اخر الروايات

رواية شيخة القبيلة الفصل الحادي عشر 11 بقلم رانيا ممدوح

رواية شيخة القبيلة الفصل الحادي عشر 11 بقلم رانيا ممدوح



                                              
دون أن تدري أو تشعر، انزلقت بدر على صقر الواقف خلفها مباشرة، فاصطدمت به بكل ثقل جسدها، وكأن الأرض اختارت تلك اللحظة لتتخلى عن تماسكها.

1


تفاجأ صقر، لكنه سرعان ما مدّ يده ليمنع سقوطها، أمسك بذراعها بقوة وثبّت قدميه في الأرض كجذع نخلة مقاوم للريح. رفعت بدر نظرها إليه، وارتبكت، فهذه هي المرة الأولى التي تقترب فيها إلى هذا الحد. نبض قلبها تسارع بلا استئذان، وكأنها ركضت خلف الزمن للحاق بلحظة لم تكن في حسبانها.

+


"Attenta!"
"احترسي!"

+


صاح صقر وهو يمدّ يديه ليمسك بها قبل أن تهوي أرضًا.

+


"Mi dispiace... non ti avevo visto dietro di me."
"أنا آسفة... ما كنتش شايفاك ورايا."

+


قالت بدر وهي تحاول استعادة توازنها، خجلة من الموقف.

+


"Va tutto bene. Almeno non ti sei fatta male."
"ماشي الحال. المهم إنك ما اتأذيتش."

+


ردّ صقر بابتسامة هادئة، وهو ما زال ممسكًا بذراعها بلطف.

+


صقر لم يرمقها بنظرة مؤذية، بل على العكس تمامًا، كانت نظراته خالية من الفضول أو التطفل، كما لو أن وجودها لا يحرك فيه شيئًا. لم يكن ذلك تكلفًا أو تصنعًا، بل طبعٌ جبل عليه منذ نشأته في قبيلته، حيث تربى على غض البصر واحترام النساء، لا باعتبارهن موضوعًا للنظر، بل كيانًا له وقاره وحدوده.

+


قالت وهي تخفض نظرها باحترام:

+


"Grazie... addio."
"شكرًا لك... الوداع."

+


ثم استدارت تغادر مسرعةً، وصوت خطواتها يختلط بصوت الريح الخفيفة التي مرّت بينهما.

+


كان وجه صقر قد احمرّ خجلًا، ونبضات قلبه تتسارع في صدره كطبول قبيلة تستعد لحرب مقدسة. لم يعرف ما السبب تحديدًا، لكنه شعر بشيء دافئ يتسلّل تحت جلده، يسري في عروقه كما تسري نسمات البحر في ليلة ربيعية.

+


كان يزيد يقف مبتسمًا بجوار صقر، ويداه في جيبيه، يميل بجسده قليلًا للأمام كمن يحاول اقتناص لحظة. عيناه تراقبان ما بين صقر والفتاة التي كانت قد غادرت لتوّها، بقايا كلماتها ما تزال عالقة في الهواء، وصوت كعبها يتلاشى بعيدًا على أرضية الرخام.

+


رفع حاجبيه بخفة، ثم غمز بعينه اليمنى وهو يهمس مازحًا، لكن بصوت مسموع بما يكفي:

+


"إيه، مستغل إني مبعرفش الإيطالي، وشغال حب وغرام مع البنت دي؟"

+


دار صقر نحوه وهو ينفجر ضاحكًا، وقد خفض رأسه قليلًا، كمن لا يصدق ما سمعه للتو، ثم قال وهو يصفق على كتف يزيد بخفة:

+


"إنت بتقول إيه؟ أنا كنت بساعدها من الوقعة بس ، مفيش حاجة تانية، و شكرتني و مشيت."

+


كانت ملامح صقر لا تزال مشدودة من أثر المحادثة السابقة، لكن ضحكة يزيد فتحت له بابًا للراحة. في عينيه ضوء خافت من الدهشة، وفي فمه ابتسامة واسعة تفصح عن ألف احتمال. بدا كمن يملك سرًا صغيرًا يحاول إخفاءه دون جدوى.

+



                                      

                
يزيد، بنظرته الثاقبة التي تشبه نظرات الأصدقاء المتشككين، مال برأسه قليلًا إلى الجانب، وكأنّه يقول:

+


"أنا فاهم كل حاجة حتى لو مش فاهم اللغة". ثم أضاف، وهو يرفع إحدى حاجبيه:

+


" اه يا حنين ، بس برافو عليك، مش سايب لحظة تفلت منك، حتى في بلاد الناس. يا ما وقعت و احنا بنتدرب سوا عمري ماشوفتك اتلهفت عليا ولا ساعدتني ماقعش ، ماشي ماشي عمري ما هنساها."

+


ابتسم صقر وهو يهز رأسه، ضاحكًا، ثم مشى بخطى بطيئة، ويزيد خلفه، يبادلهما الشارع نظرات الصباح العابرة، والريح تمرّ بينهما كأنها تحمل حديثًا لم يُقال بعد.

+


في زقاق جانبي بعيدًا عن زحام الحرم الجامعي، كان صقر ويزيد يسيران جنبًا إلى جنب، الشمس تميل للغروب، والضوء الذهبي ينسكب على الأرصفة الحجرية العتيقة، فيما ترافق خطواتهما أصوات المدينة بلحن إيطالي دافئ.

+


قال صقر وهو ينظر للأمام بتفكير عميق، نبرة صوته تجمع بين التصميم والحذر:

+


"خلينا في المهم... بكرا لازم نسأل عن بدر. أنا حاولت أسأل، قالوا كل طالب ليه سجل خاص، ممنوع أي شخص يطلع عليه مهما كان هو مين."

+


نظر إليه يزيد باستغراب، حاجباه مرفوعان:

+


"ما هو اسمه مكتوب إنه في الجامعة دي!"

+


أومأ صقر بثقة، ونظرة خفيفة من التحدي لمعت في عينيه:

+


"آه... على العموم، وراه وراه، وكلها أسبوع و نكون في مدرج واحد سوا... وهشوفه، شكله بقى عامل إزاي."

