رواية في قبضة اللعنات الفصل التاسع 9 بقلم مريم غريب
( 9 )
_ كذبة ! _
طالت مدة مكوثه بالمرحاض، منذ أن تم نقله من بيت "يارا" بالقوة الجبرية مع ثلاثة من رجال الحراسة الأشداء... "يارا"
أليست حبيبته ؟.. بل أمه.. أمه !!!!
حتى هذه اللحظة لم يكف عنه شعور الغثيان و القيئ الشديد، بعد أن فرغت معدته تماماً، يكاد يتقيأ قلبه لو صح هذا... فبالطبع
تلك فجيعة، كابوس، شيء يقود إلى الجنون الحتمي، كيف يعقل أن تكون "يارا" أمه ؟ و ذلك الرجل الغريب الذي يدّعي أنه أبيه !!!!!
إذن من تكون "ميرا" بالنسبة له ؟ و "عمرو" ؟ أليسا والديه ؟ و هو... هل حقاً كاد يزني بأمه ؟؟؟؟ كان سيرتكب هذا الجرم معها ؟؟؟؟ و هي.. هل كانت تعلم أم لا ؟؟؟!!!
-هو الولد ماله يا عمرو ؟ حد عمله حاجة ؟ أطلب دكتور طيب !
-ماتقلقيش يا حبيبتي هايبقى كويس. تعالي هنا بس !
كان "سفيان"... الإبن، يستمع إلى الحديث الدائر بالخارج و هو لا يزال على حالته المزرية، الدموع تفيض من عيناه بلا إنقطاع، و إنما من غير بكاء.. لكن الأم المزيفة أبت إلا أن تقتحم خلوته هذه و تركض إليه لتأخذه بحضنها مغمغمة من بين دموعها :
-حبيبي. إنت كويس يا قلبي ؟ بليز رد عليا. حد عملك حاجة ؟ حاسس بإيه يابني ؟؟!!
-إخرســــي ! .. جأر "سفيان" بصوت خشن غير مألوف له بالمرة
وثب قائماً و هو يدفعها بعيداً عنه كما لو أنها جرثومة وبائية، كان وجهه محتقناً بالدماء و الشعيرات الدموية بعينيه تكاد تنفجر من شدة الضغط النفسي و العصبي، كان شعره مشعثاً و جسده يرتجف من الغضب الذي يملأه
ظلت نظراته الفتاكة متصلة بنظرات "ميرا" المشدوهة، بينما كان "عمرو" قد وصل إليها في هذه اللحظات، وبخ "سفيان" على تصرفه لكن لا هو و لا الزوجة المصدومة إستمعا إلى كلماته
و ما لبثت العبارات تخرج من فم "سفيان" كالقنابل :
-إنتي لسا هاتكدبي عليا ؟ أنا إبنك ؟؟؟ لأ طبعاً مش إبنك. كنت حاسس.. بس إللي عايز أعرفه. إللي لازم تقوليه دلوقتي. أنا إبن مين ؟ هه ؟ ردي عليا أنا إبـن ميــــن ؟؟؟؟؟
-إيه إللي إنت بتقوله ده ؟!! .. صرخت "ميرا" فيه
قامت هي الأخرى بمساعدة "عمرو"، تركته و إقتربت من الإبن و هي تستطرد بإنفعال جم :
-إنت إبني أنا طبعاً. مين قال غير كده ؟ و إيه إللي إنت حاسس بيه ؟ إنت إبني أنا يا سفيان سـامع ؟ أنا إللي ربيتك و حبيتك و كبرتك و إديتلك عمري كله. أنا إللي خليتك أول إهتماماتي. خليتك إبني الوحيد. إكتفيت بيك. إنت بس. إنت إبني. أنا أمك. أنا أمــك !!
و كانت تستخدم سبابتها في الإشارة له و لنفسها ..
فرغت، و بقى الأخير يحدق فيها صامتاً، على الطرف الآخر هناك "عمرو" يقف وراء زوجته واجماً، كأن تصريحاتها التي يعرفها و يسرّها في نفسه مخافة هدم حياتهما أذهلته، كانت لها معاني مختلفة تماماً حين نطقتها منذ لحظات.. هكذا أكدت له بمنتهى البساطة أنه لا شيء بالنسبة لها، وجوده مجرد وسيلة للغاية الأسمى بنظرها، و لم تكن الغاية يوماً سوى "سفيان".. و "سفيان" وحده !
