رواية حكمت وحسم الامر فهل من مفر الفصل الثامن 8 بقلم الهام رفعت
الفصـــل الثـامن
~~~~~~~~
اندهشت مارية من عدم تعنيفه لها بسبب ما فعلته معه ، حيث تركها عمار بهدوء قتلها وتحديقه بها بنظراته الغامضة التي شعرت ببعض الحزن فيها جعلت قلبها يدق ليرأف بما تفعله به ، تركها كما هي دون أن يتفوه بكلمة واحدة وغادر الغرفة ، اقتفت مارية اثره بذهول فقد ظنته سيعنفها وربما يجبرها بقسوته المعتادة معها على ممارسة الحب معه ، لم يحدث هذا ولم تعرف هي ما هو شعور الندم والوحدة الذي سيطر عليها مجرد تركه وعدم ايذاءها ليرغمها كما يفعل ، تنهدت بحزن لا تعرف سببه وسألت نفسها لما هي حزينة عليه فهي هنا للانتقام منه فقط ، اغمضت عينيها لبعض الوقت ثم فتحتهما لتنظر امامها متذكرة السُم الذي اعطته لها والدتها ، نهضت مارية من على الفراش لتبحث في أي مكان وضعته ، تحركت لاففة الملائة عليها وتوجهت لخزانة ملابسها ، شرعت في فتحها بأيد مرتعشة ونظرت بداخلها لتمد يدها وتبحث بين طيات ملابسها ؛ وجدتها مارية مغلفة بربطة محكمة كي لا يراها احد أو تستدعي ريبتهم منها ، التقطتها مارية وقربتها من أنظارها لتتأملها بشرود ، اقصت الغطاء من عليها لتظهر امامها ، فتلك الزجاجة الصغيرة ستنهي كل شيء ، ابتسمت بحزن وألم ولكن هو من دفعها لذلك ، تريد هي الإنتهاء من كل ما يدور بداخلها فهي لم تستطع كرهه بالمعنى الصحيح ، تكذب على نفسها ولكن بداخلها يعشقه بمعنى الكلمة ، ليس القلب ليتغير بتلك السرعة ، رغم قتله لوالدها ارادت فقط التخلص منه ومن ثم تنهي حياتها هي الأخرى ، نعم ، هي الزمت نفسها بذلك ، ستقتله أولاً لتثأر من والدها الذي مات على يده ، بكت مارية وهي تلعن القدر في نفسها الضعيفة فقد خذلها هو ليصل الأمر بينهم إلى هذا الحد ، تنهدت بعمق وباتت نظراتها قاسية وعزمت ولا مفر للرجوع فاليوم سينتهي كل هذا الألم بداخلها ، وضعت مارية الزجاجة مرة أخرى وتوجهت للمرحاض لتغتسل ....
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
لم تصدق والدتها حتى تلك اللحظة بأنه سيتزوج من ابنتها ، جاء بنفسه ليطلب يدها بعدة كلمات مقتضبة وغادر ليتركها مصدومة ، دنت اسماء منها بفرحة ملأت تعابيرها ولمعت عيناها بسعادة جلية وهي تحدق بوالدتها التي تجلس مصدومة ويبدو هيئتها مضحكة ، جلست اسماء بجوارها لتحدثها بتنهيدة حارة :
- شوفتي بعينك لما جه يتقدملي ، كنت بتقوليلي أن احنا خدامين ومينفعش يبوصيلي ، أهو جه بنفسه يطلب ايدي .
نظرت لها والدتها وهي ما زالت مصدومة فابتسمت اسماء ، ردت سوسن باستنكار :
- يعني انتي هتتجوزي فؤاد بيه وتعيشي معاه في بيته ويعملك فرح والناس تعرف أنه هيتجوزك انتي .
اومأت اسماء لها برأسها لتؤكد :
- هو أنا اللي بجيب من عندي ، انتي مسمعتهوش كويس ولا ايه ، قالك بكرة هكون مراته ومش عاوز غيري وهيجبلي كل حاجة .
ابتسمت سوسن وبينت فرحتها حين قالت لابنتها بمفهوم:
- كنتي بتحبيه وبقى من نصيبك ، ومن كرم ربنا لما يفكر يتجوز يختارك انتي .
نظرت لها اسماء بأعين لامعة من الفرحة ، بينما لم تضع والدتها فرق العمر قيد تفكيرها بشكل كبير فهو أي فتاة تتمنى فقط أن ينظر لها ، رسمت سوسن الفرحة فلا يعيب الرجل سنه قط ، فابنتها تحبه وهذا المطلوب ، نظرت لها اسماء تريد معرفة ما تفكر به ، ابتسمت لها والدتها وطمأنتها بنبرة متمنية :
- بدعي ربنا يسعدك واشوف ولادك قريب أن شاء الله ....
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
تركها وذهب ليختلي بنفسه في مكتبه بمخزن البضائع ، وضع عمار رأسه على المكتب ودفنها حين حاوطها بذراعيه وصارت ملامحة حزينة عابسة فهي لن تسامحه مهما فعل من اجلها ، تزوج عليها كي يجعلها تغار عليه ولا فائدة بات هو من يتلهف عليها ، فلم تناست حبه بسبب والدها هذا ، فكر كثيرًا في اخبارها بالسبب الذي دفعه لقتله ، كان قتل والدها حتمي ولكن ما كان غير متوقع له أن يسند له والده تلك المهمة لتضحى علاقتها به يخالطها النفور والكره من ناحيتها على الأرجح فحبه لها لم ينقص ابدًا ، وما ازعجه تشديد والده عليه بعدم افشاء ما فعله بعمته ، فقد ظن الجميع من حولهم أنه لم يتعمد قتلها كما اخبرهم ، ولكن الحقير كان يعرف هدفه فقد قتلها عن عمد ليدفن سرها معه ، وما جهله هذا الخسيس بأن هناك من يعرف بعلاقته بعمته المغدورة ، اهتاج سلطان والده بعدما علم بذلك فلولا وجود من اخبره لكان تقبل الصلح كونه لم يتعمد قتلها ، فليس في الثأر دخول النساء ولكنه استغل طيبتها وتلاعب بها لتصبح في النهاية ضحيته ، ما تعجب منه هو ارتداءه لقناع البراءة والطيبة وعذر مارية لجهلها بحقيقته التي لو علمت بها والدتها لم حزنت عليه لحظة ؛ لم ينكر عمار انزعاجه منها ولكن لا فائدة ليجبرها أكثر من ذلك ، هي مغيبة عن معرفة حقيقة الأمر ولابد أن يلتمس لها العذر فوالدها وهي مخدوعة فيه ، سيطرت عليه فكرة أن يخبرها بكل شيء ليتمنى ارتضاءها عليه فهذا هو الحل لعلاقته المستقبحة هذة، سيضرب بتعليمات والده عرض الحائط فسوف يُبقي على حبيبته ليتخلص من كل هذا النفور السافر الذي اكتسح احاسيسها تجاهه ؛ انتبه عمار لمن يدخل المخزن عليه ولشدة حزنه لم يرفع رأسه وظل كما هو ضائع في افكاره التي تحلق في رأسه تأبى السكون ، من ولج المخزن كان مكرم الذي تطلع عليه بعدم فهم لوجوده بالمخزن في هذا الوقت المبكر فقد ظن أنه سينتظر قدومه ، تحرك نحوه بحذر وهو يتأمل ما به فقد اراد معرفة سبب وجوده ، وقف مكرم قبالة المكتب وتنحنح كي ينتبه لوجوده ، حدثه بهدوء حذر وهو يسأله:
- عمار بتعمل ايه هنا بدري كدة ؟ .
لبعض من الوقت وقفه مكرم لم يجد فيه ردة فعل منه ، قطب جبينه وهو يجهل حالته تلك فماذا به ؟ ؛ تنهد عمار بعمق ليرفع رأسه المدفونة بين ذراعيه وينظر له بأعين مجهدة حيث لم ينم للحظة ، صُدم مكرم من هيئته المتعبة المرهقة وشعره الاشعث ، جلس على المقعد المقابل له وحدق به ليسأله بقلق سافر:
- ايه اللي حصل يا عمار ، انت تعبان ؟ .
نظر عمار له مطولاً وتنهد بعدها ليرد مدعي عدم الإكتراث:
- مافيش أنا كويس .
تنحنح وسأله بجدية زائفة :
- ايه اخبار البضاعة ؟ ،وصلت ولا لسة ؟ .
هنا ارتبك مكرم وهو ينظر له وظهر عليه ذلك فقد جاءت النقطة الحاسمة فقد ابلغه أحد العمال بذلك الخبر المشؤم قبل أن يأتي هنا، نظر له مكرم ليرد بنبرة متذبذبة متلعثمة:
- البضاعة يعني لسة احنا ..هي ..
تطلع عليه عمار بتعابير مقتطبة وادرك ان بالأمر شيئًا ما مخفي ، هتف عمار بحدة جعلت مكرم بنتفض برعب موضعه :
- انطق فيه ايه ، البضاعة مالها ؟ .
