رواية مجهول انبت عشقا الفصل الحادي عشر 11 بقلم سلمي خالد
الفصل الحادي عشر
اللهم صلّ وسلّم وبارك على سيدنا محمد، استغفر الله وأتوب إليه 3مرات.
اللهم ارزق أحبتي من رزقك الواسع، وبارك لهم فيما رزقته،. اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، والعجز والكسل، والجبن والبخل، وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال
.. صدمة وكارثة..
حبس الجميع أنفاسهم، يشعرون بوجود ثُقلٍ غريبٍ قاسٍ على قلوبهم، يتطلعون لصدمات الكهرباء التي تتعرض لها في ألم، لم يعلموا ماذا يفعلون فقد شُلت حركات يدهم في عنف، عاد صوت الجهاز يعلن أن القلب يعمل مجددًا ليتنفس الجميع في راحة وكأن انبوبة اكسجين أتت لتعطيهم بعض الهواء؛ ليتنفسوا، خرج الطبيب يتطلع نحو سدرا وحنان اللتان تشعران برجفة عنيفة تملكت جسدهما، هتف في راحة بعدما توقفت حربًا ثائرة بينه وبين الموت:
_ القلب اشتغل بس الخوف حاليًا من أثر وقوف القلب على خلايا المخ مش عارفين هتأثر عليها ولا لاء!
تطلعت نحوه سدرا في قلق مرددة:
_ يعنى ايه؟ هو وقف قد ايه؟
زفر الطبيب في بعض القلق يردد:
_ دقيقتين.
تطلعت نحوه ببعض الخوف، ثم عادت بنظرها نحو شقيقتها تفكر ماذا تفعل لأجلها؟، غادر الطبيب من أمامهما بينما وقفت سدرا لا تعلم ماذا تفعل حتى تذكرت امرًا ما، هتفت سريعًا قائلة:
_ طنط حنان هو حسن ليه فويسات او اي تسجيل بصوته لتاليا؟!
تطلعت نحوها حنان في محاولة تذكر شيئًا مماثل لما قالته، حركت رأسها في نفسي تهمس في حزن:
_ لاء ممكن يكون عنده تسجيل مع صاحب الشغل بس.
شعرت سدرا بالعجز تحاول تفكير ماذا ستفعل لأجل شقيقتها فهي تستمع جيدًا لصوتهم ولكن لا تريد الاستجابة، اتسعت عيناها فجأة ثم اسرعت تمسك بهاتفها لتتحدث مع جلال قائلة بنبرة متلهفة:
_ ايوة يا بابا جلال تعرف واحد بيقدر يغير الأصوات كويس؟
قطب جلال جبينه في تعجب، ثم اجابها بنبرة مندهشة:
_ ليه كل دا؟
:_ أنا عند تاليا مع طنط حنان يا بابا وفي حاجة كده هجربها مع تاليا يمكن تفوق بس قولي تعرف حد بيغير الأصوات!
قالتها بنبرة متلهفة، بينما شعر بأمل جديد ينبُت بداخله، وبدأ يفكر قليلًا ثم بلحظة خطر بعقله شخصٍ فأسرع مندفعًا بالحديث:
_ أيوة عندي شاب كده في الشغل بيفهم في الحاجات دي؟
:_ طب خليك في الشغل وأنا جاية لحضرتك دلوقتي!
قالتها سريعًا ثم أغلقت معه، وعادت تتطلع نحو حنان تتساءل:
_ يلا يا طنط هنروح نجيب التسجيل وهطلع انا على بابا اظبط كل حاجة!
حركت حنان رأسها بالنفي تردد:
_ لا انا جاية معاكي.. تاليا وصية حسن أني اخلي بالي عليها واحافظ على سعادتها!
منحتها سدرا بسمة صغيرة مليئة بامتنان، ثم غادروا سويًا ربما يصبح هذا هو علاج غيبوبتها المؤلمة.
*****
وصلت كلًا من حنان وسدرا لمقر عمل جلال ثم صعدت سدرا نحو مكتب جلال واردفت سريعًا ما أن تلقت به في الممر:
_ بابا.. فين زميل حضرتك؟
اشار لمكتب بنهاية الممر، ذهب الثلاثة سويًا نحو المكتب، ثم دلفوا جميعًا في لهفة تملأ عيناهم، هتف جلال ببعض الامتنان :
_ معلش هتعبك يا سيف معايا!
منحه ابتسامة هادئة يعيد ضبط نظارته قائلًا:
_ لا ولا يهمك يا استاذ جلال.. اتفضل قولي بظبط عايزين ايه؟
اسرعت سدرا بالحديث تخرج هاتفه لتقوم بتشغيل صوت حسن:
_ انا هسجل ريكورد دلوقتي محتاجة بس تغير صوتي لصوت الشاب اللي في التسجيل هنا.
حرك رأسه في عملية، ثم اجابها بنبرة رجولية هادئة:
_ تمام بسيطة دي اقدر اعملها، هاتي بس الريك ( ريكورد بمعني صوت سدرا اللي هتسجله) و التسجيل الشاب دا سبوني شوية.
مدت سدرا يدها تعطيه الهاتف الحامل ما يريده، ثم تركوه ليبدأ سيف بتغير صوت سدرا لصوت حسن.
مر بعض الوقت وليس بهينٍ كانت سدرا تقف تشعر بتوتر حاد، بينما كانت حالة جلال وحنان مماثلة لحالتها جميعهم يشعرون بأن هذا الخيط الأسود الحاد يمزقهم في عنف، يقبض عليهم كالأصفاد فيطمسهم أسفل ظلام الخوف الذي احتل أرض عقولهم.
حل الليل بثوبه الجديد عليهم جميعًا، ليخرج سيف من مكتبه يعطيهم الهاتف حاملًا هذا التسجيل بصوتٍ الخاص بحسن، امسكت سدرا التسجيل واستمعت له لتتسع ابتسامتها وكأنها التقطت نجمة من السماء، أردفت في امتنان:
_شكرًا جدًا لحضرتك، حقيقي مش هننسا الجميل دا لحضرتك .
