تنهر نفسها:
_ استغفر الله العظيم إيه اللي بفكر فيه دا؟! لما أقوم أصلي ركعتين بدل ما الشيطان بيضحك عليا كده
ثم ابتسمت فجأة متذكرة حديث صديقتها ليان بالماضي
*
:_ يا ليان مش عارفة أبطل تفكير فيه أعمل إيه؟
نظرت لها بهدوءٍ وظلت صامتة قليلاً ثم ابتسمت بسعادة هاتفه وكأنها وجدت كنز:
_ بصي أنا عارفة إنك في بعض الوقت بتفكري في حياتك زي هتتجوزي وبالأخص موضوع الرجالة وبيبقى عندك رغبة قوية تتعاملي معاهم، لما تلقى نفسك كده فكري واحدة واحدة.. إن دا مخالف لأخلاقك... وكمان لدين لو نيتك إنك تتكلمي معاه عشان ترضي رغبتك، طب وكمان كلمة تجر جملة... وتجر كلام كل يوم وضحك وهزار... وبعدها لمس بالإيد وبعدها حاجات تانية ممكن توصل لطريق كلنا عارفين نهايته هتكون إيه؟ ليه تحطي نفسك في مكانة مش بتعتك؟؟ ليه تخلي باباكي مواطي راسه بدل ما يمشي رافعه طول الوقت؟، فكري في نجاحك وحياتك بلاش موضوع الجواز إلا لما يجيلك نصيبك، ساعتها تفكري فيه عشان لما ترجعي بذكريات متخجلش قدام نفسك فهمتي يا سهام، الشيطان هيحاول يفتح أي باب عشان يغلطك مهما كان صغيرة حتى لو وِسعُة خُرم إبرة برضو هتكبر، لما تلقي نفسك كل شويا بتفكري كده ورغبتك هتعميكِ قومي صلي ركعتين أو اقرئ قرآن، استغفري أعملي أي حاجة عشان تلهي نفسك لإن نفسك برضو هتكون وحشة وهتخليكي تفكري في كده والنفس أمارة بالسوء ولا إيه؟
هزت سهام رأسها وهتفت بحماس وشجاعة:
_ خلاص يا لينو هعمل اللي بتقولي عليه، وربنا يوفقني لطاعته.
احتضانتها بحب، فهي دائماً يرسلها الله لها لتنقذها من تفكير سيصل بها لطريق ليس له عودة
**
عادت سهام من ذكرياتها، لتهتف بحب:
_ ربنا يحافظ عليكِ يا لينو‌.
*******
بشقة السيد أحمد،،،،،
تملكه الشرود، فبمجرد انتهائه مع ليان، تذكر ماذا حدث منذ عدة أيام....
جلس ينتظر عودة طارق الذي ذهب إلى ليحضر بعض الأشياء الغير موجودة بالمنزل، يرتشف بعض الشاي، قاطع سكينته صوت جرس الباب يصدع بالشقة، تعجب قليلاً فطارق معه المفتاح، ولم يأتِ أحد لزيارته منذ زمن، إذاً من قادم لزيارته؟، تحرك بكرسيه المتحرك حتى وصل إلى الباب، وعندما حرك سقاطة الباب وجد أمامه شاب يحمل بنية جسدية قوية، يرتدي نظرته السوداء، رمش بعينيه في تعجب ثم هتف بحيرة عاقداً حاجبيه:
_ أيوة يا بني؟!
أزال زياد نظراته وكانت عينيه تلتمع بها المكر، ليردف متسائلاً وكأنه لا يعلم شيئاً عنه:
_ حضرتك الأستاذ أحمد والد الدكتورة ليان؟!
هز أحمد رأسه في حراكات متتالية، مُردفاً باستغراب:
_ أيوة أنا والدها حصل حاجة يا بني.. متقلقنيش؟!
نظر له بهدوءٌ مريب، قائلاً بنبرة رخيمة:
_ هيحصل لو حضرتك مسمعتنيش للأخر.!!
زاد قلق السيد أحمد بل شعر بالرعب عليها فنظر إلى زياد قليلاً وتراجع بكرسيه إلى الخلف هاتفاً بترحيب:
_ اتفضل يا بني أدخل.