-يارا تبقى أمي ؟! .. قالها "سفيان" بصيغة السؤال و كان نوعاً ما هادئاً
ميرا بغضب شديد :
-قولتلك مالكش أم غيري. يارا مين دي إللي بتقول عليها أمك ؟ دي ست حقيرة. و ×××××. لسا مش واخد بالك ؟؟!!!
أردف "سفيان" على نفس النحو الهادئ :
-و سفيان الداغر.. الكبير. أبوكي.. يبقى أبويا أنا كمان.. يعني إنتي أختي. مش أمي !!!
ميرا بعصبية : قولتلك أنا أمك. أنا بس إللي أمك.. و أمسكت بتلابيبه
-إوعى تكرر الكلام ده تاني فاهمني !!
رمقها "سفيان" بنظرة مستنكرة لا تخلو التنفر، ثم دفعها عنه مرةً أخرى و إستدار ماضياً للخارج، خارج الغرفة و خارج المنزل من جديد
بينما تركض خلفه محاولة عبثاً إبقائه و إستعادته إليها، إلا أنها لم تجد "عمرو" بجوارها يؤازرها كما في كل مرة ....
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
كما إنزلقت الفكرة الصادمة مع وعيها قبل مدة لا تعرف حسابها، قفزت بعقلها من جديد، حين بدأت تفيق من إغماءتها... في تلك الأثناء حاولت إقناع نفسها أن هذا كان كابوساً ليس إلا، فتلك النوعية من الكوابيس ليست غريبة عليها
حاولت تأكيد ذلك بأكثر من طريقة، فهذا مستحيل، أن يعود الميت إلى الحياة... هذه تخاريف بيّنة، بالطبع لم يحدث هذا، و لم يأتي لها "سفيان" الشاب، كانت تحلم، فهي كانت ذاهبة للنوم أصلاً، لقد خلدت إلى فراشها.. أجل. مئة بالمئة، لقد حدث ذلك !
-إنتي مابتحلميش على فكرة.. و لا إتجننتي. إنتي عاقلة جداً.. إطمني يا قلبي !!
إحتبست أنفاسها لا شعورياً، لدى سماعها هذا الصوت !
خافت، خافت كثيراً لو فتحت عينيها يتحقق الكابوس و تراه.. تراه مجدداً، ترى عذابها مجدداً، جحيمها، الشيطان، زوجها الأول، و الرجل الأول بحياتها، و الأبشع من ذلك لو تأكدت من إشارته السالفة لحقيقة بنوة "سفيان" الشاب لها... مستحيل، طفلها مات، منذ سنوات طوال، لم تكتحل عيناها به قط، لا بطفولته، و لا صباه، و لا مطلع شبابه.. "ميرا" التي فعلت، أنجبت و عاشت في سعادة لم تذقها "يارا" أبداً و كان لابد من معاقبتها على ذلك، هي و إبنها !!!
-مش إبني ! .. صرخت "يارا" و هي تقفز نصف جالسة فوق هذا الفراش الوثير
هكذا إستيقظت فجأة و تماماً، جمد كل شيء لبرهة، بقيت كما هي، منكسة الرأس، فمازالت متوجسة... حتي تشجعت قليلاً، و رفعت أنظارها شيئاً فشيء
عودة بالزمن ثلاثة و عشرون عاماً، هل عادت ؟ أم أن هذا المكان لا يزال كما هو ؟!!
إنها غرفتها، غرفته.. الغرفة التي شهدت نصف معاناة حياتها، إنه بيت آل"داغر"، مستحيل !!!!
-مستحيل ! .. تمتمت بخفوت و هي تهز رأسها للجانبين
-إيه هو المستحيل يا عمري ؟
إلتفتت إلى هذا السؤال، إلى الشخص الذي طرحه.. كان يجلس هناك، فوق كرسي على مقربة منها، بجواره أضأ مصباح الكومود و ألقى نوره على وجهه المسترخ الباسم
كان كما هو، لم يتغير و لم يغير فيه الزمن شيئاً، إلا شعره الأشيب فقط، و القليل من التجاعيد التي أحاطت عينيه الحادتين و صدغيه ...
كان هو بشحمه و لحمه، مهيباً، وسيماً، خطيراً.. و مجدداً عادت تنصهر في حضوره !
