📁 آخر الروايات

رواية ظلام الذئاب الفصل العاشر 10 بقلم سلمي خالد

رواية ظلام الذئاب الفصل العاشر 10 بقلم سلمي خالد


شعر بمرور وقتٍ طويل، أخبره بأنها دقائق وسيعود ولكن مر أكثر من ساعة ولم يظهر، سار بخطواتٍ هادئة إلى داخل شركة متوجهاً يميناً ليدخل المكتب الخاص بوليد ويعلم ما سبب تأخره الملحوظ هكذا، ولكن قبل أن يصل إلى نهاية هذا الممر وجد شخصاً مُلقى على الأرض وتغرقه الدماء، ربما كانت تلك الدماء الصخرة العنيفة التي اُلقيت عليه عندما اقترب ورأي أن المُلقى على الأرض ما كان إلا وليد الألفي، شُلت حركاته وتجمدت الدماء في عروقه، صاعقة هبطت من السماء خصيصاً له، هرول سريعاً مُستفِيقاً من صدمة عنيفة اجتاحت عقله وأوقفت خلاياه، ليهتف بصوتٍ ملتاع:
_ وليد.. وليد أنت كويس رد عليا !!
دقائق مرت دون استجابة ليسرع بيُمناه يمسك بهاتفه عله يستطيع فعل شيء قبل فوات الأوان، دقات قلبٌ خائفة فهو إبن عمه وصديق دربه كيف حدث له هذا، لعبت العواصف داخل رأسه، وبدأت الهواجس تحيطه عندما تأخرت الإسعاف، كأنها دوامة من الظلام تسحبه إلى الأسفل لتضمره بكل شرسة.
بمرور وقتٍ ليس بطويل تنفس بقليلٍ من الراحة عندما استمع إلى صوت الإسعاف وهي أمام الشركة، ليصعد بعض الرجال المشفي الألفي حاملين وليد وهو غائبٌ عن الواقع، مُتوجهين إلى المشفي سريعاً ليحاول إنقاذ حفيد الإمبرطور قبل أن يقلعهم من المشفي بل من الحياة بأكملها.
وقف إياد أمام الغرفة التي يقبع بها وليد ينتظر أي طبيبٍ عله يطمئن قبله المرتعد على إبن عمه، حالفته مفاجأة عندما وجد ظلاً أمامه، رفع رأسه ورأى عينان حداتان كالصقر، ملامح قاسية، ظلام ذئبٌ شرس سينقض على فريسته، فصدع صوته الحاد يتحدث بعنفٍ شديد وكأنه هو الجاني:
_ إيه اللي حصل لوليد وإزي متبلغنيش؟؟
تحولت عين إياد من صدمة إلى قلق مصحوب بتوتر، ولكن هتف بسخرية واضحة محاولاً الهروب من الإجابة:
_ وجواسيس حضرتك مقلوش اللي حصل ثم أنا مش محتاج أقول لحضرتك لأني عارف إن جواسيس حضرتك هتقول على كل حاجة زي كل يوم .
اشتعلت عين وجيه بالغضب ليهدر بعنف:
_ وياريتهم نفعوا ولا حتى قدروا يحموكم..
ثم أضاف بصوتٍ منفعل ممزوج بمرارة:
_ لأنتم عارفين تحموا نفسكم ولا هما عارفين يحمكوكم وهتروحوا مني واحد ورا التاني
أشاح إياد برأسه بعيداً يهمس بخاطره بغيظ:
_ مفيش غيرك يا ألفي بتعرف تهرب من جواسيسه ياريتني اعرف إزي بتهرب منهم يا ذئب الظلام.
بينما وقف وجيه ينظر إلى الغرفة التي ترفرف بها حياة وليد، فقد أصبح صراعه ليس مع الحياة بل مع الموت أيضاً.