ازدرد مكرم ريقة من شدة توتره فقد اختفت الكلمات من على لسانه من نظراته التي ظهر الغضب فيها ، هدأ مكرم من ثورة ارتباكه ليرد بحذر شديد :
- البضاعة اتسرقت ؟ .
نهض عمار من مكانه وهو يردد بغضب مدروس يستنكر حدوث ذلك فمن يتجرأ على فعلتها:
- انت بتقول ايه ، يعني ايه اتسرقت ، ومين اللي يعمل كدة ؟.
ادرك مكرم ضيقه ونهض هو الآخر مبتلعًا ريقه بتوتر، رد بتردد:
- ما أنا كنت جاي علشان اشوفك موجود ولا لأ علشان اقولك .
انصت له عمار وعلامات الترقب بادية عليه يريد معرفة من هذا الذي تجرأ على فعل ذلك ، تردد مكرم في اخباره ولكن عليه بأن يعرف به ، رد مكرم بتوضيح :
- اللي عمل كدة عيسى ، قبل كدة عملها ومرضتش اقولك ، بس هو زودها وعملها تاني ، وانتوا كنتوا فاكرين حد من عند فؤاد ، بس انا عرفت وهو هددني لو قولت هيقتلني .
ثم نظر له ليبتسم باستهزاء تهديده هذا ، بينما تجمد عمار لوهلة وهو محدقًا به فقد زودها هذا الأحمق فهو يعلم عنه الكثير من سهراته مع الماجنات وتجرعه للخمور غير مراعيًا لشعور اخته ألا وهي زوجته ، نظر له مكرم يريد معرفة إلام ينتوي معه فهو ابن عمهم ولكنه طائش إلى حد كبير كاره لما حوله؛ تنهد عمار بهدوء مقلق وقال بنبرة غامضة :
- يبقى لازم نتصرف معاه بسرعة ونخليه يبطل خالص اللي بيعمله ده ونريحه على الآخر .....
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
خرجت تتجول في حديقة القصر لتتنفس بعض الهواء لتزيح به بعض الهموم الجاثية على صدرها ، جلست مارية على قاعدة رخامية بجوار احدى الأشجار الكبيرة ، حدقت امامها زائغة فيما ازمعت له هذا الصباح ، اقنعت نفسها بأن هذا الصواب فلما التأخير ، تنهدت بهدوء مريب فها قد أتت اللحظة التي ستتخلص بها من كل ما تشعر به ، هذا عذاب ولن تتحمل المزيد فوجودها هنا كفيل بالفتك بها من الداخل ، الزمت نفسها بالاستسلام لقدرها فلا مجال للهرب ....
تقدم للداخل بسيارته وترجل منها بعدما صفها ثم تقدم ليولج الفيلا ولكنه رآها جالسة بمفردها ، وقف عيسى يتأملها لبعض الوقت وسرح في ملامح وجهها الذي أحبه، قتله الأخير ببطء حين تزوج منها ، سعد حين قتل والدها وايقن وقتها بأنها لن تبقى له مهما حدث ، خالف الأخير توقعاته ليجبر اهلها بالزواج منه وهذا ما حدث لسيطرته التامة على من هم حوله وها هي ملكه الآن ، ولكن جزء كبير منه استنكر ارتضاءها بالحياة معه بتلك السهولة فهو قاتل والدها وبالتأكيد لن تتقبله ، ابتسم عيسى بمكر وبدأ بالتحرك ناحيتها وبدت خطواته بطيئة وهو يركز انظاره عليها ككل فكم كانت ناعمة بجسدها الممشوق وتنهد بحرارة..
دلفت للشرفة تنتظر وصوله فكم كانت منزعجة لعدم رؤيتها له من بعد تهديده لها بأن تلتزم حدودها ، خشيت شيماء أن يتركها ولا داعي لوجودها بعد الآن بسبب تسرعها في كسب محبته لها ، لعنت تسرعها الأهوج فقد ضيعته بغباءها وربما الآن يبحث عن غيرها ، شهقت في نفسها بخوف لا تريد هذا وعليها ايجاد طريقة أخرى معه ، فليس بعد حياتها التي حرمت فيها من متاع الحياة وجاءت فرصتها كما رسمها القدر تصرفها عنها لعدم استغلالها بحنكة ، تنهدت شيماء وكادت أن تعاود الدخول للغرفة ولكن استوقفها هذا المشهد الودي بين هذين ، فمن نظرات الأخير نحوها ايقنت بأن هناك شيئًا ما مجهول حول نظراته تلك ، توارت خلف العمود بالشرفة تتطلع عليهم بأعين ثاقبة مظلمة فالموقف اضحى مثير للريبة .....
دنا عيسى منها فتنبهت مارية لوجود احد ما يخطو تجاهها وادارت رأسها نحوه ، رأت هذا الرجل المدعو عيسى ونظرت له بعدم اكتراث وادارت وجهها مرة أخرى فلا شأن لها به ، امتعض عيسى من عدم مبالاتها وتجهمت تعابيره ، تنهد بضيق وزيف ابتسامة يريد الحديث معها فربما يُلقي عليها بعض الأحاديث ليُسمم افكارها تجاهه وربما تتخلص منه فكم يكره عمار هذا ..
تحرك عيسى ليقف امامها ونظرت له بعدم فهم من نظراته وابتسامته تلك ، ماذا يريد؟ ، حدثها عيسى بمكر مكبوت وبابتسامة ملأت محياه وباتت سخيفة كما تراها هي :
- قاعدة كدة ليه يا مارية ؟ ، اوعي يكون حد من هنا اتجرأ وضايقك ، انا اكتر واحد حاسس بيكي ، كلهم هنا ميستهلوش يعيشوا لحظة ، حتى اللي انتي متجوزاه ده لوحده اكتر واحد ميستهلش يعيش بعد ما قتل ابوكي .
قال عيسى جملته الأخيرة مدعي الحزن والشفقة عليها ، نظرت له مارية بوجه كالح وهي تسأل نفسها أنه منهم لما يتحدث هكذا عنهم ؟ ، خشيت ربما فخ منهم لتقع معه بالحديث وتبين ما تنتوي فعله وربما التخلص منها ، ابتسمت بمكر فلن يستطع الإيقاع بها ، وعن عيسى انتظر ان تخرج ما تشعر به فهو مدركًا مدى كرهها لمن حولها ، فاجأته هي حين ردت بمكر أشد :
- أنا محدش بيعملي حاجة ، أنا من وقت ما دخلت هنا وأنا نسيت كل اللي حصل ، المسامح كريم .
حملق فيها عيسى بنظرات منصدمة بعدم تصلب موضعه فليس هذا ما يريد سماعه ، رسم ابتسامة جاهد على ظهورها فقد غضب من ردها فهذا ما لا يريد سماعه ، قال بعدم تصديق :
- معقول هتسيبي اللي قتل ابوكي عايش كدة ؟! .
استغربت مارية من حديثه عنهم واستنكرته بشدة ، ردت عليه بخبث :
- قولتلك المسامح كريم ، وانا سامحت .
انزعج عيسى من غباءها لما تتفوه به ، دنا منها وباتت المسافة شبه معدومة لتشهق مارية بخوف من اقترابه المباغت منها والمعدوم ، قال عيسى بعدم رضى :
- بقى بتفضلي اللي قتل ابوكي علي اللي عاوز يساعدك ازاي تخلصي منه ، انتي مش عارفة قد ايه بحبك من زمان ، عمار دا عمره ما هيحبك قد ما أنا بحبك .
صُدمت مارية مما تفوه به لتنهض من موضعها مزعوجة من جرأته في كشف ما يكنه لها دون حياء ، هتفت بانفعال :
- انت ازاي تتجرأ وتتكلم معايا بالطريقة دي ، عمار لو سمع الكلام ده مش بعيد يخلص عليك في ساعتها .
سب من بين شفتيه بلفظ نابي صدمها ، قال بعدم اهتمام :
- ولا يقدر يعملي حاجة .
نظر لها بأعين مظلمة واستكمل بمغزى :
- ومالك شايلة هم زعله ليه ، انتي نسيتي باين أنه متجوز عليكي واحدة اقل منك بكتير ، يعني من الخدامين ، وانا لو مكانك مش هتردد لحظة في أني انتقم منه .
تنهدت مارية بنفاذ صبر من حديثه الغير مجدي بالنسبة لها ، ناهيك عن اقترابه الشديد منها الذي سيجلب لها الشبهه إذا رآهم احدهم ، قالت بنفاذ صبر :
- ملكش دعوة ، واحسنلك تخليك في حياتك علشان انت مش قد عمار واللي هيعمله فيك لما يعرف الكلام اللي بتقولهولي .
قالت جملتها وهمت بتركه ولكنه استوقفها حين أمسك ذراعها ليقربها منه بشدة ونظرت له بارتباك ممزوج بانفاسها المتسارعة ، هتف هو من بين اسنانه بانفعال :
- لو مفكرة أني خايف منه تبقي غلطانة ، انتي لسة متعرفيش أنا ممكن اعمل ايه .
