رواية حكمت وحسم الامر فهل من مفر الفصل التاسع 9 بقلم الهام رفعت
الفصـــل التاسـع
~~~~~~~~
لم تلبث موضعها ونهضت من امامه لترتدي ملابسها على عجالة متلهفة وهي تختطف له النظرات حينها لترى إلام وصلت حالته ، كانت لمارية خبرة جيدة في مثل تلك المواقف لتتصرف بحذاقة ، دنت منه بعدما انتهت لتجده استلقى على الارضية يتألم بشدة ، نظرت له بحزن ولكن ليس الآن لتبكي ، وضعت يده اعلى جبينه لتتحسس حرارته وتنهدت بحبور كونها ما زالت طبيعية ، دعت الله أن تظل كما هي لحين التصرف السليم ، قالت له بنبرة ترتجف من القلق والخوف معًا ونظراتها يكسوها الحزن:
- متخافش يا حبيبي ، انا هتصرف وأن شاء الله هتبقى كويس .
نظر لها بأعين متألمة فرغم ما فعلته به لم يكرهها عمار للحظة ، ابتسمت مهونة عليه ونهضت فلا مجال الآن لتنعي ما حدث ، تحركت مارية نحو الخارج راكضة بالمعنى الصحيح وهي تهرول متجهة للمطبخ لتجلب له بعض الحليب ليخفف عنه مفعول السُم فهي طريقة جيدة ومتبعة كاسعافات اولية ، لحظها المُتيمن اصطدمت بمكرم في طريقها ، دُهش مكرم من هيئتها المرتعدة المزرية ، فتح شفتيه ليتحدث ويسألها ولكنها سبقته حين قالت بلهفة وجسد ينتفض من القلق :
- عمار فوق الحقه ، عمار مسموم ، أنا هروح أجيب لبن ومش هتأخر ، ساعده يا مكرم .
قالت جملتها واكملت ركضها للمطبخ، وقف مكرم موضعه متيبس للحظات حتى عاد لرشده وهرول للأعلى متجهًا إليه وبدا عليه القلق هو الآخر ؛ ولجت مارية المطبخ لتتصلب موضعها مبتلعة ريقها بإرتباكٍ حين وجدت والدته راوية فيه ترتشف الماء ، رفعت راوية الكوب من على فمها ووضعته على المنضدة لتنظر لها بتعجب ، حركت مارية جسدها فلما هي تخشى معرفتها ، فلتعرف فهو الأهم الآن وتحركت بعزيمة نحو البراد لتبحث عن المطلوب ، وقعت عيناها على زجاجة الحليب والتقطتها لتستدير ولكنها وجدتها في وجهها وتنظر لها بضيق ، قالت راوية بنبرة منزعجة:
- ايه اللي مخرجك من اوضتك في وقت زي ده ، وواخدة اللبن دا ورايحة على فين ؟ .
ازدردت مارية ريقها وقالت تريد الذهاب إليه ، قالت باقتطاب :
- عمار فوق تعبان ولازم اطلعله دلوقتي .
ثم همت بتركها ولكن تشبثت راوية بملابسها وهتفت باهتياج :
- ابني ماله ، عملتي فيه ايه دا كويس من شوية ، انطقي يا مجرمة ؟ .
نظرت لها مارية بغضب ثم نفضت يدها بعنف لتتركها وهتفت باغتياظ جم :
- ابنك بيموت سيبيني الحقه .
ثم استدارت مارية لتركض ذاهبة إليه وبيدها زجاجة الحليب تاركة إياها خلفها تقتفي اثرها مذهولة وهي تحرك رأسها بعدم تصديق ، لم تتراخى راوية موضعها هي الأخرى وهرعت خلفها لتطمئن على ابنها وقلبها ينتفض مرتعبة عليه مدركة بداخلها بأنها افتعلت شيئًا ما بولدها ، اقسمت راوية في نفسها وهي تهرول ذاهبة إليهم بأن عقابها سيكون بيدها هي ولا مفر لها اليوم في قتلها الحتمي ....
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
رفعه مكرم على ركبتيه يحاول تهدئته ببعض الكلمات المريحة إلام يصل رجاله الذي هاتفهم ليحملوه معه ، في تلك الاثناء جلب له ملابسه ليرتديها كونه كان عاري لا يغطي جسده سوى المنشفة ، كانت حالة عمار تسوء ولقوة بنيانة ساعده ذلك في التمسك إلى حد ما ، مسح مكرم على رأسه وقال بحزن ممزوج بقلقه عليه :
- الرجالة زمانهم جايين يا عمار ، حاول علشان خاطري تمسك نفسك ، انا حاسس بيك وأن الموضوع صعب .
نظر له عمار بأعين مجهدة للغاية ، رد عليه بصوت ضعيف بالكاد يخرجه مع ألمه :
- محدش يأذي مارية ، مارية ملزومة منك ، لو حصلها حاجة مش هسامحك يا مكرم ، أوعى تخلي حد يقربلها .
نظر له مكرم محركًا رأسه بطاعه فرغم ما يعانيه يفكر فيها وانها السبب في حالته تلك ، قال له بتفهم :
- متخافش ، خليك انت بس في نفسك علشان نلحق السم قبل ما ينتشر في جسمك كله .
ثم انتبه بعد جملته التي تفوه بها لمارية التي ولجت الغرفة عليهم حاملة لزجاجة الحليب ، نظر لها بتلهف وهي تدنو منهم ، جثت مارية على ركبتيها امامهم في حين التقط مكرم منها زجاجة الحليب ليرفع رأسه بعدها ويجعله يشرب منها قدرًا معقولاً ليخفف من السم بداخله ، امسكت مارية يده لتمسح عليها بلطف وهي تتأمل معاناته أمام عينيها فكم كانت غبية وهي تقتل حبيبها بيدها ، غرقت دموعها وجهها وهي تنظر له بحزن فهي المسؤلة عن كل هذا ، بدأ عمار يرتشف من الحليب وساعده مكرم على ذلك ؛ ولجت راوية الغرفة عليهم لتنصدم مما يحدث امامها ، ساقتها قدماه لتتحرك نحوهم وعيناها على ولدها الذي يعاني امامها بشدة، حركت رأسها بصدمة ممزوجة بالحزن إذا حدث له شيء ، ذهبت راوية في عالم آخر تثاورها الأفكار بأنها بالفعل فقدته وهي الآن حزينة عليه ، رددت بلا وعي وهي تحدق به بحزن :
- ابني ..عمار ..
لم تنطق بشيء بعدها حيث عادت مما هي فيه بعدما ولج العديد من رجاله للداخل ولم يلبثوا مكانهم ليستفهموا بل هموا بحمله جميعًا ليهرعوا به نحو الخارج ومكرم يركض خلفهم ويحدثهم :
- شارب سم يا رجالة ، تعرفوا حد بيفهم يخرجه منه .
رد عليه احد الرجال بخشونة وهم ما زالوا يركضون به :
- هنروح عند سعدون الجن ، ما فيش حد غيره هنا بيفهم فيه .
هتف مكرم بنبرة مغتبطة بعض الشيء :
- طيب يلا بسرعة عليه ، ومحدش يعمل صوت وانتوا خارجين ، مش عايز أي حد يعرف باللي حصله ده .
ادركوا الرجال حالته وامتثلوا لحديث مكرم ودلفوا خارج القصر بحذر حاملين إياه، ظهر حبهم لرب عملهم في تلك اللحظة فهؤلاء رجال عمار المقربين ليجدهم خلفه في وقت الشدة ، استقلوا به احدى السيارات ضخمة الهيئة وانطلقوا بها لهذا الرجل ولكن قبل الرحيل حدث عمار مكرم بعزيمة عجيبة كونه يقاوم السم ولا يهتم لما هو فيه :
- الرجالة هتوديني يا مكرم ، اطلع لمارية واوعى تخلي حد يعملها حاجة ، زي ما فهمتك هي مسؤلة منك وانا هبقى كويس بإذن الله وابقى حصلنا .
اطاعه مكرم حين حرك رأسه فلا فائدة من الحديث معه فهو يعلم بحبه لها ، في حين انطلق الرجال بالسيارة بسرعة رهيبة وتتبع مكرم خروجهم حتى دلفوا للخارج، وزع مكرم انظاره بعدها حوله ليلاحظ ما أن رآهم أحد ، تنهد براحة وولج مرة أخرى داخل القصر ليفعل ما امره به ....
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
في تلك الأثناء في الأعلى بدت نظرات راوية الشرسة محدقة بها فهي ادركت الآن بأنها من فعلت به هذا لتنتقم لوالدها الحقير ، نظرت لها مارية بأعين باكية حزينة ولم تهتم بعقابها الذي ستتلقاه منهم ، شاغلها الآن هو تتمنى في داخلها عودته سالمًا ، تحركت راوية نحوها فهي لن تتركها اليوم إلا بخروج روحها على يدها ومن ثم قتل من ارسلوها لتفعل هذا بولدها الوحيد ، ازدردت مارية ريقها وهي تدنو منها ونظراتها مظلمة لا تبين ما ستنتويه معها ، وقفت راوية امامها لتجذبها من شعرها بقسوة مدروسة وقربتها منها ، هتفت راوية بغضب وهي ترمقها بنظرات فتاكة:
- بقى انتي جاية هنا تخلصي على ابني ، محدش هيخلص منك غيري ، ابوك الـ ***** مات وراح في ستين داهية وانا هخليكي تحصليه ، بس بعد ما احرق قلبك على امك كمان ، وبعدها هتتمني موتك من اللي هعمله فيكي ..