-أهلاً يا حبيبتي ! .. قالها "سفيان"... الأب، مبتسماً بوداعة
مد جسمه قليلاً للأمام و هو يتابع بهدوء :
-وحشتيني يا يارا.. ياااه. 23 سنة. بس لسا زي ما إنتي. أجمل فرسة إمتلكتها في حياتي
-إنت مين ؟؟؟ .. زمجرت متسائلة
عقد حاجبيه قائلاً :
-أنا مين ؟ مش معقول تكون نسيتي. مهما حصل. مش معقول تنسي جوزك. أبو إبنك .. و إبتسم بلؤم
يارا بغضب : جوزي و إبني ماتوا من زمان !
فإنفجر ضاحكاً و هو يقول :
-و حياتك عندي ما كنت خايف إلا من ذكائك الخارق ده. ماكنش هاين عليا أسيبك ! .. و كف عن الضحك بسهولة مكملاً بإبتسامة :
-بس رغم كل إللي حصل.. أنا فخور بيكي جداً يا قلبي. حقيقي كيفتيني
شعرت بتلف أعصابها فلم تحتمل أكثر و تحركت لتقوم من الفراش، لكنه جاء فجأة، بلحظة وجدته بجوارها مطوقاً خصرها بذراعه و مقيداً حركتها ...
أخذت تصرخ فيه ليتركها و لكن من دون جدوى طبعاً، بينما كان مستمتعاً بتكرار اللعبة القديمة و هو يقول بضحك :
-بس بس.. إهدي يا حبيبتي. ليه العصبية دي ؟ ماحصلش حاجة. أنا رجعتلك تاني. و إبنك عايش. إبنك عايش يا يارا !
-إبنـي مــات ! .. صرخت بعنف
-إبني مـات و أنا بولده. ده حفيدك إنت. لو كان إبني كنت حسيت بيه. ماكنتش هافكر يبقى في بينا حاجة زي كده. و هو كمان مستحيل يفكر في أمه كـده !!
بقيت إبتسامته كما هي، و فوراً بدأ يحكى لها كل شيء ...
Flash back ...
أخذ "سفيان" الخاتم و وضعه جانباً فوق الطاولة ، ثم دفع لإبنته بورقة و هو يقول بصوت قوي :
-عايزك توقعيلي علي الورقة دي بقي !
نظرت إليه أولاً ثم للورقة التي دفعها لها و قالت :
-إيه الورقة دي ؟
سفيان بجدية : ده عقد جوازك . مش عايز مخلوق يعرف عنه حاجة. نهائي حتى عمتك وفاء لحد ما يجي الوقت المناسب
-إزاي هتجوز واحد عمري ما شوفته ؟ و ليه إنت عملت كل ده ؟؟؟
نظر "سفيان" لها محتفظاً بغموضه، فهو لم يحكي لها الأمور تفصيلياً ، قال بحزم :
-الولد شاب و وسيم إطمني. و فوق كل ده متعلم كويس و أبوه راجل مهم في البلد يعني مش هرميكي في أي حتة و السلام
هزت رأسها و هي تقول بحيرة :
-طيب فهمني بليز . ليه ؟
سفيان ببرود : منغير ليه. إنتي تسمعي كلامي من سكات أنا مش هضرك. و عموما أنا إشترط عليه حاجات كتير من ضمنهم إن إبنه يسيبك براحتك لحد ما تاخدي عليه و هما حاطين في إعتبارهم إنك لسا صغيرة. إطمني أنا مرتبلك كل حاجة
تنهدت "ميرا" بيأس و قالت :
-طيب عقد الجواز ده مظبوط و لا إيه ؟
سفيان : طبعا مظبوط. ده على إيد مأذون و إتنين شهود كمان. مش فاضل غير إمضتك .. ثم ناولها قلم و قال آمراً :
-وقعي يلا
نظرت له بتردد، لكنها أخذت القلم بالنهاية و خطت إمضتها على الورقة بتمهل ..
-تمام ! .. تمتم "سفيان" و هو يسحب الورقة من تحت يدها
جمع بضعة أوراق أخرى في ملف و أعطاه لأبنته مستطرداً :
-الورق ده نسخ لأصول أنا حطتهم في خزنة البنك . تخليه معاكي هو و قسيمة جوازك. و في الوقت المناسب تطلعيه
إبتلعت ريقها بصعوبة و قالت بتوجس :
-إنت بتعمل كل ده ليه ؟ على فكرة إنت بترعبني !