خانته نظراته ليبيح النظر على ما ليس له، ادركت مارية نظراته لتشهق من جرأته في استباحته النظر لها والتمادي معها ، دنا عيسى بوجهه وهو يطمع في قبلة منها ، في تلك اللحظة جحظت عينا شيماء وهي ترمقهما بصدمة ، فقد باتت العلاقة بينهم مكشوفة امامها ، ابتسمت بمكر وهي تتابع التحديق بهما فقد جاءت فرصتها ، تنهدت براحة شديدة لتعود ادراجها وعليها الآن اخباره بما رأته ومن تلك العلاقة السرية فحتمًا لن يُبقيها حية وكذلك هو ...
انصدمت مارية من اقترابه منها وحالت دون لمسه لها حين دفعته بعنف ليبتعد عنها ، ارتد عيسى عدة خطوات للخلف ونظر لها بذهول ، هتفت مارية بتعنيف مهتاج :
- انت بني آدم حيوان ، ولو عملت كدة تاني معايا مش هستنى حد ياخد حقي ، انا بنفسي اللي هخلص عليك .
ثم حدجته بنظرات مهلكة قبل ان تتركه وترحل ، تتبع عيسى ذهابها بنظراته المنزعجة ليهتف بحنف وهو يتوعد :
- ماشي يا مارية ، وعمار بتاعك ده نهايته قربت ...
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
جاء لمقابلتها فهي علمت بأمر زواجه بالتأكيد ، استشعر فؤاد من هيئتها ونظراته نحوه انزعاجها وعدم ارتضاءها بذلك ، بالفعل كانت فريدة غاضبه كونه كرس حياته على الإنتقام ، وما يفعله الآن ما هو سوى أنه بدأ ينفض حدة انتقامه ليبني حياة جديدة ومن ثم عدم مساعدته لها ، مر وقت في جلستهم لتتشدق فريدة بنبرة بينت عدم رضاها بما يفعله :
- تقدر تفهمني ايه اللي غيرك كدة وعاوز تتجوز ؟ ، انت مش كنت رافض الجواز علشان تنتقم وبس .
ازدرد فؤاد ريقه وارتبك ، برر بتردد :
- اصل الحاج طلب مني اتجوز وانا وعدته ، انتي عارفة أني مش بحب ازعله وهو حلف عليا لو متجوزتش هيزعل مني .
صرت فريدة اسنانها بضيق فهو اخيها ولم تراه يقف معها امام قاتلي زوجها بل قاطعها ، لم تخفي انزعاجها منه ولكن ما يهمها كيف سيكون تفكير فؤاد بعد زواجه ، سألته بفضول :
- وانت هتساعدني ننتقم ولا خلاص هتتجوز وتعيش حياتك وتنسى حتى اخوك اللي مات؟ .
تنهد فؤاد ليرد باقتطاب :
- لا يا عمتي هساعدك ، انا قولتلك أني هتجوز علشان خاطر ابويا وبس .
رمقته فريدة بعدم اقتناع ، ردت بمكر ونظرات مظلمة اربكته :
- واشمعنا اسماء ؟، هي البت كانت عجباك بقى ، مش شايف انها صغيرة قوي عليك .
تنحنح فؤاد بحرج ، ردت بتوتر :
- مش بالظبط كدة ، هي بنت طيبة وغلبانة وفرق السن دا عادي ، انا مش اول ولا آخر واحد يتجوز واحدة اصغر منه .
زمت فريدة شفتيها لتتنهد وترد بلا مبالاة:
- انت حر .
صمتت لتتابع وهي تستفهم بعد تفكير في ابنتها :
- متعرفش اخبار عن مارية ، مقلتش هتنفذ امتى ، اصلها اتأخرت قوي وانا قلقانة عليها.....
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
صعد الدرج متجهًا لغرفته التي تزوج فيها تلك الفتاة ، مر عمار من امام غرفتها وحدق بها لبعض الوقت وتنهد ليكمل سيره ، ظهر عليه الحزن وقتلته رغبة بأن يكسر ضلوعها لرفضها له ، تأنى في ذلك لوقت آخر حيث فكر في اخبارها وليكن ما يكن لن يهمه شيء بعد الآن ، يريدها هي فقط ؛ ولج الغرفة ليجد تلك الفتاة أمامه كأنها تنتظر قدومه على أحر من الجمر ، حيث دنت منه شيماء وحدثته بنبرة شغوفة متلهفة:
- شوفت اللي حصل النهاردة يا عمار بيه ؟ .
حدجها بانزعاج وهتف بتعنيف :
- انطقي حصل ايه ، انا على اخري .
ردت بتردد مبتلعة ريقها بارتباك :
- الست مارية وانا واقفة في البلكونة شوفتها مع عيسى بيه وعمالين يتكلموا ، ومرة واحدة لقيته بيقرب منه وبيبوسها .
نظر لها عمار بأعين محتقنة بالغضب وشعرت شيماء بالخوف فهيئته تغيرت لتصبح اعنف مما تخيلته ، امسكها من عضدتها لتتألم بشدة من اصابعه التي انغرست في لحمها ، هتف بغضب مدروس:
- انتي متأكدة انك شوفتيهم مع بعض ، عارفة لو بتكدبي .
ابتلعت شيماء ريقها بصعوبة ، اكدت بنبرة متزعزعة :
- أنا هكدب ليه ، روح اسألها بنفسك هو كان معاها في الجنينة بيعمل ايه .
نظر لها عمار لبعض الوقت بتعابيره الغاضبة وهو مازال يشدد في قبضته عليها كأنه يفرغ هياجه فيها ، تألمت الأخيرة بشدة وهي تصدر انين مرتفع عله يتركها ، انتبه عمار لها ليدفعها بعيدًا عنه فتراجعت للخلف تفرك عضدها ، حدق بها لبعض الوقت بنظرات غير مفهومة ثم استدار تاركًا الغرفة وملامحه لا تبشر بحدوث خير مطلقًا ، التقطت شيماء انفاسها لتبتسم بمكر وقالت:
- يلا خلينا نخلص منها ، كفاية عليها لحد كدة ....
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
دلف للخارج وهو بحالة هياج رسمي وايقن بأن الخطوة التي اتخذها نحوه أكيدة فلا شفقة اليوم عليه إذا نظر فقط لما هو ملكه ، توجه لغرفتها بدماء تغلي في ثنايا عروقه يريد مواجهتها بما حدث ، فربما هي تنتقم منه بطريقة كهذة حقيرة ، لا لن يرتضي حدوث ذلك ، كاد عمار أن يفتح الباب عليها ولكن والدته منعته حين حدثته بجدية :
- تعالى يا عمار ابوك مستنيك تحت وعاوزك .
وجه بصره ناحيتها ليستفهم بتردد :
- خير يا ماما عاوزني في ايه؟ ، ردت بنبرة متضايقة :
- تعالى يا عمار واسأله بنفسك .
نظر لها ثم تنهد ليومئ برأسه ليأتي معها ، خطف نظرة لغرفتها قبل ذهابه وأجل الحدبث معها ريثما ينتهي ، هبط الدرج برفقة والدته ليتجهوا إلى غرفة الضيوف ، ولجوا للداخل ليتفاجئ عمار بأخته تبكي بجانب والده ، دنا منهم قاطب الجبين واستفهم بحيرة جلية:
- مالها منى ، ايه اللي حصل ؟ .
رد سلطان بمعنى وهو يشير على الأريكة :
- اقعد الأول يا عمار ، تحرك عمار ليجلس على الأريكة بجوارهم ، جلست راوية هي الأخرى بجانب ابنتها تربت على ظهرها كي تهدأ من بكاءها المرير ، نظر عمار لأخته وتنهد يريد معرفة الأمر ولذلك وجه بصره لوالده كي يستفهم ، تشدق سلطان بنبرة وصلت إلى قمة قسوتها وهو ينظر له :
- عيسى لازم نخلص منه ، زودها قوي يا عمار ، بيسرق في البضايع بتاعتنا وبيسهر مع البنات وبيشرب ،وأنا باعت وراه اللي يراقبه ، بدأ يتفق مع اعداءنا علينا ، واخرة دا كله بيبص لمراتك وعينه منها .
سقطت الجملة الأخيرة عليه كصاعقة عنيفة جعلته في حالة صدمة ، تضاربت الأفكار في رأسه من حديث الأخيرة حول وجود علاقة بينهم وبين حديث والده ، فهل بينهم ما يجهله؟ ، اجاب على نفسه مستحيل ، بينما أكمل سلطان كي يوضح عليه الأمر:
- مراتك محترمة يا عمار ، منى شافته عاوز يبوسها بس هيه منعته وباين كانت متضايقة .
شعر عمار بالغبطة وتنهد بحبور لكشف الحقيقة قبل أن يفتعل شيئًا يندم عليه ، نظر عمار لاخته الباكية وهي تنتحب وشفق عليها ، تنهد بعمق ليقول بنبرة قوية ذات معنى:
- هنخلص منه ، بس مش بإيدينا ، هنوقعه مع اللي بيتفق معاهم علينا ، انا عملت لعبة كدة وهما قلبوا عليه وهيخلصوا بنفسهم ....
