رواية حكايات من قلب الصعيد الفصل التاسع 9 بقلم آية الشربيني
البارت التاسع
☆ رواية ☆
حكايات من قلب الصعيد
بقلم: أية علي الشربيني
نظر حمدي إلى طه وهو يقول بارتباك:
ـ استنى يا طه… خلّي الآنسة تخلّص الأول، وتعالى نجعد سوا اهنيه.
قطّب طه حاجبيه في دهشة وقال:
ـ آنسة مين يا واد؟! مفيش حد اهنيه غيرنا… إنت عيان ولا إيه؟
اتسعت عينا حمدي ببطء، والتفت ناحية باب المشرحة…
فإذا بالفتاة تقف هناك، تنظر إليه بابتسامة باردة… ابتسامة لا حياة فيها.
رفع يده المرتجفة يشير إليها وهو يهمس:
ـ هي… هي واقفة اهناك!
لكن ما إن رمش بعينيه… حتى اختفت.
كأنها لم تكن.
شهق حمدي فجأة، واصفرّ وجهه، ثم ترنح جسده قبل أن يسقط فاقد الوعي.
أسرع طه نحوه وهو يلتقطه قبل أن يرتطم بالأرض، وقال بقلق:
ـ حمدي! فوق يا واد… مالك بس؟!
لكن حمدي لم يجب…
فقط أنفاسه المتقطعة وصمت المشرحة البارد كانا الرد الوحيد.
وفي مكانٍ آخر…
وبالتحديد في منزل همام الهواري.
كانت مليكة تجلس مع ورد في ساحة الدار الواسعة، والهواء المسائي يداعب الأشجار المحيطة بالمكان.
نظرت مليكة حولها، ثم قالت مازحة:
ـ صحيح يا ورد… هو إخواتك دول ما بيعرفوش يضحكوا؟ ولا يمكن ما غسلين سنانهم من زمان؟
انفجرت ورد ضاحكة بصوت عالٍ، حتى انحنت من شدة الضحك.
وفي الجهة الأخرى من الساحة…
كان مازن يمرّ مصادفة، فتوقّف حين سمع ضحكتها، وتاه بنظره فيها للحظة قبل أن ينتبه للكلام.
قالت ورد وهي ما تزال تضحك:
ـ إوعي يسمعك حد من خواتي يا بت عمي… ساعتها يومك هيبجى أسود.
ثم تنهدت قليلًا وأضافت:
ـ وبعدين مش كلهم اكده… بس يونس عنده مشاكل كتير في حياته… بسبب مرته.
رفعت مليكة حاجبيها بدهشة:
ـ يونس متجوز؟!
أومأت ورد برأسها وقالت:
ـ أيوه… متجوز، بس ربنا ما يكتبها على حد. طباعها صعبة جوي.
سألت مليكة باهتمام:
ـ طيب هي فين دلوقتي؟
ردت ورد:
ـ غضبانة… ورايحة عند بيت أبوها.
قالت مليكة بتعجب:
ـ طب ليه يونس ما يحلّ معاها الموضوع؟
تنهدت ورد وقالت بحزن:
ـ يونس أخوي حنين جوي… بس حظه عفش. اتجوز واحدة ما يهمهاش غير الفلوس، ومهملة في بيتها وجوزها.
وهو راجل عاوز يرجع من شغله يلاجي مرته زينة وبيته زين… لكن دي كل شوية غضبانة وسايبة الدار.
قالت مليكة وهي تهز رأسها:
ـ دي مش عيشة خالص.
أجابت ورد:
ـ يونس عاوز يطلّجها… بس جدي بيجوله: اصبر شوية، يمكن الحال يتصلح.
سألت مليكة:
ـ هي قريبتكم؟
قالت ورد:
ـ هي بت أخو مرات عمي… أم نوارة.
ابتسمت مليكة وقالت:
ـ آه… كده فهمت.
وفي تلك اللحظة دخلت ملك وهي تتأفف:
ـ إنتوا مش بتزهقوا؟! أنا بجد زهقانة جدًا…
يا ورد، إزاي عايشين هنا ومفيش خروج خالص؟
ابتسمت ورد وقالت:
ـ لا يا بت عمي… عندينا أماكن حلوة كتير، بس لازم حد من الرجالة يكون معاكي.
قالت ملك بحماس:
ـ خلاص… أشوف مازن ييجي معانا.
قالت ورد بسرعة:
ـ أهم حاجة تبعدوا عن الجبل… والأماكن المجطوعة.