سفيان بتحذير قوي :
-إوعي . إوعي تتهزي أو تخافي من أي حاجة مهما حصل. إنتي صغيرة أه بس إنتي بنتي. فاهمة يعني إيه يا ميرا ؟!
..................
ميرا هانم ! الهدية وصلت .. قالها النائب و هو يقترب منها و في يده السرير النقال الخاص بالأطفال حديثي الولادة
تهللت أساريرها و هي ترد بسعادة :
-دياب .. Thanks . رغم إني إستنينك كتير !
مد لها السرير النقال و هو يعتذر بلطف :
-أنا آسف على التأخير . لحد ما جبت الطفل البديل و وضبت أموري و قدرت أطلع بيه من المستشفى منغير ما حد يحس
أزاحت "ميرا" الأغطية الكثيرة عن الرضيع و قبضت عليه بتلهف و هي تقول :
-baby . Welcome home .. إنت في آمان دلوقتي. إنت معايا يا سفيان !
و ضمته إلى صدرها بحب جارف ...
قام "عمرو" من مكانه و إقترب منها، طوق كتفيها بذراعه و هو يقول بنعومة مداعباً خد الصغير بإصبعه :
-سفيان.. و الأم ميرا !
ميرا و هي تتأمل ملامح أخيها، و الذي أصبح إبنها أيضا إبتداء من اليوم :
-و الأب عمرو !
كانت ملامحه كلها ، كناية ، بل إستنساخ دقيق لملامح والدها ... إحتضنت الطفل بلطف و هي تتمتم بتملك واضح :
-إنت بتاعي . بتاعي أنا .. هي مالهاش فيك أي حاجة . إطمن حبيبي .. محدش هايقدر ياخدك مني !
Back ...
-و بكده حرمتك من الميراث. و ميرا خدت الولد !
بهذه العبارة أتم "سفيان" سرد قصته، و أضاف بينما "يارا" تجلس متخشبة بين أحضانه القسرية :
-كنت مخطط أجيبك تعيشي معايا برا و يبقى معانا إبننا. رغم إن ميرا إتعلقت بيه و بقى بالنسبة لها إبنها فعلاً. كنت هاعوضك عن كل ده.. بس لما مر كام شهر لاقيتك إتجوزتي. و خلفتي. مرتين. كل ده و أنا عايش يا يارا !!
كانت نبرة الغضب واضحة بصوته
دبت الحياة فيها مجدداً، إرتدت بوجهها للخلف و نظرت إليه، تعاظم الحقد في صدرها إزائه و هي تنطق عبر أسنانها المطبقة بقوة :
-إنت عملت فيا كل ده ؟ إنت حرمتني من إبني طول السنين دي ؟ و أخرتها.. كنت هاغلط معاه غلطة زي دي ؟ ده أنا هاقتلك. هاشرب من دمك يا سفيان يا داغر !!!!
و تعاركت معه بالأذرع، عراك لم يدم سوى لحظات، قبل أن يلوي يديها ليّاً مؤلماً و هو يقول :
-لما إنتي تشربي من دمي أنا أعمل فيكي إيه ؟؟؟
إندفعت الدماء حارة إلى وجهها و إشتدت إطباقة فكيها، بينما يكمل و هو يقبض على عنقها بأصابع مهددة :
-حسابك تقل أوي. عارفة كام مرة سامحتك ؟ كام مرة إديتك فرصة ؟ كنتي فاكرة إيه ؟ كنتي فاكراني سايبك ؟ يمكن. بس بمزاجي. إنما دلوقتي بقى هانتحاسب. هانرجع الشريط من أوله و هاتتحاسبي يا يارا .. فاهماني يا حبيبتي ؟
-تحاسبني ؟! .. غمغمت بلهجة متشنجة
-حساب الملَكين هه !!
رد بإبتسامته الشيطانية :
-بالظبط !
و هنا دق باب الغرفة، ثم فتح لتلج تلك السيدة المتآنقة من الأذنين للرجلين، و كان تعبيرها البشوش النبيل يثير الريبة حتمياً ...
إنتبهت "يارا" لصوت الأخير و هو يقول داعياً السيدة للدخول :
-إتأخرتي ليه ؟ دي فاقت من بدري. تعالي سلمي على يارا يا وفاء ! ...... !!!!!!!!!!!