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
صف سيارته امام احدى البارات الكلاسيكية ذي الطابع القديم ، ترجل منها عيسى ليقضي سهرته المعتادة برفقة احداهن ، لم تعجبه فتاة وتملأ فراغه سوى مارية برغم أنه متزوج ولكن لم يجد معها المتعة التي يتمناها، فبنظرة واحدة من مارية يتناسى جميع من مروا عليه ويفكر فيها هي فقط ، تمنى في نفسه أن تفكر فيما اقترحه عليها وتنتقم فسوف يسعد بالطبع بهذا ؛ كان على وشك الولوج للداخل وإذ بسيارة سوداء من النوع "جيب" مفيمة تمر من امامه وشخص ما ملثم يخرج مقدمة سلاحه من النافذة الأمامية قاصدًا التصويب عليه اوقفه حين اطلق عليه عدة أعيرة نارية في اماكن متفرقة من جسده ،ظل ينتفض موضعه لبعض الوقت مع كل رصاصة تنغرس فيه، للحظات عابرة انطلقت السيارة بعدما انتهت من مهمتها ، في حين ارتمى عيسى على الارضية ليصدر صوت ارتطامه بالأرض بعنف ، نازع لبعض الوقت الضئيل وروحه تخرج منه ولم يلبث كثيرًا حتى خرجت ليشهق بصمت وعيناه مجحظة دليل انتهاءه وذهاب روحه إلى بارئها ...
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
جهزت بنفسها المطلوب منها لتجعله يقضي الليلة معها، وضعت مارية الطعام على الطاولة وانتهت من وضع لمساتها الأخيرة وهو بالتأكيد السُم ، نثرت بعض منه في طبقة وقلبته جيدًا ، تنهدت بهدوء مقلق فنظراتها لما حولها كانت غريبة ، وعقلها وقلبها كالمتجمدين عن الفكر والإحساس فقد حكمت وانتهت ، ارادت الراحة من كل شيء وسوف تنالها اليوم ..
دلفت مارية لخارج الغرفة مُحركة رأسها في جميع الإتجاهات باحثة عنه ، ضمت شفتيها منزعجة إذا كان عند تلك الفتاة، فماذا تفعل ؟، ادارت رأسها عفويًا تجاه الدرج لتستمع لأحد ما يصعد للأعلى ، تأهبت حواسها تتمنى في نفسها بأن يكون هو ..
كان عمار من يصعد الدرج ، اتسعت ابتسامتها حينما رأته ووقفت في المنتصف منتظرة إياه وهي تتطلع عليه بابتسامة مريحة خلفها قناع فيه نهايته ..
وصل عمار والتفت كي يتوجه لغرفتها، تفاجأ هو بها واقفة أمام الغرفة، استنكر في نفسه أن تكون بانتظاره فما حدث بينهم آخر مرة يجعله يشك ، استغرب أكثر من ابتسامتها وهي تنظر إليه وظل يتحرك هو نحوها وعيناه على عينيها لا يفارقان بعضهما ؛ وقف عمار أمامها لينظر لبعضهما للحظات فارقة في حياة كل منهما ، دنت مارية منه واضعه كلتا يديها على صدره الصلب وحركتهما حتى منكبيه العريضين بلمسات رقيقة منها ونظراتها عليه دون ان تفارقانه، لم يتفهم عمار ما تريده حتى همست الأخيرة بنبرة دمثة للغاية وهي تتدلل عليه:
- أنا حضرت العشا بنفسي جوه ، تعالى معايا علشان حابة اسهر معاك النهاردة ونتكلم شوية!!
نظر لها عمار بعدم تصديق وشعرت مارية بأنه يتعجب تغيرها، همست مرة اخرى بدلال زاده تمني :
- انت لسة هتقف تستغرب ، تعالي معايا يلا .
ثم سحبته لداخل الغرفة وهو في حالة عدم استيعاب، كان كالدمية بين يديها حين سحبته خلفها، اوصدت الباب لتعود وتقف امامه، ابتسمت بوله زائف وهي تمرر انظارها على وجهه متجاهلة صدمته مما يراه منها ، طوقت عنقه بذراعيها ودنت من وجهه بشدة لتبدو المسافة منعدمة، همست بانفاس مضطربة بعض الشيء:
- مش عاوز تقعد معايا ولا أيه ؟ .
تزعزعت نظراته نحوها ولم يتفهم تبدل حالتها، ابتسم بشدة ليقول بحب صادق :
- بحبك قوي يا مارية .
ابتسمت له لا تريد المزيد من الحديث منه هذا بالطبع يقتلها ، ردت هي بتردد:
- انا جعانة ، يلا ناكل سوا .
ابتسم ليوافق حديثها حين نهض وسحبها لتأتي معه، وتوجها إلى مائدة الطعام، جلسوا في مقابيل بعضهما وزيفت ابتسامة له جعلته يشعر براحة واحاسيس كان يفتقدها منها، سكبت له من الطعام وشرعوا في تناوله، عاهد عمار نفسه باخبارها بعد انتهاء طعامهم فلابد أن تعرف بالحقيقة والحكم لها ، بعد وقت من تناول الطعام واختلاس مارية النظرات الشاردة نحوه ارتبكت، ابتلعت ريقها بتوتر وهو يأكل أمامها الطعام المسموم، هدأت من نفسها وقالت هذا الصواب ، فقد نفذ الحكم وانتهى، وعليها الآن السكون فسوف ترتاح من كل هذا ؛ بعد وقت انتهوا من تناول الطعام ليمسح عمار فمه بالمنشفة الصغيرة ، ابتسمت له مارية بتصنع ونهض ليتجه نحوها ويمسك يدها لتنهض معه، نهضت مارية ليسحبها لتأتي معه بعيدًا عن المائدة، وقف امامها وقال بمعنى :
- النهاردة عاوز اقولك على اللي كنت مخبيه عنك ، النهاردة هتعرفي الحقيقة علشان تعرفي اني مش ممكن ازعلك مني .
نظرت له مارية باهتمام وانصتت بشدة لما يريد التحدث عنه رغم استغرابها عن اي حقيقة يتحدث ؟، تنهد عمار ليشرح لها :
- مارية لازم تعرفي حقيقة ابوكِ، هو لما قتل عمتي مكنش غصب عنه، كان قاصد يقتلها .
حدجته بصدمة ليؤكد هو حديثه حين استطرد بجدية :
- ابوكِ كان متجوز عمتي في السر، كان بيخليها تسرق الورق الخاص بشغل بابا وتديهوله ، كان بيستغلها وبيضحك عليها وبيقولها أنه بيحبها ، هي صدقته وكانت بتعمله كل حاجة ، لحد ما اكتشفت انها حامل ، لما راحتله علشان يتصرف هيعمل ايه ، قالها أنه هيتجوزها وهي صدقت زي العادة ، متعرفش انه بيخطط يقتلها ، ابوكي علشان التار استغل عمتي ودخلها في الموضوع .
استمعت له مارية بصدمة ظهرت على تقاسيمها ، حركت رأسها كأنها ترفض التصديق ، فتابع عمار وهو يبتلع ريقه شاعرًا بألم في معدته :
- بابا مكنش يعرف وكان هيقبل يسامحه ، بس الخدامة اللي كانت هنا عارفة كل حاجة لأن عمتي مكنتش بتخبي عنها حاجة ، وحكت لبابا كل اللي حصل ، عمتي يوم ما ماتت كانت حامل ، وعلشان كدة اتحكم بقتله ، دي الحقيقة يا مارية .
شعرت مارية من حديثه بأنه يقول الصدق واحست بمعاناة عمته بما مر عليها ، هل والدها بهذا القبح أم لا؟ ، نظرت له كأنها ضائعة فهذا والدها الذي لطالما أحبته، فقال عمار كي يبرهن حديثه ويقطع الشك باليقين:
- عايزة تعرفي كل حاجة روحي لخالك، هو عارف كل حاجة لأنه كان مع ابوكِ وياما حذره يبعد عنها ...
بدأ يتألم عمار فقد زاد الوجع عليه ، معدته كأنها تتقطع من الداخل ، نظر لها بملامح متألمة لتشهق هي كبداية للبكاء وهي ترى مفعول السُم يظهر عليه ، بكت مارية حينما اشتد عليه الألم ووضع كلتا يديه على بطنه وعرقه يتصبب على جبينه ووجهه ، نظر لها كأنه يستفهم ما به ؟ ، حركت رأسها لتقول بأسف ودموعها تنهمر على وجهها :
- سامحني يا عمار ، انا حطيتلك سم في الأكل .
نظر لها بصدمة ممزوجه بألمه العنيف ، تابعت هي بأسى:
- يا ريتك اتكلمت من بدري ، انا أسفة .
ثم اجهشت في البكاء ليبتلع ريقه بألم وارتمى على الأرض حيث جثا على ركبتيه وانحنى بجذعه يسيطر على ذلك الألم العنيف ، دنت مارية منه وجثت على ركبتيها أمامه، وضعت يديها على كتفيه شاعرة بمدى معاناته الآن، رفع عمار بصره نحوها لتنصدم من عيونه الحمراء ووجهه المتشنج ، ابتسم بألم وقال:
- ليه يا مارية .... ليه يا حبيبتي؟!.............