ارتعبت مارية من حديثها وبكت في صمت ، ابتسمت راويةبغضب وشيطنة اظهرتها نظراتها الغاضية نحوها ؛ ثم سحبتها بقسوة من شعرها وكاد ان يقتلع في يدها حيث تألمت مارية ولكنها استسلمت لما تفعله بها وبكت في صمت وهي تجرها من شعرها ، نكست مارية رأسها وهي تسير خلفها شاعرة بالذل تاركة إياها تفعل ما تريد ، ظهرت القسوة على هيئة راوية فحينما يتعلق الأمر بابنها تتناسى ما حولها لتتدق اجراس الخطر لتطيح بمن حولها ، هبطت الدرج بها لتأخذها للقبو ، تفاجأت هي بمكرم يقابلها وينظر لها بذهول ، هرع مكرم نحوها ووقف امامها ليقول بنبرة مزعوجة :
- ايه دا يا مرات عمي اللي بتعمليه فيها ده ؟ .
وقفت راوية وهي ما زالت ممسكة بها ونظرت له بغضب ، ردت بحالة اظهرت هياجها :
- يعني ايه بعمل ايه ؟ ، واحدة كانت بتموت ابني ، عايزيني اسيبها كدة ، نظرت لها راوية بغضب شديد لتتابع وهي تشدد بقبضتها على شعرها لتتألم مارية في صمت :
- دا انا هعمل فيها اللي مش ممكن يخطر على بالها ، هخليها تتمنى الموت ومش هتشوفه .
تجهمت تعابير مكرم مما تنتويه معها ونظر لمارية بشفقة فهي لها عذرها ، عاود النظر لزوجة عمه ورد عليها بتوسل :
- سيبيها يا مرات يا عمي ، عمار بنفسه قبل ما يخدوه قال ارجع وخلي بالك منها ومحدش يعملها حاجة .
حدجته بنظرات غاضبة ، هتفت معترضة :
- كمان بعد اللي عملته ده عاوز يسيبها تعيش ، هيفضل طول عمره بيضحي علشان واحدة متستهلش وكانت عايزة تموته .
لم يعرف مكرم كيف يتصرف معها فهي زوجة عمه وحزينة على ما حدث لابنها والجميع من حولهم نيام وخشي افاقة احدهم ليعلم بالموضوع ، قال مكرم لها بمفهوم ونبرة خفيضة :
- طيب يا زي ما انتي عاوزة ، بس احنا مش عايزين حد يعرف باللي حصل ، وخصوصًا عمي سلطان ، دا لو عرف ممكن يجراله حاجة ، خافي حتى على صحته ، قلبت راوية حديثه في رأسها لتقتنع به فهي لا تريد معرفة احد بما حدث وبالأخص سلطان فهو يحبه ولو علم بذلك لاصابه مكروه ما فهو مريض ، وجهت بصرها لمارية ورفعت رأسها لتجعلها تنظر لها ، نظرت لها مارية بهدوء ولكن دموعها تملأ عينيها وتنهمر على وجهها ، ابتسمت راوية باستهزاء وهي ترمقها بنظرات دونية ، في حين يجاهد مكرم بقدر المستطاع جعلها تتركها لحين شفاء عمار فقد اوصاه بها ، نظر تجاه القبو فقد خطرت في باله فكرة ما وذلك لحمايتها ، وجه بصره لراوية وخاطبها بتفهم :
- طيب خديها البدروم زي ما انتي عاوزة لحد عمار ما يبقى كويس ، بس متعمليلهاش حاجة لو بتحبي عمار ، لو مش عايزاه يزعل متأذيهاش ، هو بنفسه وصاني عليها ، ارجوك يا مرات عمي وديها البدروم لحد ما عمار يخف ويتصرف هو معاها .
نظرت له راوية وتنهدت بضيق فشاغلها الآن شفاء ابنها ، في حين أنبت مارية نفسها فرغم ما هو يعانيه يهتم لأمرها ، تنهدت بحزن لتنخدع في اخلاق والدها ، عليهم عذرها فليس بيدها ما حدث فهي الأخرى ضحية، انتبهت لراوية وهي تتابع جذبها بعنف ناحيتها وتقول وهي تتوجه بها للقبو :
- طيب يا مكرم ، اما اشوف اخرة الموضوع دا ايه ......
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
في الصباح وهو يحضر لتجهيزات عرسه اليوم انصدم فؤاد حين أتاه خبر مقتله، تضاربت الظنون في رأسه وهو يسأل نفسه من قد يفعلها ؟ ، ايقن بداخله أنهم أول المشكوك فيهم ، كلحت تعابيره فليس له شأن بذلك ولا أحد من رجاله ، تنهد بضيق وتوجه لعمته كي يخبرها بهذا الخبر لتتناقش معه ماذا يفعل فهم بالتأكيد على وشك معركة قادمة وحربًا ضروسة بينهم؛ هبطت فريدة الدرج كي تقابله فتحرك الأخير صوبها ليقول بعدم ارتياح :
- تعالي يا عمتي شوفي المصيبة ، عيسى اتقتل .
اعتلت الصدمة هيئتها وهي تنظر إليه ، هتفت باستنكار :
- انت بتتكلم جد ، مين اللي ممكن يعمل كدة؟! ، صمتت لتتابع بمغزى وهي تنظر إليه :
- اوعى يا فؤاد تكون انت ....
قاطعها بنفي قطعي وهو يشير بيديه :
- محصلش يا عمتي ، انا اتفاجئت زيك كدة ، وكمان أن مش فاضي دا أنا بجهز لجوازي اللي المفروض هيبقى النهاردة .
ثم نظر لها بضيق اظهر امتعاضه فقد تعطل زواجه وربما الغاؤه ، ابتسمت فريدة حين تفهمت عليه قالت مضيقة عينيها بمكر :
- قول بقى أن انت ميهمكش انه مات ، كل اللي يهمك جوازك النهاردة .
نظر لها مكرم بتردد ليرد عليها بنفي متزعزع :
- لا يا عمتي ، انتي تفكيرك راح لفين ، انا بس...
قاطعته بعدم اقتناع تام وقالت :
- مش مصدقاك متكملش ، ثم تابعت بجدية :
- المهم تاخد حذرك انت والرجالة ، لأنهم ممكن يقولوا أن احنا اللي وراها ، وبصراحة مات ولا لا ميهمناش في حاجة ، اللي يهمنا واحد بس ومستنين موته ...
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
جلس سلطان على الأريكة في ردهة المنزل يرتشف قهوته بهدوء شديد أو بالأحرى ببرود مستطير فقد اتاه خبر وفاته حينما افاق من نومه ، لم يكترث لموته فطالما بغض افعاله المشينة في حقه وحق ابنته وخاصةً غِيرته العمياء من ابنه الوحيد ، تنهد بحبور جم وهو يتلذذ في ارتشاف قهوته ؛ جذب انتباهه زوجته فحالتها ليست كعادتها اليومية كمن تضمر شيئًا ما لم يعلم به ، رفع حاجبيه بتعجب وهو يراها تأخذ القصر ذهابًا وايابًا كمن تنتظر أحدًا اوشك على الحديث معها ولكنه وجدها تتجه للقبو ؛ تعقبها بنظراته المستغربة حتى اختفت ، جذم نظراته نحوها الخبر الذي تهيأ لبلوغها في لحظة وأخرى ؛ حيث ولج اخيه سالم يصرخ في حالة يرثى لها ويبكي فقد علم بمقتل ابنه ، هرع سالم تجاه سلطان الجالس يتطلع عليه بعدم فهم مصطنع رسمه بإجادة، ردد سالم وهو يدنو منه بحزن وبكاء مرير :
- عيسى اتقتل يا سلطان ، عيسى اتقتل .
نهض سلطان من جلسته وخضب قسماته بحزن وصدمة زائفة مرددًا:
- ايه الكلام اللي بتقوله دا يا سالم ، حصل ازاي ، ومين اللي يتجرأ ويعمل كدة ؟ .
كفكف عبراته الحارقة بطرف اكمامه ورد عليه بحزن جلي :
- بيقولوا ناس بتوع اثار اللي كان بيشتغل معاهم في التهريب ، حصل بينهم مشاكل وطلعوا عليه وقتلوه .
ارذل سلطان حزنه عليه حين هتف وهو يواسيه :
- شد حيلك يا سالم ، دا أخرة اللي كان بيعمله ، ياما حذرته قبل كدة قدامك وهو مكنش بيسمعلي وبيعاند ، شوف وصل نفسه لأيه ، ويتم عياله ورمل مراته .
نكس سالم رأسه بحزن وهو ينتحب ، نظر له سلطان مدعي الشفقة على حالته ، دنا منه وربت على كتفيه وهو يردد مهدئًا إياه:
- اهدى يا سالم مش كدة ، اومال الحريم يعملوا ايه لما انت بعمل في نفسك كدة .
لم يستطع سالم الكف عن حزنه على ابنه فطالما حذره من التعامل مع هؤلاء البشر متحجري القلب وها هي نهايته اضحت على ايديهم ، تنهد بحزن وهو يردد بأسى :
- ربنا يرحمك يا عيسى ، ربنا يرحمك يا ابني ...