+


ثم ضحك وأشار إلى بطنه المشدود بفخر، ضاربًا عليه بخفة:

+


"بقى شخص رياضي زيي؟ وعنده بطن زي دي؟ ولا أهمل في شكله وبقى ضعيف؟"

+


رد يزيد بغيظ مصطنع، وهو يلوّح بيده ساخرًا:

+


"لأ، أكيد بقى أحسن منك يا فلاتي!"

+


ضحك صقر، وغمز له بنبرة فيها شيء من المزاح والثقة:

+


"أنا فلاتي؟! أنا؟! عمري ما يملأ عيني غير واحدة بس... وإنت عارف كده كويس."

+


نظر إليه يزيد بنظرة طويلة قبل أن يقول، وقد نزل صوته درجة:

+


"إنت مش ناوي تقرأ أمنيتها؟"

+


سكت صقر للحظة، ثم هز رأسه ببطء وقال:

+


"لأ... لما أقابلها، ساعتها هقرأها... عشان أحققلها أمنيتها بنفسي."

+


تنهّد يزيد، وهز رأسه كأنما فقد الأمل:

+


"خليك عايش في الأحلام... ربنا يشفيك."

+


ضحك صقر بصوت هادئ، ثم مال عليه وقال مازحًا:

+


"بُكره تمرض زيي... ما تستعجلش."

+


تلاشت ضحكاتهم بين شوارع روما القديمة، لكن في عيون صقر، كان هناك وعد... وعد قديم لا يعرفه أحد سواه، ينتظر لحظة اللقاء.

+



        

          

                
كانت بدر تراقب المشهد من بعيد، عينيها تتابع كل حركة وكل كلمة، تحاول أن تتأكد مما رأته. نعم، إنه هو بالفعل، صقر ذاته الذي تعرفه جيدًا.

+


همست بدر لنفسها بقلق ممزوج بحيرة:
"آه ياني... إيه جابه هنا ده؟ أنا سمعت صح اللي قاله صقر؟ طب أعمل إيه دلوقتي؟ ما صدقت إنِّي اتقبلت في الجامعة دي أخيرًا، وهحقق حلمي اللي ذاكرت عشانه سنين وسنين."

+


توجهت بدر نحو السيارة التي يجلس فيها عبد ربه، ووجهها يعكس القلق والارتباك.

+


قالت بدر بصوت مثقل بالهم: "مصيبة يا عبد ربه."

+


رد عبد ربه بطمأنينة: "خير يا ست بدر؟"

+


أجابت بدر، وهي تضيق عينيها: "مفيش خير أبداً."

+


سألها عبد ربه بجدية: "انتي عرفتي إن في جواب من القبيلة وصل؟"

+


بادرته بدر بسؤال متوتر: "إيه؟ فين ده؟"

+


أخرج عبد ربه ظرفًا من جيبه وأعطاها إياه.

+


فتحت بدر الظرف وبدأت تقرأ بخط والدتها، وكانت الكلمات تعانق قلبها وكأنها نبض الأم الحنون:

+


"بدر ازيك يا حبيبة قلبي، عاملة إيه وحشتيني يا بدر؟ عارفة إني مبعتش جواب من زمان عشان خوفت حد يعرف مكانك ويوصلك. سامحيني يا بدر، جدتك دليلة ماتت بعد مرض شديد، ماقدرتش أقولك. ودلوقتي تميتي ١٨ سنة والكل منتظر رجوعك. عارفة إن عندك حلم وهدف تكملي تعليم. معرفش أعمل إيه يا بدر، بس الكل بيسأل ليه بدر ما بيرجعش، وحاسة إني خلاص هقول السر. ونصيبي مش هتصرف غير لما تردي عليا وتشوري عليا بالحل. اهرب واجيلك أنا وأمان، بس خروجي في الوقت ده صعب وخصوصًا بعد ما جدتك ماتت. سامحيني يا بدر، أول مرة ما عرفش أتصرف إزاي. سامحيني."

+


وقفت بدر صامتة، ودموعها تنساب بهدوء، والظرف لا يزال بين يديها، يحمل أعباء فقد وحنين وأمل.

+


جلس عبد ربه ينظر إلى بدر بقلق، ينتظر سماع تفاصيل الجواب الذي كانت تمسكه بيدها.

+


سألها بصوتٍ حنون: "إيه في الجواب؟"

+


ارتجفت شفتا بدر وبدأت دموعها تنساب، تقول باكِية: "مصيبة... مطلوب مني أرجع القبيلة دلوقتي أحضر عزاء جدتي دليلة. حاسة إني فقدت القوة، كنت مطمئنة على القبيلة طول ما جدتي عايشة، لكن دلوقتي لازم أقلق."

+


ارتسم القلق على وجه عبد ربه وهو يسألها:
"ناوية تعملي إيه؟"

+


أجابت بدر، عيناها تفيض بالحيرة والحزن:
"قدامي حل من الاتنين، يا أتنازل لعمي ناجي لحد ما أخلص كلية الهندسة، يا أرجع وأستلم الحكم... بس إزاي وأنا زي ما إنت شايف مش هعرف أتنكر تاني."

+


رد عبد ربه وهو يدرك حجم الصراع الداخلي الذي تعيشه:
"الموضوع صعب."

+


تنهّدت بدر بعمق، وكأنها تودع جزءًا من أحلامها، ثم قالت بحزن: 
"ولو فضلت هنا، أحب أقولك إن صقر بقى معايا في نفس القسم. يعني يا أروح للقبيلة ويعرفوا إني بنت، يا أقعد هنا وصقر يعرف إني بنت... وفي كلتا الحالتين هخسر قبيلتي، وفي نفس اللحظة تلاقي الاحتلال والحروب من كل حتة."

+



        
          

                
كانت عيناها تحملان مزيجًا من الألم، العزم، والخوف، أما عبد ربه فكانت ملامحه تعكس صمتًا ثقيلًا، وهو يدرك أن أمام بدر معركة لا تقل صعوبة عن أي معركة تخوضها في الميدان.

+


كانت السيارة تسير بهدوء، وبدر تحدق من نافذة الزجاج، قلبها مثقل بحزن وألم دفين. وفجأة وقع نظرها على محل غريب لم تلاحظه من قبل.

+


قالت بنبرة مترددة:
"أقف هنا كده."

+


نظر إليها عبد ربه متسائلاً: 
"في إيه؟"

+


ردت بدر: "المكان ده أول مرة أشوفه."

+


أجابها عبد ربه: 
"آه، لسه فاتح جديد."