~~~~~~~~
اندهشت مارية من عدم تعنيفه لها بسبب ما فعلته معه ، حيث تركها عمار بهدوء قتلها وتحديقه بها بنظراته الغامضة التي شعرت ببعض الحزن فيها جعلت قلبها يدق ليرأف بما تفعله به ، تركها كما هي دون أن يتفوه بكلمة واحدة وغادر الغرفة ، اقتفت مارية اثره بذهول فقد ظنته سيعنفها وربما يجبرها بقسوته المعتادة معها على ممارسة الحب معه ، لم يحدث هذا ولم تعرف هي ما هو شعور الندم والوحدة الذي سيطر عليها مجرد تركه وعدم ايذاءها ليرغمها كما يفعل ، تنهدت بحزن لا تعرف سببه وسألت نفسها لما هي حزينة عليه فهي هنا للانتقام منه فقط ، اغمضت عينيها لبعض الوقت ثم فتحتهما لتنظر امامها متذكرة السُم الذي اعطته لها والدتها ، نهضت مارية من على الفراش لتبحث في أي مكان وضعته ، تحركت لاففة الملائة عليها وتوجهت لخزانة ملابسها ، شرعت في فتحها بأيد مرتعشة ونظرت بداخلها لتمد يدها وتبحث بين طيات ملابسها ؛ وجدتها مارية مغلفة بربطة محكمة كي لا يراها احد أو تستدعي ريبتهم منها ، التقطتها مارية وقربتها من أنظارها لتتأملها بشرود ، اقصت الغطاء من عليها لتظهر امامها ، فتلك الزجاجة الصغيرة ستنهي كل شيء ، ابتسمت بحزن وألم ولكن هو من دفعها لذلك ، تريد هي الإنتهاء من كل ما يدور بداخلها فهي لم تستطع كرهه بالمعنى الصحيح ، تكذب على نفسها ولكن بداخلها يعشقه بمعنى الكلمة ، ليس القلب ليتغير بتلك السرعة ، رغم قتله لوالدها ارادت فقط التخلص منه ومن ثم تنهي حياتها هي الأخرى ، نعم ، هي الزمت نفسها بذلك ، ستقتله أولاً لتثأر من والدها الذي مات على يده ، بكت مارية وهي تلعن القدر في نفسها الضعيفة فقد خذلها هو ليصل الأمر بينهم إلى هذا الحد ، تنهدت بعمق وباتت نظراتها قاسية وعزمت ولا مفر للرجوع فاليوم سينتهي كل هذا الألم بداخلها ، وضعت مارية الزجاجة مرة أخرى وتوجهت للمرحاض لتغتسل ....
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
لم تصدق والدتها حتى تلك اللحظة بأنه سيتزوج من ابنتها ، جاء بنفسه ليطلب يدها بعدة كلمات مقتضبة وغادر ليتركها مصدومة ، دنت اسماء منها بفرحة ملأت تعابيرها ولمعت عيناها بسعادة جلية وهي تحدق بوالدتها التي تجلس مصدومة ويبدو هيئتها مضحكة ، جلست اسماء بجوارها لتحدثها بتنهيدة حارة :
- شوفتي بعينك لما جه يتقدملي ، كنت بتقوليلي أن احنا خدامين ومينفعش يبوصيلي ، أهو جه بنفسه يطلب ايدي .
نظرت لها والدتها وهي ما زالت مصدومة فابتسمت اسماء ، ردت سوسن باستنكار :
- يعني انتي هتتجوزي فؤاد بيه وتعيشي معاه في بيته ويعملك فرح والناس تعرف أنه هيتجوزك انتي .
اومأت اسماء لها برأسها لتؤكد :
- هو أنا اللي بجيب من عندي ، انتي مسمعتهوش كويس ولا ايه ، قالك بكرة هكون مراته ومش عاوز غيري وهيجبلي كل حاجة .
ابتسمت سوسن وبينت فرحتها حين قالت لابنتها بمفهوم:
- كنتي بتحبيه وبقى من نصيبك ، ومن كرم ربنا لما يفكر يتجوز يختارك انتي .
نظرت لها اسماء بأعين لامعة من الفرحة ، بينما لم تضع والدتها فرق العمر قيد تفكيرها بشكل كبير فهو أي فتاة تتمنى فقط أن ينظر لها ، رسمت سوسن الفرحة فلا يعيب الرجل سنه قط ، فابنتها تحبه وهذا المطلوب ، نظرت لها اسماء تريد معرفة ما تفكر به ، ابتسمت لها والدتها وطمأنتها بنبرة متمنية :
- بدعي ربنا يسعدك واشوف ولادك قريب أن شاء الله ....
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
تركها وذهب ليختلي بنفسه في مكتبه بمخزن البضائع ، وضع عمار رأسه على المكتب ودفنها حين حاوطها بذراعيه وصارت ملامحة حزينة عابسة فهي لن تسامحه مهما فعل من اجلها ، تزوج عليها كي يجعلها تغار عليه ولا فائدة بات هو من يتلهف عليها ، فلم تناست حبه بسبب والدها هذا ، فكر كثيرًا في اخبارها بالسبب الذي دفعه لقتله ، كان قتل والدها حتمي ولكن ما كان غير متوقع له أن يسند له والده تلك المهمة لتضحى علاقتها به يخالطها النفور والكره من ناحيتها على الأرجح فحبه لها لم ينقص ابدًا ، وما ازعجه تشديد والده عليه بعدم افشاء ما فعله بعمته ، فقد ظن الجميع من حولهم أنه لم يتعمد قتلها كما اخبرهم ، ولكن الحقير كان يعرف هدفه فقد قتلها عن عمد ليدفن سرها معه ، وما جهله هذا الخسيس بأن هناك من يعرف بعلاقته بعمته المغدورة ، اهتاج سلطان والده بعدما علم بذلك فلولا وجود من اخبره لكان تقبل الصلح كونه لم يتعمد قتلها ، فليس في الثأر دخول النساء ولكنه استغل طيبتها وتلاعب بها لتصبح في النهاية ضحيته ، ما تعجب منه هو ارتداءه لقناع البراءة والطيبة وعذر مارية لجهلها بحقيقته التي لو علمت بها والدتها لم حزنت عليه لحظة ؛ لم ينكر عمار انزعاجه منها ولكن لا فائدة ليجبرها أكثر من ذلك ، هي مغيبة عن معرفة حقيقة الأمر ولابد أن يلتمس لها العذر فوالدها وهي مخدوعة فيه ، سيطرت عليه فكرة أن يخبرها بكل شيء ليتمنى ارتضاءها عليه فهذا هو الحل لعلاقته المستقبحة هذة، سيضرب بتعليمات والده عرض الحائط فسوف يُبقي على حبيبته ليتخلص من كل هذا النفور السافر الذي اكتسح احاسيسها تجاهه ؛ انتبه عمار لمن يدخل المخزن عليه ولشدة حزنه لم يرفع رأسه وظل كما هو ضائع في افكاره التي تحلق في رأسه تأبى السكون ، من ولج المخزن كان مكرم الذي تطلع عليه بعدم فهم لوجوده بالمخزن في هذا الوقت المبكر فقد ظن أنه سينتظر قدومه ، تحرك نحوه بحذر وهو يتأمل ما به فقد اراد معرفة سبب وجوده ، وقف مكرم قبالة المكتب وتنحنح كي ينتبه لوجوده ، حدثه بهدوء حذر وهو يسأله:
- عمار بتعمل ايه هنا بدري كدة ؟ .
لبعض من الوقت وقفه مكرم لم يجد فيه ردة فعل منه ، قطب جبينه وهو يجهل حالته تلك فماذا به ؟ ؛ تنهد عمار بعمق ليرفع رأسه المدفونة بين ذراعيه وينظر له بأعين مجهدة حيث لم ينم للحظة ، صُدم مكرم من هيئته المتعبة المرهقة وشعره الاشعث ، جلس على المقعد المقابل له وحدق به ليسأله بقلق سافر:
- ايه اللي حصل يا عمار ، انت تعبان ؟ .
نظر عمار له مطولاً وتنهد بعدها ليرد مدعي عدم الإكتراث:
- مافيش أنا كويس .
تنحنح وسأله بجدية زائفة :
- ايه اخبار البضاعة ؟ ،وصلت ولا لسة ؟ .
هنا ارتبك مكرم وهو ينظر له وظهر عليه ذلك فقد جاءت النقطة الحاسمة فقد ابلغه أحد العمال بذلك الخبر المشؤم قبل أن يأتي هنا، نظر له مكرم ليرد بنبرة متذبذبة متلعثمة:
- البضاعة يعني لسة احنا ..هي ..
تطلع عليه عمار بتعابير مقتطبة وادرك ان بالأمر شيئًا ما مخفي ، هتف عمار بحدة جعلت مكرم بنتفض برعب موضعه :
- انطق فيه ايه ، البضاعة مالها ؟ .
ازدرد مكرم ريقة من شدة توتره فقد اختفت الكلمات من على لسانه من نظراته التي ظهر الغضب فيها ، هدأ مكرم من ثورة ارتباكه ليرد بحذر شديد :
- البضاعة اتسرقت ؟ .
