📁 آخر الروايات

رواية بقدر الحب نقتسم كامله وحصريه بقلم فاطمة علي

رواية بقدر الحب نقتسم كامله وحصريه بقلم فاطمة علي 




المقدمة.
معايير الخطيئة وقوانينها معلومة للجميع، فهي الوقوع في الخطأ والإتيان به وفعلية ممارسته بقصدٍ وعمدٍ وترتيب، هذا ما تربينا عليه وعهدناه مع أسلافنا، إلا أننا نحن النسوة حرَّفنا تلك الخطيئة كثيرًا تبعًا لميولنا وأهوائنا الشخصية فالبعض منّا تقبل بقايا رجل طالما يأتيها آخر الليل يغفو إلى جوارها، والبعض تقبلن الإهانة بحُجة إقامة بيت علي عمدان هشة، خاوية تطرحها الرياح بمشاكسة خفيفة منها ، وأخريات تثرثرن بأنه زين الرجال وسيدها متفاخرين بنزواته ووقوع الأخريات أسيرات طلته البهية، وأُخر ترفض مجرد تفكيره بغيرها وتعتبرها خيانة وخطيئة واجبة القصاص.

سؤالي لك سيدتي لأي صنف تنتمين؟
وأنت سيدي الفاضل هل حقًا كنت سند حقيقي لامرتك؟
وأنتِ فتاتي الصغيرة ما أُسس اختيارك لشريك روحك؟
وهل حقًا بقدر الحب نقتسم ونغفر تلك العثرات والنزوات؟
تساؤلاتي تلك مُوجهة أيضًا لأبطالنا الأعزاء بانتظار إجابتهم الشافية بين أوراق روايتنا التي حاولنا صديقتي وأنا نظم أحرفها بكتير من العقل والحب.



