اخر الروايات

رواية بقدر الحب نقتسم الفصل الثاني 2 بقلم فاطمة علي

رواية بقدر الحب نقتسم الفصل الثاني 2 بقلم فاطمة علي 


غادرت "مريم" العيادة بعدما اصطدمت بمساعدة الطبيبة بقوة وبغير عمد وبدون اكتراث أيضًا ، قصدت المصعد ضاغطة أزراره بأيدٍ مرتجفة، وأنفاس متصارعة، لكنه رفض الانصياع لأوامرها، وفضل البقاء بطابق آخر، زاغت أبصارها ما بين المصعد والدرج للحظات قليلة، حسمتها أخيرًا ، وهرولت نحو الدرج المُقفر لتتخذه طريقاً لفرارها، انحدرت طابق تلو الآخر بلهاث قوي
ومجهود مضنٍ، فدقاتها تلك ذاتها دقات لقائهما الأول، استسلمت لانزلاقها بعدما نفذت طاقتها، وجلست بإحدى درجاته متشبثة بمضختها الثائرة في محاولة بائسة لإخماد تلك الثورة التي تجذبها نحو تلك البئر السحيقة من الذكريات الأليمة.
نهضت "مريم" من مقعدها بجسدٍ متقلص، وقلبٍ استوطنه الخوف والتوتر، إلا أن أحداقها لم تبالي بكل هذا، فقد استقرت بأحداقه بلقاء غامض ربما تحاول به سبر أغواره، أو إمدادها بمزيد من الخوف والهلع، كما كانت نظراته الأكثر غموضاً بتلك الغرفة، نظرات مبهمة معانيها، ومراسيها، أهي سكنت وطنها أم ما زالت تجول للبحث عن مرادها؟
ولج "يحيي" إلى المكتب منضماً إليهم بابتسامة أكثر جاذبية، زادته وسامة بطابع الحُسن المزين لذقنه الحليقة، وبشرته السمراء اللون، وأعينه البنية، أما جسده الرياضي بشكل عجيب علي موظف مثله، أو لربما كان من نمط الرجال المهوسين بلياقتهم البدنية، بينما نهض "محمد" هو الآخر من مقعده مستديرًا حول مكتبه؛ حتى بات على بعد خطوة واحدة من كلاهما، مردداً بابتسامة واسعة وهو يرمق ابنته :
- ده "يحيى" يا "روما"، شريكي الجديد بالمكتب.

والتفت بنظرته نحو "يحيي" مكملًا وهو يجذب ابنته إلى جانبه، محاوطًا إياها بذراعه بقوة :
- ودي "مريم" بنتي مدرسة فرنساوي في المدرسة الخاصة اللي في الشارع اللي
ورانا.

ازدادت ابتسامة "يحيي" اتساعا وهو يردد بحفاوة وترحاب :
- أهلًا بيكِ يا أستاذة "مريم".

مسلوبة الإرادة وهي تومئ له برأسها بمعالم مرتبكة، تشبثها بقميص والدها، وعبق أمانه الذي بدأ يتسلل إلى شرايينها وخلاياها، أخمد توترها كثيرًا ، لتقترب من والدها هامسة باستجداء خافت :
- يلا نمشي من هنا يا بابا.

طوف معالمها بنظرته الحانية وهو يشدد على كتفها برفق مرددًا :
- هجيب حاجتي ونمشي.

لم تجاوبه بأحرفها، فأقدامها اقتادتها إلى الخارج بهرولة قوية، وهي تضم حقيبتها إلى صدرها بقوة.
بينما التفت "محمد" نحو مكتبه، ملتقطًا متعلقاته الشخصية من جوال، و جراب لنظارته الطبية، وحافظة نقوده، مردداً بجدية وعملية :
- أنا خلصت شغل يا "يحيي" يا ابني، بس لو محتاجني في حاجة ممكن أستني معاك؟

استند "يحيي" علي طرف المكتب عاقدًا ساعديه أعلى صدره مرددًا بابتسامة ودودة :
- ألف شكر يا عم "محمد"، نص ساعة كده وأخلص أنا كمان، اتفضل إنت عشان ما تتأخرش على الأنسة "مريم".