ابتسم سيف مجاملًا بينما هتفت تطلعت نحو الساعة لتجدها التاسعة مساءًا:
_ بس للأسف دلوقتي مش هينفع نزورها هنخليها بكرة وبأذن الله خير.
حرك الجميع رؤوسهم وغادروا من الشركة مع شكر السيد جلال لـ سيف، ذهبت سدرا مع حنان لمنزلها بينما عاد جلال لمنزله يسرد لفريال ما حدث!
*****
مرت ساعات الليل وكأنها حرب لن تتوقف، مشاعر كثير متضاربة مع بعضها البعض خوف..توتر..حماس..أمل جديد سيظهر مع شروق الشمس ليتغذى وينبُت من جديد، وصلت سدرا مع الجميع للمشفى ثم دلفت للغرفة وهي تشعر برجفة عنيفة اصابت جسدها، اخرجت زجاجة العطر الخاصة بحسن وقامت بنثر بعض القطرات بالجو ربما تساعد فيما تريده، تتطلع نحو وجهه المنهك من الحزن في ألم ثم ترجّت من الله أن تنجح فكرتها، امسكت بهاتفها ثم اشعلت هذا التسجيل، ليبدأ بظهور صوتها او لنقول صوتها بثوب حسن يردد:
_ تاليا حبيبتي ومراتي.. ليه عايزة تسبينا يا تاليا.. مش المفروض تكملي عشان تحقق السعادة اللي هتفرحني.. أنتِ أملي اللي جاي.. متخليش حاجة توقفك يا حبيبتي ومتستسلميش بالسهولة دي تاني.. طول عمرك قوية متخسريش قوتك دي أبدًا وهستنى تفوقي.
توقف التسجيل بتلك اللحظة وبقيت سدرا تراقب ملامح تاليا وجسدها ربما يتحرك أي شيء منهم، ولكن لم تجد، تخللها بعض اليأس وهمست في أنين:
_ يارب أي اشارة منها!
تطلعت نحوها مجددًا تقترب منها لعلها تجد شيئًا، ولكن اتسعت عيناها وهي ترى دموعها تسيل، هي الآن تدرك وجودهم هي على قدر من الوعي بهم، تسربت الدموع من حدقتيها تضع يدها على فمها تمنع شهقاتها، بينما تعجب جلال وفريال من ملامح سدرا، خرجت من الغرفة تردد بصوتٍ يحمل البكاء الممزوج بالفرحة:
_ تاليا استجابة ليا.. هي قربت تفوق يا ماما قربت يا بابا.. خلاص يا طنط اخيرًا بدأت تستجيب لينا.
بكت فريال بشدة بينما ادمعت عين حنان تدعو الله في سرها بأن يرحم فلذ كبدها، مردد بنبرة متألمة من جروح لاتزال تنزف:
_ الله يرحمك يا حسن.. اختارت صح واحدة بتحبك وكانت هتصونك هي وأهلها.. الحمدلله على نعمة اللي سبتهالي قبل ما تمشي.
تطلعت نحو تاليا في نظرة مختلفة وكأنها صغيرتها وابنتها هي وليست زوجة ابنها، ترجت من الله شفاؤها ثم تطلعت نحو جلال الذي يحتضن سدرا في حب يردد بكلماتٍ شاكرة، ابتسمت حنان قليلًا فقد علمت قصة سدرا ولم تهمس سوا بكلماتٍ لها معنى جميل ( تعودوا الخير فإن الخير عادة)
إن الخير ليس إلا نبتة صغيرة زُرعت ويجني خيره الزارع وجميع من حوله، فأنت يا ابن آدم فعلته وتكفلت باليتيم والآن ينجيك الله لفعلك خير كبير، هي صفة تحدث عنها جميع الشعراء ومنهم
قال أحمد شوقي:
لا ينفع الميت سوى صالحة مدخره
قد ترفع السوقة عند الله فوق القيصره وكل نفس في غد ميتة فمنشره
وإنه من يعمل الخير أو الشر يره
من لا يصيب فالناس لا يلتمسون المعذرة.
*****
مر ايام كانت سدرا غير قادرة على رؤية أيسل بل تفكر بشقيقتها، بينما علم سليم سر تأخر سدرا عن طلبه وقرر أن يعطيها وقتًا كي يأخذ مبتغاه، في حين لم تقطع حنان زيارتها لتاليا وبقيت فريال بكل يوم ترتل القرآن جوار ابنتها.
بيومٍ جلست حنان جوار فريال كلتهما ترتل آيات الله الكريمة، ثم نزعت حنان نظارتها وهي تشعر ببعض الألم بحدقتيها، تطلعت نحو تاليا قليلًا تدعو بسره أن تنتهي تلك الغيبوبة وينتهي هذا الكابوس، تحركت يد تاليا أمامها فجأة، اتسعت عيناها وبقيت تتطلع نحو يدها تردد في عدم تصديق:
_ بصي كده يا فريال كده هي حركت ايديها.
صدقت فريال من قرأت القرآن ونظرت نحو يدها قليلًا في تلهف ولكن شعرت بيأس من عدم تحركها مجددًا كادت أن تردد بأن تاليا لم تحرك شيء ولكن وجدتها تحرك يدها فجأة مرة أخرى، نهضت فريال منتفضة من مقعدها وهتفت سريعًا بعدما ادمعت عينها:
_ دي حركتها فعلًا.
اقتربت منها تنظر نحو وجهها فوجدتها تحاول تحريك شفتيها، ازدردت فريال حلقها في صعوبة وهي تذرف الدموع، بينما اسرعت حنان للخارج تستدعي الطبيب سريعًا، ولكن قابلت سدرا بطريقها لتهتف فرحة:
_ تاليا حركت ايديها يا بنتي!
اتسعت عين سدرا وأخذت تركض نحو غرفة شقيقتها ثم تفاجأت بفريال تسجد في حامدة الرحمٰن، تطلعت سدرا نحو شقيقتها تتأكد مما يتفوهون به ولكن دلف الطبيب سريعًا وبدأ يخبرها بأن تصدر أي حركة وبالفعل حركت يدها مرة أخرى، ابتسم الطبيب في راحة واخبرهم أنها ستفيق خلال الساعات القادمة هي فقط تحتاج للراحة.