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
علم جميع من في القصر بوفاته وتم عمل مأتم له في ساحة القصر ليتوافد عليها الجميع وتم هذا بسرعة كبيرة فاكرام الميت دفنه كما هو متعارف عليه ؛ كان شاغل سلطان في هذا الجمع الغير مجدي بالنسبة له هو اختفاء عمار فلم يره منذ ليلة امس ، وكذلك مكرم الي لم يحضر العزاء هو الآخر ، زفر بقوة لا يعرف ماذا يفعل او يسأل من فحتى هناك الكثير من رجاله مختفين ، بدا الموضوع مريب ولكنه تأن في نفسه فربما هناك ما شغله بالتأكيد وتنهد ليكمل جلسته بجانب اخيه الذي لم يصمت بعد ..
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
في الأعلى جلسن النسوة حول منى ووالدة عيسى التي انفطرت من كثرة البكاء على ولدها ، وكذلك منى التي تبكي على حالتها وليس عليه فهي تعلم من قبل ولم ترأف به للحظة كونه يتجاهلها ويفضل من هن دونها ، ضجرت منى من جلستها تلك ونهضت تريد التحدث مع والدتها وتركت هؤلاء خلفها بعويلهم الذي يثير انزعاجها ، دلفت منى للخارج باحثة عن والدتها وهي تجوب بانظارها جميع الزوايا والأماكن بالقصر حيث لم تشاركهم العزاء ، تنهدت بضيق وهبطت الدرج لتبحث عنها في المطبخ ، التفتت منى لصوت قادم من القبو ويبدو أنه لوالدتها ، استمعت للصوت مرة أخرى باهتمام سافر فإذا به بالفعل لوالدتها ، لم تتوانى منى في التحرك تجاه القبو لرؤية ما تفعله بداخله ، يرتفع صوت والدتها أكثر كلما اقتربت ويبدو أنها تعنف أحدًا ما ، شرعت في مسك مقبض الباب لتفتح ، وما أن فتحته حتى اكتست الصدمة طلعتها وهي تمرر بصرها على ما يحدث بالداخل ، انتبهت لها راوية والتفتت ناحيتها ، هدرت بانفعال:
- أنتي جاية بتعملي ايه هنا ؟ ، يلا امشي .
تجاهلت منى حديثها كأنها لم تسمعه بالأساس حيث تصلبت نظراتها المدهوشة على مارية الملقية على الأرضية وهيئتها مبعثرة ويبدو أن والدتها كانت تتطاول عليها بالأيدي فخدودها حمراء كالدم "تشبيه" ، وجهت بصرها لوالدتها وسألها بذهول استحوذ عليها وهي تشير على مارية :
- مين اللي عمل في مارية كدة ؟ .
ردت والدتها عليها بنبرة مهتاجة وهي تدفعها لتغادر المكان:
- قولتلك ملكيش دعوة ، يلا اطلعي على اوضتك .
نفضت ذراع والدتها وتحركت للداخل وهي تتطلع على حالة مارية بأسى ، اكملت بتبرم وهي توجه بصرها لوالدتها:
- ليه كدة يا ماما ، عمار لو عرف باللي عملتيه ده ممكن يزعل منك ، انتي مش عارفة هو بيحبها قد أيه .
ابتسمت راوية بتهكم واستهزأت مما تفوهت به :
- عمار ، عمار اخوكي هيموت بسببها ، الست سمت اخوكي ويا عالم حالته ايه دلوقتي ، من الصبح معرفش عنه حاجة .
تستمع مارية على حديثها وهي تنتحب وتدعي الله في نفسها بأن يشفى ، ليس من اجلها ولكن لشعورها بالذنب حياله ، التزمت الهدوء ولكن شعرت بمغص في معدتها ادى إلى تأليب معدتها على التقيؤ ، لم تتحمل مارية حتى غلبتها تلك الرغبة لتتقيأ امامهم وتفرغ ما في معدتها لتتقزز هي قبلهم من الموقف الغير مستحب ؛ انتبهن عليها ونظرن لما افرغته بتقزز بائن حينما وضعن ايديهن على انوفهن ، قالت راوية باشمئزاز:
- ايه القرف ده ؟ .
لم تتحمل مارية ذاك الألم وتلك الرغبة في الغثيان لتقول بصوت ضعيف متعب وهي تضع يدها على بطنها :
- انا تعبانة قوي ، مش قادرة .....
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
في مكان آخر وقف مكرم منتصفًا رجال عمار وهو يتحدثون عما حدث لعيسى ، لم يهتم مكرم وهتف بعدم اكتراث منزعج :
- بلاش تجيبوا في سيرته ، احنا ناقصين قرف ، خلينا نشوف اللي جوه ده عامل ايه .
وبعض لحظات قلائل خرج الرجل المدعو سعدون بعدما انهى عمله الذي يجيده بعناية ، هرع مكرم تجاهه وهو يردد بتلهف:
- عمار عامل ايه ؟ ، لسه عايش ؟ .
اجابه سعدون بنبرة واثقة وهو يرسم قناع التعالي :
- يا سعادة البيه انت جاي عند سعدون ، سعدون اللي لو أكل سم يقول عاوز كمان .
نظر له مكرم باقتطاب ، سأله بامتعاض :
- يعني هو عامل ايه ، السم خرج منه ؟ .
اشار سعدون له حول الداخل وقال بمغزى :
- هو انا مخبيه ، اتفضل ادخل شوفه بنفسك .
لم يلبث مكرم موضعه حتى ولج لداخل تلك الغرفة التي قضى فيها ساعات مع هذا الرجل ، تدرج مكرم نحو الداخل وعيناه تبحث بتلهف عليه ، في ركن ما بالغرفة رثة الهيئة وجده مستلقيًا على احدى الأرائك الشبه متهالكة ويبدو عليه بأنه لم يعاني من أي ألم ، دنا منه مكرم ليجثو على ركبتيه امام وجهه ، سأله بقلق :
- عمار حاسس بأيه ، لسة فيه حاجة بتوجعك ؟ .
نظر له عمار بأعين شبه مجهدة ، رد عليه باستفهام :
- مارية عاملة ايه ؟ ، اوعى حد يقربلها ، هكسر الدنيا لو حصلها أي حاجة .
حرك مكرم رأسه بتفهم مدركًا عناده فهو لا يهتم بما هو عليه الآن قدر ما يكترث لأمرها ، رد بعدم رضى :
- هتفضل كدة على طول معاها ، دي كانت عاوزة تقتلك ، لو ملحقناش وجبناك هنا كان زمانك ميت .
قطبت تعابير عمار من ثرثرته الدائمة ، اعاد سؤاله بحنق عكس انفعاله مما تفوه به :
- بقولك هي عاملة ايه ؟ ، يبقى تجاوب على قد السؤال وتطمني عليها ، انت عارف أني مبحبش الطريقة دي في الرد.
نظر له مكرم بعبوس كأن انفعاله عليه ضايقه فهو ابن عمه المقرب ودائمًا ما يعنفه رغم أنه أكبر منه بالعمر ولكن عليه الهدوء فهو الآن مريض ، رد مكرم بتأكيد :
- هي كويسة محدش عملها حاجة، انا بنفسي اقنعت مرات عمي متعملهاش حاجة علشان انت متزعلش .
اقصى عمار انظاره من عليه ليتطلع للأعلى بشرود في تلك الليلة التي احبها حرفيًا من مبادلتها الحب له وابتسم وهو يتذكر لمساتها على جسده فكم أحب الأمر ، لم يكترث كونها كانت تفكر حينها بالإنتقام منه ، فتلك الليلة ستظل محفورة بداخله فهي اول لقاء بينهم برضاها دون أن يجبرها كما كان يفعل ، تأمل مكرم تعابيره التي تتحول من الألم للسعادة وهو يبتسم ، سأل نفسه ما به ؟ ، سرعان ما كشف بحسه الخبيث بأنه يفكر فيها الآن ، فبظرات لئيمة منه تذكر بأنه كان عاري وبالتالي فأنه كان ... ، هنا صمت مكرم فقد تطاول في فكره المستهجن في شرح ما كان يفعلانه سويًا ، انتبه لعمار ينظر إليه ويقول بابتسامة جانبية مريبة ونظرات مظلمة ماكرة :
- أنا عاوزك تجيبهالي هنا ، قولها عمار عايز يشوفك ....
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
توغنت منى أن تأتي الطبيبة لفحصها فحالتها تلك ليست اعراضها بجديدة عليها وشكت في امرها ، لم يعجب راوية تصرف ابنتها الوخيم من وجهة نظرها ولكن لاجل ابنها وافقت ، بدأت السيدة بفحص مارية التي بالفعل مريضة ، ترقبت منى ما يحدث لتتأكد من حدسها وظنونها في تلك المسألة ، وكذلك راوية الممتعضة مما يحدث ولكنها ارضخت لما يحدث لتنتظر هي الأخرى أن تنتهي الطبيبة وكذلك مارية التي تنظر فقط امامها بحزن وضياع فقد اوصلت نفسها للهاوية وهذا بفضل والدها وما فعله من بذائة جعلتها تمقت من حولها ليضحى هو الجاني الذي تسعى لأخذ حقوقه ، تنهدت بحسرة وألم فقد انخدعت في قناع الطيبة الدائب ارتداءه امامهم ، حيث وضعت في حسبانها والدتها المخدوعة هي الأخرى فماذا سيكون ردة فعلها حينما تعلم بالحقيقة ؟ ، ولكن اجابتها على هذا السؤال بأن والدتها لن تتحمل وتوجست مارية من اصابتها بعلة ما حينما تنصدم من شخصيته المنكودة عن جميع من حوله ، تنهدت بألم وانتظرت ماذا ستخبئ لها الأيام ؛ بعد وقت مر عليهن كسويعات باتت اعصابهن فيها مشدودة ، نهضت الطبيبة بعدما انتهت وتحدثت بجدية وهي تنظر لراوية :
- الست مارية حامل يا حاجة راوية .