غادر "محمد" المكتب، بينما استدار "يحيي" حول مكتبه، ليكمل ما تبقى له من أعمال.
*********
أما بالخارج.
كانت "مريم" تهرول نحو سيارتها المتواضعة بلهاث قوي، كمن يركض بغابة من الضباع، التي تلاحقه بإصرار صياد على قنص فريسته. فتحت باب سيارتها واستقلتها بارتباك وتوتر، محركة كلتا يديها أمام وجهها لتهويته وخفض حرارته مرددة بحنق شديد :
- اهدي يا "روما" اهدي، هو فعلًا راجل مش مريح، ونظراته توتر بس اهدي على الأقل عشان بابا.
وفتحت حقيبتها ملتقطة زجاجة مياة باردة، وارتشفت منها القليل بتنهيدة قوية.
لتجد من يستقل السيارة إلى جوارها بابتسامة واسعة مرددًا بمشاكسة :
- جيتي ليه بقا يا ست" روما"؟! إنتِ المفروض عندك حصة كمان.

استدارت نحوه بجذعها وهي تردد بجديتها الدائمة :
- استأذنت النهاردة بدري، قولت أعزمك على فنجان قهوة في أي كافيه.

ضيق "محمد" عيناه بدهشة، وأردف مستنكرًا :
- أستاذة "مريم محمد" تستأذن بدري!! دي أول مرة تحصل في التاريخ، دا أنا ساعات بحس إنك بتحبي شغلك أكتر مني ومن والدتك، وأختك.

أدارت "مريم" مفتاح سيارتها، محركة عجلة القيادة وهي تردد بنبرتها العملية : - مش معنى إني بحب شغلي، وما بتأخرش عليه، يكون عندي أهم منكم.

دقائق قليلة وكانت تجلس "مريم" قُبالة والدها بأحد المطاعم النيلية تحتسي قهوتها بشرود عميق بتلك المياه الهادئة كحالتها الآن، لينتشلها والدها من شرودها بكلمات هادئة :
- إيه رأيك في المكان يا "روما"؟ مش أحسن من الكافيهات بتاعت الأيام دي؟

انتبهت بأنظارها إليه واضعة قدحها أعلى الطاولة مرددة بثبات هادئ :
- فعلًا المكان حلو قوي، مريح للأعصاب، وللعين كمان.

استرخى "محمد" بمقعده بزهو متحدثًا : - أول مرة خرجت أنا ووالدتك فيها جبتها هنا، على نفس الكرسي اللي إنتِ قاعدة عليه ده.

استقرت أنظارها بأعين والدها تتلو ما خُط بها من عشق نابض، لتتنهد بهدوء مرددة برجاء :
- ربنا يخليكم لينا يا حبيبي.
انفرجت ابتسامة بتعجب مرددًا :
- لسه العادة دي فيكِ؟!

أماءت برأسها قليلاً وهي تردد بثبات جادي :
- مش عادة يا بابا، دي هبة من ربنا مدهاش لأي حد.

لتسري رجفة خفيفة بجسدها حينما تذكرت طلاسم عيناه التي فقدت القدرة على فك شفرتها، لتردد بتساؤل حذر :
- مين "يحيي" ده يا بابا؟

اتسعت ابتسامته وهو يتذكر شهامته معه، مرددًا :
- "يحيى" ده أجدع راجل ممكن تقابليه في حياتك شاب شهم، وكريم وطيب، ومخلص في شغله جدًا.

ضيقت "مريم" عيناها بتعجب مرددة باستنكار :
- إيه ده كله يا بابا؟! لحقت تعرف كل
الحاجات دي في أسبوعين بس.

اقترب "محمد" من ابنته مداعبًا وجنتها بمشاكسة قائلًا :
- لو كنتي إنتِ بتعرفي تقري عين اللي قدامك وبتسميها مستودع الأسرار، فأبوكِ بشيبته دي يعرف يقيم اللي قدامه من أول نظرة .

اتسعت ابتسامتها، والتقطت يده لتقبلها بتقدير واحترام كبير مرددة بفخر : أكيد طبعًا يا حبيبي، يلا بقا عشان اتاخرنا على البيت.
**********
صباح يوم جديد أطل على حياة "مريم".
تململت في فراشها بإرهاق شديد، فلأول مرة منذ زمن طويل يجافيها النوم، ويصاحبها السهاد حتى ساعات الفجر الأولى، إلا أن ساعتها البيولوجية لم تتأثر قط بهذا الاضطراب، التقطت "مريم" جوالها من أعلى المنضدة الصغيرة المجاورة لفراشها مستكشفة توقيته بأعين نصف مفتوحة، لتجدها السادسة تمامًا.
فركت عيناها بتكاسل سرعان ما تلاشى ليدب نشاطها الدائم بأوردتها، ونهضت من فراشها ملتقطة منشفتها.