********
بنيويورك،،،،،،،
جلست على السرير تشعر بالجوع، غير قادرة على صُنع طعام مُتذكِرة جملته لها " لما تدخلى المطبخ بلغيني أنتِ مش عايشة في زريبة" تلون وجهها بالحمرة الشديدة تشعر بالغضب من حديثه الساخر دائماً منه، ولكن ازداد شعورها بالجوع أكثر فهتفت بصوتٍ عالي قليلاً لم تعلم انها ستندم بشدة على ما ستتفوه بهِ الآن:
_ يوووووه دا بنى آدم معندوش إحساس، مشاعره دي إيه جبل من التلج ياربي، هي مامته كانت بترضعه إيه بس؟ دا سبني هنا من غير أكل من ساعة ما جيبت
وقفت فجأة تقطع الغرفة ذهاباً وإياباً تتحدث بحيرة بالغة مُرددة بكلماتٍ سريعة:
_ طب اعمل إيه ياربي.. أنزل طب اجيب أكل ولا.. هينفخني طب ما انا جعانة.. أووووووف.. صدق اللي قال الجوع كافر، أنا هروح وخلاص بقي هجيب اكل يعني مش هروح بعيد
توجهت ليان على باب الغرفة لتحرك سقاطة الباب تسير بخطواتٍ مُتأنية، تنظر حولها لتتأكد أنه ليس موجود، لتتنفس براحة شديدة متوجهة إلى باب الشقة مغادرة المكان بسرعة قبل أن يراها، لم تعلم من أين أتت لها تلك السرعة التي تهبط بها أعلى السُلم ولكن عندما رأت أشعة الشمس الذهبية التي تدفء الأشجار المُزينة بالشارع، ابتسمت بسعادة كطفلة صغيرة حُرمت من الخروج ورأيت تلك المناظر الخلابة، لم تعلم إلى أين توجهها قداماها ولكن كل ما كان يشغل عقلها تلك الأشجار الجميل التي تعطي رونق للشارع والمنازل المبنية بالشارع، فاقت من تأملها على واقع مُر، مجموعة شباب مُذاهبين العقل بعد تناولهم لبعض المواد المُسكرة، ارتعد قلبها واتسعت مقلتيها لتبدأ بتراجع بخطواتٍ مرتجفه، ولكن يالا سخرة القدر اصدمت بإحد الزجاجات التي أصدرت ضجيجاً عالياً جعلهم يلتفتون إليها، تلتمع عيناهم بشدة وكأنهم وجدوا فريستهم التي ستتحمل وحشيتهم، هتف أحد منهم بصوتٍ وهن متأثر ببعض المواد المسكرة:
_ شارل انظر بسرعة إلى تلك الفتاة
نظر لها وابتسم بشر، فأصبحت رغبتهم عمياء، يريدونها بأي شكل، هنا تجمعت الدموع بأهدابها لتتراجع بخوفٍ شديد ولكنها اصتدمت بصدرٍ صلب استدارت سريعاً لتجده أحد هؤلاء الشباب يبتسم بسعادة وكأنه حصل على جائزة، أصبحوا يحاوطوها كأسوار حديدية التي تحيط بعصفورٍ صغير وتغتصب حريته وتقضي على حلمه الصغير في أن يسبح في السماء، يخترق السحب، ويدفئ جسده بأشعة الشمس الساحرة.
اغمضت عيناها بقوة عندما مد أحدهم يده ليمسك بذرعها، تلتمع حدقتيه بشدة، فهو على بُعد خطوة وسيحصل على ما يريده، اندثرت تلك الابتسامة واختفت تلك اللامعة؛ عندما أُمسِكت يده بقوة من قبضة حديدية جعلته يشعر بأن عظمه قد تفتت من شدة قبضته، اتجه بأنظاره إلى الرجل الذي يقبض على يده، ليجد عينان مظلمتان... متوحشتان، فسارت رجفة بجسده عندما رأى ملامحه التي لا تبشر بالخير، ماهي إلا ثوانٍ وكان هذا الشاب مُلقى على الأرض ينزف الدماء من فمها على أثر لكمة زياد العنيف، ليهرول باقي الشباب هاربين من هذا الوحش الكاسر، نظر زياد إلى ليان بشرسة ثم قبض على يدها ليسحبها بعنفٍ إلى البنية التي يقطنون بها، تسير معه وهي تركض كأنها بسباق للركض، تتعثر بكل خطوة تخطوها، وعندما فتح باب الشقة ألقاها بعنفٍ جعلها تقع أرضاً، فهدر زياد بغضبٍ بالغ يردد بشرسة عنيفة:
_ أنــــــــــــــــــــــتِ غبــــــــــــــية بتنزلي من غير ما تقوليلي وكمان انا مش مانع الزفت الخروج بتخرجي ليــــــه من غير ما تقوليلي...