وقعت تلك الكلمات على راوية لتصيبها بحالة غير مفهومة وذلك حينما تركزت انظارها على السيدة ، وعن منى فقد صدق حدسها فهي شكت في الأمر فهو اولى اعراض الحمل ؛ وعن مارية كانت في عالم آخر وردي رسمه عقلها الباطن فور سماعها لتلك الكلمات المقتضبة التي عانت لها الكثير والتي اشعرتها بأن الحياة تفتح لها ذراعيها من جديد لتخطو هي معه لبر أمان خالي مما مر عليهم ؛ وجهت راوية انظارها نحوها فهذة تحمل قطعة من ابنها ، كانت تخشى عدم حدوث ذلك ولكن قلبها دفعها بأن تعدل في معاملتها معها من الآن ، حيث هبت قائلة بحزم :
- تعالوا انتوا الإتنين ساعدوني نطلعها اوضتها .
ابتسمت مارية لرؤية نظرات الرضى في عيناي راوية تجاهها ولكن ما لم ينتبه له أحد وجود تلك الأعين التي تتربص لهما بغضب جم ، حيث راقبت شيماء ما بحدث بحذر بعدما ابلغت عمار بعلاقتها هي وعيسى ، فطنت انه ربما سيتخلص منها مثله ، ولكن ما أغاظها حتى الآن بقاءها حية ، اشتد غضبها أنها تحمل في احشاءها طفلاً منه وباتت نظراتها الحانقة تتسلط عليهما خاصةً ارتضاء راوية عليها وبالتالي عدم المساس بها وسيرتفع شأنها ، ادركت هنا بأن وجودها في ذلك القصر اوسك على الإنتهاء ، شهقت بخوف بأنها ستترك حياة الترف تلك وتعود كما كانت وبالتالي ضياع فرصتها في التقرب لعمار التي لطالما حلمت بنظرة واحدة منه، خرج الموضوع لمنحنى آخر جعل الحس الشيطاني بداخلها هو من يتولى زمام الأمور ؛ ابتسمت شيماء بحبث ولؤم فقد عرفت وجهتها لمن سيخلصها منها ، ومن غيرها والدتها السيدة فريدة التي تعلم كم العداوة التي بداخلها تجاههم ، تنهدت شيماء براحة واستدارت لتتوجه لها فلا مجال للإنتظار الآن ......
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
جلست اسماء تبكي في صمت بحانب احدى الأشجار فقد تأجل زواجها بسبب موت ذلك الحقير ، لما كل هذا فحتى وهو غير موجود يعيق فرحتها من اكتمالها ، تنهدت بحزن واقنعت نفسها ريما يحمل لها الله الخير ، اومأت برأسها لترضخ لارادة الله وابتسمت برضى ، كفكفت دموعها بكفي يديها واستعدت لتنهض ولكن دخول تلك الفتاة بهيئتها المريبة ساور الشكوك بداخلها وهي تتساءل ماذا تريد ؟ وراقبت دخولها للفيلا ونهضت خلفها لتستفهم عن وجودها ؛ حيث ولجت شيماء الفيلا لمقابلة فريدة لأمر هام ، لم تتراخى فريدة قي مقابلتها حينما اخبرتها بأن الموضوع يتعلق بأمر ابنتها ، وقفت فريدة امامها لتسألها بنبرة اظهرت قوة هذة المرأة :
- انطقي بسرعة موضوع ايه اللي يخص مارية بنتي؟ .
ارتبكت شيماء من خشونة هذة السيدة في التعامل ولكن لا مجال للتراجع، ردت شيماء بنبرة مترددة ولكنها اظهرت مكرها:
- انا جيت اقولك أن بنتك حامل ، اصل اللي اعرفه أنه جوزها قتل ابوها ، فقولت لنفسي يمكن عايشة حياتها من وراكوا ومفهماكوا انها هتنتقم ولا حاجة .
حملقت فيها فريدة بنظرات غاضبة ارعبت شيماء بالفعل وجعلتها تزدرد ريقها بتوتر جم ، هتفت فريدة بغضب مدروس :
- انتي متأكدة يا بت انتي انها حامل ، ولا علشان غيرانة منها جاية تقوليلي كدة ؟ .
نفت شيماء بشدة :
- لو مش مصدقاني خليها تجيلك هنا والست تكشف عليها ، ووقتها هتتأكدي اني مش بكدب ، صمتت لتتابع بمكر مكبوت زاد الوضع سوءًا :
- وبنتك اللي كنت فاكرة اتجوزني عليها علشان مش طايلها طلعت متفقة معاه يعمل كدة علشان يضحكوا عليكي وانتي تقولي دا هتنتقم منه ، طلع كل ده كذب وهما مع بعض من زمان ، دي حامل يعني الموضوع قديم وتلاقيه من أول ما اتجوزته .
باتت نظرات فريدة تمحي ما تنتوي له وحل الغموض والسكون المريب فيها ، تأملت شيماء هيئتها الغير مفهمومة تريد معرفة ما ستزمع له ولكنها انتفضت حين حدثتها فريدة بضراوة وهي تزمجر بغضب:
- يلا امشي من هنا ، واياكي حد يعرف أنك كنتي هنا وقولتيلي حاجة .
اومأت شيماء رأسها بطاعة وفرت من امامها راكضة ، تعقبتها فريدة بنظرات مميتة ملأها الآن الهلاك الحتمي فقد تلاعبت بها لتنعم مع قاتل والدها فيا لها من لعينة ، اما الآن انكشف امرها وعليها سرعة تنفيذ انتقامها بنفسها منهما ، تنهدت فريدة بغضب ثم هدجت للخارج ..
اثناء ركضها تاركها الفيلا اصتدمت باسماء التي كانت تبحث عنها ، فوجئت اسماء بها وكادت ان تسألها عن هويتها ، ولكن لم تمهلها شيماء الفرصة لتكمل ركضها خيفةً من أن يراها أحد ، تتبعتها اسماء بنظرات جاهلة لسبب وجودها وخروجها بهذا الشكل ، تضاربت الأفكار في رأسها عما يحدث حولها من غموض ، اخرجها من جموحها فريدة التي حدثتها مما جعلها تلتفت له وتحدق بها بجهل ، هتفت فريدة بنبرة مظلمة:
- ايه يا اسماء ، هتتجوزي من غير ما تعزمي مارية على فرحك ، يلا روحي بسرعة خليها تيجي علشان نفرح كلنا .....
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
ارتدت ملابس نظيفة لمقابلته فقد وصلها خبر شفائه، سمحت لها راوية بمقابلته حينما اطمأنت على صحة ابنها من عمار الذي جاء لأخذ مارية له ؛ استقلت معه السيارة متلهفة لرؤيته بصحة جيدة فكم من الوقت تلعن نفسها وفكرها الخائر الذي اوصلها بأن تجعل حبيبها يتركها ، باتت على اعصابها تريد الوصول إليه ورؤيته بنفسها ؛ اخرجها من تفكيرها مكرم الذي قال :
- وصلنا .
نظرت مارية للمكان من حولها فهيئته مجهولة بالنسبة لها ، ترجل مكرم لتترجل هي الأخرى مثله ، اشار لها بيده على هذا المنزل القديم المكون من غرفة واحدة فهذا البائن من هيئته الخارجية واكمل بمعنى:
- هو جوه ، انا هستناكِ هنا على ما تشوفيه وترجعي .
حركت رأسها بتفهم وتحركت نحو ذلك المنزل ، اقتربت منه وقلبها يدق بعنف ، فتحت مارية الباب وخطت بقدمها نحو الداخل ، اوصدت الباب من خلفها وتدرجت اكثر وهي تتجول بانظارها للمكان ، انتبهت لصوته المحبب لقلبها وهو يناديها من أحد الأركان:
- تعالي أنا هنا .
التفتت مارية ناحيته لتراه راقدًا على الأريكة ويتطلع عليها بهدوء، اتسعت ابتسامتها لرؤيته بخير وهرعت نحوه، دنت مارية منه وجثت على ركبتيها امامه ثم حاوطت وجهه بكفيها ، قالت بالقرب من وجهه الذي تتأمله بحب:
- حمد الله على سلامتك يا حبيبي .
نظر لها بجمود زائف ورد بسخرية :
- اهمك قوي ، كنت هموت على ايدك ، ايد البنت اللي محبتش غيرها ، هونت عليكِ يا مارية .
لمعت عيناها بحزن وقالت:
- بحبك ، بحبك قوي يا عمار ، سامحني يا حبيبي .
لم يتحمل عمار كل هذا حتى رق قلبه ولان، فكم تمنى تلك اللحظة التي تبادله فيها الحب كالماضي، ضمها لصدره بتتيم ظاهر وكذلك هي، مما تناسى هو ألامه وكأنه لم يصبه شيء بعد فكان بكامل عافيته ، تملك عمار منها فهي زوجته وحبيبته، تركته يتقرب منها وتناست أمر حملها، اضحت العلاقة الآن محببة من كلا الطرفين ليتبادلا الحب معًا دون كره؛ أو نفور بينهم .............................................!!