أما بغرفة والديها فكانا يجلسان بفراشهما يتحاوران بشأن ابنتهم الكبرى، تلك الفتاة التي تخطاها قطار الزواج لاحقاً بشقيقتها الصغرى ، لتردد "كريمة" تلك المرأة الخمسينية الممتلئة القوام ببشرتها البيضاء وخصلاتها السوداء التي فشل الشيب من الإقتراب منها :
- وبعدين يا "أبو مريم" هنسيب البنت ترفض كل اللي بتقدم لها؟ أختها الصغيرة اتجوزت وسافرت مع جوزها وكلها كام شهر وتولد بالسلامة.

تنهد" محمد" بأسي لحال التي وعلى الرغم من أخلاقها وثقافتها وجمالها قليلة الحظ بأمر الزواج، أو بالأحرى تكشف جميع عيوب المتقدم لخطبتها وترفضها جملةً وموضوعاً، ليردد بشجن خالط نبرته:
- أعمل إيه يعني يا "كريمة" أغصبها على الجواز من واحد مش مرتحاله؟! بنتك متعلمة ومثقفة وبكرة تتجوز اللي يستهلها.

زفرت "كريمة" بضيق قبل أن تردد :
- ماهي بس لو تبقى فرفوشه شوية، وتسيبها من دور أبلة الناظرة اللي عايشة فيه ده.

رمقها "محمد" بضيق جليّ، وهو يهتف بها بحدة صارمة :
- إيه الكلام الفارغ اللي بتقوليه ده؟! عايزة بنتك تمشي تتدلع عشان تجيب عريس؟

تلعثمت "كريمة" بأحرفها وهي تزدرد ريقها بقوة :
- و.. والله ما أقصد كده يا أبو "مريم" أنا قصدي إنها تفك شوية الوش الخشب اللي مصدراه لكل عريس يتقدم لها ، دول بيخافوا منها وبيطفشوا.