كانت تنظر إلى يدها المرتعشة وبداخلها توتر لا يوصف، لما استمعت إليه؟! وجاءت معه كيف قبلت بذلك؟!
كانت تود الهرب من هذا المكان ولكنها سمعت تلك الممرضة
وهي تقول: مدام سحر إبراهيم اتفضلي.
نظرت إليه بعيون زائغة فابتسم لها حتى يطمئنها.
هو: يله يا سحر متخافيش أنا معاكي.
أشارت إليه برأسها دليل الموافقة، وتوجهت إلى غرفة الطبيبة وهي تجر قدميها تريد الهروب، ولكن قد فات الأوان على ذلك، طرق هو الباب ودخل وهي تتبعه،
ابتسم لها مشجعًا وهو يمسك بمرفقها، دخلت معه ولكنها انتفضت على إثر غلق الباب فقد كانت في أقصى حالات التوتر والقلق،
تقدمت إلى الداخل بأقدام خاوية لا تستطيع حملها، ووجدت أمامها إمرأة تجلس مبتسمة في حوالي الخمسين من العمر وعلى مكتبها مربع خشبي صغير مدون اسمها عليه دكتورة صفا المصري.
نظرت إلى تلك الطبيبة المبتسمة كان وجهها جميل من ينظر إليها يشعر بارتياح غريب، ببشرتها البيضاء وعيونها العسلية وشعرها البنى المربوط للخلف بطريقة بسيطة يشوبه بعض الشعيرات البيضاء دليل علي تقدم العمر وما يميزها أكثر هي تلك الابتسامة التي تجعلك تشعر بالثقة والارتياح حين تنظر إليها.
مدت الطبيبة يدها إلى سحر مبتسمة وهي تقول بتشجيع: أهلًا مدام سحر، أنا دكتورة صفا.
مدت سحر يدها الباردة في يد الطبيبة بخجل وهي تقول: أهلًا يا دكتورة.
نظرت الطبيبة إلى مرافق سحر وجدته شاب في حوالي الثلاثين من العمر ويبدو عليه أنه زوجها
صفا بابتسامة وهي تنظر إليه: أهلًا وسهلاً ،حضرتك تبقى مين؟
ابتسم بتوتر وهو ينظر إلى الطبيبة سريعًا ثم ينظر إلى زوجته: أنا محمد زوج سحر.
صفا: أهلًا وسهلاً اتفضلوا.
جلست سحر يقابلها زوجها ويفصلهم عن الطبيبة هذا المكتب الضخم
صفا وهي تنظر إلى سحر.
صفا: ها يا سحر عاوزه أعرف إنتِ بتشتكي من إيه؟
سحر بخجل: ولا حاجة.
صفا بجدية وهي تحاول أن تجعلها أكثر مرونة : أنا عاوزكِ أول حاجة تنسي أي خجل عاوزكِ تعتبريني أختك الكبيرة أو حتى والدتك، عاوزه يكون بينا ثقة وتكونِ متأكدة إن أي كلمة هتقوليها مش هتخرج من هنا ولو إنتِ مثلاً مش عاوزه جوزك يكون موجود ممكن نفضل أنا وإنتِ بس؟
سحر بتوتر: أنا أصلًا جاية عشان هو اللي جبني، وجيت إرضاء ليه هو، لو عليا مش هاجي.
صفا بابتسامة : خايفة؟
سحر بحزن وهي تنظر إليها: الخوف دايمًا ملازمني، تقدري تقولي كدة إنه أسلوب حياة.
صفا بتشجيع وتركيز بكل كلمة تخرج من فم سحر: الخوف احنا اللي بنخلقه وبنخليه يتمكن مننا.
كان محمد يتابع ما يحدث بهدوء دون أن يتدخل نهائيًا وكأنه غير موجود.
سحر بحزن: مش بأيدي.
وقفت الطبيبة وأحضرت حقنة واقتربت منها وسط توتر سحر.
صفا بهدوء حتى تشعر بالأمان : متخافيش دي حقنه هتهدي أعصابك، ولو حابه تتمددي على الكنبة مفيش مانع؟
سحر: لأ، أنا كويسة.
صفا: تمام.
رجعت الطبيبة إلى مكانها وجلست وهي تنطر إلى سحر وتتابع حديثها
صفا وقد بدئت تسألها حتى تشخص حالتها بدقة : إيه اكبر مخاوفك؟
سحر وقد شعرت بانقباض قلبها: إني أموت لوحدي.
صفا: مامتك عايشة؟
سحر بحزن شديد : ماتت من حوالي سنة.
صفا وهي تتابع طرح الأسئلة : ووالدك؟
سحر وقد ظهرت بعض العصبية على وجهها: عايش حياته ومتجوز.
صفا وقد أدركت بيقين أن والدها له تأثير كبير في حالتها :عندك اخوات؟
سحر بهدوء نسبي : لأ للآسف، ماما بعد ما ولدتني جالها نزيف واضطروا يعملوا ليها استئصال للرحم، وعشان كده مقدرتش تخلف تاني.
صفا بجدية: الله يرحمها، عاوزكِ تحكيلي عنك مين هي سحر؟
شعرت سحر بهدوء أعصابها قليلًا وحالة استرخاء فوقفت تحت نظرات الطبيبة ومحمد واتجهت إلى تلك الاريكة وتمددت عليها،
وهي تغلق عينيها وتقول: أنا مش فاكرة كتير من حياتي بس هحكي على قد ما أقدر، أنا بنت عادية اسمي سحر، اتولدت في القاهرة لأم حنونة جدًا اسمها مني، وأب مش قادرة أديله وصف محدد اسمه إبراهيم، أمي كانت أغلى حد عندي في الدنيا كلها اتحملت اللي مفيش بشر يقدر يتحمله بس عشاني، لما ماتت حسيت إني انكسرت حسيت إنها خدت روحي معاها، كل حاجة في حياتي غلط من الأول للآخر أنا مش بعترض على قضاء الله لأ، بس أنا كان نفسي حياتي تكون غير كدة مش عشاني، لأ عشان ماما.
صفا: احكيلي عن وفاة ماما وإيه أسبابها؟ وإيه اللي حصل؟
سحر وهي تاخذ نفس عميق:
************
فلاش باااااك