+


سألت بدر بفضول:
"بيبيع إيه؟"

+


قال عبد ربه بتردد: "مش عارف."

+


نزلت بدر من السيارة، وقد اجتذبها فضول غريب نحو ذلك المحل الذي لم تلاحظه من قبل. دلفت إلى الداخل بخطى مترددة، أنفاسها محتبسة، وكأنها تسير داخل عالم آخر لم تتوقع أن تقف فيه يومًا. المكان كان هادئًا على نحو يثير القلق، تفوح منه رائحة خفيفة من مواد مطاطية ومعقمات طبية، بينما تصطف على الرفوف أجزاء صناعية مصنوعة بعناية: أنوف، آذان، أطراف بشرية تبدو واقعية بشكل يثير الدهشة.

+


خلف مكتب زجاجي بسيط جلس شاب آسيوي الملامح، صيني على الأرجح، يرتدي قميصًا أبيض ناصعًا ومعطفًا طبّيًا خفيفًا. رفع رأسه فور دخولها، وارتسمت على وجهه ابتسامة مهذبة.

+


قالت بدر بنبرة هادئة: 
"مرحبًا."

+


رد الشاب بلغة إيطالية متقنة ممزوجة بلكنة أجنبية طفيفة: 
"مرحبًا."

+


خطت بدر خطوة إلى الأمام، ووجهها لا يزال يحمل بعض الارتباك، ثم سألت: 
"المحل ده لإيه؟"

+


أشار الشاب بيده إلى ما حوله قائلاً:
"الأجزاء دي من السيليكون و بعض المواد الأخرى الآمنة تماما على الجسم ، للأشخاص اللي تعرضوا لبتر أي جزء من جسمهم. نقدر ننفذ أي جزء، وده بيحسن من ثقتهم بأنفسهم."

+


رفعت بدر حاجبًا في اهتمام وذهول

+


: "أيا كان الجزء المفقود، تقدر تعمله؟"

+


ابتسم الشاب وهو يهز رأسه بثقة:

+


"آه. أنف، أذن، يد، ساق... أي جزء تحتاجينه."

+


نظرت بدر حولها للحظة ثم عادت بعينيها إليه وقالت: "جزء علوي."

+


تجمدت ملامح الشاب للحظة، ثم ضحك في دهشة خفيفة: 

+


"هل تمزحين؟"

+


هزت بدر رأسها بجدية:

+


"لا. بص أنا عندي مسرحية، ومالقتش غير دور شاب، وهو مفتول العضلات، هو دور كومبارس ليه."

+


ارتسمت على وجه الشاب نظرة فهم سريع، وقال: "فهمت، تريدين جزء يبين إنك رجل كهيئة الرجل اللي بيقوم بالدور الرئيسي."

+



        
          

                
ابتسمت بدر ابتسامة بها راحة: "
آه، شاطر إنك فهمتني."

+


أومأ الشاب وهو يدون شيئًا على دفتَر أمامه، وقال: "ممكن أعملك زي سترة من السيليكون تلبسيها، وتكون بسْتوستة من المنتصف، تقدرِي تشيليها في أي وقت. وهاخليها مناسبة لوقت طويل بحيث جسمك يتحملها."

+


ثم نظر إليها بتركيز:
"بس محتاج أشوف الشخص ده."

+


تغيرت تعابير وجه بدر، وأجابت بسرعة:
"للأسف هو مشغول."

+


أمال الشاب رأسه قليلاً، وقال بلطف: 

+


"طب محتاج المقاسات الخاصة بيه."

+


وقفت بدر في مكانها للحظة، وقد بدأ عقلها يدور...
لم تكن تعرف من أين تبدأ، لكنها كانت متأكدة من شيء واحد:
هذا المكان قد يكون المفتاح لحماية سرها الأكبر.

+


وقفت بدر وسط المتجر كأنها تحاول أن تقبض على طوق نجاة يتشكل أمامها. أناملها كانت تتلمس ذراعًا صناعيًا من السيليكون وضع بعناية على رف زجاجي، تشعر بملمسه الذي يشبه الجلد الحقيقي، لكنها كانت تفكر في ما هو أبعد من مجرد مظهر... في هويتها، في حلمها، وفي الخيط الرفيع الذي يفصل بين السقوط والنجاة.

+


نظرت إلى الشاب الصيني الهادئ، الذي كان يراقبها بتركيز لا يخلو من الاحتراف، ثم قالت بنبرة خافتة ولكنها مشبعة بالقلق:
"طب... الوش؟ هتعمل فيه إيه؟"

+


رفع الشاب رأسه بابتسامة خفيفة، وكأنه توقع هذا السؤال، وقال بثقة:
"في جزء بيتركب في وشك. بيعرض منطقة الفك عندك من الجانبين مع الذقن."

+


رفعت بدر حاجبيها قليلًا، وعيناها تحدق فيه بتوجس:
"هو ممكن حد يكتشف إنه متركب؟"

+


أجاب الشاب دون تردد، ونظرة يقين مطلقة تملأ وجهه:
"مستحيل. ده جزء بيكون شبه الجسم بالظبط. مستحيل حد يكشفه، وكمان ما بيتحركش بسهولة."

+


شعرت بدر بنبض قلبها يتسارع قليلاً، كأن الأمل يتسلل من بين حروف كلماته. لكن ظلت هناك مخاوف تسكن عينيها، فسألت:
"حتى لو تدريب عنيف؟"

+


ابتسم الشاب ابتسامة مهنية مطمئنة، ثم أشار بيده إلى نموذج أمامه مغطى بطبقة من الغبار الصناعي، وقال:
"حتى إذا تم حكه في الأرض، مش هيتأثر... ولا هيتحرك من مكانه."

+


أخذت بدر نفسًا عميقًا، ومرت لحظة صمت بينهما، لحظة كانت فيها تحاول أن تستوعب أن هذا المكان الصغير والغريب، قد يصبح سرّها الجديد، سلاحها الخفي... وربما، حريتها الوحيدة.

+


خرجت إلى الخارج ، كانت الشمس تميل إلى المغيب، تلقي بخيوط ذهبية على زجاج السيارة، فيما جلست بدر إلى جانب عبد ربه، عيناها تلمعان بحماس غامض وابتسامة خفيفة ترتسم على شفتيها، كأنها أمسكت أخيرًا بطرف الخيط الذي كانت تبحث عنه وسط هذا الركام من الأزمات.