لم يلقى إجابة بالصمت كان ما يسود بالمكان فصاح بها بشدة:
_ ما تـــــــــــــــــردي يا زفتة.
لم تعرف الدموع شيئاً سوى أنها تسيل على وجنتيها ينتفض جسدها بشدة من حديثه العنيف معها، تهز رأسها برعبٍ جالي عندما ارتفع صوته فجأة، وبرزت عروقه، فأكمل بنبرة أكثر شرسة وقد أصبحت عيناه جمرتان من نار توشك على حرق كل ما يقف بوجهه :
_ على الله تخرجي تاني وامسحي دموع التماسيح دي عشان مش هصدقها واتفضلي من هنا وحسابك معايا بعدين مش دلوقتي
لم يجد منها أستجابه فأضاف بصوتٍ جهوري:
_ أتفصـــــــــــــــــــــــــلي
انتفض جسده تسير برعب شديد، تحمد ربها على أنها غادرت من أمامه، وقد بدأت تشك بأمره هل هذا إنسانٌ طبيعي يعيش معها؟ أم هو ذئب مفترس ينقض على فريسته عندما تقف أمامه؟!!، ظلام دمسها به لتغرق معه بذلك الظلام الموحش ولكن بقي السؤال هنا هل ستغرق معه لتختفي تلك البريء التي كانت تتمتع بها أم ستنتشله من فيضان تلك الغابة المشتعلة من الظلام؟!
***********
بمقابر عائلة الألفي،،،،،،،
اندثرت القسوة التي تغلف به قلبه، و حل الحزن المكنون بصدره، كأنه آلة حادة تمزق قلبه إرباً، تقضي على ما تبقى من روحه المكلول، ضلوعه أصبحت هشّ ستُقْتَلع من لفحة هواءٍ صغيرةكأنه شجر ظل الحزن ينحت فيها لتصبح هشة وتسقط أرضاً، كعصا سيدنا سليمان ظلت النملة تنحت بها إلى أن خرقت قواها وأصبحت هشة.. ضعيفة، تلتمع عيناه بحزنٍ دافين تتمزق له الروح، همسات تخرج من فمه لعزف لحنٍ من الأوجاع المكنونة بصدره:
_ وحشتني أوي يا محمود وحشني يا بني وحشني أنت وأخوك عماد وحفيدتي أسيل.. أبنك معذبني يا محمود مش مريح حد ومعذب الكل معاه، حتى الناس اللي بتمشي وراه ومكلفهم بحمايته، بيقدر يختفي منهم زي الزيبق، وللأسف بقي نسخة منك لكن الفرق إن قلبه بقى حجر ومش بيحس بحد فكرة الانتقام اللي بتزيد يوم عن اللي قبله في دماغه مخوفني لأول مرة هقولها في حياتي خايف يا بني من الطريق اللي إبنك ماشي فيه نهايته محدش يعلمها
صمت يستنشق القليل من الهواء لعله يُهدِئ نيرانٌ مشتعلة بصدره، ظلت سنوات تزداد دون توقف كأنها قطار يسير دون توقف، ألقى نظرة متألمة.. حزينة، ثم عادت القسوة من جديد تتراقص بين عينيه، انطلق بسيارة بعد أن ولج لها آمراً السائق بالعودة إلى المشفي فقد أرد أن يفرغ ما بداخله ليريح قلبه المكلول فيعود كما كان قاسياً.. صارمةً، أخرج وحشاً صارماً من داخله ليظن الجميع أنه أُنتزعت منه الرحمة!!!
************
بنيويورك،،،،،،،،
سحابةٌ من التوتر تُمطر عليها، يداها اللتان ترتجفان من شدة الخوف، دقات قلبه المسكين الذي وقع ضحية للذعر والخوف ليمتلكاه، تبلل شفتيه بين كل دقيقة والآخر بسبب الجفاف الذي انتشر بهما وكأنها بصحراء انعدمت منها الماء، رجفة عنيفة اجتاحت جسدها عندما استمعت إلى صوته البارد يقول:
_ إيه يا دكتورة مش المفروض أني أعقبك بعد عملتك الهباب دي.