كانت تتقلب على التخت بخمول دعوني أعرفكم عليها،إنها سحر فتاة مرحة تعشق والدتها حد الجنون تتميز سحر بعيون بنية وشعر أسود يصل إلى كتفها وقامة قصيرة وجسد ممتلئ إلى حد ما وبشرة خمريه جميلة، وفم وأنف متناسبين مع وجهها، ليس جمالها صارخ ولكن لديها جاذبية خاصة بها.
توجهت إلى خارج غرفتها بكسل وحين خرجت استنشقت تلك الرائحة الشهية التي تخرج من مطبخ والدتها، كالعادة فاليوم هو يوم الجمعة وتقوم والدتها بعمل أشهى الأكلات، وقفت سحر على باب المطبخ وهي تقول: صباح الخير يا ماما.
الأم وهي تلتفت لها بابتسامة: صباح الفل يا قلب ماما، بس الصبح عدي من زمان احنا بقينا داخلين على العصر.
سحر بخمول وكسل: كنت سهرانه بذاكر ما انتِ عارفه بقى ثانوية عامة والنهاردة يوم الأجازة من الدروس، بس إيه الروائح الحلوة دي؟
الأم وهى تتابع ما تفعله : اغسلي إنتِ وشك بس على ما اكون جهزت السفرة.
سحر بتعجب لعدم ظهور أي صوت لوالدها : هو بابا مش هنا؟!
الأم وهي تخفي توترها وتعطيها ظهرها: لأ، يا حبيبتي هو عنده شغل.
سحر: ماشي.
مر الوقت سريعًا وسط حكايات سحر المرحة وضحكها وحسها الفكاهي حتى دخل والدها كعادته، لا تعلم لماذا حين يدخل إلى المنزل تشعر وكأن الهواء أصبح قليلًا تشعر بالاختناق؟!
الأب بهدوء وهو يجلس: مساء الخير.
الأم: مساء الخير.
سحر بابتسامة : مساء الخير يا بابا.
جلس إبراهيم إلى جانب زوجته التي شمت رائحة غريبة!! وبخبرتها أدركت أنه عطر نسائي
الأم بعصبية: إيه الريحة دي يا إبراهيم؟
إبراهيم وهو يعتدل بجلسته ويقول بتوتر: ريحة إيه؟!
الأم بعصبية وقد أوشكت على الانفجار من شدة الغضب : برفان حريمي يا إبراهيم، إنت إيه مش عاوز تبطل وترحمني؟
إبراهيم بغضب وحدة وصوت عالي نسبيًا : أيوة هنخرف أهو ونرجع للأسطوانة المشروخة بتاعت كل مرة، إنت بتخوني، إنت ريحتك معرفش إيه، إنت بتكلم مين؟
كانت سحر تتابع ما يحدث وسط حزن شديد.
وقفت الأم وهي تقول بغضب وألم : لانك خاين وعمري ما هثق فيك، وعارفه انك عمرك حالك ما هيتعدل، لإن إنت أزبل راجل شفته في حياتي.
حينها وقف إبراهيم وهو رجل قوي البنية وكال لها الكثير من الصفعات والكلمات البذيئة وسط بكاء سحر، اقتربت سحر من والدها تتوسل إليه أن يتوقف عن ضرب والدتها واحتضنت أمها لتتلقي الضرب بدلًا منها، حتى توقف الأب وهو يتنهد بغضب ويقول:
والله لاوريكي الزبالة ده هيعمل إيه، مش كفاية متحمل إنك أرض بور جبتي ليا بنت واحدة وبقيتي أرض بور مفيش منك فايدة، ولا هقدر أجيب الواد اللي نفسي فيه.
الأم بألم وبكاء: خلاص طلقني واديني فلوسي اللي ادتهالك زمان وفتحت بيها مشروعك، واطلع من الشقه دي اللي أبويا جبهالي الله يرحمه.
إبراهيم وهو يضحك باستفزاز: دا إنتِ بتحلمي وبقولك إيه اتقي شري، أنا داخل أنام مش عاوز نفس في الشقه احسنلك.
وحين دخل إلى الغرفة قالت الأم بألم: حسبي الله ونعم الوكيل فيك يا إبراهيم.
سحر ببكاء وهي تنظر إلى والدتها : ماما في حاجه بتوجعك؟
الأم وهي تمسح دموعها وتقول بابتسامة شاحبة: لا يا حبيبتي، وبعدين يا سحر أنا علشانك أتحمل أي حاجه أهم شيء عندي انك تاخدي بالك من مذاكرتك.
سحر بحزن ودموعها تنهمر على وجهها : طيب قومي تعالى معايا أوضتي عشان ترتاحي.
الأم وهي تتحامل على نفسها : ماشي يا قلبي.
*********
بااااااااااك
شعرت صفا بتوتر سحر وعدم راحتها، فقالت لها وهي تقف وتقترب منها بهدوء: كفاية كده النهاردة وأنا هكتبلك شوية أدوية، وميعادنا إن شاء الله يوم الخميس مناسب ليكِ؟
اعتدلت سحر وهي تمسح عينيها وتقول: أيوة مناسب.
صفا: تمام.
خرجت سحر من غرفة الطبيبة وهي تمسك بيد زوجها فقد كانت في حالة توتر وانهيار تام داخليًا، ولكن خارجيًا تمثل القوة وكانت تنظر أرضًا ، حتى وجدت أمامها فتاة تقريبًا في نفس عمرها لم تتحدث أي منهم إلى الأخرى بحرف فقد كانت لغة العيون هي السائدة، ولكن لا تعلم لما شعرت وكأنها مثلها تشعر بغربتها وتشعر بألم تلك الحياة.
***********
علي الجانب الأخر
تحديدًا ركنًا بعيدًا تستطيع من خلاله مراقبة المكان بأكمله بما فيه مكتب الطبيبة النفسية ومخرجه، جلست مستقيمة بجذعها تجول بأنظارها الجامدة المقاعد الخاوية أمامها بحنق دفين تمكنت من إخماد ثورته، لتستقر نحو المكتبة الصغيرة المجاورة لها والمكتظة بكتب كثيرة في مجالات شتى، تنهدت بهدوء ملتقطة أحدهم دون الاكتراث لعنوانه أو مضمونه، وأخذت تطالعه بلامبالاة في محاولة منها للفتك بتلك العشر دقائق التي أبكرتهم عن موعدها المحدد.