+



        
          

                
نظر إليها عبد ربه من المقعد المجاور، حاجباه مرفوعان باستفهام صامت، فقد كان يجهل محتوى الحديث الذي دار بينها وبين الشاب داخل المحل، إذ أن الحوار كله كان بالإيطالية، فظل صامتًا حتى استقلت السيارة وأغلقت الباب خلفها، ثم التفتت إليه وقالت بنبرة هادئة ولكن مشبعة باليقين:

+


"لقيت الحل اللي هيخرجني من كل ده."

+


شدّ عبد ربه قبضته على عجلة القيادة ومال بجسده قليلًا نحوها، وقد بدأ القلق يتسلل إلى ملامحه:
"إيه هو؟"

+


أشاحت بدر بعينيها نحو الطريق الذي يمتد أمامهما، ثم أشارت إلى الخلف، حيث المحل لا يزال ظاهرًا في المرآة الجانبية، وقالت بصوت منخفض، وكأنها تحكي عن سحر غريب:
"المحل ده بيعمل حاجات من مادة سيليكون، مع مواد تانية... تقدر تبان كأنها من نفس الجسم، للناس اللي عملوا حوادث و فقدوا جزء من جسمهم."

+


رفع عبد ربه رأسه نحو المرآة، ينظر إلى المكان الذي خرجا منه، ثم تراجع بعينيه إليها وهو يقول بانفعال خفيف:
"ربنا يحميكي يا ست بدر من كل شر."

+


لكن بدر لم تكن تنظر إليه، كانت غارقة في تفكيرها، وفي خطتها التي بدأت تتضح ملامحها فجأة. التفتت إليه من جديد، بعينين فيها من التصميم أكثر مما فيهما من الهدوء، وقالت بنبرة فيها لمسة من التحدي:

+


"لسه ما فهمتنيش برضو... المحل ده هيعمللي المطلوب ، و ساعتها هتفهم لما تشوف بنفسك."

+


أخذ عبد ربه نفسًا عميقًا، كأنه يشعر أن ما سيأتي سيكون مختلفًا، أكثر تعقيدًا. أما بدر فأكملت، وهي تمد يدها نحو حقيبتها الصغيرة:

+


"هكتبلك جواب تاخده لأمي... وتروح القبيلة... وتجيب شوية دهب منها تاني."

+


رفعت بصرها إليه، هذه المرة بحدة هادئة، وعيناها تشعّان بالتصميم:

+


"وكمان... تاخد مقاسات أمان، أخويا و ترجع في نفس اليوم ، عشان مفيش وقت ، و كمان لازم تاخد حذرك من أي حد."

+


رفع عبد ربه حاجبيه بدهشة مترددة، لكن بدر سبقت رد فعله بنظرة حاسمة:

+


"الشاب الصيني هيشرحلك تعمل المقاسات دي إزاي."

+


تردد عبد ربه للحظة، كأنه لا يصدق ما يسمعه، لكنه كان يعلم جيدًا أن بدر حين تُقرر، لا شيء يقف في طريقها. وظل صامتًا، بينما السيارة تنطلق وسط ضباب المدينة، تقودها فتاة تحمل سرّها على كتفيها... وخطّة جديدة تُولد بهدوء.

+


وصلت الطائرة قبل شروق الشمس بقليل، حين كان الضباب لا يزال يلف أطراف الجبال المحيطة بالقبيلة، وكأن الأرض تحاول أن تخفي بعضًا من أسرارها عن السماء. خرج عبد ربه من المطار بخطى ثابتة، يحمل حقيبته بيد والجواب في اليد الأخرى، يضغط عليه بين أصابعه كما لو كان يحمل أمانة من ذهب لا تُقدّر بثمن.
كان الطريق إلى القبيلة طويلًا، لكنه بدا له هذه المرة أثقل من المعتاد. يعرف أن ما يحمله سيقلب شيئًا في قلب امرأة لطالما صبرت، وأخفت، وانتظرت.

+



        
          

                
وحين دخل عبد ربه إلى البيت الطيني المتواضع المزين بنقوش قديمة على الجدران، وجد فاطمة جالسة عند الباب، كما اعتادت، تلفّ شالها الأسود حول كتفيها، وعيناها تلمعان كلما لمحت مسافرًا يقترب من بعيد. ما إن وقع بصرها عليه حتى قامت بسرعة، وركضت نحوه بنبض الأم المشتاقة.

+


فاطمة، بتلهف الأم:
"جيت يا عبد ربه؟ طمني؟ بدر جت معاك؟"

+


مدّ عبد ربه يده بالجواب دون أن يقول كلمة، وهو يحاول أن يخفي ارتباكه. أخذته فاطمة ويدها ترتعش قليلًا، فتحت الظرف ببطء، وعيناها تقرآن كأنها تحاول أن تحبس الزمن كي لا تنتهي السطور.

+


"أمي العزيزة، الحمد لله أنا بخير يا أمي، أنا ابنك بدر، وده ختمي.
المهم، خالص تعازي في جدتي الفقيدة.
مع الأسف الشديد لن أحضر مراسم الجنازة، لأن الجامعة لن تسمح لي بالمغادرة.
أرجو أن تخبري عمي ناجي بأني أتنازل عن الحكم لمدة خمس سنوات، نظرًا لبعض الأمور الهامة هنا.
أحبك يا أمي، بلّغي سلامي للجميع."

+


تجمدت الكلمات على شفتي فاطمة، رفعت نظرها إلى عبد ربه وعيناها تبحثان عن تفسير:

+


"إيه ده يا عبد ربه؟ هي بدر كاتبة كده ليه؟"
قالتها بوجع الأم، وحنينها، وعدم تصديقها أن فلذة كبدها لن تعود حتى في وداع الراحلة الكبيرة.

1


لكن عبد ربه، وقد بدا عليه التعب من الرحلة، أجاب بهدوء مدروس، نبرة صوته تخفي الكثير من الحقائق التي لا يُمكن قولها:

+


"علشان توريه لناجي، وهو هيخلي حد يقرأه. ما ينفعش تكتب بصورة تانية... وكمان عايزة دهب كتير المرة دي."