مرت الساعات وكأنها دهر يتمدد كلما ازداد شوقهم، الجميع يقف حولها حتى فتحت عيناها في تشويش تهمس بصوتٍ مبحوح:
_ سدرا..
:_ انا جنبك يا قلب اختك.
قالتها سدرا وهي تمسك بيدها، بينما فتحت تاليا عيناه تنظر لهم جميعًا ببسمة تحلق فوق شفتيهم ولكن توقفت عند حنان وبقت تتطلع لها في تعجب، لاحظ الجميع نظراتها المصوبة نحو حنان التي اردفت ببسمة هادئة:
_ حمدلله على سلامتك يا بنتي.
رمشت بأهدابها قليلًا ثم اجابتها وهي تبادلها الابتسامة مرددة:
_ الله يسلمك بس حضرتك مين؟
صاعقة هبطت على الجميع ما أن تسألت تاليا بهذا السؤال، حركت سدرا رأسها تتطلع نحوها قائلة في حذر:
_ ايه يا تيا مش فاكرة طنط حنان؟
نظرت لها تاليا ثم همست في دهشة:
_ مين دي يا سدرا مش فاكرة أني شوفتها قبل كده؟
كاد أن يتحدث جلال ولكن نظرات سدرا نحوه جعلته يصمت، تطلعت لها سدرا في شك ثم أردفت في تسأل مرددة:
_ طب تفتكري إن في حد إسمه حسن تعرفيه في حياتك؟
قطبت تاليا جبينها في تعجب، ثم بقيت تتذكر من حسن ولكن ما من جدوى، حركت رأسها في نفي قائلة:
_ لا معرفش حد أسمه حسن!
شعر جميعهم انهم سيدلفون كابوسًا أخر، بينما ابتسمت لها سدرا قائلة:
_ اصله عريس اتقدم بس حصل حادثة صغنونة ليكي ودخلتي بغيبوبة وبعدها اختفى.
حركت تاليا رأسها في ايجابية، تردد متسألة:
_ اكيد لو خير كان فضل مستنيني، المهم إيه اللي حصل لحسن مش فاكرة ايه اللي دخلني المستشفى؟
ابتسمت سدرا في توتر اخفته ببراعة، تردد بنبرة ثابتة:
_ أنتِ أخر حاجة فكراها كانت ايه؟
بقت تاليا لدقائق ثم اردفت تجيب:
_ أني بعد المحاضرة روحت الكورنيش وبعدها مش عارفة عملت ايه هناك؟
أغمضت سدرا عيناها ثم اردفت في هدوء:
_ مفيش يا حبيبة بس تقريبا خلصتي فترة امتحانات وحصلك حادثة عربية وراسك اتخبطت جامد وعشان كده دخلتي غيبوبة.
اتسعت عين تاليا قائلة وهي تاركة باقى الكلمات ولم تركز سوى على كلمة غيبوبة:
_ يالهوي كل دا حصل.. وانا اللي قلت ان الغيبوية دي مسلسلات بس.. طلعت بجد!
ضحكت سدرا على جنونها الذي اشتاقت له، ولكن كانت ضحكة مليئة بكم آلام ضخمة، هي فقدت ذكرتها فقد هذا الجزء المؤلم بحياتها الجنونية.
غفت تاليا مكانها بينما خرج الجميع والصمت كان عنوان تلك اللحظة، اردف جلال مقاطعًا تلك اللحظة بسيف كلماته:
_ تاليا مش فاكرة اي حاجة تخص حسن ليه يا سدرا؟
اغمضت عيناها تجيب في غصة مريرة ظاهرة:
_ تاليا اتعرضت لصدمة نفسية خلتها دخلت في غيبوبة ومكنتش راضية تفوق بس لما عملت الفكرة بتاعتي تاليا عيطت وهي في الغيبوبة يعني هي فعلا مدمرة نفسيًا ومش عايزة الواقع بسبب أنها مش عارفة تتخطى الصدمة دي ويا أما تفضل في الغيبوبة وفاكرة حسن أو تحذف الجزء اللي من بداية ظهور حسن لحد اللحظة اللي خدت فيها الصدمة، وعقلها اختار أنه يحذف الجزء دا فبتالي هي متعرفش مين طنط حنان ولا أي حاجة ليها علاقة بحسن.. اللي عندها دا حاجة اسمها فُقد الذاكرة التراجعي.. بتفقد الحدث المؤلمة دا من ذاكرتها عشان تكمل.. أنا اللي مهديني إن ليها علاج بس هنستى شوية تسترد صحتها وتمارس حياتها كويس وبعدها هنبدأ كورس العلاج بتاعها.
وقف جلال يشعر بألم يمزق قلبه، بل تغرز به وكأنه نصل مسموم، بينما وقفت فريال تحتضن حنان ووهي تبكي، في حين اردفت حنان بمررة:
_ إن لله وإن إليه راجعون.. لا حول ولا قوة إلا بالله.
اسرعت تتحدث في هدوء تربت على يد جلال قائلة بقوة:
_ اوعي تزعل يا بابا جلال دا خير وكويس إن عقلها اختار انها تفوق وان دي هي الخسارة الوحيدة في حاجات تانية صعبة، إحنا بـ نعمة يكفي إنها مش في غيبوبة تاني.. يكفي أنها هارجع تتنطط من تاني وتضحك من جديد.. ومع الوقت والعلاج هي هترجع سليمة وهتفتكر.
حرك جلال رأسه يعلم جيدًا حديثها ومدى اهميته ثم بدأ بذكر الحمدلله بكل حين.
مرت الأيام تعافت بها تاليا جيدًا واصبحت قادرة على ممارسة حياتها، وأخبرت الجميع أنها ستذهب لإحضار شهادتها وتقديم بشركة للعمل، ثم أخبروها أن حنان هي احد أقارب فريال من بعيد وجاءت القاهرة لتسكن بها، في حين عادت سدرا تمارس عملها من جديد في تركيز ونشاط..