نفض "محمد" الدثار عنه ونهض عن فراشه شاهرًا سبابته في وجهها بتحذير :
- السيرة دي ما تتفتحش تاني، بنتك تقعد وتختار زين الرجال، وبعدين دي لسه مكملتش خمسة وعشرين سنة، يعني لسه صغيرة على الكلام اللي بتقوليه ده، لو أختها الصغيرة اتجوزت قبلها فده مش شطارة منها، ولا تقليل من "مريم" ده نصيب وقسمة.
وتركها مغادرًا الغرفة، صافعًا الباب خلفه بقوة.
***************
على الجانب الآخر
كانت تشعر سحر وكأنها تعرفها شعور غريب، ولكن وجدت زوجها يحسها خلفه لتواصل السير بهدوء
كانت رحلة العودة بينهم يشوبها الهدوء، ولكنه كان من حين لآخر ينظر إليها وقلبه بتمزق من الداخل على حالها فهي أغلى الناس لديه ويحاول بشتى الطرق أن يجعلها سعيدة، ولكنه مهما حاول لا يتغير حالها دائمًا حزينة صامتة.
وصلوا إلى المنزل، وهي شقه في أحد الأحياء المتوسطة وتعتبر راقية إلى حد ما، أغلق الباب وجدها تقول له بهدوء: أنا هدخل أرتاح شوية لأنِ تعبانة.
محمد بهدوء: ماشي، وأنا هطلب أكل على ما يجي تكوني ارتحتي شوية.
سحر بدون جدال : ماشي.
دخلت إلى غرفتها وأغلقت الباب وهي تستند عليه وتأخذ نفس عميق، وبعدها انفجرت في بكاء مرير حتى عليها النوم.
بينما في الخارج كان يجلس هو أمام التلفاز بعقل شارد لا يعلم ما تخبئه الأيام، أصبح يشعر أن الأيام طويلة ومتشابهة لا جديد بها يشعر بالوحدة والحزن الشديد.
رجع برأسه إلى الخلف وأغمض عينيه وهو يتذكر أول مرة شاهد بها سحر، زوجته وحبيبته.
********
فلاش باااااك
كان يجلس في مكتب السيارات الخاص به فهو يعمل بمجال السيارات،
حين وجد إبراهيم والد سحر يدخل عليه وبرفقته إبنته، التي كانت غاية في الجمال والخجل من وجهه نظره.
كان والدها يريد شراء سيارة جديدة ويبيع سيارته، وأحضرها معه لأن تلك السيارة كانت باسمها.
إبراهيم وهو يخبره بسرعة وسعادة تخرج من عينيه: عاوز عربية تكون حلوة وابيع القديمة، بس عاوزها حاجه حلوة ومش هنختلف في السعر، آه وأشار إلى سحر وأكمل : دي سحر بنتي هي العربية باسمها، ورث من أمها الله يرحمها وجبتها عشان البيع وكده.
محمد بهدوء وجدية : ماشي يا أستاذ إبراهيم، وأهلًا وسهلًا يا أنسة سحر.
سحر بخجل: أهلًا بيك.
كانت سحر تجلس هادئة يخيم عليها الحزن، وترتدي ملابس سوداء وتفرك يدها بتوتر من حين لآخر.
محمد بعد أن أخرج عقود البيع طلب بطاقتها ، وعلم حينها أنها بالجامعة في عامها الثالث في كلية الآداب.
قال محمد في هدوء: اتفضلي يا آنسة سحر أمضي هنا.
اقتربت سحر وأمسكت القلم بيد مرتعشة لم تغب عن نظر محمد، وهي تمضي على بيع سيارة كانت تذكار من والدتها إليها، فرت من عينيها دمعة مسحتها بسرعة حتى لا يلاحظها والدها.
إنتهى كل شيء بلمح البصر.
وجلس هو يفكر لقد قارب عمره إلى الثلاثة وثلاثون عاماً ولم يتزوج، لم تلفت نظره أي إمرأة سواها إلى الآن لم يكن يهتم، قرر أن يسأل عنها وعلم أنها فتاة في غاية الآدب والاحترام، ولكن والدها هو كان المشكلة راجل مستهتر يعشق النساء يعتبرهم سلعة يشتريها كلما أراد أو قطعة من الملابس يغيرها وقتما شاء.
حسم محمد أمره وقرر أن يتقدم لخطبتها، وذلك بعد أن وافقت والدته وشقيقته عليها بعد أخذ رأيهم وكانت والدته تعرف والدة سحر، فقد كانت زميلة لها بالدراسة وكانت ونعم النساء أدب وأخلاق، ولكن حظها التعيس جعلها تتزوج إبراهيم.