نهض عمار من مكانه وهو يردد بغضب مدروس يستنكر حدوث ذلك فمن يتجرأ على فعلتها:
- انت بتقول ايه ، يعني ايه اتسرقت ، ومين اللي يعمل كدة ؟.
ادرك مكرم ضيقه ونهض هو الآخر مبتلعًا ريقه بتوتر، رد بتردد:
- ما أنا كنت جاي علشان اشوفك موجود ولا لأ علشان اقولك .
انصت له عمار وعلامات الترقب بادية عليه يريد معرفة من هذا الذي تجرأ على فعل ذلك ، تردد مكرم في اخباره ولكن عليه بأن يعرف به ، رد مكرم بتوضيح :
- اللي عمل كدة عيسى ، قبل كدة عملها ومرضتش اقولك ، بس هو زودها وعملها تاني ، وانتوا كنتوا فاكرين حد من عند فؤاد ، بس انا عرفت وهو هددني لو قولت هيقتلني .
ثم نظر له ليبتسم باستهزاء تهديده هذا ، بينما تجمد عمار لوهلة وهو محدقًا به فقد زودها هذا الأحمق فهو يعلم عنه الكثير من سهراته مع الماجنات وتجرعه للخمور غير مراعيًا لشعور اخته ألا وهي زوجته ، نظر له مكرم يريد معرفة إلام ينتوي معه فهو ابن عمهم ولكنه طائش إلى حد كبير كاره لما حوله؛ تنهد عمار بهدوء مقلق وقال بنبرة غامضة :
- يبقى لازم نتصرف معاه بسرعة ونخليه يبطل خالص اللي بيعمله ده ونريحه على الآخر .....
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
خرجت تتجول في حديقة القصر لتتنفس بعض الهواء لتزيح به بعض الهموم الجاثية على صدرها ، جلست مارية على قاعدة رخامية بجوار احدى الأشجار الكبيرة ، حدقت امامها زائغة فيما ازمعت له هذا الصباح ، اقنعت نفسها بأن هذا الصواب فلما التأخير ، تنهدت بهدوء مريب فها قد أتت اللحظة التي ستتخلص بها من كل ما تشعر به ، هذا عذاب ولن تتحمل المزيد فوجودها هنا كفيل بالفتك بها من الداخل ، الزمت نفسها بالاستسلام لقدرها فلا مجال للهرب ....
تقدم للداخل بسيارته وترجل منها بعدما صفها ثم تقدم ليولج الفيلا ولكنه رآها جالسة بمفردها ، وقف عيسى يتأملها لبعض الوقت وسرح في ملامح وجهها الذي أحبه، قتله الأخير ببطء حين تزوج منها ، سعد حين قتل والدها وايقن وقتها بأنها لن تبقى له مهما حدث ، خالف الأخير توقعاته ليجبر اهلها بالزواج منه وهذا ما حدث لسيطرته التامة على من هم حوله وها هي ملكه الآن ، ولكن جزء كبير منه استنكر ارتضاءها بالحياة معه بتلك السهولة فهو قاتل والدها وبالتأكيد لن تتقبله ، ابتسم عيسى بمكر وبدأ بالتحرك ناحيتها وبدت خطواته بطيئة وهو يركز انظاره عليها ككل فكم كانت ناعمة بجسدها الممشوق وتنهد بحرارة..
دلفت للشرفة تنتظر وصوله فكم كانت منزعجة لعدم رؤيتها له من بعد تهديده لها بأن تلتزم حدودها ، خشيت شيماء أن يتركها ولا داعي لوجودها بعد الآن بسبب تسرعها في كسب محبته لها ، لعنت تسرعها الأهوج فقد ضيعته بغباءها وربما الآن يبحث عن غيرها ، شهقت في نفسها بخوف لا تريد هذا وعليها ايجاد طريقة أخرى معه ، فليس بعد حياتها التي حرمت فيها من متاع الحياة وجاءت فرصتها كما رسمها القدر تصرفها عنها لعدم استغلالها بحنكة ، تنهدت شيماء وكادت أن تعاود الدخول للغرفة ولكن استوقفها هذا المشهد الودي بين هذين ، فمن نظرات الأخير نحوها ايقنت بأن هناك شيئًا ما مجهول حول نظراته تلك ، توارت خلف العمود بالشرفة تتطلع عليهم بأعين ثاقبة مظلمة فالموقف اضحى مثير للريبة .....
دنا عيسى منها فتنبهت مارية لوجود احد ما يخطو تجاهها وادارت رأسها نحوه ، رأت هذا الرجل المدعو عيسى ونظرت له بعدم اكتراث وادارت وجهها مرة أخرى فلا شأن لها به ، امتعض عيسى من عدم مبالاتها وتجهمت تعابيره ، تنهد بضيق وزيف ابتسامة يريد الحديث معها فربما يُلقي عليها بعض الأحاديث ليُسمم افكارها تجاهه وربما تتخلص منه فكم يكره عمار هذا ..
تحرك عيسى ليقف امامها ونظرت له بعدم فهم من نظراته وابتسامته تلك ، ماذا يريد؟ ، حدثها عيسى بمكر مكبوت وبابتسامة ملأت محياه وباتت سخيفة كما تراها هي :
- قاعدة كدة ليه يا مارية ؟ ، اوعي يكون حد من هنا اتجرأ وضايقك ، انا اكتر واحد حاسس بيكي ، كلهم هنا ميستهلوش يعيشوا لحظة ، حتى اللي انتي متجوزاه ده لوحده اكتر واحد ميستهلش يعيش بعد ما قتل ابوكي .
قال عيسى جملته الأخيرة مدعي الحزن والشفقة عليها ، نظرت له مارية بوجه كالح وهي تسأل نفسها أنه منهم لما يتحدث هكذا عنهم ؟ ، خشيت ربما فخ منهم لتقع معه بالحديث وتبين ما تنتوي فعله وربما التخلص منها ، ابتسمت بمكر فلن يستطع الإيقاع بها ، وعن عيسى انتظر ان تخرج ما تشعر به فهو مدركًا مدى كرهها لمن حولها ، فاجأته هي حين ردت بمكر أشد :
- أنا محدش بيعملي حاجة ، أنا من وقت ما دخلت هنا وأنا نسيت كل اللي حصل ، المسامح كريم .
حملق فيها عيسى بنظرات منصدمة بعدم تصلب موضعه فليس هذا ما يريد سماعه ، رسم ابتسامة جاهد على ظهورها فقد غضب من ردها فهذا ما لا يريد سماعه ، قال بعدم تصديق :
- معقول هتسيبي اللي قتل ابوكي عايش كدة ؟! .
استغربت مارية من حديثه عنهم واستنكرته بشدة ، ردت عليه بخبث :
- قولتلك المسامح كريم ، وانا سامحت .
انزعج عيسى من غباءها لما تتفوه به ، دنا منها وباتت المسافة شبه معدومة لتشهق مارية بخوف من اقترابه المباغت منها والمعدوم ، قال عيسى بعدم رضى :
- بقى بتفضلي اللي قتل ابوكي علي اللي عاوز يساعدك ازاي تخلصي منه ، انتي مش عارفة قد ايه بحبك من زمان ، عمار دا عمره ما هيحبك قد ما أنا بحبك .
صُدمت مارية مما تفوه به لتنهض من موضعها مزعوجة من جرأته في كشف ما يكنه لها دون حياء ، هتفت بانفعال :
- انت ازاي تتجرأ وتتكلم معايا بالطريقة دي ، عمار لو سمع الكلام ده مش بعيد يخلص عليك في ساعتها .
سب من بين شفتيه بلفظ نابي صدمها ، قال بعدم اهتمام :
- ولا يقدر يعملي حاجة .
نظر لها بأعين مظلمة واستكمل بمغزى :
- ومالك شايلة هم زعله ليه ، انتي نسيتي باين أنه متجوز عليكي واحدة اقل منك بكتير ، يعني من الخدامين ، وانا لو مكانك مش هتردد لحظة في أني انتقم منه .
تنهدت مارية بنفاذ صبر من حديثه الغير مجدي بالنسبة لها ، ناهيك عن اقترابه الشديد منها الذي سيجلب لها الشبهه إذا رآهم احدهم ، قالت بنفاذ صبر :
- ملكش دعوة ، واحسنلك تخليك في حياتك علشان انت مش قد عمار واللي هيعمله فيك لما يعرف الكلام اللي بتقولهولي .
قالت جملتها وهمت بتركه ولكنه استوقفها حين أمسك ذراعها ليقربها منه بشدة ونظرت له بارتباك ممزوج بانفاسها المتسارعة ، هتف هو من بين اسنانه بانفعال :
- لو مفكرة أني خايف منه تبقي غلطانة ، انتي لسة متعرفيش أنا ممكن اعمل ايه .