قبل أن تدلف سدرا لـ غرفة أيسل أخذت نفسًا عميق ثم قررت أن تخاطر تلك المرة، وتقوم بتلك الفكرة تشعر بأن تلك المرة ستنجح خططها، جلست أمام أيسل في قوة مرددة بنبرة ثابتة:
_ صباح الخير يا أيسل.. طبعًا مش هلاقي رد لكن حابه أقولك إن أخواكي جه واتقدملي وشرطت عليه إنه عشان يتقدم يقولي السر اللي بينكم وهو شرط إني ارجعك تاني ليه لأنه عرف خلاص أنك بستجيبي لينا وإنك اتعالجتي.
اتسعت عين أيسل في صدمة تتطلع نحو سدرا التي طالعتها بنظرة تحدي، لأول مرة تهتف أيسل بعدما ادمعت عيناها:
_ لا عشان خاطري قوليله حالتها رجعت تاني لو عرف إني سليمة هدمر والعالم كله هيدمر.
اخفت سدرا صدمتها من أنها تحدثت واردفت في تساؤل:
_ أنا عايزة اعرف دلوقتي أما أنتِ فعلا مش مريضة ليه مثلتي انك مريضة وليه بتخافي من أخوكِ؟
نظرت لها في قلق تشعر أنها فقدت صوتها من أعوام الآن ستتحدث ولك بسرٍ سيهلك بحياتها، صمتت ولم تتحدث بينما أجبرتها سدرا على الحديث قائلة في غيظ دون أن تعلم أنه قد تبقى خطوة وستصبح وسط تلك الواحة السوداء:
_ هتقولي ولا ارن عليه اقوله سليمة ويتصرف معاكِ زي ما هو عايز وابقى خلصت الحالة بتاعتي وأنتِ بقى الله أعلم ايه هيحصلك؟
نظرت لها في رعب، تردد بنبرة ملتاعة:
_ هحكيلك بس لزمًا نهرب من المستشفى دي بعد ما اقولك!
ضيقت سدرا عيناها ثم أردفت بنبرة مترددة:
_ نهرب ليه؟ وفي إيه اصلا اللي انا ههرب منه؟
تطلعت نحو في حزن قائلة وهي تشعر بآلام تفتكها:
_ عشان لو حكيت ليكي يبقى بقيتي جزء من اللي أنا فيه.. سليم مش أخويا لكن هو صاحب عصابة الـ S ودي واحدة من العصابات الخمسة في العالم، العلامة دي هي رمز للعصابة دي وشكل الزهرة السامة دي بيختلف من عصابة للتانية.. وهنا العصابة دي صحابة الزهرة البلّادونا والأفعى سامة والاتنين مع بعض اعتقد معانهم واضح بنسبالك.. دا بس التوضيح بتاع سليم.. أما انا ليه مثلت أني مريضة لأن أنا مهندسة برمجيات وعملت برنامج هكر يقدر يهكر سيستم ( مواقع) البنوك والشركات اللي في العالم كله والفلوس كلها هتتحول لينا بس البرنامج دا ليه باسورد وهما مش هيفتحوا غير بيا وأنا لما عرفت أنهم هيقتلوني مرضتش انطق وعشان كده حياتي مهمة بنسبة ليهم.
ربما لو صخرة كبيرة سقطت عليها لما فعلت بها هكذا، رددت سدرا في صدمة اجتاحت كلماتها:
_ يعني سليم أصلا مجرم.. وأنتِ تبعهم.. طب ازاي مقدروش يجيبوا حد يفتح البرنامج دا علطول اصلا وبرضو كانوا حلوا الموضوع وايه اللي دخلني؟ وكمان دكتور سمير اكيد لو يعرف مكنش ادني الحالة بتاعتك وسلمني ليهم؟!
اجابتها أيسل في خوف وهي تتطلع نحو الخارج:
_ اولا الدكتور سمير دا من ضمن العصابة لأن هو كان بيسلم المرضى اللي هنا للعصابة ويسفرهم بر مصر عشان يبقوا فئران تجارب ليهم برة مصر ويجربوا ابحاثهم عليهم، اما ليه البرنامج محدش عارف يشغله لأن الباسورد بيتكتب مرة واحدة يا أما البرنامج هيدمر ودا برنامج مش صغير عشان يدمر بسهولة دي ومحدش هيعرف يعمل زيه.. وسليم طالما كان عايز يتجوزك يبقى كان هيدخلك العصابة البلادونا بدل ما كان هيقتلك ... ودلوقتي أنتِ عرفتي كل حاجة يعنى لزمًا تهربي معايا لبعيد او أي مكان عشان نحتمي فيه.
حركت رأسها بالنفي تنهض من مكانها قائلة بنبرة مذهولة:
_ انتم مش طبعيين انا هبلغ البولييس.
:_ لو عملتي كده هيقتلوا اهلك وبرضو مش هتعرفي تعملي ليهم حاجة لأنك مش معاكي دليل على كلامك.. لزمًا نهرب دلوقتي يا سدرا وبعدها هنتصرف في حل ..
قالتها في قلق شديد ناهضة من أعلى الفراش، بينما نظرت لها سدرا في جمود قائلة:
_ محدش هيعرف اني أعرف حاجة وكمان..
قاطعتها ايسل في غضب:
_ وكمان ايه.. أنتِ حتى لو قولتي ان حالتي مفهاش تقدم هيقتلوكي.. سليم سابك عشان كنت اكيد بتقولي أني بخف يا سدرا.. لزمًا تهربي لأنك بتدمري في أي حالة بس ممكن في هروبنا دا نلاقي حل ينقذنا سوا.
نظرت لها ببعض القلق تردد بنبرة مختنقة:
_ طب انا محتاجة وقت يا...
صمتت فجأة ما أن رأت اتسع عين أيسل في رعب لم تراه من قبل، استدارت تنظر خلفها ثم شهقت في رعب ملأ قلبها عندما وجدت سمير يبتسم في شر يتطاير من عينيه قائلًا بنبرة ماكرة خبيثة ممزوجة برائحة الشر:
_ وأخيرًا خفيتي يا أيسل دا أنا مستني اللحظة دي من زمان!