يتبــــع ...
_ كذبة ! _
طالت مدة مكوثه بالمرحاض، منذ أن تم نقله من بيت "يارا" بالقوة الجبرية مع ثلاثة من رجال الحراسة الأشداء... "يارا"
أليست حبيبته ؟.. بل أمه.. أمه !!!!
حتى هذه اللحظة لم يكف عنه شعور الغثيان و القيئ الشديد، بعد أن فرغت معدته تماماً، يكاد يتقيأ قلبه لو صح هذا... فبالطبع
تلك فجيعة، كابوس، شيء يقود إلى الجنون الحتمي، كيف يعقل أن تكون "يارا" أمه ؟ و ذلك الرجل الغريب الذي يدّعي أنه أبيه !!!!!
إذن من تكون "ميرا" بالنسبة له ؟ و "عمرو" ؟ أليسا والديه ؟ و هو... هل حقاً كاد يزني بأمه ؟؟؟؟ كان سيرتكب هذا الجرم معها ؟؟؟؟ و هي.. هل كانت تعلم أم لا ؟؟؟!!!
-هو الولد ماله يا عمرو ؟ حد عمله حاجة ؟ أطلب دكتور طيب !
-ماتقلقيش يا حبيبتي هايبقى كويس. تعالي هنا بس !
كان "سفيان"... الإبن، يستمع إلى الحديث الدائر بالخارج و هو لا يزال على حالته المزرية، الدموع تفيض من عيناه بلا إنقطاع، و إنما من غير بكاء.. لكن الأم المزيفة أبت إلا أن تقتحم خلوته هذه و تركض إليه لتأخذه بحضنها مغمغمة من بين دموعها :
-حبيبي. إنت كويس يا قلبي ؟ بليز رد عليا. حد عملك حاجة ؟ حاسس بإيه يابني ؟؟!!
-إخرســــي ! .. جأر "سفيان" بصوت خشن غير مألوف له بالمرة
وثب قائماً و هو يدفعها بعيداً عنه كما لو أنها جرثومة وبائية، كان وجهه محتقناً بالدماء و الشعيرات الدموية بعينيه تكاد تنفجر من شدة الضغط النفسي و العصبي، كان شعره مشعثاً و جسده يرتجف من الغضب الذي يملأه
ظلت نظراته الفتاكة متصلة بنظرات "ميرا" المشدوهة، بينما كان "عمرو" قد وصل إليها في هذه اللحظات، وبخ "سفيان" على تصرفه لكن لا هو و لا الزوجة المصدومة إستمعا إلى كلماته
و ما لبثت العبارات تخرج من فم "سفيان" كالقنابل :
-إنتي لسا هاتكدبي عليا ؟ أنا إبنك ؟؟؟ لأ طبعاً مش إبنك. كنت حاسس.. بس إللي عايز أعرفه. إللي لازم تقوليه دلوقتي. أنا إبن مين ؟ هه ؟ ردي عليا أنا إبـن ميــــن ؟؟؟؟؟
-إيه إللي إنت بتقوله ده ؟!! .. صرخت "ميرا" فيه
قامت هي الأخرى بمساعدة "عمرو"، تركته و إقتربت من الإبن و هي تستطرد بإنفعال جم :
-إنت إبني أنا طبعاً. مين قال غير كده ؟ و إيه إللي إنت حاسس بيه ؟ إنت إبني أنا يا سفيان سـامع ؟ أنا إللي ربيتك و حبيتك و كبرتك و إديتلك عمري كله. أنا إللي خليتك أول إهتماماتي. خليتك إبني الوحيد. إكتفيت بيك. إنت بس. إنت إبني. أنا أمك. أنا أمــك !!
و كانت تستخدم سبابتها في الإشارة له و لنفسها ..
فرغت، و بقى الأخير يحدق فيها صامتاً، على الطرف الآخر هناك "عمرو" يقف وراء زوجته واجماً، كأن تصريحاتها التي يعرفها و يسرّها في نفسه مخافة هدم حياتهما أذهلته، كانت لها معاني مختلفة تماماً حين نطقتها منذ لحظات.. هكذا أكدت له بمنتهى البساطة أنه لا شيء بالنسبة لها، وجوده مجرد وسيلة للغاية الأسمى بنظرها، و لم تكن الغاية يوماً سوى "سفيان".. و "سفيان" وحده !