+


سحبت فاطمة أنفاسًا بطيئة، وهي تهز رأسها، وشفتاها ترتجفان بين الاستسلام والثقة:

+


"ماشي، زي ما تحب... كلهم فلوسها، كده كده ما صرفتش حتى ميت دهبه."

+


اقترب منها عبد ربه، ثم أمال قليلا، وقال بحزم لطيف يتخلله همس:

+


"ما تقلقيش... الست بدر جهزت خطة، وبتقولك كملي زي ما إنتي، وما تخافيش عليها."

+


مرت لحظة صمت، ثم أومأت فاطمة برأسها، وعيناها تلمعان بدموع لم تسقط، فيها مزيج من الألم والفخر.
فهي تعرف ابنتها جيدًا... تعرف أنها ليست ممن يهربون، بل ممن يصنعون من الغياب قوة، ومن المستحيل خطة، ومن الانكسار بداية جديدة.

+


أخذ عبد ربه المقاسات الخاصة بأمان بعناية، حتى تبدو بدر في وقت لاحق بجسد متقارب منها، تنفيذًا لحيلة تُخطَّط لها مستقبلًا. وما إن انتهى حتى عاد مسرعًا إلى بدر، كما أوصته.

+


بعد مرور أربعة عشر ساعة استغرقهم عبد ربه ذهابا و إيابا عاد إلى إيطاليا مرة أخرى ، بينما كانت بدر تجلس في مقعدها داخل السيارة، فتحت الظرف الذي يحوي المقاسات التي أحضرها عبد ربه، وأخذت تتمعّن في الأرقام والدلالات.

+



        
          

                
نظرت إليه وقد ارتسمت على وجهها ابتسامة رضا خفيفة، تحمل بين طياتها مزيجًا من الاطمئنان والثقة، وقالت بهدوء:

+


"شاطر يا عبد ربه، عمرك ما خيبت ظني فيك... نفذت المطلوب بالظبط."

+


عبد ربه، وقد علت وجهه مسحة فخر ممزوجة بالولاء:
" خدامك يا ست بدر."

+


في اليوم التالي، توجهت بدر مرة أخرى إلى المحل الغريب، بنفس الهدوء الحذر الذي يسبق العاصفة. كانت عيناها ثابتتين، تحملان عزيمة صلبة تحت ذلك المظهر الهادئ. ما إن دخلت حتى رفع الشاب الصيني رأسه من خلف الطاولة، يبتسم بتقدير حذر، وقد أدرك أنها عادت بعزم واضح.

+


أمسك المقاسات التي أحضرتها، وبدأ في قراءتها بتمعّن، عيناه تتمعّنان في الأرقام بخبرة ودقّة، ثم قال:

+


" واضح أنه متدرب قوي... مقاساته جيدة.
رفع عينيه نحو بدر وأضاف:
الطول مختلف قليلًا، وهذا جيد... أنتي ١٦٧، وهو ١٧٤، يمكن تعويضه بعَكَب رجالي مخفي، لا يظهر من الخارج."

+


أومأت بدر برأسها بهدوء، ثم تقدمت خطوتين للأمام، وقالت بصوت هادئ لكن حازم:

+


"تقدر تجهزهم امتى؟"

+


رفع الشاب حاجبيه قليلًا، وقد بدا عليه التعجب من السؤال:

+


"ستة أشهر... وقت كافي."

+


لكن بدر نظرت له نظرة ثابتة، عميقة، تنبئ أن الوقت ليس في صفها، وقالت بلا تردد:

+


"لأ... ست أيام بس."

+


حدّق فيها، ظن للوهلة الأولى أنها تمزح، ثم أدرك من جمود ملامحها وصلابة صوتها أنها تعني كل كلمة. رفع يده قليلًا بهدوء وهو يقول:

+


" لا، مستحيل..."

+


قاطعه صوتها بثقة ودهاء، وهي تميل قليلًا نحوه:

+


"أعتقد... ست أضعاف السعر يخليه مش مستحيل، صح ولا ايه؟"

+


توقف للحظة، ثم ارتسمت على وجهه ابتسامة صغيرة تُخفي دهشة ودهاء:

+


" صح."

+


خرجت بدر من المكان بخطوات ثابتة، يتبعها عبد ربه بنظراته المتسائلة، وعيناه تدوران في الفراغ وكأنهما تبحثان عن إجابة قبل أن ينطق بها. وقفت في منتصف الطريق، تنظر إلى المدى البعيد، كأنها ترى ما لا يُرى.

+


اقترب منها عبد ربه، وصوته يخرج بنبرة حذرة:
"دلوقتي هنعمل إيه؟"

+


استدارت نحوه ببطء، وفي عينيها بريق قرار لا يعرف التردد، وابتسامة خافتة تشق وجهها المرهق كأنها تعلن عن بداية جديدة، وقالت بنبرة واثقة، هادئة كالماء العميق:
"هنعمل حاجة ما عملتهاش من سنين."

+


رفع حاجبيه بدهشة خفيفة، وسأل بصوت منخفض، فيه شيء من الحذر وفضول:
"إيه هي؟"

+


نظرت إليه، وملامحها تتحول تدريجيًا من الجد إلى الصرامة، كأنها تلقي سلاحًا قديمًا كان يحجب عنها حقيقتها، ثم ابتسمت تلك الابتسامة الصغيرة التي لا تشبه شيئًا إلا لحظة تحرر، وقالت:
" هقص شعري... زي الرجالة."

+



        
          

                
ظل عبد ربه يحدّق فيها لحظات، عاجزًا عن الرد، فقط ينظر إليها كما لو أنها تحوّلت أمامه لشخصٍ آخر... أقوى.

+


توجهت إلى صالون حلاقة رجالي، وقفت عند الباب للحظة، ثم دفعت الباب ودخلت بخطى ثابتة، تتجاهل النظرات المندهشة التي لاحقتها من الموجودين.

+


اقترب منها الحلاق وقال وهو يرفع حاجبيه:
"اتفضلي... ممكن أساعدك في إيه؟"

+


مدّت يدها إلى الطاولة وأشارت إلى مجلة مفتوحة على قصة شعر رجالية جريئة:
"عايزة أعمل القَصة دي... زيّ ما هي بالظبط."

+


تردد قليلًا قبل أن يسأل، محاولًا التأكد:
"حضرتك متأكدة؟"

+


قال عبد ربه و هو مشفق على خسارتها :

+


"الشعر طويل وما شاء الله..."