خانته نظراته ليبيح النظر على ما ليس له، ادركت مارية نظراته لتشهق من جرأته في استباحته النظر لها والتمادي معها ، دنا عيسى بوجهه وهو يطمع في قبلة منها ، في تلك اللحظة جحظت عينا شيماء وهي ترمقهما بصدمة ، فقد باتت العلاقة بينهم مكشوفة امامها ، ابتسمت بمكر وهي تتابع التحديق بهما فقد جاءت فرصتها ، تنهدت براحة شديدة لتعود ادراجها وعليها الآن اخباره بما رأته ومن تلك العلاقة السرية فحتمًا لن يُبقيها حية وكذلك هو ...
انصدمت مارية من اقترابه منها وحالت دون لمسه لها حين دفعته بعنف ليبتعد عنها ، ارتد عيسى عدة خطوات للخلف ونظر لها بذهول ، هتفت مارية بتعنيف مهتاج :
- انت بني آدم حيوان ، ولو عملت كدة تاني معايا مش هستنى حد ياخد حقي ، انا بنفسي اللي هخلص عليك .
ثم حدجته بنظرات مهلكة قبل ان تتركه وترحل ، تتبع عيسى ذهابها بنظراته المنزعجة ليهتف بحنف وهو يتوعد :
- ماشي يا مارية ، وعمار بتاعك ده نهايته قربت ...
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
جاء لمقابلتها فهي علمت بأمر زواجه بالتأكيد ، استشعر فؤاد من هيئتها ونظراته نحوه انزعاجها وعدم ارتضاءها بذلك ، بالفعل كانت فريدة غاضبه كونه كرس حياته على الإنتقام ، وما يفعله الآن ما هو سوى أنه بدأ ينفض حدة انتقامه ليبني حياة جديدة ومن ثم عدم مساعدته لها ، مر وقت في جلستهم لتتشدق فريدة بنبرة بينت عدم رضاها بما يفعله :
- تقدر تفهمني ايه اللي غيرك كدة وعاوز تتجوز ؟ ، انت مش كنت رافض الجواز علشان تنتقم وبس .
ازدرد فؤاد ريقه وارتبك ، برر بتردد :
- اصل الحاج طلب مني اتجوز وانا وعدته ، انتي عارفة أني مش بحب ازعله وهو حلف عليا لو متجوزتش هيزعل مني .
صرت فريدة اسنانها بضيق فهو اخيها ولم تراه يقف معها امام قاتلي زوجها بل قاطعها ، لم تخفي انزعاجها منه ولكن ما يهمها كيف سيكون تفكير فؤاد بعد زواجه ، سألته بفضول :
- وانت هتساعدني ننتقم ولا خلاص هتتجوز وتعيش حياتك وتنسى حتى اخوك اللي مات؟ .
تنهد فؤاد ليرد باقتطاب :
- لا يا عمتي هساعدك ، انا قولتلك أني هتجوز علشان خاطر ابويا وبس .
رمقته فريدة بعدم اقتناع ، ردت بمكر ونظرات مظلمة اربكته :
- واشمعنا اسماء ؟، هي البت كانت عجباك بقى ، مش شايف انها صغيرة قوي عليك .
تنحنح فؤاد بحرج ، ردت بتوتر :
- مش بالظبط كدة ، هي بنت طيبة وغلبانة وفرق السن دا عادي ، انا مش اول ولا آخر واحد يتجوز واحدة اصغر منه .
زمت فريدة شفتيها لتتنهد وترد بلا مبالاة:
- انت حر .
صمتت لتتابع وهي تستفهم بعد تفكير في ابنتها :
- متعرفش اخبار عن مارية ، مقلتش هتنفذ امتى ، اصلها اتأخرت قوي وانا قلقانة عليها.....
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
صعد الدرج متجهًا لغرفته التي تزوج فيها تلك الفتاة ، مر عمار من امام غرفتها وحدق بها لبعض الوقت وتنهد ليكمل سيره ، ظهر عليه الحزن وقتلته رغبة بأن يكسر ضلوعها لرفضها له ، تأنى في ذلك لوقت آخر حيث فكر في اخبارها وليكن ما يكن لن يهمه شيء بعد الآن ، يريدها هي فقط ؛ ولج الغرفة ليجد تلك الفتاة أمامه كأنها تنتظر قدومه على أحر من الجمر ، حيث دنت منه شيماء وحدثته بنبرة شغوفة متلهفة:
- شوفت اللي حصل النهاردة يا عمار بيه ؟ .
حدجها بانزعاج وهتف بتعنيف :
- انطقي حصل ايه ، انا على اخري .
ردت بتردد مبتلعة ريقها بارتباك :
- الست مارية وانا واقفة في البلكونة شوفتها مع عيسى بيه وعمالين يتكلموا ، ومرة واحدة لقيته بيقرب منه وبيبوسها .
نظر لها عمار بأعين محتقنة بالغضب وشعرت شيماء بالخوف فهيئته تغيرت لتصبح اعنف مما تخيلته ، امسكها من عضدتها لتتألم بشدة من اصابعه التي انغرست في لحمها ، هتف بغضب مدروس:
- انتي متأكدة انك شوفتيهم مع بعض ، عارفة لو بتكدبي .
ابتلعت شيماء ريقها بصعوبة ، اكدت بنبرة متزعزعة :
- أنا هكدب ليه ، روح اسألها بنفسك هو كان معاها في الجنينة بيعمل ايه .
نظر لها عمار لبعض الوقت بتعابيره الغاضبة وهو مازال يشدد في قبضته عليها كأنه يفرغ هياجه فيها ، تألمت الأخيرة بشدة وهي تصدر انين مرتفع عله يتركها ، انتبه عمار لها ليدفعها بعيدًا عنه فتراجعت للخلف تفرك عضدها ، حدق بها لبعض الوقت بنظرات غير مفهومة ثم استدار تاركًا الغرفة وملامحه لا تبشر بحدوث خير مطلقًا ، التقطت شيماء انفاسها لتبتسم بمكر وقالت:
- يلا خلينا نخلص منها ، كفاية عليها لحد كدة ....
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
دلف للخارج وهو بحالة هياج رسمي وايقن بأن الخطوة التي اتخذها نحوه أكيدة فلا شفقة اليوم عليه إذا نظر فقط لما هو ملكه ، توجه لغرفتها بدماء تغلي في ثنايا عروقه يريد مواجهتها بما حدث ، فربما هي تنتقم منه بطريقة كهذة حقيرة ، لا لن يرتضي حدوث ذلك ، كاد عمار أن يفتح الباب عليها ولكن والدته منعته حين حدثته بجدية :
- تعالى يا عمار ابوك مستنيك تحت وعاوزك .
وجه بصره ناحيتها ليستفهم بتردد :
- خير يا ماما عاوزني في ايه؟ ، ردت بنبرة متضايقة :
- تعالى يا عمار واسأله بنفسك .
نظر لها ثم تنهد ليومئ برأسه ليأتي معها ، خطف نظرة لغرفتها قبل ذهابه وأجل الحدبث معها ريثما ينتهي ، هبط الدرج برفقة والدته ليتجهوا إلى غرفة الضيوف ، ولجوا للداخل ليتفاجئ عمار بأخته تبكي بجانب والده ، دنا منهم قاطب الجبين واستفهم بحيرة جلية:
- مالها منى ، ايه اللي حصل ؟ .
رد سلطان بمعنى وهو يشير على الأريكة :
- اقعد الأول يا عمار ، تحرك عمار ليجلس على الأريكة بجوارهم ، جلست راوية هي الأخرى بجانب ابنتها تربت على ظهرها كي تهدأ من بكاءها المرير ، نظر عمار لأخته وتنهد يريد معرفة الأمر ولذلك وجه بصره لوالده كي يستفهم ، تشدق سلطان بنبرة وصلت إلى قمة قسوتها وهو ينظر له :
- عيسى لازم نخلص منه ، زودها قوي يا عمار ، بيسرق في البضايع بتاعتنا وبيسهر مع البنات وبيشرب ،وأنا باعت وراه اللي يراقبه ، بدأ يتفق مع اعداءنا علينا ، واخرة دا كله بيبص لمراتك وعينه منها .
سقطت الجملة الأخيرة عليه كصاعقة عنيفة جعلته في حالة صدمة ، تضاربت الأفكار في رأسه من حديث الأخيرة حول وجود علاقة بينهم وبين حديث والده ، فهل بينهم ما يجهله؟ ، اجاب على نفسه مستحيل ، بينما أكمل سلطان كي يوضح عليه الأمر:
- مراتك محترمة يا عمار ، منى شافته عاوز يبوسها بس هيه منعته وباين كانت متضايقة .
شعر عمار بالغبطة وتنهد بحبور لكشف الحقيقة قبل أن يفتعل شيئًا يندم عليه ، نظر عمار لاخته الباكية وهي تنتحب وشفق عليها ، تنهد بعمق ليقول بنبرة قوية ذات معنى:
- هنخلص منه ، بس مش بإيدينا ، هنوقعه مع اللي بيتفق معاهم علينا ، انا عملت لعبة كدة وهما قلبوا عليه وهيخلصوا بنفسهم ....