يتبع
اللهم صلّ وسلّم وبارك على سيدنا محمد، استغفر الله وأتوب إليه 3مرات.
اللهم ارزق أحبتي من رزقك الواسع، وبارك لهم فيما رزقته،. اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، والعجز والكسل، والجبن والبخل، وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال
.. صدمة وكارثة..
حبس الجميع أنفاسهم، يشعرون بوجود ثُقلٍ غريبٍ قاسٍ على قلوبهم، يتطلعون لصدمات الكهرباء التي تتعرض لها في ألم، لم يعلموا ماذا يفعلون فقد شُلت حركات يدهم في عنف، عاد صوت الجهاز يعلن أن القلب يعمل مجددًا ليتنفس الجميع في راحة وكأن انبوبة اكسجين أتت لتعطيهم بعض الهواء؛ ليتنفسوا، خرج الطبيب يتطلع نحو سدرا وحنان اللتان تشعران برجفة عنيفة تملكت جسدهما، هتف في راحة بعدما توقفت حربًا ثائرة بينه وبين الموت:
_ القلب اشتغل بس الخوف حاليًا من أثر وقوف القلب على خلايا المخ مش عارفين هتأثر عليها ولا لاء!
تطلعت نحوه سدرا في قلق مرددة:
_ يعنى ايه؟ هو وقف قد ايه؟
زفر الطبيب في بعض القلق يردد:
_ دقيقتين.
تطلعت نحوه ببعض الخوف، ثم عادت بنظرها نحو شقيقتها تفكر ماذا تفعل لأجلها؟، غادر الطبيب من أمامهما بينما وقفت سدرا لا تعلم ماذا تفعل حتى تذكرت امرًا ما، هتفت سريعًا قائلة:
_ طنط حنان هو حسن ليه فويسات او اي تسجيل بصوته لتاليا؟!
تطلعت نحوها حنان في محاولة تذكر شيئًا مماثل لما قالته، حركت رأسها في نفسي تهمس في حزن:
_ لاء ممكن يكون عنده تسجيل مع صاحب الشغل بس.
شعرت سدرا بالعجز تحاول تفكير ماذا ستفعل لأجل شقيقتها فهي تستمع جيدًا لصوتهم ولكن لا تريد الاستجابة، اتسعت عيناها فجأة ثم اسرعت تمسك بهاتفها لتتحدث مع جلال قائلة بنبرة متلهفة:
_ ايوة يا بابا جلال تعرف واحد بيقدر يغير الأصوات كويس؟
قطب جلال جبينه في تعجب، ثم اجابها بنبرة مندهشة:
_ ليه كل دا؟
:_ أنا عند تاليا مع طنط حنان يا بابا وفي حاجة كده هجربها مع تاليا يمكن تفوق بس قولي تعرف حد بيغير الأصوات!
قالتها بنبرة متلهفة، بينما شعر بأمل جديد ينبُت بداخله، وبدأ يفكر قليلًا ثم بلحظة خطر بعقله شخصٍ فأسرع مندفعًا بالحديث:
_ أيوة عندي شاب كده في الشغل بيفهم في الحاجات دي؟
:_ طب خليك في الشغل وأنا جاية لحضرتك دلوقتي!
قالتها سريعًا ثم أغلقت معه، وعادت تتطلع نحو حنان تتساءل:
_ يلا يا طنط هنروح نجيب التسجيل وهطلع انا على بابا اظبط كل حاجة!
حركت حنان رأسها بالنفي تردد:
_ لا انا جاية معاكي.. تاليا وصية حسن أني اخلي بالي عليها واحافظ على سعادتها!
منحتها سدرا بسمة صغيرة مليئة بامتنان، ثم غادروا سويًا ربما يصبح هذا هو علاج غيبوبتها المؤلمة.
*****
وصلت كلًا من حنان وسدرا لمقر عمل جلال ثم صعدت سدرا نحو مكتب جلال واردفت سريعًا ما أن تلقت به في الممر:
_ بابا.. فين زميل حضرتك؟
اشار لمكتب بنهاية الممر، ذهب الثلاثة سويًا نحو المكتب، ثم دلفوا جميعًا في لهفة تملأ عيناهم، هتف جلال ببعض الامتنان :
_ معلش هتعبك يا سيف معايا!
منحه ابتسامة هادئة يعيد ضبط نظارته قائلًا:
_ لا ولا يهمك يا استاذ جلال.. اتفضل قولي بظبط عايزين ايه؟
اسرعت سدرا بالحديث تخرج هاتفه لتقوم بتشغيل صوت حسن:
_ انا هسجل ريكورد دلوقتي محتاجة بس تغير صوتي لصوت الشاب اللي في التسجيل هنا.
حرك رأسه في عملية، ثم اجابها بنبرة رجولية هادئة:
_ تمام بسيطة دي اقدر اعملها، هاتي بس الريك ( ريكورد بمعني صوت سدرا اللي هتسجله) و التسجيل الشاب دا سبوني شوية.
مدت سدرا يدها تعطيه الهاتف الحامل ما يريده، ثم تركوه ليبدأ سيف بتغير صوت سدرا لصوت حسن.
مر بعض الوقت وليس بهينٍ كانت سدرا تقف تشعر بتوتر حاد، بينما كانت حالة جلال وحنان مماثلة لحالتها جميعهم يشعرون بأن هذا الخيط الأسود الحاد يمزقهم في عنف، يقبض عليهم كالأصفاد فيطمسهم أسفل ظلام الخوف الذي احتل أرض عقولهم.
حل الليل بثوبه الجديد عليهم جميعًا، ليخرج سيف من مكتبه يعطيهم الهاتف حاملًا هذا التسجيل بصوتٍ الخاص بحسن، امسكت سدرا التسجيل واستمعت له لتتسع ابتسامتها وكأنها التقطت نجمة من السماء، أردفت في امتنان:
_شكرًا جدًا لحضرتك، حقيقي مش هننسا الجميل دا لحضرتك .