نظرت له بعينان زائغتان تحاول أن تستوعب ما تفوه به للتو، عقاب بماذا سيعاقبها ولما كل هذا تمتمت بنبرة متلثمة:
_ هو أنا هتعاقب؟!!
نظر لها بجانب عينيه ثم دس يديه بجيب سرواله وهتف بسخرية واضحة متجاهلاً تماماً سؤالها:
_ أنا سيبتك يومين تفكري برحتك لكن بعد اللي عملتيه النهاردة مفيش أي خيار قدمك .
:_ خيار ولا جزر
قالتها بمرح مستفز مُقاطِعة حديثه ليرمقها بنظرات نارية يوشك على قتل تلك المجنونة، فهتف بنبرة باردة كانه يعاقبها بها :
_ لو عملتي كده تاني مش هتشوفي نفسك غير في القبر،
أما بقي خيار ولا الجزر اللي بتقولي عليه هو مقدمكيش غير إنك توافقي على كتب الكتاب.
اتسعت عيناها بفزع، موافقة.. ما الذي يقوله، هزت رأسها بعنف تهتف بخوف:
_ موافقة إيه لاء مش موافقة
ابتسم زياد بشر قائلاً بنبرة متأثرة للغاية جعلت ليان مصدومة بل بحالة إنهيار:
_ للأسف يا عمي بنتك ليا أثناء شغلها بالمستشفى سرقت عدد كبير جداً من الأدوية المتخزنة هناك واتسجنت ومش هنعرف نخرجها
هزت رأسها بعدم تصديق هاتفه بنبرة مصدومة يصاحبها قليلاً من الوجع الذي بدأ بتزايد شيئاً فشيء:
_ لالالالالا بابا مش هيصدق اللي بتقوله
أصبحت الذئاب تندهش من مكر هذا الرجل ليخرج لها بعض الصور التي تحتوي على شكلها وهي مُلقى على الأرض بسجن هاتفاً بصوتٍ خبيث:
_ أظن إن الأستاذ أحمد مريض بالقلب بمجرد ما يشوف الصور دي أعتقد نهايته هتكون سريعة بعد الصور دي
أغرقت الدموع عيناها لتصنع موجاً عالي يسير على وجنتيها هاتفه بصوتٍ يملئه القهر:
_ حرام عليكِ أنت عارف إنه مش أنا
هز زياد كتفيه متحدثاً ببرودٍ وكأنه لم يفعل شيء بتلك المسكينة:
_ قدمك لحد بكرة عشان تقرري وليكِ كامل الحرية ولو عايزة شروط مع موافقتك معنديش أعتراض في النهاية كل ليكِ يا دكتورة مش ليا أنا عايز أنفذ مهمتي وخلاص
غادر من أمامها بسرعة بينما هي زحفت بقدميها اللتان أصبحتا مشلولتان من تلك الجمرات الحارقة التي مزقت قلبها وألمت روحها، ما ذنبها أن تقع مع ذلك الوحش بل ذلك الذئب المتوحش،
الإجابة واضحة إنه سُلطان العشق أراد أنا يجمع بين قلب بريئة وقلب ذئب.
**************
بشقة السيد يوسف،،،،،،،
أنهك التعب وجهه ظل طيلت النهار يعمل بالمشفى، وأكمل الباقي من دراسة الملفات الهامة لبعض المرضى في المنزل، أزل نظرته الطبية عندما تعالت طرقات باب كان يعلم ما يخفيه الباب خلفه ولكن شقت الإبتسامة شفتيه عندما وجدها تخطو بهدوءٍ وعلى ثغرها ابتسامة يعلم ما خلفها فهتف رافعاً حاجبه بصوتٍ ساخر:
_ قولي جاي في إيه علطول عشان أكمل شغل بلاش مقدمات .
اطلقت ضحكة صغيرة، يحفظ كل حركاتها كمن يحفظ كتاب من كُتب التاريخ، لا تستطيع النفذ منه لتتمتم بصوتٍ رقيق أرسلت له ابتسامة حالمة:
_ دايماً قافشني يا بابا، ليان يا بابا بقالها يومين مجتش المستشفى وعايزة أطمن عليها وللأسف مش معايا نمرتها .