~~~~~~~~
لم تلبث موضعها ونهضت من امامه لترتدي ملابسها على عجالة متلهفة وهي تختطف له النظرات حينها لترى إلام وصلت حالته ، كانت لمارية خبرة جيدة في مثل تلك المواقف لتتصرف بحذاقة ، دنت منه بعدما انتهت لتجده استلقى على الارضية يتألم بشدة ، نظرت له بحزن ولكن ليس الآن لتبكي ، وضعت يده اعلى جبينه لتتحسس حرارته وتنهدت بحبور كونها ما زالت طبيعية ، دعت الله أن تظل كما هي لحين التصرف السليم ، قالت له بنبرة ترتجف من القلق والخوف معًا ونظراتها يكسوها الحزن:
- متخافش يا حبيبي ، انا هتصرف وأن شاء الله هتبقى كويس .
نظر لها بأعين متألمة فرغم ما فعلته به لم يكرهها عمار للحظة ، ابتسمت مهونة عليه ونهضت فلا مجال الآن لتنعي ما حدث ، تحركت مارية نحو الخارج راكضة بالمعنى الصحيح وهي تهرول متجهة للمطبخ لتجلب له بعض الحليب ليخفف عنه مفعول السُم فهي طريقة جيدة ومتبعة كاسعافات اولية ، لحظها المُتيمن اصطدمت بمكرم في طريقها ، دُهش مكرم من هيئتها المرتعدة المزرية ، فتح شفتيه ليتحدث ويسألها ولكنها سبقته حين قالت بلهفة وجسد ينتفض من القلق :
- عمار فوق الحقه ، عمار مسموم ، أنا هروح أجيب لبن ومش هتأخر ، ساعده يا مكرم .
قالت جملتها واكملت ركضها للمطبخ، وقف مكرم موضعه متيبس للحظات حتى عاد لرشده وهرول للأعلى متجهًا إليه وبدا عليه القلق هو الآخر ؛ ولجت مارية المطبخ لتتصلب موضعها مبتلعة ريقها بإرتباكٍ حين وجدت والدته راوية فيه ترتشف الماء ، رفعت راوية الكوب من على فمها ووضعته على المنضدة لتنظر لها بتعجب ، حركت مارية جسدها فلما هي تخشى معرفتها ، فلتعرف فهو الأهم الآن وتحركت بعزيمة نحو البراد لتبحث عن المطلوب ، وقعت عيناها على زجاجة الحليب والتقطتها لتستدير ولكنها وجدتها في وجهها وتنظر لها بضيق ، قالت راوية بنبرة منزعجة:
- ايه اللي مخرجك من اوضتك في وقت زي ده ، وواخدة اللبن دا ورايحة على فين ؟ .
ازدردت مارية ريقها وقالت تريد الذهاب إليه ، قالت باقتطاب :
- عمار فوق تعبان ولازم اطلعله دلوقتي .
ثم همت بتركها ولكن تشبثت راوية بملابسها وهتفت باهتياج :
- ابني ماله ، عملتي فيه ايه دا كويس من شوية ، انطقي يا مجرمة ؟ .
نظرت لها مارية بغضب ثم نفضت يدها بعنف لتتركها وهتفت باغتياظ جم :
- ابنك بيموت سيبيني الحقه .
ثم استدارت مارية لتركض ذاهبة إليه وبيدها زجاجة الحليب تاركة إياها خلفها تقتفي اثرها مذهولة وهي تحرك رأسها بعدم تصديق ، لم تتراخى راوية موضعها هي الأخرى وهرعت خلفها لتطمئن على ابنها وقلبها ينتفض مرتعبة عليه مدركة بداخلها بأنها افتعلت شيئًا ما بولدها ، اقسمت راوية في نفسها وهي تهرول ذاهبة إليهم بأن عقابها سيكون بيدها هي ولا مفر لها اليوم في قتلها الحتمي ....
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
رفعه مكرم على ركبتيه يحاول تهدئته ببعض الكلمات المريحة إلام يصل رجاله الذي هاتفهم ليحملوه معه ، في تلك الاثناء جلب له ملابسه ليرتديها كونه كان عاري لا يغطي جسده سوى المنشفة ، كانت حالة عمار تسوء ولقوة بنيانة ساعده ذلك في التمسك إلى حد ما ، مسح مكرم على رأسه وقال بحزن ممزوج بقلقه عليه :
- الرجالة زمانهم جايين يا عمار ، حاول علشان خاطري تمسك نفسك ، انا حاسس بيك وأن الموضوع صعب .
نظر له عمار بأعين مجهدة للغاية ، رد عليه بصوت ضعيف بالكاد يخرجه مع ألمه :
- محدش يأذي مارية ، مارية ملزومة منك ، لو حصلها حاجة مش هسامحك يا مكرم ، أوعى تخلي حد يقربلها .
نظر له مكرم محركًا رأسه بطاعه فرغم ما يعانيه يفكر فيها وانها السبب في حالته تلك ، قال له بتفهم :
- متخافش ، خليك انت بس في نفسك علشان نلحق السم قبل ما ينتشر في جسمك كله .
ثم انتبه بعد جملته التي تفوه بها لمارية التي ولجت الغرفة عليهم حاملة لزجاجة الحليب ، نظر لها بتلهف وهي تدنو منهم ، جثت مارية على ركبتيها امامهم في حين التقط مكرم منها زجاجة الحليب ليرفع رأسه بعدها ويجعله يشرب منها قدرًا معقولاً ليخفف من السم بداخله ، امسكت مارية يده لتمسح عليها بلطف وهي تتأمل معاناته أمام عينيها فكم كانت غبية وهي تقتل حبيبها بيدها ، غرقت دموعها وجهها وهي تنظر له بحزن فهي المسؤلة عن كل هذا ، بدأ عمار يرتشف من الحليب وساعده مكرم على ذلك ؛ ولجت راوية الغرفة عليهم لتنصدم مما يحدث امامها ، ساقتها قدماه لتتحرك نحوهم وعيناها على ولدها الذي يعاني امامها بشدة، حركت رأسها بصدمة ممزوجة بالحزن إذا حدث له شيء ، ذهبت راوية في عالم آخر تثاورها الأفكار بأنها بالفعل فقدته وهي الآن حزينة عليه ، رددت بلا وعي وهي تحدق به بحزن :
- ابني ..عمار ..
لم تنطق بشيء بعدها حيث عادت مما هي فيه بعدما ولج العديد من رجاله للداخل ولم يلبثوا مكانهم ليستفهموا بل هموا بحمله جميعًا ليهرعوا به نحو الخارج ومكرم يركض خلفهم ويحدثهم :
- شارب سم يا رجالة ، تعرفوا حد بيفهم يخرجه منه .
رد عليه احد الرجال بخشونة وهم ما زالوا يركضون به :
- هنروح عند سعدون الجن ، ما فيش حد غيره هنا بيفهم فيه .
هتف مكرم بنبرة مغتبطة بعض الشيء :
- طيب يلا بسرعة عليه ، ومحدش يعمل صوت وانتوا خارجين ، مش عايز أي حد يعرف باللي حصله ده .
ادركوا الرجال حالته وامتثلوا لحديث مكرم ودلفوا خارج القصر بحذر حاملين إياه، ظهر حبهم لرب عملهم في تلك اللحظة فهؤلاء رجال عمار المقربين ليجدهم خلفه في وقت الشدة ، استقلوا به احدى السيارات ضخمة الهيئة وانطلقوا بها لهذا الرجل ولكن قبل الرحيل حدث عمار مكرم بعزيمة عجيبة كونه يقاوم السم ولا يهتم لما هو فيه :
- الرجالة هتوديني يا مكرم ، اطلع لمارية واوعى تخلي حد يعملها حاجة ، زي ما فهمتك هي مسؤلة منك وانا هبقى كويس بإذن الله وابقى حصلنا .
اطاعه مكرم حين حرك رأسه فلا فائدة من الحديث معه فهو يعلم بحبه لها ، في حين انطلق الرجال بالسيارة بسرعة رهيبة وتتبع مكرم خروجهم حتى دلفوا للخارج، وزع مكرم انظاره بعدها حوله ليلاحظ ما أن رآهم أحد ، تنهد براحة وولج مرة أخرى داخل القصر ليفعل ما امره به ....
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
في تلك الأثناء في الأعلى بدت نظرات راوية الشرسة محدقة بها فهي ادركت الآن بأنها من فعلت به هذا لتنتقم لوالدها الحقير ، نظرت لها مارية بأعين باكية حزينة ولم تهتم بعقابها الذي ستتلقاه منهم ، شاغلها الآن هو تتمنى في داخلها عودته سالمًا ، تحركت راوية نحوها فهي لن تتركها اليوم إلا بخروج روحها على يدها ومن ثم قتل من ارسلوها لتفعل هذا بولدها الوحيد ، ازدردت مارية ريقها وهي تدنو منها ونظراتها مظلمة لا تبين ما ستنتويه معها ، وقفت راوية امامها لتجذبها من شعرها بقسوة مدروسة وقربتها منها ، هتفت راوية بغضب وهي ترمقها بنظرات فتاكة:
- بقى انتي جاية هنا تخلصي على ابني ، محدش هيخلص منك غيري ، ابوك الـ ***** مات وراح في ستين داهية وانا هخليكي تحصليه ، بس بعد ما احرق قلبك على امك كمان ، وبعدها هتتمني موتك من اللي هعمله فيكي ..