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
صف سيارته امام احدى البارات الكلاسيكية ذي الطابع القديم ، ترجل منها عيسى ليقضي سهرته المعتادة برفقة احداهن ، لم تعجبه فتاة وتملأ فراغه سوى مارية برغم أنه متزوج ولكن لم يجد معها المتعة التي يتمناها، فبنظرة واحدة من مارية يتناسى جميع من مروا عليه ويفكر فيها هي فقط ، تمنى في نفسه أن تفكر فيما اقترحه عليها وتنتقم فسوف يسعد بالطبع بهذا ؛ كان على وشك الولوج للداخل وإذ بسيارة سوداء من النوع "جيب" مفيمة تمر من امامه وشخص ما ملثم يخرج مقدمة سلاحه من النافذة الأمامية قاصدًا التصويب عليه اوقفه حين اطلق عليه عدة أعيرة نارية في اماكن متفرقة من جسده ،ظل ينتفض موضعه لبعض الوقت مع كل رصاصة تنغرس فيه، للحظات عابرة انطلقت السيارة بعدما انتهت من مهمتها ، في حين ارتمى عيسى على الارضية ليصدر صوت ارتطامه بالأرض بعنف ، نازع لبعض الوقت الضئيل وروحه تخرج منه ولم يلبث كثيرًا حتى خرجت ليشهق بصمت وعيناه مجحظة دليل انتهاءه وذهاب روحه إلى بارئها ...
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
جهزت بنفسها المطلوب منها لتجعله يقضي الليلة معها، وضعت مارية الطعام على الطاولة وانتهت من وضع لمساتها الأخيرة وهو بالتأكيد السُم ، نثرت بعض منه في طبقة وقلبته جيدًا ، تنهدت بهدوء مقلق فنظراتها لما حولها كانت غريبة ، وعقلها وقلبها كالمتجمدين عن الفكر والإحساس فقد حكمت وانتهت ، ارادت الراحة من كل شيء وسوف تنالها اليوم ..
دلفت مارية لخارج الغرفة مُحركة رأسها في جميع الإتجاهات باحثة عنه ، ضمت شفتيها منزعجة إذا كان عند تلك الفتاة، فماذا تفعل ؟، ادارت رأسها عفويًا تجاه الدرج لتستمع لأحد ما يصعد للأعلى ، تأهبت حواسها تتمنى في نفسها بأن يكون هو ..
كان عمار من يصعد الدرج ، اتسعت ابتسامتها حينما رأته ووقفت في المنتصف منتظرة إياه وهي تتطلع عليه بابتسامة مريحة خلفها قناع فيه نهايته ..
وصل عمار والتفت كي يتوجه لغرفتها، تفاجأ هو بها واقفة أمام الغرفة، استنكر في نفسه أن تكون بانتظاره فما حدث بينهم آخر مرة يجعله يشك ، استغرب أكثر من ابتسامتها وهي تنظر إليه وظل يتحرك هو نحوها وعيناه على عينيها لا يفارقان بعضهما ؛ وقف عمار أمامها لينظر لبعضهما للحظات فارقة في حياة كل منهما ، دنت مارية منه واضعه كلتا يديها على صدره الصلب وحركتهما حتى منكبيه العريضين بلمسات رقيقة منها ونظراتها عليه دون ان تفارقانه، لم يتفهم عمار ما تريده حتى همست الأخيرة بنبرة دمثة للغاية وهي تتدلل عليه:
- أنا حضرت العشا بنفسي جوه ، تعالى معايا علشان حابة اسهر معاك النهاردة ونتكلم شوية!!
نظر لها عمار بعدم تصديق وشعرت مارية بأنه يتعجب تغيرها، همست مرة اخرى بدلال زاده تمني :
- انت لسة هتقف تستغرب ، تعالي معايا يلا .
ثم سحبته لداخل الغرفة وهو في حالة عدم استيعاب، كان كالدمية بين يديها حين سحبته خلفها، اوصدت الباب لتعود وتقف امامه، ابتسمت بوله زائف وهي تمرر انظارها على وجهه متجاهلة صدمته مما يراه منها ، طوقت عنقه بذراعيها ودنت من وجهه بشدة لتبدو المسافة منعدمة، همست بانفاس مضطربة بعض الشيء:
- مش عاوز تقعد معايا ولا أيه ؟ .
تزعزعت نظراته نحوها ولم يتفهم تبدل حالتها، ابتسم بشدة ليقول بحب صادق :
- بحبك قوي يا مارية .
ابتسمت له لا تريد المزيد من الحديث منه هذا بالطبع يقتلها ، ردت هي بتردد:
- انا جعانة ، يلا ناكل سوا .
ابتسم ليوافق حديثها حين نهض وسحبها لتأتي معه، وتوجها إلى مائدة الطعام، جلسوا في مقابيل بعضهما وزيفت ابتسامة له جعلته يشعر براحة واحاسيس كان يفتقدها منها، سكبت له من الطعام وشرعوا في تناوله، عاهد عمار نفسه باخبارها بعد انتهاء طعامهم فلابد أن تعرف بالحقيقة والحكم لها ، بعد وقت من تناول الطعام واختلاس مارية النظرات الشاردة نحوه ارتبكت، ابتلعت ريقها بتوتر وهو يأكل أمامها الطعام المسموم، هدأت من نفسها وقالت هذا الصواب ، فقد نفذ الحكم وانتهى، وعليها الآن السكون فسوف ترتاح من كل هذا ؛ بعد وقت انتهوا من تناول الطعام ليمسح عمار فمه بالمنشفة الصغيرة ، ابتسمت له مارية بتصنع ونهض ليتجه نحوها ويمسك يدها لتنهض معه، نهضت مارية ليسحبها لتأتي معه بعيدًا عن المائدة، وقف امامها وقال بمعنى :
- النهاردة عاوز اقولك على اللي كنت مخبيه عنك ، النهاردة هتعرفي الحقيقة علشان تعرفي اني مش ممكن ازعلك مني .
نظرت له مارية باهتمام وانصتت بشدة لما يريد التحدث عنه رغم استغرابها عن اي حقيقة يتحدث ؟، تنهد عمار ليشرح لها :
- مارية لازم تعرفي حقيقة ابوكِ، هو لما قتل عمتي مكنش غصب عنه، كان قاصد يقتلها .
حدجته بصدمة ليؤكد هو حديثه حين استطرد بجدية :
- ابوكِ كان متجوز عمتي في السر، كان بيخليها تسرق الورق الخاص بشغل بابا وتديهوله ، كان بيستغلها وبيضحك عليها وبيقولها أنه بيحبها ، هي صدقته وكانت بتعمله كل حاجة ، لحد ما اكتشفت انها حامل ، لما راحتله علشان يتصرف هيعمل ايه ، قالها أنه هيتجوزها وهي صدقت زي العادة ، متعرفش انه بيخطط يقتلها ، ابوكي علشان التار استغل عمتي ودخلها في الموضوع .
استمعت له مارية بصدمة ظهرت على تقاسيمها ، حركت رأسها كأنها ترفض التصديق ، فتابع عمار وهو يبتلع ريقه شاعرًا بألم في معدته :
- بابا مكنش يعرف وكان هيقبل يسامحه ، بس الخدامة اللي كانت هنا عارفة كل حاجة لأن عمتي مكنتش بتخبي عنها حاجة ، وحكت لبابا كل اللي حصل ، عمتي يوم ما ماتت كانت حامل ، وعلشان كدة اتحكم بقتله ، دي الحقيقة يا مارية .
شعرت مارية من حديثه بأنه يقول الصدق واحست بمعاناة عمته بما مر عليها ، هل والدها بهذا القبح أم لا؟ ، نظرت له كأنها ضائعة فهذا والدها الذي لطالما أحبته، فقال عمار كي يبرهن حديثه ويقطع الشك باليقين:
- عايزة تعرفي كل حاجة روحي لخالك، هو عارف كل حاجة لأنه كان مع ابوكِ وياما حذره يبعد عنها ...
بدأ يتألم عمار فقد زاد الوجع عليه ، معدته كأنها تتقطع من الداخل ، نظر لها بملامح متألمة لتشهق هي كبداية للبكاء وهي ترى مفعول السُم يظهر عليه ، بكت مارية حينما اشتد عليه الألم ووضع كلتا يديه على بطنه وعرقه يتصبب على جبينه ووجهه ، نظر لها كأنه يستفهم ما به ؟ ، حركت رأسها لتقول بأسف ودموعها تنهمر على وجهها :
- سامحني يا عمار ، انا حطيتلك سم في الأكل .
نظر لها بصدمة ممزوجه بألمه العنيف ، تابعت هي بأسى:
- يا ريتك اتكلمت من بدري ، انا أسفة .
ثم اجهشت في البكاء ليبتلع ريقه بألم وارتمى على الأرض حيث جثا على ركبتيه وانحنى بجذعه يسيطر على ذلك الألم العنيف ، دنت مارية منه وجثت على ركبتيها أمامه، وضعت يديها على كتفيه شاعرة بمدى معاناته الآن، رفع عمار بصره نحوها لتنصدم من عيونه الحمراء ووجهه المتشنج ، ابتسم بألم وقال:
- ليه يا مارية .... ليه يا حبيبتي؟!.............