-يارا تبقى أمي ؟! .. قالها "سفيان" بصيغة السؤال و كان نوعاً ما هادئاً
ميرا بغضب شديد :
-قولتلك مالكش أم غيري. يارا مين دي إللي بتقول عليها أمك ؟ دي ست حقيرة. و ×××××. لسا مش واخد بالك ؟؟!!!
أردف "سفيان" على نفس النحو الهادئ :
-و سفيان الداغر.. الكبير. أبوكي.. يبقى أبويا أنا كمان.. يعني إنتي أختي. مش أمي !!!
ميرا بعصبية : قولتلك أنا أمك. أنا بس إللي أمك.. و أمسكت بتلابيبه
-إوعى تكرر الكلام ده تاني فاهمني !!
رمقها "سفيان" بنظرة مستنكرة لا تخلو التنفر، ثم دفعها عنه مرةً أخرى و إستدار ماضياً للخارج، خارج الغرفة و خارج المنزل من جديد
بينما تركض خلفه محاولة عبثاً إبقائه و إستعادته إليها، إلا أنها لم تجد "عمرو" بجوارها يؤازرها كما في كل مرة ....
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
كما إنزلقت الفكرة الصادمة مع وعيها قبل مدة لا تعرف حسابها، قفزت بعقلها من جديد، حين بدأت تفيق من إغماءتها... في تلك الأثناء حاولت إقناع نفسها أن هذا كان كابوساً ليس إلا، فتلك النوعية من الكوابيس ليست غريبة عليها
حاولت تأكيد ذلك بأكثر من طريقة، فهذا مستحيل، أن يعود الميت إلى الحياة... هذه تخاريف بيّنة، بالطبع لم يحدث هذا، و لم يأتي لها "سفيان" الشاب، كانت تحلم، فهي كانت ذاهبة للنوم أصلاً، لقد خلدت إلى فراشها.. أجل. مئة بالمئة، لقد حدث ذلك !
-إنتي مابتحلميش على فكرة.. و لا إتجننتي. إنتي عاقلة جداً.. إطمني يا قلبي !!
إحتبست أنفاسها لا شعورياً، لدى سماعها هذا الصوت !
خافت، خافت كثيراً لو فتحت عينيها يتحقق الكابوس و تراه.. تراه مجدداً، ترى عذابها مجدداً، جحيمها، الشيطان، زوجها الأول، و الرجل الأول بحياتها، و الأبشع من ذلك لو تأكدت من إشارته السالفة لحقيقة بنوة "سفيان" الشاب لها... مستحيل، طفلها مات، منذ سنوات طوال، لم تكتحل عيناها به قط، لا بطفولته، و لا صباه، و لا مطلع شبابه.. "ميرا" التي فعلت، أنجبت و عاشت في سعادة لم تذقها "يارا" أبداً و كان لابد من معاقبتها على ذلك، هي و إبنها !!!
-مش إبني ! .. صرخت "يارا" و هي تقفز نصف جالسة فوق هذا الفراش الوثير
هكذا إستيقظت فجأة و تماماً، جمد كل شيء لبرهة، بقيت كما هي، منكسة الرأس، فمازالت متوجسة... حتي تشجعت قليلاً، و رفعت أنظارها شيئاً فشيء
عودة بالزمن ثلاثة و عشرون عاماً، هل عادت ؟ أم أن هذا المكان لا يزال كما هو ؟!!
إنها غرفتها، غرفته.. الغرفة التي شهدت نصف معاناة حياتها، إنه بيت آل"داغر"، مستحيل !!!!
-مستحيل ! .. تمتمت بخفوت و هي تهز رأسها للجانبين
-إيه هو المستحيل يا عمري ؟
إلتفتت إلى هذا السؤال، إلى الشخص الذي طرحه.. كان يجلس هناك، فوق كرسي على مقربة منها، بجواره أضأ مصباح الكومود و ألقى نوره على وجهه المسترخ الباسم
كان كما هو، لم يتغير و لم يغير فيه الزمن شيئاً، إلا شعره الأشيب فقط، و القليل من التجاعيد التي أحاطت عينيه الحادتين و صدغيه ...
كان هو بشحمه و لحمه، مهيباً، وسيماً، خطيراً.. و مجدداً عادت تنصهر في حضوره !