ارتعبت مارية من حديثها وبكت في صمت ، ابتسمت راويةبغضب وشيطنة اظهرتها نظراتها الغاضية نحوها ؛ ثم سحبتها بقسوة من شعرها وكاد ان يقتلع في يدها حيث تألمت مارية ولكنها استسلمت لما تفعله بها وبكت في صمت وهي تجرها من شعرها ، نكست مارية رأسها وهي تسير خلفها شاعرة بالذل تاركة إياها تفعل ما تريد ، ظهرت القسوة على هيئة راوية فحينما يتعلق الأمر بابنها تتناسى ما حولها لتتدق اجراس الخطر لتطيح بمن حولها ، هبطت الدرج بها لتأخذها للقبو ، تفاجأت هي بمكرم يقابلها وينظر لها بذهول ، هرع مكرم نحوها ووقف امامها ليقول بنبرة مزعوجة :
- ايه دا يا مرات عمي اللي بتعمليه فيها ده ؟ .
وقفت راوية وهي ما زالت ممسكة بها ونظرت له بغضب ، ردت بحالة اظهرت هياجها :
- يعني ايه بعمل ايه ؟ ، واحدة كانت بتموت ابني ، عايزيني اسيبها كدة ، نظرت لها راوية بغضب شديد لتتابع وهي تشدد بقبضتها على شعرها لتتألم مارية في صمت :
- دا انا هعمل فيها اللي مش ممكن يخطر على بالها ، هخليها تتمنى الموت ومش هتشوفه .
تجهمت تعابير مكرم مما تنتويه معها ونظر لمارية بشفقة فهي لها عذرها ، عاود النظر لزوجة عمه ورد عليها بتوسل :
- سيبيها يا مرات يا عمي ، عمار بنفسه قبل ما يخدوه قال ارجع وخلي بالك منها ومحدش يعملها حاجة .
حدجته بنظرات غاضبة ، هتفت معترضة :
- كمان بعد اللي عملته ده عاوز يسيبها تعيش ، هيفضل طول عمره بيضحي علشان واحدة متستهلش وكانت عايزة تموته .
لم يعرف مكرم كيف يتصرف معها فهي زوجة عمه وحزينة على ما حدث لابنها والجميع من حولهم نيام وخشي افاقة احدهم ليعلم بالموضوع ، قال مكرم لها بمفهوم ونبرة خفيضة :
- طيب يا زي ما انتي عاوزة ، بس احنا مش عايزين حد يعرف باللي حصل ، وخصوصًا عمي سلطان ، دا لو عرف ممكن يجراله حاجة ، خافي حتى على صحته ، قلبت راوية حديثه في رأسها لتقتنع به فهي لا تريد معرفة احد بما حدث وبالأخص سلطان فهو يحبه ولو علم بذلك لاصابه مكروه ما فهو مريض ، وجهت بصرها لمارية ورفعت رأسها لتجعلها تنظر لها ، نظرت لها مارية بهدوء ولكن دموعها تملأ عينيها وتنهمر على وجهها ، ابتسمت راوية باستهزاء وهي ترمقها بنظرات دونية ، في حين يجاهد مكرم بقدر المستطاع جعلها تتركها لحين شفاء عمار فقد اوصاه بها ، نظر تجاه القبو فقد خطرت في باله فكرة ما وذلك لحمايتها ، وجه بصره لراوية وخاطبها بتفهم :
- طيب خديها البدروم زي ما انتي عاوزة لحد عمار ما يبقى كويس ، بس متعمليلهاش حاجة لو بتحبي عمار ، لو مش عايزاه يزعل متأذيهاش ، هو بنفسه وصاني عليها ، ارجوك يا مرات عمي وديها البدروم لحد ما عمار يخف ويتصرف هو معاها .
نظرت له راوية وتنهدت بضيق فشاغلها الآن شفاء ابنها ، في حين أنبت مارية نفسها فرغم ما هو يعانيه يهتم لأمرها ، تنهدت بحزن لتنخدع في اخلاق والدها ، عليهم عذرها فليس بيدها ما حدث فهي الأخرى ضحية، انتبهت لراوية وهي تتابع جذبها بعنف ناحيتها وتقول وهي تتوجه بها للقبو :
- طيب يا مكرم ، اما اشوف اخرة الموضوع دا ايه ......
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
في الصباح وهو يحضر لتجهيزات عرسه اليوم انصدم فؤاد حين أتاه خبر مقتله، تضاربت الظنون في رأسه وهو يسأل نفسه من قد يفعلها ؟ ، ايقن بداخله أنهم أول المشكوك فيهم ، كلحت تعابيره فليس له شأن بذلك ولا أحد من رجاله ، تنهد بضيق وتوجه لعمته كي يخبرها بهذا الخبر لتتناقش معه ماذا يفعل فهم بالتأكيد على وشك معركة قادمة وحربًا ضروسة بينهم؛ هبطت فريدة الدرج كي تقابله فتحرك الأخير صوبها ليقول بعدم ارتياح :
- تعالي يا عمتي شوفي المصيبة ، عيسى اتقتل .
اعتلت الصدمة هيئتها وهي تنظر إليه ، هتفت باستنكار :
- انت بتتكلم جد ، مين اللي ممكن يعمل كدة؟! ، صمتت لتتابع بمغزى وهي تنظر إليه :
- اوعى يا فؤاد تكون انت ....
قاطعها بنفي قطعي وهو يشير بيديه :
- محصلش يا عمتي ، انا اتفاجئت زيك كدة ، وكمان أن مش فاضي دا أنا بجهز لجوازي اللي المفروض هيبقى النهاردة .
ثم نظر لها بضيق اظهر امتعاضه فقد تعطل زواجه وربما الغاؤه ، ابتسمت فريدة حين تفهمت عليه قالت مضيقة عينيها بمكر :
- قول بقى أن انت ميهمكش انه مات ، كل اللي يهمك جوازك النهاردة .
نظر لها مكرم بتردد ليرد عليها بنفي متزعزع :
- لا يا عمتي ، انتي تفكيرك راح لفين ، انا بس...
قاطعته بعدم اقتناع تام وقالت :
- مش مصدقاك متكملش ، ثم تابعت بجدية :
- المهم تاخد حذرك انت والرجالة ، لأنهم ممكن يقولوا أن احنا اللي وراها ، وبصراحة مات ولا لا ميهمناش في حاجة ، اللي يهمنا واحد بس ومستنين موته ...
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
جلس سلطان على الأريكة في ردهة المنزل يرتشف قهوته بهدوء شديد أو بالأحرى ببرود مستطير فقد اتاه خبر وفاته حينما افاق من نومه ، لم يكترث لموته فطالما بغض افعاله المشينة في حقه وحق ابنته وخاصةً غِيرته العمياء من ابنه الوحيد ، تنهد بحبور جم وهو يتلذذ في ارتشاف قهوته ؛ جذب انتباهه زوجته فحالتها ليست كعادتها اليومية كمن تضمر شيئًا ما لم يعلم به ، رفع حاجبيه بتعجب وهو يراها تأخذ القصر ذهابًا وايابًا كمن تنتظر أحدًا اوشك على الحديث معها ولكنه وجدها تتجه للقبو ؛ تعقبها بنظراته المستغربة حتى اختفت ، جذم نظراته نحوها الخبر الذي تهيأ لبلوغها في لحظة وأخرى ؛ حيث ولج اخيه سالم يصرخ في حالة يرثى لها ويبكي فقد علم بمقتل ابنه ، هرع سالم تجاه سلطان الجالس يتطلع عليه بعدم فهم مصطنع رسمه بإجادة، ردد سالم وهو يدنو منه بحزن وبكاء مرير :
- عيسى اتقتل يا سلطان ، عيسى اتقتل .
نهض سلطان من جلسته وخضب قسماته بحزن وصدمة زائفة مرددًا:
- ايه الكلام اللي بتقوله دا يا سالم ، حصل ازاي ، ومين اللي يتجرأ ويعمل كدة ؟ .
كفكف عبراته الحارقة بطرف اكمامه ورد عليه بحزن جلي :
- بيقولوا ناس بتوع اثار اللي كان بيشتغل معاهم في التهريب ، حصل بينهم مشاكل وطلعوا عليه وقتلوه .
ارذل سلطان حزنه عليه حين هتف وهو يواسيه :
- شد حيلك يا سالم ، دا أخرة اللي كان بيعمله ، ياما حذرته قبل كدة قدامك وهو مكنش بيسمعلي وبيعاند ، شوف وصل نفسه لأيه ، ويتم عياله ورمل مراته .
نكس سالم رأسه بحزن وهو ينتحب ، نظر له سلطان مدعي الشفقة على حالته ، دنا منه وربت على كتفيه وهو يردد مهدئًا إياه:
- اهدى يا سالم مش كدة ، اومال الحريم يعملوا ايه لما انت بعمل في نفسك كدة .
لم يستطع سالم الكف عن حزنه على ابنه فطالما حذره من التعامل مع هؤلاء البشر متحجري القلب وها هي نهايته اضحت على ايديهم ، تنهد بحزن وهو يردد بأسى :
- ربنا يرحمك يا عيسى ، ربنا يرحمك يا ابني ...