هز كتفيه بلامبالة قائلاً وهو يركز على الأوراق القابعة أمامه :
_ ممكن يكون عندها مشكلة ومقدرتش تجي عادي مريم .
سحابة من الحزن غيمت على عينيه قائلة بصوتٍ مهزوز :
_ أنا كنت عايزة رقمها.. عايزة أطمن عليها يا بابا.
لاحظ بنبرتها المهزوزة، نظر لها سريعاً فوجد تلك السحابة الحزينة تنبثق من عينيها شعر وكان خنجر حاد غُرِز بقلبه عندما رأها هكذا، فردد سريعاً ليزيل حزنها الذي أراد أن يشق طريقه لها ولكن سيقف له بالمرصاد:
_ خلاص يا بنوتي أنا هتصرف في النمرة واجبهلك.. خلاص يا ستي
قفزت تصفق بيداها تضحك بسعادة مبالغ فيها قائلة بحب وسعادة :
_ شكراً يا جو، شكراً يا أحسن أب في الدنيا، ربنا ميحرمنيش منك
كلماتٌ بسيطة جعلت من قلبه الصغير يرفرف بين ثنايا السعادة، يغوص بين أطياف البهجة، غادرت مريم المكان بينما قام بالعديد من المكالمات وأثناء مكالمته أمسك سريعاً بالقلم يدون رقم ليان وبمجرد إنتهائه، استدعي تلك السيدة العجوز التي تبقي دائماً معهم في المنزل لتراعي مريم واحتيجاتها وأعطها الورقة المدون فيها رقم ليان لتأخذها إلى ابنته الغالية ، جزءٌ من فؤاده وقطعة من روحه، تسكن عقله دائماً ولا يشغل تفكيره سواها.
**************
بداخل غرفة التي تقطن بها ليان،،،،،،،
صوت البكاء حاد يصدع بالغرفة، شعورها بالقهر والحزن أصبحان يملكان قلبها بشدة، فهي لا تستطيع أن تتخيل أن تفقد والدها والأسوأ أن تكون هي السبب ولكنها أيضاً لا تستطيع أن تتزوج هذا الذئب المُخدع، فهتفت ودموعها تنهمر بغزارة تشعر وكأن أحد يجلدها بعنفٍ، ضغط لم توضع فيه من قبل :
_ ياارب أنا في الغربة لوحدي ومليش غيرك انجدني من إيديه هو عامل يفتري عليا ويقسي وأنا مليش لا حول ولا قوة أنا مليش غيرك يارب في الدنيا دي انجدني يارب
صمتت قليلاً تلتقط أنفاسها.. أنفاسٌ ضاعت من فرطت القهر والحزن، مزق هذا التفكير صوت هاتفها يعلن عن مكالمة لم تتعرف على هوية المتصل، فمسحت دموعها التي حاولت إيقافها وأجابت بصوتٍ مقتضب:
_ من يتحدث؟؟!
تمتمت بصوتٍ رقيق تتحدث بمرح :
_ إيه دا يا ليان معرفتنش دا أنا بتحس يا بنتي علطول، لاء لزماً نكشف على إحساسك
ابتسامة تأرجحت على شفتيها عندما أصبحت الرؤية واضحة وليست واهية أمامها، لتهتف بضحكة صغيرة أطلقتها عندما قالت مريم جملتها الأخيرة:
_ مريم وحشتني أوي عاملة إيه ؟!
أجابتها بهدوءٍ :
_ الحمدلله أنتِ عاملة إيه ومجتيش المستشفى ليه ؟؟؟!
بلحظة تذكرت حديث زياد لها، تهديده الصريح، كلماته القاسية التي تجلد أي إنسان دون رحمة، لتقع في بئرٍ من الآلام والأوجاع غير قادرة على علاج جروحها، رددت بصوتٍ مختنق حزين:
_ مفيش يا مريم ظروف كده ومش عارفة هخرج منها إزي ؟!!