+


قاطعته بثبات في صوتها، وإن كانت عيناها تفضحان عاصفة خلف الهدوء:
"متأكدة... قصّه كله، ما تسيبش خصلة."

+


أومأ الحلاق وهو ما زال مذهولًا، وبدأ العمل بصمت.
خلال دقائق، كانت خصلات شعرها تتساقط تباعًا على الأرض، بينما ظلت هي متماسكة، تنظر لنفسها في المرآة دون أن ترمش.

+


وحين أنهى الحلاق مهمته وسألها:
"تحبي تشوفي حاجة تانية؟"

+


هزّت رأسها بصمت، ثم نهضت من المقعد، دفعت المقابل المالي، شكرت الرجل بأدب وخرجت.

+


وما إن ابتعدت خطوات عن الصالون، حتى توقفت، وأسندت ظهرها إلى الجدار، وبدأت دموعها تنهمر بلا صوت.
كانت تبكي... على شعرها، على ما فقدته، على ما قررت مواجهته.

2


كان عبد ربه يقف بالخارج، يراقب المشهد بصمت. وقبل أن يلحق بها، دخل إلى الصالون وسأل الحلاق:

+


"ممكن آخد شعرها؟"

+


تردد الحلاق للحظة، ثم ناوله الربطة التي جمّع فيها الخصلات الطويلة.

+


أخذ عبد ربه الشعر بعناية، ضمّه إلى صدره كأنما يحمل شيئًا ثمينًا، وخرج خلفها.

+


عبد ربه قال بصوت مبحوح:
"أنا عارف قد إيه شعرك كان غالي عليكي...
عارف قد إيه كل شعرة كانت قصة، وكل خصلة كانت أيام ما بتتعوضش...
بس أنا كمان عارفك...
أنتي أقوى من شعرك، وأجمل من أي تسريحة...
بس تعالي، عيطي براحتك...
أنا هنا، مش هسيبك تواجهي الخسارة دي لوحدك... ولا أي خسارة بعدها."

+


وقفت بدر تتأمل صورتها المنعكسة على زجاج النافذة، يداها تتحسسان رأسها الفارغ قليلا من شعرها الطويل خسرته و بقيت الندوب في القلب لا تشفى من الخسارات المتتالية. لم تكن تتخيل أنها ستعيش لحظة كهذه مرة أخرى، أن تفقد شعرها للمرة الثانية، ليس بسبب المرض، بل لأن أحدهم قرر أن يسلب منها ما تبقى من أنوثتها. لا تصدق أنها ستعيش ذلك مرة أخرى. 

+


همست بدر لنفسها بقوة :
"عادي ، مش أول مرة يا بنت سالم الحمداني. عدينا قبل كده و هتعدي تاني ."

+



        
          

                
..............
كان المساء قد بدأ يرخي سدوله على القبيلة، والهدوء يُطبق على الأرجاء كستار حزن ثقيل. توجهت فاطمة بخطوات متزنة لكنها مثقلة بالواجب نحو بيت شقيق زوجها ناجي، تحمل بين يديها ظرفًا يحمل قرارًا مصيريًا.

+


فتحت باب البيت دون أن تطرق، كما اعتادت دومًا، ووجدت ناجي جالسًا على الأرض، عينيه زائغتان، والوجوم يطغى على وجهه المرهق. كان واضحًا أنه لم يذق طعم النوم منذ وفاة والدته، ولا حتى الطعام.

+


قالت فاطمة بصوت حازم، تكتم شجنها:
"اجمد كده يا ناجي."

+


رفع ناجي رأسه ببطء، كأنها أثقل من أن يحملها، وعيناه مغرورقتان بالدموع:
"اجمد إزاي، خلاص... أمي راحت... بدر مجاش؟"

+


أطرقت فاطمة للحظة، ثم أخرجت الظرف من عباءتها ومدّته له:
"لأ، مش هيقدر يجي... غصب عنه. و أتنازل ليك على الحكم لمدة خمس سنين ، و ساب الجواب ده معايا."

+


اتسعت عينا ناجي بدهشة، وارتعشت شفتاه كأنه لم يستوعب ما سمعه:
"ازاي..."

+


لكن قبل أن يتم كلمته، تدخل صوت آخر بحدة ناعمة من خلفه. كانت هنادي، زوجته، تقف على عتبة الغرفة، بذراعين متقاطعين على صدرها، ووجه مشدود لا يعرف الحزن، بل يعرف الفرصة. قالت بلهجة قاطعة:
"خلاص يا فاطمة، روحي إنتِ و سيبي الجواب. هنجيب حد يقرأه بعدين."

+


نظرت فاطمة إلى هنادي نظرة قصيرة مليئة بالتحفظ، ثم إلى ناجي، الذي لم يرد بشيء، فتنهدت وغادرت.

+


ما إن أُغلق الباب خلفها، حتى اقتربت هنادي من زوجها وجلست بجانبه، نظرة حادة في عينيها، وهمست بصوت خالٍ من التعاطف:
"جرى إيه يا ناجي، لحد إمتى هتفضل كده؟"

+


ظل ناجي صامتًا، ينظر إلى الأرض كمن غُلب على أمره، فتابعت هنادي بلهجة محفزة، لكنها تحمل نبرة ضغط:
"أمك اللي كانت ماسكة الحكم، و إنت موجود... صورة كده بس. جالك الحظ، والوقت إنك تمسك الحكم بجد وصحيح. وتثبت إنك تستحق تكون قائد. لو أثبت ده، هيمسكوا فيك... ومش هيثقوا في العيل ده."

3


رفعت يدها ولمست كتفه، لكن نظرتها لم تلن، بل ازدادت شراسة، كأنها تدفعه دفعًا نحو باب السلطة الذي فُتح فجأة.

+


في تلك اللحظة، أدرك ناجي أن القرار لم يعد يخصه وحده... وأن هنادي، كما دومًا، كانت ترى ما وراء الفُقد: فرصة.

+


اقتربت هنادي أكثر، وهمست في أذن ناجي بنبرة خافتة، كمن يزرع سُمًّا في جوف وردة:

+


"بدر؟ ده مش هييجي... وعارف كويس ليه. خمس سنين يا ناجي، تعرف يعني إيه؟ يعني خمس سنين كفاية جدًا تبقى فيها الزعيم اللي محدش يقدر يشكك فيه، لا العيل ده ولا غيره."