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
علم جميع من في القصر بوفاته وتم عمل مأتم له في ساحة القصر ليتوافد عليها الجميع وتم هذا بسرعة كبيرة فاكرام الميت دفنه كما هو متعارف عليه ؛ كان شاغل سلطان في هذا الجمع الغير مجدي بالنسبة له هو اختفاء عمار فلم يره منذ ليلة امس ، وكذلك مكرم الي لم يحضر العزاء هو الآخر ، زفر بقوة لا يعرف ماذا يفعل او يسأل من فحتى هناك الكثير من رجاله مختفين ، بدا الموضوع مريب ولكنه تأن في نفسه فربما هناك ما شغله بالتأكيد وتنهد ليكمل جلسته بجانب اخيه الذي لم يصمت بعد ..
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
في الأعلى جلسن النسوة حول منى ووالدة عيسى التي انفطرت من كثرة البكاء على ولدها ، وكذلك منى التي تبكي على حالتها وليس عليه فهي تعلم من قبل ولم ترأف به للحظة كونه يتجاهلها ويفضل من هن دونها ، ضجرت منى من جلستها تلك ونهضت تريد التحدث مع والدتها وتركت هؤلاء خلفها بعويلهم الذي يثير انزعاجها ، دلفت منى للخارج باحثة عن والدتها وهي تجوب بانظارها جميع الزوايا والأماكن بالقصر حيث لم تشاركهم العزاء ، تنهدت بضيق وهبطت الدرج لتبحث عنها في المطبخ ، التفتت منى لصوت قادم من القبو ويبدو أنه لوالدتها ، استمعت للصوت مرة أخرى باهتمام سافر فإذا به بالفعل لوالدتها ، لم تتوانى منى في التحرك تجاه القبو لرؤية ما تفعله بداخله ، يرتفع صوت والدتها أكثر كلما اقتربت ويبدو أنها تعنف أحدًا ما ، شرعت في مسك مقبض الباب لتفتح ، وما أن فتحته حتى اكتست الصدمة طلعتها وهي تمرر بصرها على ما يحدث بالداخل ، انتبهت لها راوية والتفتت ناحيتها ، هدرت بانفعال:
- أنتي جاية بتعملي ايه هنا ؟ ، يلا امشي .
تجاهلت منى حديثها كأنها لم تسمعه بالأساس حيث تصلبت نظراتها المدهوشة على مارية الملقية على الأرضية وهيئتها مبعثرة ويبدو أن والدتها كانت تتطاول عليها بالأيدي فخدودها حمراء كالدم "تشبيه" ، وجهت بصرها لوالدتها وسألها بذهول استحوذ عليها وهي تشير على مارية :
- مين اللي عمل في مارية كدة ؟ .
ردت والدتها عليها بنبرة مهتاجة وهي تدفعها لتغادر المكان:
- قولتلك ملكيش دعوة ، يلا اطلعي على اوضتك .
نفضت ذراع والدتها وتحركت للداخل وهي تتطلع على حالة مارية بأسى ، اكملت بتبرم وهي توجه بصرها لوالدتها:
- ليه كدة يا ماما ، عمار لو عرف باللي عملتيه ده ممكن يزعل منك ، انتي مش عارفة هو بيحبها قد أيه .
ابتسمت راوية بتهكم واستهزأت مما تفوهت به :
- عمار ، عمار اخوكي هيموت بسببها ، الست سمت اخوكي ويا عالم حالته ايه دلوقتي ، من الصبح معرفش عنه حاجة .
تستمع مارية على حديثها وهي تنتحب وتدعي الله في نفسها بأن يشفى ، ليس من اجلها ولكن لشعورها بالذنب حياله ، التزمت الهدوء ولكن شعرت بمغص في معدتها ادى إلى تأليب معدتها على التقيؤ ، لم تتحمل مارية حتى غلبتها تلك الرغبة لتتقيأ امامهم وتفرغ ما في معدتها لتتقزز هي قبلهم من الموقف الغير مستحب ؛ انتبهن عليها ونظرن لما افرغته بتقزز بائن حينما وضعن ايديهن على انوفهن ، قالت راوية باشمئزاز:
- ايه القرف ده ؟ .
لم تتحمل مارية ذاك الألم وتلك الرغبة في الغثيان لتقول بصوت ضعيف متعب وهي تضع يدها على بطنها :
- انا تعبانة قوي ، مش قادرة .....
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
في مكان آخر وقف مكرم منتصفًا رجال عمار وهو يتحدثون عما حدث لعيسى ، لم يهتم مكرم وهتف بعدم اكتراث منزعج :
- بلاش تجيبوا في سيرته ، احنا ناقصين قرف ، خلينا نشوف اللي جوه ده عامل ايه .
وبعض لحظات قلائل خرج الرجل المدعو سعدون بعدما انهى عمله الذي يجيده بعناية ، هرع مكرم تجاهه وهو يردد بتلهف:
- عمار عامل ايه ؟ ، لسه عايش ؟ .
اجابه سعدون بنبرة واثقة وهو يرسم قناع التعالي :
- يا سعادة البيه انت جاي عند سعدون ، سعدون اللي لو أكل سم يقول عاوز كمان .
نظر له مكرم باقتطاب ، سأله بامتعاض :
- يعني هو عامل ايه ، السم خرج منه ؟ .
اشار سعدون له حول الداخل وقال بمغزى :
- هو انا مخبيه ، اتفضل ادخل شوفه بنفسك .
لم يلبث مكرم موضعه حتى ولج لداخل تلك الغرفة التي قضى فيها ساعات مع هذا الرجل ، تدرج مكرم نحو الداخل وعيناه تبحث بتلهف عليه ، في ركن ما بالغرفة رثة الهيئة وجده مستلقيًا على احدى الأرائك الشبه متهالكة ويبدو عليه بأنه لم يعاني من أي ألم ، دنا منه مكرم ليجثو على ركبتيه امام وجهه ، سأله بقلق :
- عمار حاسس بأيه ، لسة فيه حاجة بتوجعك ؟ .
نظر له عمار بأعين شبه مجهدة ، رد عليه باستفهام :
- مارية عاملة ايه ؟ ، اوعى حد يقربلها ، هكسر الدنيا لو حصلها أي حاجة .
حرك مكرم رأسه بتفهم مدركًا عناده فهو لا يهتم بما هو عليه الآن قدر ما يكترث لأمرها ، رد بعدم رضى :
- هتفضل كدة على طول معاها ، دي كانت عاوزة تقتلك ، لو ملحقناش وجبناك هنا كان زمانك ميت .
قطبت تعابير عمار من ثرثرته الدائمة ، اعاد سؤاله بحنق عكس انفعاله مما تفوه به :
- بقولك هي عاملة ايه ؟ ، يبقى تجاوب على قد السؤال وتطمني عليها ، انت عارف أني مبحبش الطريقة دي في الرد.
نظر له مكرم بعبوس كأن انفعاله عليه ضايقه فهو ابن عمه المقرب ودائمًا ما يعنفه رغم أنه أكبر منه بالعمر ولكن عليه الهدوء فهو الآن مريض ، رد مكرم بتأكيد :
- هي كويسة محدش عملها حاجة، انا بنفسي اقنعت مرات عمي متعملهاش حاجة علشان انت متزعلش .
اقصى عمار انظاره من عليه ليتطلع للأعلى بشرود في تلك الليلة التي احبها حرفيًا من مبادلتها الحب له وابتسم وهو يتذكر لمساتها على جسده فكم أحب الأمر ، لم يكترث كونها كانت تفكر حينها بالإنتقام منه ، فتلك الليلة ستظل محفورة بداخله فهي اول لقاء بينهم برضاها دون أن يجبرها كما كان يفعل ، تأمل مكرم تعابيره التي تتحول من الألم للسعادة وهو يبتسم ، سأل نفسه ما به ؟ ، سرعان ما كشف بحسه الخبيث بأنه يفكر فيها الآن ، فبظرات لئيمة منه تذكر بأنه كان عاري وبالتالي فأنه كان ... ، هنا صمت مكرم فقد تطاول في فكره المستهجن في شرح ما كان يفعلانه سويًا ، انتبه لعمار ينظر إليه ويقول بابتسامة جانبية مريبة ونظرات مظلمة ماكرة :
- أنا عاوزك تجيبهالي هنا ، قولها عمار عايز يشوفك ....
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
توغنت منى أن تأتي الطبيبة لفحصها فحالتها تلك ليست اعراضها بجديدة عليها وشكت في امرها ، لم يعجب راوية تصرف ابنتها الوخيم من وجهة نظرها ولكن لاجل ابنها وافقت ، بدأت السيدة بفحص مارية التي بالفعل مريضة ، ترقبت منى ما يحدث لتتأكد من حدسها وظنونها في تلك المسألة ، وكذلك راوية الممتعضة مما يحدث ولكنها ارضخت لما يحدث لتنتظر هي الأخرى أن تنتهي الطبيبة وكذلك مارية التي تنظر فقط امامها بحزن وضياع فقد اوصلت نفسها للهاوية وهذا بفضل والدها وما فعله من بذائة جعلتها تمقت من حولها ليضحى هو الجاني الذي تسعى لأخذ حقوقه ، تنهدت بحسرة وألم فقد انخدعت في قناع الطيبة الدائب ارتداءه امامهم ، حيث وضعت في حسبانها والدتها المخدوعة هي الأخرى فماذا سيكون ردة فعلها حينما تعلم بالحقيقة ؟ ، ولكن اجابتها على هذا السؤال بأن والدتها لن تتحمل وتوجست مارية من اصابتها بعلة ما حينما تنصدم من شخصيته المنكودة عن جميع من حوله ، تنهدت بألم وانتظرت ماذا ستخبئ لها الأيام ؛ بعد وقت مر عليهن كسويعات باتت اعصابهن فيها مشدودة ، نهضت الطبيبة بعدما انتهت وتحدثت بجدية وهي تنظر لراوية :
- الست مارية حامل يا حاجة راوية .