شعور اجتاحها بعد تلك النبرة المختنقة التي حدثتها بها، هتفت بصوتٍ هادئ مطمئن لها قليلاً :
_ بصي يا ليان أَيَنْ كان اللي أنتِ فيها والظروف كانت إيه بابا كان دايماً يقول لو الموج جيه عالي أنحني ليه لحد ما يعدي وتخلص أزمته لأنك لو قفتي قدامه ممكن تتكسر وساعتها هتبقى وقعة بدون قومه فإنتِ سَيسِي أمورك لحد ما الدنيا تتظبط
صمتت قليلاً تفكر بحديثها وكأنها تخبره وافقى على زوجك منه فليس لكِ خيار آخر، هزت رأسها حاسمة أمرها لتهتف إلى مريم ممتنة لها كثيراً:
_ شكراً يا مريم وخلاص أنا عرفت هظبط أموري إزي حقيقي مكالمتك دي حلت ليا مشكلة كبيرة
ابتسمت بسعادة وهتفت بحب:
_ العفو يا حبيبتي وربنا يوفقك وأحنا اخوات على فكرة يعني لما تحتاجي حاجة تقولي بدون تردد
هزت رأسها تهتف بابتسامة طفيفة مرسومة على ثغرها :
_ ربنا ميحرمنيش منك
وقبل أن تنتهي تلك المكالمة هتفت مريم سريعاً:
_ ليان حاولي تيجي المستشفى عشان بابا مش بيحب عدم الإلتزام
حكت ليان رأسها بحرج هاتفه بصوتٍ يحمل بين ثنايه الخجل والإحراج:
_ أكيد هاجي وأنا آسفة جداً على غيابي.
حدثتها مريم ببسمة هادئة :
_ ماشي يا حبيبتي هسيبك ترتحي شويا سلام
:_ سلام
انتهت تلك المكالمة لتحسم ليان أمرها بموضوع زوجها، لابد أن تهني هذا الأمر قبل بزوغ شمس يوماً جديد.
**************
مشفى عائلة الألفي،،،،،،،،،،
كُسرت شوكة الذعر التي ظهرت فجأة بعائلة الألفي؛ لتتفتح زهرة من جديدة تتمتع برونقها من الهدوء والراحة، تمتم بصوتٍ محتقن من الغيظ فجده دائماً يفرض عليهم قيود، ومن صعب أن يفروا منها:
_ هو جدك حد يقدر عليه!!
استطرد في حديثه بنبرة أعجاب بين طياتها قليل من الغضب بسبب ما يفعله جدهم:
_ بس زياد ابن اللذينة بيعرف يهرب منهم ومحدش يقدر يعرف هو رايح فين وجاي منين؟!!
هز رأسه في حركات بسيطة حتي لا يُزيد من الألم المنتشر بصدره، بينما نظر إياد له متمتماً ببعض الحيرة:
_ هتقول إيه لجدك؟؟!
التف وليد بوجهه المُنهك من التعب قائلاً بنبرة تحمل ألا مبالة:
_ هقوله اللي حصل هقول إيه يعني !!
تحولت نظرات إياد إلى توتر مما سيقوم به وجيه الألفي، وكأنه يعلم أنهم يتحدثون عنه، فقد فتح الباب على مصراعيه ليسير إلى الداخل بشموخه المعتاد يسلط أنظاره الحادة على وليد والذي حاول اعتدال مثلما فعل إياد احتراماً للجد، فترقصات السخرية بين عينيه هاتفاً بسخطٍ واضح:
_ خليك زي ما أنت مش شايف عامل إزاي !!
تلون وجهه بالحرج وتقلصت ملامحة، فسأله وجيه بنبرة جامدة:
_ مين اللي عمل كده ؟!
بدأ وليد بسرد ما حدث بكامل تفاصيله لتظلم عين وجيه، كلما تعمق بالحديث وكأنه أسد ينتظر اللحظة المناسبة لينقض على فريسته، بمجرد خروج أخر كلمة قالها وليد، خرج وجيه من الغرفة كالإعصار يوشك على أن يقضي بمن أمامه، فيكفى ما حدث بالماضي.. ماضي قضاه بعذابٍ ومزيج من الأوجاع!!
تحولت نظرت الأثنان إلى السخط ينظران إلى الباب ولم يتفوه سوي:
_ مفيش فايدة هيزود الحرس؟!!