+


سكتت لحظة وهي تتابع ملامحه المذبذبة، ثم أردفت بابتسامة جانبية أشبه بشفرة:

+


"ولو رجع بعد كده؟... سهل أوي نقنع الناس إنه اتغير، بقى غريب، اتربى بعيد، وأهو... خاف يواجه عز الجنازة، خاف يودّع جدته... عيب كبير في القبيلة يا ناجي، عيب ما بيتنساش."

+



        
          

                
رفعت حاجبيها بخفة وهي تضغط عليه أكثر:

+


"فاكر لما كانوا يقولوا عليك ضعيف؟ خيالك حتى كان ضعيف قدامها... بس دلوقتي؟ مفيش حد، مفيش ظل. مفيش غيرك. لازم تملا الفراغ ده قبل ما حد تاني يفكر يرجع يملاه."

1


ثم وقفت، وسارت خطوات بطيئة نحو الباب، قبل أن تستدير، وتقول:

+


"ابدأ من دلوقتي... اجمع الكبار، خليك موجود في كل مجلس، واتكلم، وارفع صوتك... إوعى تبان مهزوز. بدر خلاص بقى ذكرى، وإن رجع... هيكون مجرد غريب رجع على مكان اتملكه غيره."

+


نظرت إليه نظرة أخيرة، عيناها تلمعان بخبث بارد:

+


"اللي يتأخر... بيتنسى يا ناجي. وصدقني، أنا مش ناوية أتنسي ، ناوية أكون موجودة على طول."

+


وغادرت الغرفة، تترك وراءها رجلاً يتصارع بين الحزن على أمه، والطمع في عرش لطالما حلم أن يكون له... ولم يجرؤ أن يحلم أنه سيأتي يوم، تُفتح له أبوابه على مصراعيه.

+


بعد مرور ستة أيام، كان الشاب الصيني قد أنهى عمله بدقة مذهلة كما وعد. في ركن الورشة الصغيرة التي تفوح منها رائحة الخشب والمطاط المحروق، وقف المجسم الذي صنعه خصيصًا لها. كان كتمثال منحوت بعناية، يكاد يُخيف من يراه للمرة الأولى.

+


المجسم خفيف لكنه متين، يغطي الجسد كله كجلد ثانٍ، مصنوع من مادة مرنة تُحاكي تفاصيل الجسم الطبيعي، لكن بدرجة أكبر من الكمال. الأكتاف أعرض قليلًا، والنظر إليه يمنحك انطباعًا بالجبروت. أما القناع، فكان هو القطعة الفريدة... مصمم بإتقان ليُبرز حدة الفك، صرامة الذقن، وخطوط الوجه القاسية التي توحي بالقوة والغموض معًا.

+


حين حملت القناع بين يديها، شعرت بثقله الرمزي أكثر من وزنه الحقيقي. لم يكن مجرد غطاء وجه... بل كان إعلانًا عن ولادة جديدة، وجه جديد لا يعرف البكاء ولا الخسارة.

+


عبد ربه وقف بجوارها يراقب بصمت، وحين سألته بنظرة دون أن تنطق، قال بصوت خافت لكنه غاص في صدرها:

+


"ده مش بس قناع... دي روح جديدة. اللي اتاخد منك مش هيرجع، لكن اللي جاي... مش هيكون ضعيف.
يا رب يا بدر، ما تضطريش تعيشي فقد زي ده تاني."

+


هي لم ترد. لكنها نظرت للمجسم طويلًا، ثم مالت ولمست القناع، وأغمضت عينيها.

+


ذهبت لتنفيذ الخطوة التالية و هي شراء ملابس رجالية بكافة أنواعها، وكان في عينيها بريق تصميم لا يعرف التراجع.
دخلت إلى المتجر وهي تتفحص المكان كمن يعرف تمامًا ما يبحث عنه.
طلبت من البائع أن يُريها أحدث ما لديهم من الملابس الرجالية، من القمصان الكلاسيكية وحتى الكاجوال، من البدل الرسمية وحتى الجينزات الفضفاضة.
انتقت قمصانًا بألوان قاتمة، وسترات تليق بجسدٍ نحيلٍ وقامة طويلة، وسراويل متنوعة بين الأنيق والعادي، وحرصت على أن تكون جميع المقاسات مناسبة لما ستبدو عليه لاحقًا بعد ارتداء المجسم.

+



        
          

                
في عينيها نظرة واثقة، وفي حركتها خفة من اعتاد التنقل في الظلام.
وعندما همّ البائع بسؤالها:
"بتشتري لمين يا أستاذة؟"
نظرت له نظرة ثابتة وقالت ببرود:
"لنفس الشخص اللي لازم يظهر في الوقت المناسب... ويختفي في الوقت الأصح."
ثم التفتت وخرجت، تاركة وراءها رائحة عطر رجولي اختلطت بفضول لا جواب له.

+


كانت الأكياس تُرَصّ بعناية في أركان الغرفة، أكياسٌ ممتلئة بقمصان رجالية، سراويل أنيقة، وربطات عنق تشي بالجدية والاتزان. بدا المشهد كغرفة رجل يستعد لمؤتمر هام، لا كغرفة فتاة في الثامنة عشر من عمرها.

+


في الزاوية الأخرى، كانت ليلى، الخادمة الوفيّة، تطوي آخر فستان وردي وتضعه في الحقيبة المخصصة للتبرعات. لم تتوقف يدها، لكن عيناها لم تكفا عن التحديق ببدر بين لحظة وأخرى.

+


قالت ليلى مترددة، وصوتها يحمل لمحة من القلق:
"بدر... هو حضرتك ناوية تعيشي في دور راجل بجد؟ ولا دي مجرد تمثيلية كده وخلاص؟"

+


رفعت بدر رأسها ببطء، كانت واقفة أمام المرآة ترتب القناع الجلدي الذي صنع خصيصًا لينحت زوايا وجهها ويخفي ملامحه الأنثوية. ابتسمت بخفة، لكنها لم تجب مباشرة. مدت يدها وأخذت جاكيت أسود من فوق السرير، وضعته على كتفها كأنها تعتاد وزنه، ثم نظرت لليلى وقالت بصوت خافت لكنه حاسم:

+


"هو ما بقاش ينفع أعيش دور البنت اللي بتستنى حد يحميها. دلوقتي... أنا اللي لازم أحمي نفسي. ولو ده معناه أعيش في جلد حد تاني، فأهلاً وسهلاً بالجلد الجديد."