وقعت تلك الكلمات على راوية لتصيبها بحالة غير مفهومة وذلك حينما تركزت انظارها على السيدة ، وعن منى فقد صدق حدسها فهي شكت في الأمر فهو اولى اعراض الحمل ؛ وعن مارية كانت في عالم آخر وردي رسمه عقلها الباطن فور سماعها لتلك الكلمات المقتضبة التي عانت لها الكثير والتي اشعرتها بأن الحياة تفتح لها ذراعيها من جديد لتخطو هي معه لبر أمان خالي مما مر عليهم ؛ وجهت راوية انظارها نحوها فهذة تحمل قطعة من ابنها ، كانت تخشى عدم حدوث ذلك ولكن قلبها دفعها بأن تعدل في معاملتها معها من الآن ، حيث هبت قائلة بحزم :
- تعالوا انتوا الإتنين ساعدوني نطلعها اوضتها .
ابتسمت مارية لرؤية نظرات الرضى في عيناي راوية تجاهها ولكن ما لم ينتبه له أحد وجود تلك الأعين التي تتربص لهما بغضب جم ، حيث راقبت شيماء ما بحدث بحذر بعدما ابلغت عمار بعلاقتها هي وعيسى ، فطنت انه ربما سيتخلص منها مثله ، ولكن ما أغاظها حتى الآن بقاءها حية ، اشتد غضبها أنها تحمل في احشاءها طفلاً منه وباتت نظراتها الحانقة تتسلط عليهما خاصةً ارتضاء راوية عليها وبالتالي عدم المساس بها وسيرتفع شأنها ، ادركت هنا بأن وجودها في ذلك القصر اوسك على الإنتهاء ، شهقت بخوف بأنها ستترك حياة الترف تلك وتعود كما كانت وبالتالي ضياع فرصتها في التقرب لعمار التي لطالما حلمت بنظرة واحدة منه، خرج الموضوع لمنحنى آخر جعل الحس الشيطاني بداخلها هو من يتولى زمام الأمور ؛ ابتسمت شيماء بحبث ولؤم فقد عرفت وجهتها لمن سيخلصها منها ، ومن غيرها والدتها السيدة فريدة التي تعلم كم العداوة التي بداخلها تجاههم ، تنهدت شيماء براحة واستدارت لتتوجه لها فلا مجال للإنتظار الآن ......
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
جلست اسماء تبكي في صمت بحانب احدى الأشجار فقد تأجل زواجها بسبب موت ذلك الحقير ، لما كل هذا فحتى وهو غير موجود يعيق فرحتها من اكتمالها ، تنهدت بحزن واقنعت نفسها ريما يحمل لها الله الخير ، اومأت برأسها لترضخ لارادة الله وابتسمت برضى ، كفكفت دموعها بكفي يديها واستعدت لتنهض ولكن دخول تلك الفتاة بهيئتها المريبة ساور الشكوك بداخلها وهي تتساءل ماذا تريد ؟ وراقبت دخولها للفيلا ونهضت خلفها لتستفهم عن وجودها ؛ حيث ولجت شيماء الفيلا لمقابلة فريدة لأمر هام ، لم تتراخى فريدة قي مقابلتها حينما اخبرتها بأن الموضوع يتعلق بأمر ابنتها ، وقفت فريدة امامها لتسألها بنبرة اظهرت قوة هذة المرأة :
- انطقي بسرعة موضوع ايه اللي يخص مارية بنتي؟ .
ارتبكت شيماء من خشونة هذة السيدة في التعامل ولكن لا مجال للتراجع، ردت شيماء بنبرة مترددة ولكنها اظهرت مكرها:
- انا جيت اقولك أن بنتك حامل ، اصل اللي اعرفه أنه جوزها قتل ابوها ، فقولت لنفسي يمكن عايشة حياتها من وراكوا ومفهماكوا انها هتنتقم ولا حاجة .
حملقت فيها فريدة بنظرات غاضبة ارعبت شيماء بالفعل وجعلتها تزدرد ريقها بتوتر جم ، هتفت فريدة بغضب مدروس :
- انتي متأكدة يا بت انتي انها حامل ، ولا علشان غيرانة منها جاية تقوليلي كدة ؟ .
نفت شيماء بشدة :
- لو مش مصدقاني خليها تجيلك هنا والست تكشف عليها ، ووقتها هتتأكدي اني مش بكدب ، صمتت لتتابع بمكر مكبوت زاد الوضع سوءًا :
- وبنتك اللي كنت فاكرة اتجوزني عليها علشان مش طايلها طلعت متفقة معاه يعمل كدة علشان يضحكوا عليكي وانتي تقولي دا هتنتقم منه ، طلع كل ده كذب وهما مع بعض من زمان ، دي حامل يعني الموضوع قديم وتلاقيه من أول ما اتجوزته .
باتت نظرات فريدة تمحي ما تنتوي له وحل الغموض والسكون المريب فيها ، تأملت شيماء هيئتها الغير مفهمومة تريد معرفة ما ستزمع له ولكنها انتفضت حين حدثتها فريدة بضراوة وهي تزمجر بغضب:
- يلا امشي من هنا ، واياكي حد يعرف أنك كنتي هنا وقولتيلي حاجة .
اومأت شيماء رأسها بطاعة وفرت من امامها راكضة ، تعقبتها فريدة بنظرات مميتة ملأها الآن الهلاك الحتمي فقد تلاعبت بها لتنعم مع قاتل والدها فيا لها من لعينة ، اما الآن انكشف امرها وعليها سرعة تنفيذ انتقامها بنفسها منهما ، تنهدت فريدة بغضب ثم هدجت للخارج ..
اثناء ركضها تاركها الفيلا اصتدمت باسماء التي كانت تبحث عنها ، فوجئت اسماء بها وكادت ان تسألها عن هويتها ، ولكن لم تمهلها شيماء الفرصة لتكمل ركضها خيفةً من أن يراها أحد ، تتبعتها اسماء بنظرات جاهلة لسبب وجودها وخروجها بهذا الشكل ، تضاربت الأفكار في رأسها عما يحدث حولها من غموض ، اخرجها من جموحها فريدة التي حدثتها مما جعلها تلتفت له وتحدق بها بجهل ، هتفت فريدة بنبرة مظلمة:
- ايه يا اسماء ، هتتجوزي من غير ما تعزمي مارية على فرحك ، يلا روحي بسرعة خليها تيجي علشان نفرح كلنا .....
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
ارتدت ملابس نظيفة لمقابلته فقد وصلها خبر شفائه، سمحت لها راوية بمقابلته حينما اطمأنت على صحة ابنها من عمار الذي جاء لأخذ مارية له ؛ استقلت معه السيارة متلهفة لرؤيته بصحة جيدة فكم من الوقت تلعن نفسها وفكرها الخائر الذي اوصلها بأن تجعل حبيبها يتركها ، باتت على اعصابها تريد الوصول إليه ورؤيته بنفسها ؛ اخرجها من تفكيرها مكرم الذي قال :
- وصلنا .
نظرت مارية للمكان من حولها فهيئته مجهولة بالنسبة لها ، ترجل مكرم لتترجل هي الأخرى مثله ، اشار لها بيده على هذا المنزل القديم المكون من غرفة واحدة فهذا البائن من هيئته الخارجية واكمل بمعنى:
- هو جوه ، انا هستناكِ هنا على ما تشوفيه وترجعي .
حركت رأسها بتفهم وتحركت نحو ذلك المنزل ، اقتربت منه وقلبها يدق بعنف ، فتحت مارية الباب وخطت بقدمها نحو الداخل ، اوصدت الباب من خلفها وتدرجت اكثر وهي تتجول بانظارها للمكان ، انتبهت لصوته المحبب لقلبها وهو يناديها من أحد الأركان:
- تعالي أنا هنا .
التفتت مارية ناحيته لتراه راقدًا على الأريكة ويتطلع عليها بهدوء، اتسعت ابتسامتها لرؤيته بخير وهرعت نحوه، دنت مارية منه وجثت على ركبتيها امامه ثم حاوطت وجهه بكفيها ، قالت بالقرب من وجهه الذي تتأمله بحب:
- حمد الله على سلامتك يا حبيبي .
نظر لها بجمود زائف ورد بسخرية :
- اهمك قوي ، كنت هموت على ايدك ، ايد البنت اللي محبتش غيرها ، هونت عليكِ يا مارية .
لمعت عيناها بحزن وقالت:
- بحبك ، بحبك قوي يا عمار ، سامحني يا حبيبي .
لم يتحمل عمار كل هذا حتى رق قلبه ولان، فكم تمنى تلك اللحظة التي تبادله فيها الحب كالماضي، ضمها لصدره بتتيم ظاهر وكذلك هي، مما تناسى هو ألامه وكأنه لم يصبه شيء بعد فكان بكامل عافيته ، تملك عمار منها فهي زوجته وحبيبته، تركته يتقرب منها وتناست أمر حملها، اضحت العلاقة الآن محببة من كلا الطرفين ليتبادلا الحب معًا دون كره؛ أو نفور بينهم .............................................!!