-أهلاً يا حبيبتي ! .. قالها "سفيان"... الأب، مبتسماً بوداعة
مد جسمه قليلاً للأمام و هو يتابع بهدوء :
-وحشتيني يا يارا.. ياااه. 23 سنة. بس لسا زي ما إنتي. أجمل فرسة إمتلكتها في حياتي
-إنت مين ؟؟؟ .. زمجرت متسائلة
عقد حاجبيه قائلاً :
-أنا مين ؟ مش معقول تكون نسيتي. مهما حصل. مش معقول تنسي جوزك. أبو إبنك .. و إبتسم بلؤم
يارا بغضب : جوزي و إبني ماتوا من زمان !
فإنفجر ضاحكاً و هو يقول :
-و حياتك عندي ما كنت خايف إلا من ذكائك الخارق ده. ماكنش هاين عليا أسيبك ! .. و كف عن الضحك بسهولة مكملاً بإبتسامة :
-بس رغم كل إللي حصل.. أنا فخور بيكي جداً يا قلبي. حقيقي كيفتيني
شعرت بتلف أعصابها فلم تحتمل أكثر و تحركت لتقوم من الفراش، لكنه جاء فجأة، بلحظة وجدته بجوارها مطوقاً خصرها بذراعه و مقيداً حركتها ...
أخذت تصرخ فيه ليتركها و لكن من دون جدوى طبعاً، بينما كان مستمتعاً بتكرار اللعبة القديمة و هو يقول بضحك :
-بس بس.. إهدي يا حبيبتي. ليه العصبية دي ؟ ماحصلش حاجة. أنا رجعتلك تاني. و إبنك عايش. إبنك عايش يا يارا !
-إبنـي مــات ! .. صرخت بعنف
-إبني مـات و أنا بولده. ده حفيدك إنت. لو كان إبني كنت حسيت بيه. ماكنتش هافكر يبقى في بينا حاجة زي كده. و هو كمان مستحيل يفكر في أمه كـده !!
بقيت إبتسامته كما هي، و فوراً بدأ يحكى لها كل شيء ...
Flash back ...
أخذ "سفيان" الخاتم و وضعه جانباً فوق الطاولة ، ثم دفع لإبنته بورقة و هو يقول بصوت قوي :
-عايزك توقعيلي علي الورقة دي بقي !
نظرت إليه أولاً ثم للورقة التي دفعها لها و قالت :
-إيه الورقة دي ؟
سفيان بجدية : ده عقد جوازك . مش عايز مخلوق يعرف عنه حاجة. نهائي حتى عمتك وفاء لحد ما يجي الوقت المناسب
-إزاي هتجوز واحد عمري ما شوفته ؟ و ليه إنت عملت كل ده ؟؟؟
نظر "سفيان" لها محتفظاً بغموضه، فهو لم يحكي لها الأمور تفصيلياً ، قال بحزم :
-الولد شاب و وسيم إطمني. و فوق كل ده متعلم كويس و أبوه راجل مهم في البلد يعني مش هرميكي في أي حتة و السلام
هزت رأسها و هي تقول بحيرة :
-طيب فهمني بليز . ليه ؟
سفيان ببرود : منغير ليه. إنتي تسمعي كلامي من سكات أنا مش هضرك. و عموما أنا إشترط عليه حاجات كتير من ضمنهم إن إبنه يسيبك براحتك لحد ما تاخدي عليه و هما حاطين في إعتبارهم إنك لسا صغيرة. إطمني أنا مرتبلك كل حاجة
تنهدت "ميرا" بيأس و قالت :
-طيب عقد الجواز ده مظبوط و لا إيه ؟
سفيان : طبعا مظبوط. ده على إيد مأذون و إتنين شهود كمان. مش فاضل غير إمضتك .. ثم ناولها قلم و قال آمراً :
-وقعي يلا
نظرت له بتردد، لكنها أخذت القلم بالنهاية و خطت إمضتها على الورقة بتمهل ..
-تمام ! .. تمتم "سفيان" و هو يسحب الورقة من تحت يدها
جمع بضعة أوراق أخرى في ملف و أعطاه لأبنته مستطرداً :
-الورق ده نسخ لأصول أنا حطتهم في خزنة البنك . تخليه معاكي هو و قسيمة جوازك. و في الوقت المناسب تطلعيه
إبتلعت ريقها بصعوبة و قالت بتوجس :
-إنت بتعمل كل ده ليه ؟ على فكرة إنت بترعبني !