استنفرت حواسها لدقات تلك الخطى المضطربة، لترفع أنظارها المستنكرة نحو تلك السيدة المتكئة بتشبث على يد أحدهم، وعلامات القلق والارتباك تنهش خلايا جسدها، مطت فمها باستنكار أقوى محادثة ذاتها بسخرية :
- هي الدكتورة دي بتعمل في الناس إيه؟!
لتقاطعها مساعدة الطبيبة حينما اقتربت منها بابتسامة عملية مرددة بود :
- اتفضلي يا أستاذة "مريم" دكتورة "صفا" في انتظارك.
أومأت "مريم" برأسها وهي تضع ما بيدها أعلى سطح المنضدة الأمامية لها، ملتقطة حقيبة يدها بابتسامة خفيفة مرددة بخفوت :
- merci .
ونهضت من مقعدها بشموخ قاصدة غرفة الطبيبة.
ولجت "مريم" إلى الداخل بخطاها الرزينة، الواثقة، وشبح ابتسامة باهتة يغازل ثغرها الصغير، مردفة بهدوء وهي تقترب من الطبيبة مصافحة إياها بجدية :
- مساء الخير يا دكتورة.

أومأت لها الطبيبة برأسها مرددة بابتسامة واسعة :
- مساء النور يا مدام "مريم"٠
وأشارت نحو المقعد الذي كانت تحتله "سحر" مكملة حديثها :
- اتفضلي ارتاحي.

أماءت "مريم" إيماءة خفيفة وهي تجلس بمقعدها واضعة حقيبتها أرضًا جوارها، تحت أنظار "صفا" المتفحصة لكل إشارة من جسدها، والتي احتلت هي الأخرى مقعدها، مستندة بكلا ساعديها أعلى سطح المكتب وهي تداعب طرفي قلمها الجاف بأناملها مرددة بابتسامتها تلك :
- اتفضلي يا أستاذة" مريم" سمعاكِ.

ابتسمت "مريم" ابتسامة جانبية متهكمة، ورددت مستنكرة :
- سامعاني! يعني مش هتسأليني وأنا أجاوب على أسئلتك؟!

حركت "صفا" رأسها بنفي مرددة بود:
- أنا هنا عشان أسمعك، ولو احتاجت أسألك على حاجة أكيد مش هتردد.

سحبت "مريم" نفسًا طويلًا ، وأخرجته بقوة وهي تستند بساعدها أعلى متكأ المقعد مرددة بنبرة جادية شابها قليل من التوتر لم تغفل عنه "صفا":
- عمومًا أنا مش جيالك عشاني.

ابتسمت "صفا" ابتسامة انتصار خفيفة وهي تسترخي في مقعدها بهدوء مرددة : - جاية عشان مين؟

أجابتها "مريم" باندفاع قوي كمن يلقي حملًا ثقيل عن كاهله :
- "يحيى".

أسبلت "صفا" جفنيها بتشجيع مرددة بخفوت :- جوزك؟

حركت "مريم" رأسها بتأكيد مرددة :
- أيوة ، أو تقدري تقولي إنه جوزي لحد ما يضيع فرصته الأخيرة.

ضيقت الطبيبة عيناها بتعجب، مرددة باستنكار :
- فرصته الأخيرة؟!

أومأت لها" مريم" برأسها مرددة بحدة : - - أيوة.. فرصته الأولى والأخيرة، ما هو مش أنا اللي أتخان، لأي سبب من الأسباب.

هزت "صفا" رأسها بدهشة واستنكار هاتفة بصدمة، فأمامها سيدة جميلة بمنتصف عقدها الثالث، تهتم بجسدها المتناسق إلى حد كبير، وبشرتها الحنطية المزينة بأعين زيتونية قاتمة، وأهداب طويلة كحراس تحرس كنوز الأرض وخزائنها: - خانك؟!