مرت الأيام وتقدم محمد لخطبتها لاحظ دائمًا صمتها، وأنها لا تعترض على شيء وكثير من المرات كان يرى كدمات على وجهها أو يدها وحين يسألها تخبره، أنها وقعت أو خبطت نفسها بالخطأ، ولكنه لم يقتنع بذلك نهائيًا.
مر الوقت سريعًا حتى جاء يوم الزفاف، كاد محمد أن يحلق في السماء من شدة فرحته،
كان بهي الطلعة في حلته السوداء الأنيقة، وما جعلها أجمل هو طول قامته وجسده المتناسق، يتميز بذقن سوداء تجعله وقور، وعيون سوداء كالليل القاتم وبشره حنطية جميلة وشعر أسود مجعد قليلًا ، ليس رائع الجمال وليس بشع فهو حاله ككثير من الرجال وسامته في شخصيته وأخلاقه الجميلة.
وقف ينتظرها وهي تطل بفستان زفافها بيد والدها ويسلمها إليه قبل رأسها بحب وفرحة، رغم أنه شعر بانتفاضتها، ولكنه برر ذلك أنه بفعل الخجل، كانت تشبه الملائكة بفستان زفافها، رغم نظرة الحزن المخيمة عليها ولم تبتسم إلا ابتسامات شاحبة لم تصل إلى عينيها أراد أن يعلم ما بها هل كان بسبب الخجل والخوف منه والرهبة من ليلة الزفاف؟ كحال كل عروس بليلة زفافها، فإنه يقسم أن يكون سندًا لها ويكون درعها الحامي، وإن كان لفراق والدتها فقد علم أنها كانت مرتبطة بها جدًا، ولكنه يقسم أن يكون لها أبا وأما وزوج وحبيب وإبن وأخ، أن يعوضها عن الجميع فهي منه قطعة من روحه.
إنتهى الزفاف وتوجهوا إلى شقتهم وسط فرح ومباركات الجميع.
حين دخل إلى الشقة توجهت هي إلى غرفة النوم وأغلقت الباب، توقع أنها تغير ملابسها وأغلقته خجلاً منه.
دقائق وهو ينتظر إلى أن وصل به الإنتظار ساعة كاملة، وهي لم تخرج إقترب من باب الغرفة وطرقه بخفة وهو ينادي عليها.
وجدها تفتح الباب وما زالت كما هي، والأغرب وجهها ملطخ بالدموع وأثار المكياج، تبكي ولم تتوقف عن البكاء بل كانت تنظر له وصوت بكائها يعلو ويعلو.
نظر إليها بصدمة وهو يقول: مالك يا سحر فيكي إيه؟!
سحر وهي تدخل الغرفة وتنزع طرحة زفافها بقوة، لدرجة أنه شعر أنها لا تريد خلع الطرحة وإنما تريد أن تخلع رأسها من مكانها.
وجدها تنظر له وحالتها صعبة للغاية، هل هذه عروس في ليله زفافها؟!
سحر بقهر: عاوز تعرف في إيه؟ أنا هقولك من يوم ما انت اتقدمت وأنا بتهان وبتزل عشان اتجوزك أبويا عاوز يخلص مني عشان ياخد الشقة، وإنت جيت له وطلبت ايدي وكنت فرصة عشان يخلص مني ولما موافقتش، ضربني وبهدلني كنت ساكته قدامك، ومن وراك كنت برفض لآخر لحظة بس مكنتش بلاقي غير الضرب لحد ما سلمت للأمر الواقع واتجوزت غصب عني، وأنا مش موافقة اتجوزك لا انت ولا غيرك أنا تعبت ونفسي أموت، لو الانتحار مش ذنب كبير كنت انتحرت عشان أخلص من حياتي.
محمد بصدمه : ابوكي جوزك ليا غصب عنك؟!
أشارت له بالموافقة وهي تجلس على التخت وتنخرط في بكاء مرير.
اقترب منها محمد وجلس إلى جانبها وجدها تبتعد عنه لم يعلق على ذلك
وقال لها في هدوء: أنا مش زي أبوكِ يا سحر ولو كنت أعرف إنه بيمد إيده عليكِ، أقسم بالله كنت كسرتها له أنا عمري ما هاذيكِ نهائى، لأنك مراتي ومكانتك من مكانتي والراجل ميمدش إيده على ست، عاوزك تطمني وتعرفِ إن مهما حصل أنا هكون معاكِ ومش عاوزك تحملي هم جوازنا أنا هسيب ليكِ الأوضة دي تقعدي فيها براحتك، وأنا هقعد في الأوضة التانية بس مش عاوز حد يعرف أي حاجة بينا قدام الناس احنا زوجين طبيعين، لكن واحنا لوحدنا اعملي اللي إنتِ عاوزه وأنا هستني وهصبر لحد ما يجي اليوم اللي تقبليني فيه زوج ليكِ تصبحي على خير.