سفيان بتحذير قوي :
-إوعي . إوعي تتهزي أو تخافي من أي حاجة مهما حصل. إنتي صغيرة أه بس إنتي بنتي. فاهمة يعني إيه يا ميرا ؟!
..................
ميرا هانم ! الهدية وصلت .. قالها النائب و هو يقترب منها و في يده السرير النقال الخاص بالأطفال حديثي الولادة
تهللت أساريرها و هي ترد بسعادة :
-دياب .. Thanks . رغم إني إستنينك كتير !
مد لها السرير النقال و هو يعتذر بلطف :
-أنا آسف على التأخير . لحد ما جبت الطفل البديل و وضبت أموري و قدرت أطلع بيه من المستشفى منغير ما حد يحس
أزاحت "ميرا" الأغطية الكثيرة عن الرضيع و قبضت عليه بتلهف و هي تقول :
-baby . Welcome home .. إنت في آمان دلوقتي. إنت معايا يا سفيان !
و ضمته إلى صدرها بحب جارف ...
قام "عمرو" من مكانه و إقترب منها، طوق كتفيها بذراعه و هو يقول بنعومة مداعباً خد الصغير بإصبعه :
-سفيان.. و الأم ميرا !
ميرا و هي تتأمل ملامح أخيها، و الذي أصبح إبنها أيضا إبتداء من اليوم :
-و الأب عمرو !
كانت ملامحه كلها ، كناية ، بل إستنساخ دقيق لملامح والدها ... إحتضنت الطفل بلطف و هي تتمتم بتملك واضح :
-إنت بتاعي . بتاعي أنا .. هي مالهاش فيك أي حاجة . إطمن حبيبي .. محدش هايقدر ياخدك مني !
Back ...
-و بكده حرمتك من الميراث. و ميرا خدت الولد !
بهذه العبارة أتم "سفيان" سرد قصته، و أضاف بينما "يارا" تجلس متخشبة بين أحضانه القسرية :
-كنت مخطط أجيبك تعيشي معايا برا و يبقى معانا إبننا. رغم إن ميرا إتعلقت بيه و بقى بالنسبة لها إبنها فعلاً. كنت هاعوضك عن كل ده.. بس لما مر كام شهر لاقيتك إتجوزتي. و خلفتي. مرتين. كل ده و أنا عايش يا يارا !!
كانت نبرة الغضب واضحة بصوته
دبت الحياة فيها مجدداً، إرتدت بوجهها للخلف و نظرت إليه، تعاظم الحقد في صدرها إزائه و هي تنطق عبر أسنانها المطبقة بقوة :
-إنت عملت فيا كل ده ؟ إنت حرمتني من إبني طول السنين دي ؟ و أخرتها.. كنت هاغلط معاه غلطة زي دي ؟ ده أنا هاقتلك. هاشرب من دمك يا سفيان يا داغر !!!!
و تعاركت معه بالأذرع، عراك لم يدم سوى لحظات، قبل أن يلوي يديها ليّاً مؤلماً و هو يقول :
-لما إنتي تشربي من دمي أنا أعمل فيكي إيه ؟؟؟
إندفعت الدماء حارة إلى وجهها و إشتدت إطباقة فكيها، بينما يكمل و هو يقبض على عنقها بأصابع مهددة :
-حسابك تقل أوي. عارفة كام مرة سامحتك ؟ كام مرة إديتك فرصة ؟ كنتي فاكرة إيه ؟ كنتي فاكراني سايبك ؟ يمكن. بس بمزاجي. إنما دلوقتي بقى هانتحاسب. هانرجع الشريط من أوله و هاتتحاسبي يا يارا .. فاهماني يا حبيبتي ؟
-تحاسبني ؟! .. غمغمت بلهجة متشنجة
-حساب الملَكين هه !!
رد بإبتسامته الشيطانية :
-بالظبط !
و هنا دق باب الغرفة، ثم فتح لتلج تلك السيدة المتآنقة من الأذنين للرجلين، و كان تعبيرها البشوش النبيل يثير الريبة حتمياً ...
إنتبهت "يارا" لصوت الأخير و هو يقول داعياً السيدة للدخول :
-إتأخرتي ليه ؟ دي فاقت من بدري. تعالي سلمي على يارا يا وفاء ! ...... !!!!!!!!!!!
يتبــــع ...