بدأ زياد بسير خلف السيد أحمد ينظر بدقة في تفاصيل الشقة، لا يعلم من أين أته ذلك الفضول لإكتشاف تلك الفتاة ولكن كان تفكيره منصب في إشباع رغبته، فاق من شروده على صوته وهو يهتف بصوتٍ عالي:
_ أتفضل يا بني تعالي هنا.
تحرك بالإتجاه الذي صدع منه الصوت وجلس على الأريكية، فاستطرد السيد أحمد حديثه قائلاً بتوتر وقلق:
_ هي ليان بنتي مالها ؟في إيه واللي حصلها؟!
أخذ زياد نفساً طويلاً وهتف بأسفٍ مزيف:
_ جلتنا معلومات إن كل اللي حضر المؤتمر الطبي في نيويورك مستهدفين وهيتصفوا هناك ومن ضمنهم بنت حضرتك، ومع الأسف مش هينفع ترجع هنا بطيارة عادية لأنه هيكون خطر عليها.
: _ بنتي لاء مستحيل يحصلها حاجة كل إلا بنتي طب اتصرف في حل!
قالها بوجع متألماً من حديثه المقلق، تدمع عيناه بشدة، إبنته بخطر وهي بعيدة عنه بمسافة ليست هينه فكيف سيكون الدرع الحامي لها كما كان بنسبة لها، استرسل زياد باقي حديثه قائلاً في محاولة تهدئته:
_ أهدي حضرتك أنا متكفل بحمايتها بس في مشكلة واحدة عشان أقدر أرجعها
نظره له بسرعة هاتفاً بلهفة:
_ إية هي؟
نظر له زياد بمكرٍ قائلاً بخبث:
_ أني أتجوزها وحضرتك تقنعها.
صُدم بشدة من طلبه، وساد الصمت لبضعة دقائق ولم يهتف بأي شيء، حتى التمعت في رأسه فكرة، فهتف بعدها بهدوء:
_ أنا موافق.. بس تحافظ عليها دي، بنتي الوحيد.. اوعدني وعد شرف إنك تنقذها.!!
نظر له زياد قليلاً وبدأ يشعر بترددٍ غريب ولكنها حسم أمره فهي بالنهاية مهمة لابُد من تنفيذها:
_ أوعدك إنها ترجع هنا.
نظر له السيد أحمد وهتف بتساؤل ولكن لم يقل هذا الخوف الذي نهش بقلبه الضعيف:
_ هتخليها توافق إزي؟
ابتسم زياد بلطفٍ لأول مرة لشخص شعر بالألفة معه ربما خوفه على صغيرته ذكره بوالده وهو يحميه، تحدث بهدوءٍ قائلاً:
_ سيبها عليا وأنا هتصرف أهم حاجة لو اتصلت عليك وسألتك توافق.
ابتسم السيد أحمد بهدوءٍ ثم هتف بغموضٍ وهو يرى زياد يرحل، يقف على اعتاب الباب:
_ ماشي، بس قلبك هيقولك حاجة أوعي تكابر فيها، لأن الألفة اللي حستها معايا واللي قلبك اختارها معايا هتلقيها في نفس القلب بس ضعيف وهيقوى بيك فخلي بالك منه!!
نظر له زياد وتعجب من ابتسامته الغريبه وكلماته التى لم يفهمها، فرمش بعينيه ثم تمتم في تعجب:
_ قصدك إيه؟
هز رأسه ولم يتفوه سوى بجملةٍ واحدة:
_ مش كل حاجة لزماً تعرفها بسرعة في حاجات لزماً تاخد وقتها!!!
تأمل نظراته الغامضة، ثم غادر المكان دون أن يتفوه بكلمةٍ واحدة،
هز أحمد رأسه بقليلاً من الأسف هاتفاً بنبرة حزينة:
_ سامحيني يا بنتي، بس دعيت ربنا يبعتلك واحد قبل ما أموت يتجوزك ويحافظ عليكِ والحمدلله بعته.. فكان لزماً أوفق!!!
مزق تلك الذكرى، اجتياح ألم حاد بكتفه اليسرى، وكأن ذئب ينهش فيه، فصرخ مُتألماً:
_ آآآآه خلاص بكرة.. بكرة بس وليان تتجوز وأرتاح.
نظر للواقف أمامه بأنفاسٍ متهدجة، ثم أخذ منه هذه الحبة الصغيرة واضعاً إياها في فمه، مُرتشف قليلاً من الماء، فهتف طارق بعتاب:
_ متهملش في علاجك يا عمي، بلاش عشانك عشان ليان، فكر فيها!!