ابتسم سيف مجاملًا بينما هتفت تطلعت نحو الساعة لتجدها التاسعة مساءًا:
_ بس للأسف دلوقتي مش هينفع نزورها هنخليها بكرة وبأذن الله خير.
حرك الجميع رؤوسهم وغادروا من الشركة مع شكر السيد جلال لـ سيف، ذهبت سدرا مع حنان لمنزلها بينما عاد جلال لمنزله يسرد لفريال ما حدث!
*****
مرت ساعات الليل وكأنها حرب لن تتوقف، مشاعر كثير متضاربة مع بعضها البعض خوف..توتر..حماس..أمل جديد سيظهر مع شروق الشمس ليتغذى وينبُت من جديد، وصلت سدرا مع الجميع للمشفى ثم دلفت للغرفة وهي تشعر برجفة عنيفة اصابت جسدها، اخرجت زجاجة العطر الخاصة بحسن وقامت بنثر بعض القطرات بالجو ربما تساعد فيما تريده، تتطلع نحو وجهه المنهك من الحزن في ألم ثم ترجّت من الله أن تنجح فكرتها، امسكت بهاتفها ثم اشعلت هذا التسجيل، ليبدأ بظهور صوتها او لنقول صوتها بثوب حسن يردد:
_ تاليا حبيبتي ومراتي.. ليه عايزة تسبينا يا تاليا.. مش المفروض تكملي عشان تحقق السعادة اللي هتفرحني.. أنتِ أملي اللي جاي.. متخليش حاجة توقفك يا حبيبتي ومتستسلميش بالسهولة دي تاني.. طول عمرك قوية متخسريش قوتك دي أبدًا وهستنى تفوقي.
توقف التسجيل بتلك اللحظة وبقيت سدرا تراقب ملامح تاليا وجسدها ربما يتحرك أي شيء منهم، ولكن لم تجد، تخللها بعض اليأس وهمست في أنين:
_ يارب أي اشارة منها!
تطلعت نحوها مجددًا تقترب منها لعلها تجد شيئًا، ولكن اتسعت عيناها وهي ترى دموعها تسيل، هي الآن تدرك وجودهم هي على قدر من الوعي بهم، تسربت الدموع من حدقتيها تضع يدها على فمها تمنع شهقاتها، بينما تعجب جلال وفريال من ملامح سدرا، خرجت من الغرفة تردد بصوتٍ يحمل البكاء الممزوج بالفرحة:
_ تاليا استجابة ليا.. هي قربت تفوق يا ماما قربت يا بابا.. خلاص يا طنط اخيرًا بدأت تستجيب لينا.
بكت فريال بشدة بينما ادمعت عين حنان تدعو الله في سرها بأن يرحم فلذ كبدها، مردد بنبرة متألمة من جروح لاتزال تنزف:
_ الله يرحمك يا حسن.. اختارت صح واحدة بتحبك وكانت هتصونك هي وأهلها.. الحمدلله على نعمة اللي سبتهالي قبل ما تمشي.
تطلعت نحو تاليا في نظرة مختلفة وكأنها صغيرتها وابنتها هي وليست زوجة ابنها، ترجت من الله شفاؤها ثم تطلعت نحو جلال الذي يحتضن سدرا في حب يردد بكلماتٍ شاكرة، ابتسمت حنان قليلًا فقد علمت قصة سدرا ولم تهمس سوا بكلماتٍ لها معنى جميل ( تعودوا الخير فإن الخير عادة)
إن الخير ليس إلا نبتة صغيرة زُرعت ويجني خيره الزارع وجميع من حوله، فأنت يا ابن آدم فعلته وتكفلت باليتيم والآن ينجيك الله لفعلك خير كبير، هي صفة تحدث عنها جميع الشعراء ومنهم
قال أحمد شوقي:
لا ينفع الميت سوى صالحة مدخره
قد ترفع السوقة عند الله فوق القيصره وكل نفس في غد ميتة فمنشره
وإنه من يعمل الخير أو الشر يره
من لا يصيب فالناس لا يلتمسون المعذرة.
*****
مر ايام كانت سدرا غير قادرة على رؤية أيسل بل تفكر بشقيقتها، بينما علم سليم سر تأخر سدرا عن طلبه وقرر أن يعطيها وقتًا كي يأخذ مبتغاه، في حين لم تقطع حنان زيارتها لتاليا وبقيت فريال بكل يوم ترتل القرآن جوار ابنتها.
بيومٍ جلست حنان جوار فريال كلتهما ترتل آيات الله الكريمة، ثم نزعت حنان نظارتها وهي تشعر ببعض الألم بحدقتيها، تطلعت نحو تاليا قليلًا تدعو بسره أن تنتهي تلك الغيبوبة وينتهي هذا الكابوس، تحركت يد تاليا أمامها فجأة، اتسعت عيناها وبقيت تتطلع نحو يدها تردد في عدم تصديق:
_ بصي كده يا فريال كده هي حركت ايديها.
صدقت فريال من قرأت القرآن ونظرت نحو يدها قليلًا في تلهف ولكن شعرت بيأس من عدم تحركها مجددًا كادت أن تردد بأن تاليا لم تحرك شيء ولكن وجدتها تحرك يدها فجأة مرة أخرى، نهضت فريال منتفضة من مقعدها وهتفت سريعًا بعدما ادمعت عينها:
_ دي حركتها فعلًا.
اقتربت منها تنظر نحو وجهها فوجدتها تحاول تحريك شفتيها، ازدردت فريال حلقها في صعوبة وهي تذرف الدموع، بينما اسرعت حنان للخارج تستدعي الطبيب سريعًا، ولكن قابلت سدرا بطريقها لتهتف فرحة:
_ تاليا حركت ايديها يا بنتي!
اتسعت عين سدرا وأخذت تركض نحو غرفة شقيقتها ثم تفاجأت بفريال تسجد في حامدة الرحمٰن، تطلعت سدرا نحو شقيقتها تتأكد مما يتفوهون به ولكن دلف الطبيب سريعًا وبدأ يخبرها بأن تصدر أي حركة وبالفعل حركت يدها مرة أخرى، ابتسم الطبيب في راحة واخبرهم أنها ستفيق خلال الساعات القادمة هي فقط تحتاج للراحة.