بااااااااااك
منذ ذلك اليوم وهو يعيش معها كأشقاء يعاملها أفضل معاملة طلباتها مجابة لا يحرمها من شيء مطلقًا ، ولكن دائمًا مكتئبة حزينة لذلك قرر عرضها على طبيب نفسي وسأل وأخبروه عن الطبيبة صفا.
عرض علي سحر الأمر رفضت في البداية، ولكنه صمم على ذلك وطلب منها الذهاب إلى الطبيبة، فوافقت رغم علمه أنها ذهبت معه إرضاءً له.
فتح عينيه وتوجه إلى الحمام وتوضئ وصلي ركعتين لله وظل يدعو لها بالهداية وصلاح الحال فهو لا يتحمل رؤيتها هكذا حزينة.
بينما في الداخل هناك بغرفة سحر ظلت تبكي كثيراً إلى أن غطت في نوم عميق.
استيقظت على صوت محمد وهو يطرق الباب بخفة وينادي عليها
سحر: أيوة يا محمد.
محمد من خلف الباب : الأكل وصل.
سحر : حاضر جاية أهو.
قامت سريعًا وبدلت ملابسها ببيجامة باللون الأسود بنصف كم وتركت شعرها الذي زاد طوله وأصبح إلى منتصف ظهر.
إبتسم حينما رآها تقترب منه.
سحر بخجل: معلش نمت على نفسي.
محمد : ولا يهمك، أهم حاجة إنك تكوني كويسة.
سحر بهدوء : الحمد لله.
تناولوا الطعام في هدوء تام لم يتحدث أي منهم بحرف واحد، حين انتهوا جمعت سحر الأطباق وتوجهت إلى المطبخ وقامت بتنظيفها، وبعدها أعدت له كوب من الشاي فهو دائمًا يحب تناول الشاي بعد الغداء.
اقتربت منه تعطيه كوب الشاي وهي تجلس بجانبه.
محمد : تسلم إيدك.
سحر بابتسامة صغيرة: ربنا يخليك.
أخذت سحر ريموت التلفزيون وقامت بتقليب القنوات حتى وجدت أحد المسلسلات الهندية كانت تتابعهم ويظهر على وجهها التأثر بهم كثيرًا أحيانًا ملامحها تكون غاضبة، وأحيانًا مبتسمة وأحيانًا الدموع تتجمع بعينيها،
فهي واضح أنها متأثرة بهم للغاية.
ابتسم وهو يقول لها: واضح إنك بتحبي الهندي قوي.
سحر: جدًا ماما اللى حببتني فيهم وعندهم الحب شيء مقدس جدًا.
محمد: واضح إن مامتك كانت ست رومانسية.
سحر وهي تنظر له: جدًا وكانت بتحبني قوي أكتر من روحها، واستحملت كتير قوي.
محمد: أحكِ ليا عنها.
سحر وهي تبتسم : مهما حكيت مش هقدر أوصف أمي، أمي دي ست مش عادية.
محمد : طبعًا مش عادية كفاية بس إنها جبتك ليا.
سحر بخجل : تسلم.
محمد : أحكي.
سحر وهي تأخذ نفس عميق: ماما كانت ست بيت درجة أولى، بيتها وأنا وبابا كنا أهم حاجة عندها، عمرها ما فكرت في نفسها كانت مبتخرجش بالشهور وراضية، بتخاف عليا من الهوا الطاير كانت صحبتي واختي وأمي، عمري ما خبيت عنها حاجة هي سري حتى لو عملت حاجه غلط، كانت لما تحب تعاقبني تخاصمني وده كان عندي أشد قسوة من الموت كنت ببقى زي اللي ماشية على نار من شدة الألم اللي كنت بحسه لما متكلمنيش.
عارف في مرة أنا وقعت وتعورت، ماما كانت بتصرخ من منظر الدم وتعيط أكتر مني ومكنتش قادرة تتكلم كانت في حالة فزع حقيقي، أيامنا سوا كانت أحلى أيام لحد..
محمد: لحد إيه؟
سحر بصوت متحشرج لكتمها البكاء: لحد ما حياتنا اتحولت لكابوس بسبب بابا.
محمد: إزاي؟
سحر والدموع تنهمر على وجهها: موتها.
وانفجرت في بكاء مرير، اقترب منها وضمها لأول مرة إلى صدره وشم رائحتها العذبة وجدها تدخل بحضنه أكثر فأكثر فضمها إليه بقوة.