أغمض عيناه بألم، تتشنج ملامح وجهه بعض الشيء من الوجع؛ فلم يعمل مفعول تلك الحبة، هاتفاً بعد أن ازدارد ريقه ببطء:
_ الحمدلله إن ربنا مد في عمري عشان أشوفها مسئولة وتقدر تعافر في الدنيا، المفروض بكرة كتب كتابها على زياد.
نظر له قليلاً ثم غمغم بنبرة قلقة:
_ حضرتك واثق فيه؟!
ابتسم السيد أحمد بهدوءٍ وهتف برزانة:
_ اللي شوفته مش قليل يا طارق.. ياما اضحك عليا وياما انخدعت في ناس، فأكيد عرفت إن كان نصاب ولا لاء حتى لو بنسبة 80٪ بكرة هتعرف بقول إيه، اللي بس بترجاه من ربنا أن ليان تكمل بقيت عمرها معاه وهو يحافظ عليها ويتمسك بيها.
سأله بفضولٍ بالغ مُردداً بطفولية:
_ طب وحضرتك واثق إنه هيحافظ عليها؟؟!
ابتسم السيد أحمد بهدوءٍ متمتماً:
_ عندي إحساس بدا وإن دا نصيبها وغير كده لما جيه هنا عيناه فضحته بقي عايز يستكشف بنتي يشوف هي إيه؟ عايشة فأنهي مستوي؟ وسرح هنا؟ فعرفت إنه معجب بيها وبتمني يكون هو الزوج الصالح اللي يحميها بعد ما أموت!.
نظر له بإعجاب شديد قائلاً بحب:
_ حضرتك كنز كل كلمة بتقولها حكمة يارتني أبقي زيك.
ربت على يديه قائلاً بحنو يشعر بأنه طفله، فهو شقيق صغيرته ويعد إبنه الثاني:
_ هتبقى أحسن مني يا طارق، أهم حاجة تكون مع ليان خطوة بخطوة تحميها يا طارق، أنت أخوها الوحيد أوعي تسبها.
هز طارق رأسه وردد بصدقٍ داخلي، يعشق ليان تلك الصغيرة التى تخرجه من أشد آلامها:
_ صدقني يا عمي هعمل اللي هقدر عليه دي أختي.
ابتسم براحة وأخيراً شعر أن هذا العبء الجثيم سينزاح قليلاً من عاتقيه:
_ كده أنا مطمن عليها ومرتاح، ربنا يحميك ويحميها من أي حاجة وحشة.
**************
بقصر الألفي،،،،،،
ابتسم تأرجحت على شفتيها، وهي تراه مقبلاً عليها يتكأ على يد ابن عمه سير معه بأنفاس متهدجة، تظهر على وجهه علامات الألم، هتفت ببسمة صغيرة ولكن يثنيها بعض القلق:
_ حمدلله على سلامتك يا حبيبي، عامل إيه دلوقتي؟
منحها ابتسامة باهته، مجيباً بنبرة متشنجة تحمل بين أطيافها الألم:
_ الله يسلمك يا مرات عمي، أنا كويس الحمدلله.
نظرت متسائلة في حيرة:
_ هو ممكن يكون مين عمل كده؟
هز رأسه بتعبٍ واضح، يردد بنبرات خافتة مُرهقة:
_ مش عارف بس أعداء شركتنا كتير وأكيد حد منهم!!
لاحظت وجهه الذي بدأ يتصبب عرقاً، وصوته المتعب لتسرع في حديثها قائلة بنبرةٍ حنونة:
_ أنا جهزتلك الأوضة فوق والحمام وكل حاجة، أطلع غير ونام شويا شكلك تعبان خالص.
هز رأسه بتعب، بينما سار معه إياد إلى غرفته، فهمس بأذنيه بلهجةٍ ساخرة:
_ خدت بالك من الجيش اللي جدك مماشيه ورانا؟!
ابتسم ساخراً، ونطق بصوتٍ هامس:
_ دا أبو أسيل نفسه مكنش بيمشي وراه كل الحرس، دا المشكلة إحنا مدربين على أعلى مستوى وهو....