مرت الساعات وكأنها دهر يتمدد كلما ازداد شوقهم، الجميع يقف حولها حتى فتحت عيناها في تشويش تهمس بصوتٍ مبحوح:
_ سدرا..
:_ انا جنبك يا قلب اختك.
قالتها سدرا وهي تمسك بيدها، بينما فتحت تاليا عيناه تنظر لهم جميعًا ببسمة تحلق فوق شفتيهم ولكن توقفت عند حنان وبقت تتطلع لها في تعجب، لاحظ الجميع نظراتها المصوبة نحو حنان التي اردفت ببسمة هادئة:
_ حمدلله على سلامتك يا بنتي.
رمشت بأهدابها قليلًا ثم اجابتها وهي تبادلها الابتسامة مرددة:
_ الله يسلمك بس حضرتك مين؟
صاعقة هبطت على الجميع ما أن تسألت تاليا بهذا السؤال، حركت سدرا رأسها تتطلع نحوها قائلة في حذر:
_ ايه يا تيا مش فاكرة طنط حنان؟
نظرت لها تاليا ثم همست في دهشة:
_ مين دي يا سدرا مش فاكرة أني شوفتها قبل كده؟
كاد أن يتحدث جلال ولكن نظرات سدرا نحوه جعلته يصمت، تطلعت لها سدرا في شك ثم أردفت في تسأل مرددة:
_ طب تفتكري إن في حد إسمه حسن تعرفيه في حياتك؟
قطبت تاليا جبينها في تعجب، ثم بقيت تتذكر من حسن ولكن ما من جدوى، حركت رأسها في نفي قائلة:
_ لا معرفش حد أسمه حسن!
شعر جميعهم انهم سيدلفون كابوسًا أخر، بينما ابتسمت لها سدرا قائلة:
_ اصله عريس اتقدم بس حصل حادثة صغنونة ليكي ودخلتي بغيبوبة وبعدها اختفى.
حركت تاليا رأسها في ايجابية، تردد متسألة:
_ اكيد لو خير كان فضل مستنيني، المهم إيه اللي حصل لحسن مش فاكرة ايه اللي دخلني المستشفى؟
ابتسمت سدرا في توتر اخفته ببراعة، تردد بنبرة ثابتة:
_ أنتِ أخر حاجة فكراها كانت ايه؟
بقت تاليا لدقائق ثم اردفت تجيب:
_ أني بعد المحاضرة روحت الكورنيش وبعدها مش عارفة عملت ايه هناك؟
أغمضت سدرا عيناها ثم اردفت في هدوء:
_ مفيش يا حبيبة بس تقريبا خلصتي فترة امتحانات وحصلك حادثة عربية وراسك اتخبطت جامد وعشان كده دخلتي غيبوبة.
اتسعت عين تاليا قائلة وهي تاركة باقى الكلمات ولم تركز سوى على كلمة غيبوبة:
_ يالهوي كل دا حصل.. وانا اللي قلت ان الغيبوية دي مسلسلات بس.. طلعت بجد!
ضحكت سدرا على جنونها الذي اشتاقت له، ولكن كانت ضحكة مليئة بكم آلام ضخمة، هي فقدت ذكرتها فقد هذا الجزء المؤلم بحياتها الجنونية.
غفت تاليا مكانها بينما خرج الجميع والصمت كان عنوان تلك اللحظة، اردف جلال مقاطعًا تلك اللحظة بسيف كلماته:
_ تاليا مش فاكرة اي حاجة تخص حسن ليه يا سدرا؟
اغمضت عيناها تجيب في غصة مريرة ظاهرة:
_ تاليا اتعرضت لصدمة نفسية خلتها دخلت في غيبوبة ومكنتش راضية تفوق بس لما عملت الفكرة بتاعتي تاليا عيطت وهي في الغيبوبة يعني هي فعلا مدمرة نفسيًا ومش عايزة الواقع بسبب أنها مش عارفة تتخطى الصدمة دي ويا أما تفضل في الغيبوبة وفاكرة حسن أو تحذف الجزء اللي من بداية ظهور حسن لحد اللحظة اللي خدت فيها الصدمة، وعقلها اختار أنه يحذف الجزء دا فبتالي هي متعرفش مين طنط حنان ولا أي حاجة ليها علاقة بحسن.. اللي عندها دا حاجة اسمها فُقد الذاكرة التراجعي.. بتفقد الحدث المؤلمة دا من ذاكرتها عشان تكمل.. أنا اللي مهديني إن ليها علاج بس هنستى شوية تسترد صحتها وتمارس حياتها كويس وبعدها هنبدأ كورس العلاج بتاعها.
وقف جلال يشعر بألم يمزق قلبه، بل تغرز به وكأنه نصل مسموم، بينما وقفت فريال تحتضن حنان ووهي تبكي، في حين اردفت حنان بمررة:
_ إن لله وإن إليه راجعون.. لا حول ولا قوة إلا بالله.
اسرعت تتحدث في هدوء تربت على يد جلال قائلة بقوة:
_ اوعي تزعل يا بابا جلال دا خير وكويس إن عقلها اختار انها تفوق وان دي هي الخسارة الوحيدة في حاجات تانية صعبة، إحنا بـ نعمة يكفي إنها مش في غيبوبة تاني.. يكفي أنها هارجع تتنطط من تاني وتضحك من جديد.. ومع الوقت والعلاج هي هترجع سليمة وهتفتكر.
حرك جلال رأسه يعلم جيدًا حديثها ومدى اهميته ثم بدأ بذكر الحمدلله بكل حين.
مرت الأيام تعافت بها تاليا جيدًا واصبحت قادرة على ممارسة حياتها، وأخبرت الجميع أنها ستذهب لإحضار شهادتها وتقديم بشركة للعمل، ثم أخبروها أن حنان هي احد أقارب فريال من بعيد وجاءت القاهرة لتسكن بها، في حين عادت سدرا تمارس عملها من جديد في تركيز ونشاط..