ظلوا هكذا دقائق وهي تبكي بين يديه حتى هدأت بفعل كلماته المطمئنة،
ابتعدت عنه بخجل وهي تقول : أنا آسفة.
محمد : أوعى تتأسفي تاني أنا عاوزك قوية، تكوني أقوى من أي حاجة مفيش حاجة تكسرك فهماني.
سحر: حاضر.
في ذلك الوقت وجد محمد جرس الباب يدق وحين فتح وجدها أمه وشقيقته.
مسحت سحر دموعها سريعًا ، وسلمت عليهم ورحبت بهم فهي تحبهم بل تعشقهن خصوصًا أن والدة محمد كانت صديقة أمها قبل الزواج الذي فرقهم عن بعض.
كانت والدته تعاملها كابنتها وتحبها جدًا،
واخته إسراء تحبها بقوة فهي فتاة في الثامنة عشر تعيش مع والدته فهم كل حياته.
سحر بحب: منورين والله.
الأم: ده نورك يا حبيبتي البيت منور بصحابه.
إسراء وهي تنظر إلى الكيك بالشكولاتة الذي أحضرته سحر، تنظر له بتلذذ فهي تعشق الطعام ووزنها زائد جدًا، ولكن الطعام هو نقطة ضعفها رغم جمالها الهادي بشعر بني وعيون عسليه وبشرة بيضاء، لكن وزنها زائد، وهذا يجعلها محط سخرية ولا يتقدم لها أي شخص.
إسراء بفرحة : واو الكيكة اللي بحبها.
سحر بحب: بالهنا والشفا يا حبيبتي.
إسراء بسعادة : تسلملي.
الأم بحدة: لأ يا إسراء كفاية شكولاتة وسكريات حرام عليكِ إنتِ وزنك زاد جدًا، والدكتور بتاع التخسيس منع كل ده.
إسراء بحزن: بس أنا عجبني نفسي كده.
محمد بجدية لتهدئة الموقف : خلاص يا ماما تاكل النهاردة وبكرة سو هتبتدي الرجيم مش كده؟
إسراء وهي ترى غمزة أخيها وتبتسم: أيوة.
الأم بجدية : احنا هنبات هنا النهاردة، لأن عندي مشوار جنبكم هنا بدري الصبح راحة لواحدة صحبتي وقلت نبات هنا وأطلع عليها على طول.
محمد: تنوروا.
دخلت سحر سريعًا وقامت بترتيب غرفة محمد، وحملت كل أغراضه إلى غرفتها سريعًا حتى لا يلاحظوا شيئًا.
وبعدها جلست معهم يتسامرون إلى وقت طويل ويضحكون ونعم العائلة التي انضمت إليها، نظرت إلى محمد وهي تسأل نفسها كيف لرجل أن يتحمل كل هذا الوقت دون شكوى ودون أن يمل منها بل يعاملها ألطف معاملة لما يفعل كل ذلك لا تعلم؟!
ولكن ما يجعلها تتوتر أكثر هو أن محمد سوف يشاركها الغرفة اليوم، ولأول مرة منذ يوم زواجهم.
مر الوقت ودخل الجميع للنوم جلس محمد على التخت وهو ينظر إلى سحر التي تقف متوترة شاردة
محمد: مالك يا سحر؟
سحر بعصبية : ها مفيش حاجة.
محمد بجدية: بصي يا سحر أنا عارف إن الموقف مش حلو، بس هي حاجة مفاجأة وأنا لو عليا محبش أكون سبب توتر ليكِ وممكن أخرج برة بس هيبقي شكلنا وحش جدًا قدامهم، معلش عشان خاطري استحملي الليلة دي بس، أنا هنام جنبك عشان مينفعش أنام برة وأمي تشوفني.
سحر بهدوء: ماشي مفيش مشكلة.
اقتربت سحر من التخت ونامت على جانبها الأيمن وهي تسحب الغطاء عليها بسرعة، كانت تعطيه ظهرها شعرت به وهو يصعد إلى جانبها وظهره لها، كانت تشعر بحرارة جسده وكأنه يلمسها توترت بشكل كبير وكانت تنظر إلى الساعة تتمنى أن يطلع النهار سريعًا حتى يعود إلى غرفته بعد مغادرتهم،
ظلت هكذا لبعض الوقت حتى غطت في نوم عميق.
حينها اقترب منها محمد وهو يضمها إلى صدره بسعادة لا توصف زوجته وحلاله، ولكن بعيدة كل البعد عنه.
*************
في صباح اليوم التالي.
حين استيقظت سحر وجدت أنها وحدها وأن الساعة تشير إلى الحادية عشر صباحًا نامت كل هذا الوقت على غير العادة، حتى أنها لم تحلم بأي كابوس وكل هذا لأن محمد نام الي جوارها.