نظر الإثنان لبعضهما ثم ظلا يضحكان بآسى على ما هم فيه.
****************
قطعت الغرفة ذهاباً وإياباً، بداخل رأسها عواصف من الأفكار توشك على تدميرها، حتى صدع صوت بالغرقة تعلمه جيداً، لتنظر بإتجاه معدتها قائلة:
_ أسكتي ياللي فضحاني وموديني في داهية أقول إيه بس.
أصدرت معدتها صوت آخر، فزفرت بضيق، فهي بالفعل تشعر بالجوع الشديد وقررت أن تتجه إلى المطبخ لتعد شيئاً تتناوله، تتذكر ما حدث معها منذ ساعات بسيطة ...
***
تنهدت بحيرة بعد انتهائها من الحديث مع مريم، وحسمت قررها بشيءٍ ما وتترجى من الله أن يوفقها بهذا القرر، قاطع تفكيرها اندفع زياد الذي طرق على الغرفة عدة مرات ولم تجيبه، نظرت له بقليلٍ من الحدة هاتفه بصوت يحمل الغضب:
_ مش في باب تخبط عليه
هز رأسه ساخراً ثم ردد بصوتٍ ساخط يحمل بين طياته بروده المعتاد:
_ تقربياً كده يا دكتورة لزماً تكشفي على ودانك عشان شكاك بقيتي طرشه أنا بقالي ساعة بخبط على معاليكي وسيادتك وولا هنا
لم تعلم بماذا تجيب؟ فقررت الصمت بينما استرسل في حديثه قائلاً ببرود:
_ لما تحتاجي أكل ابقي ادخلي المطبخ براحتك وأعملي وكل حاجة هتلقيها فيه بس أوعي ألقي حاجة مش نظيفة مش ناقص قرف
تلون وجهها بالحمرة الشديدة ترمقه بنظرات حادة بينما نظر لتلك الحمرة التي تشتعل بوجنتيها فتجعلها مثل رجل الملاهي، استدار مغادراً المكان وعلى شفتيه شبه ابتسامة ربما كانت الطريق لقلبه ولن يعلم إلا عندما يقع في شباك عشقها فتصير ملكه وملكة قلبه
****
فاقت من شرودها لتبدأ بإخراج بعض المكونات الخاصة بالوجبة التي تعدها، بسرعة كانت تمزج العجين جيداً لتبقي أخر خطوة وهي سكب الزيت وأثناء سكبها للزيت، تسلط بصرها عليه وكأنها ترسم لوحة فنية فتخشي أن يصيبها مكروه، انتفضت من مكانها بفزع، ثم وقعت منها زجاجة الزيت ليتناثر على الأرض، استدارت بسرعة لتري زياد بهيبته القوية يقف على أعتاب المطبخ هتفت كلمات متلثمة:
_ أنا كنت عايزة أعمل كيك.
كاد أن يتقدم خطوة آخر فترجعت ليان إلى الخلف ليتعال صوت زياد قائلاً :
_ أوعي تتحركي خليكِ ثابتة
ولكن ما من استجابه، تحركت ليان لتنزلق قدماها علي الأرض، فسقطت بقوة على ظهرها فصرخت بألم عنيف، قائلة بنبرة مغتاظة يتخللها ألم حاد:
_ آآآآه إيه الغباء دا .. ياعم ما أنا قدامك يعني لو جريت هتجبني من قفايا زي الحرامية.
شرد قليلاً متذكراً تلك الحادثة بكامل تفاصيلها ولكن كان الواقع مع شقيقته
***
تقف بالمطبخ العائلة هذا المطبخ الأسطوري، تعد بعض الكيك وأثناء سكبها للزيت دخل زياد قائلاً بتعجب:
_ بتعملي إيه يا ندي؟
فزعت ندي بشدة ووقعت منها زجاجة الزيت لينسكب على الأرض تحولت نظرات ندي إلى نظرات محتدة قائلة بغيظ :
_ في حد يدخل على حد كده مش تقول أحم ولا دستور
صدمة أصابته عندما هتفت بجملتها الأخيرة فغمغم بذهول واضح:
_ بت أنتِ بتجيبي الكلام دا منين؟
ابتسمت بفخر شديد قائلة وهي تشير على نفسها بتكبر:
_ محسوبك العبد لله مبيتوصاش في الكلام البيئة فعشان كده هتلقيني عارفة كل حاجة
نظر بسخرية قائلاً بإشمئزاز:_
_ محسوبك إيه القرف دا اللي أنتِ بتقوليه دا؟
تعالت ضحكاتها ثم حاولت التحرك ولكنها انزلقت على الأرض لتتأوه بشدة فهتفت بصوتٍ غاضب:
_ ياعم ما تيجي تقومني.