قبل أن تدلف سدرا لـ غرفة أيسل أخذت نفسًا عميق ثم قررت أن تخاطر تلك المرة، وتقوم بتلك الفكرة تشعر بأن تلك المرة ستنجح خططها، جلست أمام أيسل في قوة مرددة بنبرة ثابتة:
_ صباح الخير يا أيسل.. طبعًا مش هلاقي رد لكن حابه أقولك إن أخواكي جه واتقدملي وشرطت عليه إنه عشان يتقدم يقولي السر اللي بينكم وهو شرط إني ارجعك تاني ليه لأنه عرف خلاص أنك بستجيبي لينا وإنك اتعالجتي.
اتسعت عين أيسل في صدمة تتطلع نحو سدرا التي طالعتها بنظرة تحدي، لأول مرة تهتف أيسل بعدما ادمعت عيناها:
_ لا عشان خاطري قوليله حالتها رجعت تاني لو عرف إني سليمة هدمر والعالم كله هيدمر.
اخفت سدرا صدمتها من أنها تحدثت واردفت في تساؤل:
_ أنا عايزة اعرف دلوقتي أما أنتِ فعلا مش مريضة ليه مثلتي انك مريضة وليه بتخافي من أخوكِ؟
نظرت لها في قلق تشعر أنها فقدت صوتها من أعوام الآن ستتحدث ولك بسرٍ سيهلك بحياتها، صمتت ولم تتحدث بينما أجبرتها سدرا على الحديث قائلة في غيظ دون أن تعلم أنه قد تبقى خطوة وستصبح وسط تلك الواحة السوداء:
_ هتقولي ولا ارن عليه اقوله سليمة ويتصرف معاكِ زي ما هو عايز وابقى خلصت الحالة بتاعتي وأنتِ بقى الله أعلم ايه هيحصلك؟
نظرت لها في رعب، تردد بنبرة ملتاعة:
_ هحكيلك بس لزمًا نهرب من المستشفى دي بعد ما اقولك!
ضيقت سدرا عيناها ثم أردفت بنبرة مترددة:
_ نهرب ليه؟ وفي إيه اصلا اللي انا ههرب منه؟
تطلعت نحو في حزن قائلة وهي تشعر بآلام تفتكها:
_ عشان لو حكيت ليكي يبقى بقيتي جزء من اللي أنا فيه.. سليم مش أخويا لكن هو صاحب عصابة الـ S ودي واحدة من العصابات الخمسة في العالم، العلامة دي هي رمز للعصابة دي وشكل الزهرة السامة دي بيختلف من عصابة للتانية.. وهنا العصابة دي صحابة الزهرة البلّادونا والأفعى سامة والاتنين مع بعض اعتقد معانهم واضح بنسبالك.. دا بس التوضيح بتاع سليم.. أما انا ليه مثلت أني مريضة لأن أنا مهندسة برمجيات وعملت برنامج هكر يقدر يهكر سيستم ( مواقع) البنوك والشركات اللي في العالم كله والفلوس كلها هتتحول لينا بس البرنامج دا ليه باسورد وهما مش هيفتحوا غير بيا وأنا لما عرفت أنهم هيقتلوني مرضتش انطق وعشان كده حياتي مهمة بنسبة ليهم.
ربما لو صخرة كبيرة سقطت عليها لما فعلت بها هكذا، رددت سدرا في صدمة اجتاحت كلماتها:
_ يعني سليم أصلا مجرم.. وأنتِ تبعهم.. طب ازاي مقدروش يجيبوا حد يفتح البرنامج دا علطول اصلا وبرضو كانوا حلوا الموضوع وايه اللي دخلني؟ وكمان دكتور سمير اكيد لو يعرف مكنش ادني الحالة بتاعتك وسلمني ليهم؟!
اجابتها أيسل في خوف وهي تتطلع نحو الخارج:
_ اولا الدكتور سمير دا من ضمن العصابة لأن هو كان بيسلم المرضى اللي هنا للعصابة ويسفرهم بر مصر عشان يبقوا فئران تجارب ليهم برة مصر ويجربوا ابحاثهم عليهم، اما ليه البرنامج محدش عارف يشغله لأن الباسورد بيتكتب مرة واحدة يا أما البرنامج هيدمر ودا برنامج مش صغير عشان يدمر بسهولة دي ومحدش هيعرف يعمل زيه.. وسليم طالما كان عايز يتجوزك يبقى كان هيدخلك العصابة البلادونا بدل ما كان هيقتلك ... ودلوقتي أنتِ عرفتي كل حاجة يعنى لزمًا تهربي معايا لبعيد او أي مكان عشان نحتمي فيه.
حركت رأسها بالنفي تنهض من مكانها قائلة بنبرة مذهولة:
_ انتم مش طبعيين انا هبلغ البولييس.
:_ لو عملتي كده هيقتلوا اهلك وبرضو مش هتعرفي تعملي ليهم حاجة لأنك مش معاكي دليل على كلامك.. لزمًا نهرب دلوقتي يا سدرا وبعدها هنتصرف في حل ..
قالتها في قلق شديد ناهضة من أعلى الفراش، بينما نظرت لها سدرا في جمود قائلة:
_ محدش هيعرف اني أعرف حاجة وكمان..
قاطعتها ايسل في غضب:
_ وكمان ايه.. أنتِ حتى لو قولتي ان حالتي مفهاش تقدم هيقتلوكي.. سليم سابك عشان كنت اكيد بتقولي أني بخف يا سدرا.. لزمًا تهربي لأنك بتدمري في أي حالة بس ممكن في هروبنا دا نلاقي حل ينقذنا سوا.
نظرت لها ببعض القلق تردد بنبرة مختنقة:
_ طب انا محتاجة وقت يا...
صمتت فجأة ما أن رأت اتسع عين أيسل في رعب لم تراه من قبل، استدارت تنظر خلفها ثم شهقت في رعب ملأ قلبها عندما وجدت سمير يبتسم في شر يتطاير من عينيه قائلًا بنبرة ماكرة خبيثة ممزوجة برائحة الشر:
_ وأخيرًا خفيتي يا أيسل دا أنا مستني اللحظة دي من زمان!
يتبع