سألت مليكة بفضول:
ـ ليه؟
ابتسمت ورد وقالت:
ـ هجولك يا فضولية… عندينا في الجبل مطاريد كتير. دول اسمهم قطاع طريق… ناس واعرة جوي، بس بيخافوا من جدي وأبوي وخواتي… ومن كل عيلة الهواري.
قالت مليكة بتفكير:
ـ بس الجبل كله صخور… عايشين فيه إزاي؟
ردت ورد:
ـ لا… فيه كهوف كبيرة، وبيستخبوا فيها علشان الحكومة.
اتسعت عينا مليكة وقالت:
ـ يعني كل كهف فيه مطاريد؟
هزت ورد رأسها:
ـ المطاريد كتير… بس في كهف محدش يقدر يعيش فيه.
سألت ملك بخوف:
ـ ليه؟
خفضت ورد صوتها قليلًا وقالت:
ـ ده كهف بت المساخيط.
تبادلت مليكة وملك نظرات متعجبة.
قالت مليكة:
ـ يعني إيه المساخيط؟
تنهدت ورد وقالت:
ـ زمان كانوا بيسمعوا أصوات ذئاب حوالين الكهف… بس الذئاب دي مش طبيعية.
اللي شافهم قال إنهم كبار جوي… وعيونهم بتطلع شرار.
ثم أكملت بصوت أكثر غموضًا:
ـ ويجولوا كمان إن الكهف مليان آثار قديمة… واللي حاول يدخل ما رجعش تاني.
وبعد كام يوم… يلاجوا جثته برا الكهف… متاكلة… ومفيهاش ملامح.
ارتعشت ملك وقالت بخوف:
ـ يا ماما… كفاية بقى كلام مرعب!
أما مليكة… فكانت عيناها تلمعان بفضول واضح.
قالت:
ـ حكايات الصعيد كلها غموض…
بس نفسي أعرف… ليه محدش قدر يمسك الذئاب دي؟
قالت ورد:
ـ لأنهم بيظهروا في وقت معين… ومكانهم صعب حد يوصله.
قالت ملك بسرعة:
ـ طيب خلاص… مش هنخرج خالص.
ضحكت ورد وقالت:
ـ لا يا بت… هنخرج. بس الأول نروح لجدي… يمكن يخلّي كارم أو يونس ييجي معانا.
وفي تلك اللحظة دخل مازن وقال مبتسمًا:
ـ إيه ده… مش هتاخدوني معاكم؟
احمر وجه ورد قليلًا وقالت بخجل:
ـ تنور يا واد عمي… بس لازم واحد من خواتي ياجي معانا برضه… علشان قطاع الطريق واعرين.
وفجأة… دخلت نوارة وهي تلهث من شدة الجري.
صرخت:
ـ يا ورد… يا بت الحجي!
فزعت ورد وقالت:
ـ في إيه يا وكلة ناسك؟ خضتيني!
قالت نوارة بسرعة:
ـ حمدي الممرض… تعرفيه؟ أخته صفية… بت كريمة الخياطة.
قالت ورد:
ـ أيوه عارفاه… ماله؟
قالت نوارة بصوت منخفض:
ـ بيجولوا فقد وعيه ليلة امبارح… ولما فاق بجى يخرف، ويجول: شوفتها!
وبجى يهذي كيف محمد ولد أبو عوف.
تجمدت مليكة في مكانها وقالت:
ـ شاف إيه؟
قالت نوارة وهي تبتلع ريقها:
ـ ما حدش عارف…
بس إنتي عارفة شغله فين… في المشرحة.
ثم همست بخوف:
ـ والمشرحة دي شينة جوي…
كل اللي يموت في الطريق المجطوع… أول مكان يروح له هو اهنيه.
ارتجفت ملك وقالت:
ـ يا ماما… أنا بخاف من الكلام ده.
أما مليكة فابتسمت ابتسامة صغيرة وقالت:
ـ أنا بقى عندي فضول أعرف كل حاجة…
بس كارم أبو الهول ده مش مديني فرصة.
وفجأة…
انفتح باب الدار.
ودخل كارم الهواري.
نظر إليهم بنظرة ثابتة، ثم قال بصوت هادئ لكنه حاد:
ـ فضولك ده يا مليكة…
هيودّيكِ يوم لمكان… ما هترجعيش منه بسهولة.
فساد الصمت في المكان…
بينما نظرت إليه مليكة بثبات، وكأن التحدي بدأ للتو.
اكتبوا رأيكم في الأحداث… وتتوقعوا إيه سر المشرحة؟