ضرب يده بالآخر قائلاً بيأس من صغيرتها وشقيقته:
_ لا حول ولا قوة إلا بالله أقول إيه ياربي تعالي يا أخرت صبري
نظرت له ثم هتفت بمكر قائلة وهي تمسك بيديه لتنهض:
_ طب هسألك سؤال، مين في البيت دا مش بيدوب فيا عشان طريقتي دي يا زيزو؟
ابتسم بحب هاتفاً ببسمة مرحة:
_ كلنا هنا بعشقك يا ندايا
ضحكت بشدة وخرجت من بقعت الزيت التى تحاوطها
***
تخلل سمعه صوت ليان وهي تأن مش شدة الألم بينما نظر لها زياد بحنان هاتفاً بحنو:
_ استني أساعدك متقوميش لوحدك عشان متتعوريش
فرغ فماها بل كانت تريد أن تصفع نفسها لتتأكد من أنها ليست بحلم وعندما وجدته يقترب ليساعدها صرخت بشدة:
_ أبـــــــــــــــــــــعد عني
نظر لها بصدمة، لما كل هذا الصراخ؟، فهتف بذهول:
_ في إيه؟
اجتاحها شعور بالخوف بل أصبح قلبها مرتعد من الذعر تزحف إلى الخلف تردد برعب:
_ لا أنت مش زياد
رمش لعدة دقائق بعينيه ثم أعاد قناع البرود إلى مكانه وهتف بعد أن استدار ببرود كأنه لم يكن الإنسان الحنون منذ لحظات:
_ طب بلاش غباء وقومي نضفي المكان ومش عايز قرف في المطبخ
اختفي من أمامها وبينما تنفست براحة شديدة متمتمة بارتياح:
_ أيوة كده البارد انا أعرفه إنما الحنية دي مش واخده عليها دا أنا كانت هتجلي ساكتة قلبية منه
نظرت حولها فوجدت فوضة عارمة لتتأوه بشدة تهتف بنبرة يثنيها الغيظ:
_ طب أدعي عليه دلوقتي ولا أشتم فيه ولا أعمل إيه ياربي آآآآه ياضهري آآآآه يا اخي إله تقع زي ما وقعت، أنا عارفة إنها اكلة استغفر الله العظيم بس أقول إيه، آآآآه دا العمود الفقري شكلة اتخلع
بدأت أن تسير ببطء شديد وتعيد تنظيف المكان من جديد ثم أعدت الطعام وبدأت تتناوله بإنهيام شديد ولهفة فالجوع أنساها أي ألم، وبعد أن انتهت من التنظيف ولم يبقِ أي أثر لشيء غادرت المطبخ لتبدل ملابسها آخر هاتفه وهي تحسم أمرها:
_ خلاص يا ليان مفيش حل تاني غير دا .
خرجت من غرفتها لتجده يجلس بأريحية على الأريكة الموجودة بالصالة فتقدمت بخطواتٍ مرتجفة هاتفه بصوت متوتر:
_ أنا موافقة بس بشرط
نظر لها ببرود فأكملت بتلثم:
_ أكلم بابا لو وافق خلاص ماشي لو موافقش يبقي نُفضها سيرة وتسبني.
ابتسم بخبث واضح هاتفاً بمكر كالذئاب:
_ طبعاً ودا حقك وأنا كمان مش معترض وموافق!!!
يتبع


مكتبة حواء
مكتبة حواء
موقع مكتبة حواء هو منصة إلكترونية عربية متخصصة في نشر الروايات والقصص، ويستهدف بشكل أساسي محبي الأدب الرومانسي والاجتماعي، مع حضور قوي لاهتمامات القرّاء.
تعليقات