تمرد توترها متحررًا من أسره، ناهشًا خلايا جسدها وذراته، لتتشبث بطرف حجابها بقوة مغمغمة بنكران لواقعها :
- مكنتش المفروض أروح يومها، يا ريتني ما كنت روحت.
وشردت بماضيها بألم دفين.

في أحد المباني الحكومية لشركة الكهرباء، قبل عام أو أكثر قليلًا.

ولجت "مريم" متخطية البوابة الحديدية الكبيرة بابتسامة واسعة، مشرقة تُنير دربها الذي تخطو نحوه بخطى واسعة فهي تُعد من أمهر مدرسات اللغة الفرنسية بإحدى المدارس الخاصة، تعلم طريقها جيدًا وتسعى إليه بإصرار وإقدام قوي، فمكتب والدها القابع بالطابق الثاني تحفظه عن ظهر قلب، فهي لطالما ترددت عليه منذ نعومة أظافرها؛ حتى أنها كونت صداقة قوية مع شريكه بالمكتب، وأحبته كثيرًا كأحد أعمامها الغير أشقاء لوالدها.

ولجت إلى مكتب والدها مُحدثة ضجيج قوي وهي تصيح بمشاكسة قليلًا :
- صباح الفل يا حلوين.

كان والدها منكبًا على الأوراق أمامه يراجعها بتركيز قوي ، ليجذبه صوتها المشاكس، رفع رأسه نحوها بابتسامة واسعة حافية، مرددًا :
- صباح الورد والفل والياسمين يا "روما"، تعالي يا حبيبتي .

ألقت قُبلة هوائية لوالدها ومن ثم حادت بأنظارها نحو المكتب المجاور له، لتضيق عيناها بدهشة واستنكار، هاتفة:
- عمو "صلاح" أجازة النهاردة؟

غصة قوية استوطنت حلقه، وقبضة أقوى اعتصرت فؤاده، فرفيق رحلته، وشريك غرفته لأعوام طويلة ترجل عن القطار بآخر محطاته، تاركًا رفيقه يُكمل الرحلة بمفرده، أو ربما أرسل له القدر رفيق آخر؛ حتى وإن لم يُعوض غياب "صلاح" عنه. اقتربت "مريم" من والدها وهي تطوف قسمات وجهه المتألمة، مرددة بحذر وترقب :
- فيه إيه يا بابا؟! عمو "صلاح" كويس؟

تنهد "محمد" بأسي، وأردف بحروف اخنقها البكاء :
- عمك "صلاح" خرج معاش بقاله أسبوعين.

فإن كان الضحك عدوى، فالحزن عدوى أكبر وأقوى بكثير، فقد تمكن منها، وفرض سيطرته على كامل جسدها الذي تهدل باستسلام قوي متهاوياً بالمقعد خلفها، لتهتف بأسي :
- إيه؟! خرج معاش! طب ليه مقولتليش كل ده؟! على الأقل كنت قولتلي آجي أسلم عليه وأودعه.

حدق "محمد" بمقعد صديقه الخاوي بأسي شديد وهو يتذكره، مرددًا :
- رفض قالي إنه ما بيحبش لحظات الوداع، ده حتى يومها مقاليش غير وهو ماشي.

حدقت هي الأخرى بمكتب العم "صلاح" بنظرات اغرورقت بدمعات الفراق، والاشتياق مغمغمة بخفوت :
- ومين أخد مكانه هنا؟

أتاها صوت رخيم من خلفها: - أنا.

رفع "محمد" أنظاره نحوه، واستدارت "مريم" هي الأخرى برأسها نحو صاحب هذا الصوت، لتتلاقي الأعين بلقاء أسرى رجفة قوية بجسدها، تلك الرجفة التي أعادتها لأرض الواقع ثانية، رجفة أدركتها "صفا" جيدًا ، لتتنهد بهدوء مردفة : ممكن نكمل في يوم تاني؟

هبت "مريم" من مقعدها حاملة حقيبتها وهي تخطو مهرولة نحو باب الخروج دون أن تنبس ببنت شفة.

انتظروا مريم ويحيى وحكايتهم بالحلقات القادمة.


مكتبة حواء
مكتبة حواء
موقع مكتبة حواء هو منصة إلكترونية عربية متخصصة في نشر الروايات والقصص، ويستهدف بشكل أساسي محبي الأدب الرومانسي والاجتماعي، مع حضور قوي لاهتمامات القرّاء.
تعليقات