قالت لنفسها : لالا.
هذا بسبب الإرهاق، دخلت إلى الحمام الملحق بالغرفة وبعدها غيرت ملابسها لقميص بيتي طويل بربع كم بسيط سادة لا يوجد به رسومات أسود اللون يجسم جسدها.
بحثت عنهم ولكنها لم تجد أحدًا نهائيًا ،
بحثت عن هاتفها واتصلت بمحمد الذي رد سريعًا : صباح الخير يا حبيبتى.
سحر بخجل: صباح النور، هما الجماعة فين؟
محمد: مشيوا معايا الساعه تسعة، وصلتهم ومرضتش أصحيكِ.
سحر : طيب تمام هروح أنا أعمل قهوة وبعدها أحضر الغدا.
محمد بعصبية طفيفة : قهوة يا سحر حرام عليكِ طيب كلي أي حاجة.
سحر: ماليش نفس.
محمد: ولو قلتلك عشان خاطر مامتك تاكلي.
سحر بخنقة: ماشي يا محمد بس بليز بلاش تحلفني بماما تاني.
محمد: حاضر يا حبيبتي أنا آسف.
سحر : ولا يهمك. هتتاخر؟
محمد : لأ إن شاء الله على تمانية هكون في البيت، لو احتاجتِ حاجة كلميني هجبها وأنا جاي.
سحر: حاضر هفوق كده واكلمك تاني في حفظ الله.
محمد: تسلمي يا حبيبتي مع السلامة.
سحر: سلام.
أغلقت سحر الخط وهي تتنهد بقوة قامت بإعداد سندوتش لها واكلته كامل لأجل خاطر والدتها وبعدها أحضرت كوب من القهوة وحين انتهت،
توجهت إلى المطبخ لإعداد الطعام حتى وجدت جرس الباب يرن علي غير العادة.
ارتدت سحر الاسدال الخاص بالصلاة سريعًا وقالت من خلف الباب: مين؟
لا يوجد رد وحين نظرت من العين السحرية لم ترى شيئًا أحضرت هاتفها سريعًا واتصلت بمحمد وبصوت واطي قالت له: محمد في حد بيرن الجرس ومش بيرد.
في تلك اللحظة رن ثانيًا.
محمد بقلق عليها: اهدي أنا جاي خمس دقايق وأكون قدامك.
كان مقر عمل محمد لا يبعد عن المنزل سوي شارعين.
اقتربت هي من الباب ثانيًا ، وهي تسأل من الطارق؟ حينها رد والدها وقال: أنا أبوكِ افتحي.
فتحت سحر الباب بتوتر وهى تقول: خضتني يا بابا مش بترد ليه؟!
إبراهيم بسخرية : رديت بس إنتِ طرشة.
سحر بحزن من حدة كلامه : حضرتك تشرب إيه ؟
إبراهيم بحدة: أنا مش جاي أشرب أنا جاي عشان حاجة تانية، ومش عاوز غيرها.
سحر: خير؟
إبراهيم وهو يخرج أوراق من خلف ظهره :عاوزك تمضي على العقدين دول.
سحر يتعجب: عقدين إيه دول؟!
إبراهيم: عقد الأرض إللي في البلد بتاعت أمك الفدانين، عاوزك تمضي علي العقد ده عشان كده تكوني بعتيلي وأنا هبيعها للناس والتاني عقد الشقة.
سحر بعصبية: أنا مش عاوزة أبيع، أبيع ليه؟! وبعدين إنت مش متجوز وعايش فيها؟
إبراهيم بغضب : طلقتها وبعدين أنا مش بسالك رأيك لأ، أنا بعرفك بس إللي هيتم وخلصي وأمضي مش فاضي ليكِ.
سحر وهي تنتفض وافقة: لأ.
حينها وقف والدها واقترب منها وهو يصفعها على وجهها بقوة، ويمسك بشعرها بقبضة من حديد كانت تبكي وتصرخ حتى وجدت الباب يفتح ويدخل منه زوجها، حينها تركها والدها وجرت هي مسرعة إلى محمد ترتمي في حضنه لتشعر بالأمان والهدوء.
محمد وهو يقبل جبينها ويسأل: في إيه؟
سحر وهي تنظر له بعيون باكية : عاوز أبيع أرضى وشقتي ورثي من ماما غصب عني.
محمد بجدية : تمام. أدخلِ إنتِ جوه دلوقتي.
دخلت سحر إلى الداخل بينما نظر إبراهيم إلى محمد بسخرية: إيه يا محمد هتضربني؟
محمد بغضب : انا مش خسيس زيك.


تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close