سحابةٌ من الحزن غيمت على عينيه، انفطر قلبه لسماع إسماها، وتغيرات ملامح وجهه، أسطورة العشق "أسيل الألفي" رحلت بعد عشق دام لسنوات، فرحل معه قلبه المتهشم. وضمرت روحه الصغير التي لم تولد سوى معاها.
عض وليد على شفتيه بندمٍ، نسي تماماً وذكر اسمها أمامه، وكأنه قام بتمزيقه لذكره اسمها فقط، أربعة حروف كانت كخنجر حاد تقطع فيها كما تشاء، توجه بحديثه الأسف له قائلاً:
_ أنا آسف يا إياد، مكنتش اقصد.
أخذ نفساً طويلاً وهتف بعدها بثباتٍ زائف:
_ محصلش حاجة، تعالي نروح الأوضة عشان ترتاح.
فهم وليد مايريده؛ لذا قرر أن ينصع لما قاله، وسارا الإثنان بطريقهما إلى الأعلى يشعر كلاً منهما بألمٍ حاد، فأحدهما يشعر بألمٍ من الفقدان، والآخر يشعر بألمٍ من الخيانة.
ساعد إياد صديق دربه ليدلف للداخل ووضعه على السرير ثم غادر الغرفة سريعاً، أراد أن ينفرد بنفسه قليلاً لعله يجد الراحة التي فقدها منذ رحيلها، تنساب دموعه دون توقف، حتى وصل لغرفته ينظر بإتجاه خزانته الخاصة، تقدم بعددٍ من الخطوات الضعيف حتى وصل لها وعندما فتح باب عشقه المُتألم، هتف عيناه كانتا بهما فيضان يصارع بعضه ممزوجٍ بالأوجاع:
_ وليد.. يا أسيل كان بيتأسف عشان افتكر أني نسيتك وهو فَكْرني، الحقيقة أني كل دقيقة وكل ثانية فاكرك، وحشني صوتك ولعبك وشقوتك في القصر، كانت الضحكة مش بتفارق القصر بوجودك... طب فاكرة كان نفسنا في بيبي وربنا رزقنا بيه وكنا بنفكر نسميه إيه...
مد يديه يزيل دموعه الحزينة، ليستطرد حديثه بصوتٍ يملؤه الحزن :
_ بس راح مننا وساعتها وقفنا جنب بعض وقوينا بعض لحد ما عدينا الفترة دي، بس أنتِ خلفتي العهد عشان قولتي إنك هتفضلي جنبي تقويني وسبتني لحد ما بقيت ضعيف، تعالي تاني وقويني يا أسيل.
جلس أرضاً، يفتته الألم، لا يعلم ماذا يفعل؟ يريد أن يلقاها مرة واحد يشبع قلبه المتعطش لها، ولكن ربما تموت القلوب ليظهر بحياتنا قلوباً آخر تدوي جروحنا فهل سيأتي ذلك القلب؟!!
*********
بداخل غرفة وليد،،،،،،،
أرجع ظهره إلى الخلف، ينام على السرير بعد مشاقة طويلة عاني منها في تبديل ملابسة، مد يديه ليبحث عن الدواء بداخل الدرج وأثناء عبثه وقعت ورقة صغيرة على الأرض، نظر لها بضيق متمتماً بحنق:
_ ناقصكي أنتِ كمان.
إعتدل في جلسته لينحني بجزعه العلوي قليلاً، يمد يده ليمسك بتلك الورقة، توقف الزمن حوله، نظرة واحدة بها، جعلت من جسده الرياضي أن يتجمد مثل التمثال، تضاربت مشاعره بين الألم والحب، بين العشق والكراهية..
ذكري وقعت في وقتٍ كانت السعادة تغمر قصر، ولكن تحولت ملامحه تماماً، وإلتمعت عينيه بعدائية شديدة، ليقبض على تلك الورق بعنفٍ شديد، يغمغم بقسوة:
_ لأخر يوم بعمري يا ندي هيفضل قلبي يكرهك، اللي عملتيه عمر ماحد لو عرفه يقدر يسامحك عليه!!!
يتبع..


مكتبة حواء
مكتبة حواء
موقع مكتبة حواء هو منصة إلكترونية عربية متخصصة في نشر الروايات والقصص، ويستهدف بشكل أساسي محبي الأدب الرومانسي والاجتماعي، مع حضور قوي لاهتمامات القرّاء.
تعليقات