+


ارتبكت ليلى قليلًا، ثم قالت محاولة التخفيف من حدة الحديث:
"بس... كل دي هدوم رجالة؟ مش سايبة ولا حاجة من حاجتك؟"

+


أجابت بدر وهي تمسك بقبعة رمادية وتضعها فوق القناع كأنها تُتمّم مظهرها الجديد:
"سابية؟ أنا سايبة بدر القديمة كلها... بدر اللي بتخاف وبتسكت. دي كانت مرحلة وخلصت ، لازم اكون جريئة مش بس عشاني ده عشان قبيلتي و أمي و أخويا."

+


ساد الصمت للحظة، لم يعد في الغرفة أي فستان، لا أثر للعطر الوردي، ولا حتى مرآة مزينة بقلوب صغيرة كما كانت من قبل.

+


في تلك اللحظة، شعرت ليلى وكأنها تودّع بدر التي عرفتها، وتستقبل شخصًا جديدًا... غريبًا، مهيبًا، و... مستعدًا لمعركة لا تعرف عنها شيئًا.

+


جاء الصباح دافئًا كسطرٍ أول في رواية لا تعرف نهايتها. نهضت بدر بهدوء، كأنها لا تريد إيقاظ العالم بعد. وقفت أمام مرآتها طويلاً، تتأمل انعكاسًا لا يُشبهها، لكنه سيُشبهها بعد قليل.

+


بيدين ثابتتين، التقطت المجسّم-ذاك الذي يشبه سترة عادية، لكن في قلبه سحاب يُخفي أكثر مما يُظهر. سحبته على جسدها كما لو كانت ترتدي جلدًا جديدًا، جلدًا أكثر صلابة، أكثر جمودًا. ثم ارتدت بذلة أنيقة بلون رمادي فخم، تنسدل خطوطها على جسدها كأنها حكاية رسمها الخياط خصيصًا لإخفاء أنوثتها.

+


اختارت قميصًا كحليًا، يوحي بالرصانة، يحمل في زراره الأول رفضًا لأي اقتراب، وفي لونه العميق شيئًا من الليل الذي كانت تخفيه في صدرها. نظرت لنفسها من جديد، وحين تأكدت أن بدر الرجل قد حلّ مكان بدر الفتاة، أطلقت زفيرًا طويلًا، ثم ابتسمت... تلك الابتسامة التي لا تُرى، لكنها دائمًا تُخفي أكثر مما تقول.

+


وفي اللحظة الأخيرة، أمسكت القناع، قطعة السيليكون التي تُغطي أسفل وجهها، وتُبرز فكًا قويًا وذقنًا بارزًا، كمن نحتت الأيام ملامحه بخشونة.
ألصقته بإتقان، حتى لم يتبقَ من بدر إلا عينيها.
أما البقية، فقد أصبحت "هو".

+


أمسكت بمشط صغير، وبدأت تمشط شعرها الذي قصّته بأسلوب رجالي دقيق... كل خصلة تنسدل في مكانها كأنها توقّع على قرار الانفصال التام عن صورتها القديمة.
في المرآة لم تعد ترى "بدر" كما كانت، بل ترى من قررت أن تكونه.

+


رأتها ليلى، فتجمدت النظرة في عينيها، وانفتح فمها قليلًا من فرط الذهول، كأن الكلمات اختنقت في حلقها. بجانبها وقف عبد ربه، يرمش ببطء، لا يعرف أيتراجع خطوتين أم يسأل عمّن تكون هذه الغريبة التي تسير أمامه.

+


لو رآها أحدهم تمشي في أحد الشوارع، لما خطر بباله لحظة أنها فتاة. قوامها النحيل صار أكثر صلابة بفضل السترة العسكرية القديمة التي استعارتها، وقصة شعرها الرجالية التي كشفت عن جبينها وعظام وجهها أضفت عليها ملامح شاب هارب من الزمن، أو ربما من قدرٍ أثقل من أن يُحمل.

+


لم تكن تمشي... كانت تتقدم بخطى هادئة، ولكنها محملة بالعزم، وفي عينيها نار صامتة لا تخمد. كم تغيرت بدر... أو ربما، كم انكشفت بدر عن حقيقتها.
كانت ترتدي قناعًا لا يغطي إلا الذقن والفك، يكشف عن عينيها الجامدتين كأنهما حجرتان مرصوفتان في وجه بلا خوف.

+


تمتمت ليلى بصوت مرتعش:
" دي... دي بدر؟"
أجاب عبد ربه وهو ما زال يحدق فيها:
" لا... دي مش بدر اللي نعرفها. دي حاجة تانية خالص ، ده أمها نفسها لو شافتها استحالة تعرفها."

+


كان صقر يجلس داخل المدرج الخاص بالدراسة، متكئًا بظهره إلى المقعد الخلفي، وذراعيه معقودتين أمام صدره. عيناه تراقبان الباب في ترقب، كأنه ينتظر دخول شبح لا وجه له. بدر الحمداني... الاسم الذي ظلّ يرنّ في أذنه منذ أن وطئت قدماه هذه الكلية، لكنه لا يعرف ملامحه، ولا صوته، ولا حتى طوله أو طريقة مشيته. مجرد اسم، محفور في الذاكرة، يرافقه الغموض والقلق.

+


كان المدرج شبه فارغ، لم يحضر سوى قلة من الطلاب الذين جلسوا في مجموعات صغيرة يتبادلون الأحاديث الخفيفة. أما صقر، فبقي وحده، رأسه يفيض بأسئلة لم يجد لها إجابة، ونبضه يتسارع كلما تحرك الباب.

+


كل من دخل لم يكن هو.
وكل دقيقة تمر كانت تثقل قلبه أكثر.

+


فكر في كل السيناريوهات الممكنة:
هل سيكون شابًا عاديًا لا يثير الانتباه؟
أم يحمل في ملامحه القوة والدهاء؟
هل سيكون سهل المواجهة، أم خصمًا صعبًا كما سمع؟

+


وفجأة... فتح الباب.

+


ووقف الزمن لحظة.

4



تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close