رواية حكايات من قلب الصعيد الفصل الثامن 8 بقلم آية الشربيني
البارت الثامن
☆ رواية ☆
حكايات من قلب الصعيد
بقلم : أية علي الشربيني
دخلت مليكة بخطوات سريعة، وعيناها تقدحان بالفضول، وقالت بصوتٍ واضح:
— هي إيه حكاية "بحيرة الدم" دى عاوزة اعرف
ساد الصمت فجأة، وانعقدت الدهشة على وجوه الجد همّام، ويونس، وكارم.
كان وقع الاسم ثقيلًا كأنه حجر أُلقي في بئرٍ عميق.
صاح كارم بحدة، وصوته يحمل نبرة الصعيد الصارمة:
— إنتِ كيف تتدخّلي في حديت الكبار إكده؟ الموضوع ده ما يخصّكيش يا مليكة!
رفعت مليكة حاجبيها، وردّت بعناد ظاهر:
— وأنا سألت جدو، إنت مالك؟
أشار همّام بعصاه الخشبية أن تجلس إلى جواره، وقال بنبرة هادئة لكنها حاسمة:
— عيب يا بتي. ده ولد عمّك، والكبير له احترامه. كارم محموج بس علشان خايف عليكي.
تنفست مليكة بامتعاض:
— يخاف من إيه؟ هو أنا سألت عن سر حربي؟
تنهد الجد، وقال بصوتٍ خافت:
— اللي بتسألي عنه واعر... واعر جوّه. والأحسن تبعدي عن حكايات الصعيد دي. الفضول ساعات بيجرّ صاحبه في سكّة ما ترحمش.
تظاهرت مليكة بالطاعة، وقالت:
— حاضر يا جدو.
لكن عينيها كانتا تقولان عكس ذلك تمامًا.
نظر الجد إلى كارم بعدما خرجت، وقال:
— خفّ شويّة على البنية. مش كده يا كارم.
رد كارم بقلقٍ صادق خلف صلابته:
— يا جدي، مليكة فضولها هيغرقها. وأنا مش عاوزها تقرب من النار دي.
قال همّام:
— أهم حاجة تخلّيك صاحي للجصّة دي... الأيام الجاية مش سهلة.
— أوامرك يا جدي.
في المستشفى العام، جلس صبحي وفرحات يحتسيان الشاي في ساعةٍ متأخرة.
قال صبحي وهو يخفض صوته:
— محمد ولد أبو عوف لجيوه واقف عند الأرض الجبلية، بيتحدّت مع نفسه. شكله مش طبيعي.
رد فرحات وهو يعبّ من كوبه:
— الجصّة دي شكلها مش هتعدّي على خير. البت اللي اتجتلت... والناس بتقول في بحيرة الدم.
قال صبحي بقلق:
— الموضوع واعر جوّي. وإحنا لازم ناخد بالنا.
وفي منزل منصور الزناتي، كان القلق يعمّ المجلس.
قال منصور بصوته الوقور:
— البلد حالها بقى يحزن.
قالت هند :
— الموضوع غريب جوى يا جدي... البنت اللي اتجتلت دي قصتها مش مريحة.
قال رحيم:
— الأرض نفسها بقت تخوّف.
رد الجد بصرامة:
— أهم حاجة... مفيش حد يتأخر برّه الدار.
— أوامرك يا جدي.
في منزل همّام الهواري…
جلست مليكة مع ورد، وقالت وهي تهمس:
— أنا لازم أفهم قصة بحيرة الدم دي.
شهقت ورد بخوف:
— اقفلي خاشمك يا بنت عمي! الحديت ده ممنوع يتفتح في البيت ده.
— هو ليه كله ساكت؟ أنا حاسة إن في حاجة مستخبية.
— كارم لو سمعك... يومك هيبقى أسود.
ضحكت مليكة بسخرية خفيفة:
— أخوكي ده عامل زي رئيس عصابة... وشه مكفهر كأنه شايل الدنيا على كتفه.
جاءها صوتٌ عميق من خلفها:
— أيوه... رئيس عصابة؟
تجمّدت ورد، وهربت سريعًا.
ابتلعت مليكة ريقها، ثم قالت بتصنع مرح:
— ياااه يا كارم! ده أنا كنت لسه بمدح فيك!
اقترب كارم بخطواتٍ بطيئة، وعيناه تضيقان:
— لسانك طول يا مليكة.
— لا خالص... ده أنا بخاف عليك. أحسن يجيلك ذبحة صدرية من العصبية.
اقترب أكثر، حتى التصقت بالحائط، وقال بصوتٍ منخفض:
— اسمعيني زين. فضولك ده هيودّيكي في مكان مش قدّه. كارم الهواري ما يبصّش غير للي تخصّه... ومش ناقصني وجع دماغ.
ارتبكت، لكنها تماسكت:
— طب ابعد بقى... وإلا أصرخ!
ابتسم ابتسامة غامضة، وهمس:
— لو صرختي... محدش هييجي.
ثم مال قليلًا، وطبع قبلة سريعة بجانب شفتيها، قبل أن يبتعد فجأة.
صرخت غاضبة:
— إنت قليل الأدب!
توقف عند الباب، وقال دون أن يلتفت:
— قليل الأدب لسه مجاش... بس خلي بالك من لسانك يا أم لسانين.
خرج وتركها ترتجف بين الغضب والارتباك.
وضعت يدها مكان قبلته، وهمست:
— لازم أبعد عن الكائن ده...
جاءها صوته من بعيد:
— الأيام بينا يا مليكة.
في المستشفى… الساعة الواحدة بعد منتصف الليل.
جلس حمدي الممرض في غرفة التبريد، يرتدي جاكتًا ثقيلًا، يحتسي الشاي ليقاوم البرد القارس.
طرقٌ على الباب.
فتح… لا أحد.
عاد، ثم تكرر الطرق.
فتح مجددًا… لا أحد.
تسلل القلق إلى قلبه، وقبل أن يستلقي سمع طرقًا ثالثًا.
فتح، فوجد فتاة تقف أمامه، ملامحها شاحبة.
— أستاذ حمدي؟
— أيوه… مين حضرتك؟
— أنا ممرضة جديدة. ممكن تيجي معايا المشرحة؟
تردد قليلًا، ثم قال:
— أول مرة أشوفك.
— أول يوم ليا هنا.
سارا في ممرٍ طويل، والإضاءة ترتجف كأنها تحتضر.
داخل المشرحة، سألت:
— في حد في التلاجات؟
— تلاتة… راجلين وبنت.
ابتسمت ابتسامة غريبة:
— بنت؟ معقولة…
— لقيوها ميّتة بعيد عن بحيرة الدم.
نظرت له نظرة باردة أربكته.
وفجأة، انفتح الباب ودخل طه:
— حمدي! إنت لساتك إهنية؟ تيجي نقعد سوا.
قال حمدي وهو يشير خلفه:
— استنى بس لما الأنسة تخلص.
قطّب طه حاجبيه:
— أنسة مين؟ إنت لوحدك!
التفت حمدي ببطء…
لم يجد أحدًا.
لكن قبل أن يلتفت تمامًا، لمح انعكاس ابتسامة شاحبة على باب الثلاجة المعدنية…
ثم… اختفت.
ارتجفت يداه، وتجمّد الدم في عروقه.
هل كانت تتحدث عن الجثة الثالثة؟
أم أنها… هي نفسها الجثة؟
ياترى إيه سر بحيرة الدم؟
وإيه علاقة البنت المقتولة بالمستشفى؟
وهل مليكة هتقدر تبعد عن النار… ولا هتقرب أكتر؟