رواية حكايات من قلب الصعيد الفصل السادس 6 بقلم آية الشربيني
البارت السادس
☆ رواية ☆
حكايات من قلب الصعيد
بقلم: أية علي الشربيني
وقفت بهية وهنية تراقبان المشهد في صمتٍ ثقيل، قبل أن تقول بهية بنبرة تحمل خبثًا مستترًا:
— أحب أچولك يا سلفتي… الغالي چِه وامعاه مرته وعياله. الأيام الجاية لازِم نتحد ونتفچ.
رمقتها هنية بنظرة ذات مغزى، ثم تقدّمت للترحيب بهم. كان الترحيب حارًّا في ظاهره، لكنه يحمل دهاءً خفيًا أحسّ به الجد والجدة، بينما اكتفت غالية بنظرة باردة وقالت:
— سيبيني في حالي دلوجِت… أني مطيچاش نفسي عاد.
مصمصت بهية شفتيها وهمست:
— ومالها دي؟ يا ترى اللي جاي خير… ولا شر؟
دخل الجميع القصر، واستقبلهم همّام بحفاوة واضحة:
— نورتوا داركم وبلدكم. إچده أچدر أچول إنّا بجينا كاملين بوجود ولدي وحبيبي سليم… وأحفادي ومرته.
ابتسم الجميع، بينما كانت نظرات هنية وبهية مشتعلة بالغيظ.
التفت همّام نحوهما قائلًا بصرامة هادئة:
— يلا… جهّزوا أحلى واجب لولدي وعيلته.
انسحبتا، وشرر الغضب يتطاير من أعينهما.
دخلت نوّارة وورد، فأشار همّام:
— تعالوا إهنه… أعرّفكم.
تعرف الجميع على أبناء سليم، وتبادلوا الترحيب.
وفي المطبخ، سألت نوّارة أمها بخفوت:
— چرى إيه يا ماي؟ أني مش فاهمة حاجة… دول ولاد عمي سليم؟
ردّت الأم بغل مكتوم:
— أيوه… دول عيلته. خلي بالك منهم زين… وهفهمِك لما نطلع فوج.
امتلأت المائدة بما لذّ وطاب من حمامٍ ولحوم وأصنافٍ فاخرة.
وفجأة قالت مليكة وهي تمسك بطنها:
— بطني بتزغرط جوّه والله!
انفجر الجميع ضاحكين، واجتمعوا حول السفرة.
وفي تلك اللحظة اندفع دمارني إلى الداخل وهو يهتف:
— يا كبير! يا كبير!
رد همّام متجهمًا:
— في إيه يا بهيم؟
— مهرة يا كبيرة… ولدت!
غمرت الفرحة الجميع.
أما عائلة سليم فتبادلت النظرات، وقالت مليكة:
— مين مهرة؟ المهم السبوع… عايزة عقيقة، ده اللي يفرق معايا!
ضحك همّام:
— عقيقة مرّة واحدة؟! دي فرسة أصيلة… وبجدومكم جات البشارة.
ابتسمت مليكة:
— أنا عايزة أشوفها.
قالت ملك بطفولية:
— وأنا كمان!
— كُلّوا الأول… وبعدين آخدكم عنديها.
بعد الطعام، دوّى صوت من الخلف:
— سليم!
التفت سليم… ليجد أخاه.
انتقلت نظرات همّام إلى هارون بقلق، قبل أن يهتف الأخير:
— الصعيد كلياتها نورت يا خوي!
تنفّس همّام الصعداء، واحتضن سليم أخاه بحرارة، ثم عبدالرحمن. امتلأ المكان بدفء لمّ الشمل.
لكن عيونًا أخرى كانت تراقب… بصمتٍ ثقيل.
قالت مليكة:
— جرى إيه يا سي جدو؟ أنا عايزة أشوف مهرة.
ابتسم:
— بس إچده… من عيوني الاتنين.
بعد دقائق، وصلت مليكة وملك إلى الأسطبل برفقة الجد.
وقف كارم بجوار الفرس.
— مبارك يا ولدي.
— مبارك علينا يا جدي.
أشار همّام:
— شوفتي؟ دي مهرة.
قالت مليكة بإعجاب:
— حلوة أوي… جابت مهرة زيها؟
رد كارم:
— لا… جابت جبل.
— قصدك ولد… وسمّيته جبل؟
— أيوه… نسل الأسطبل عندينا لازم يكون جوّي ويرمح كيف الرُّهان.
ابتسمت:
— جميل جدًا.
قال بصوت منخفض:
— والله… ما حد جميل غيرِك.
توقفت فجأة:
— بتقول إيه؟
استعاد صرامته:
— اتفضلوا… شوفوا باقي الأسطبل.
بينما كانت ملك تراقب المكان بإعجاب، رأت يونس يمتطي حصانًا بشموخ فارس.
— واااو… تحسيه فارس حقيقي!
اقتربت منه:
— ممكن أركب الحصان ده؟
نزل يونس بهدوء:
— لازم تكوني چويّة… الحصان ده بيرمح بسرعة.
— طب امسكه… وعلّمني.
نظر إليها وقد شرد في هدوء صوتها:
— بس إچده… من عيوني يا بنت عمي.
ابتسمت بخجل:
— مرسي.
ساعدها على الصعود، وبدأ يقود الحصان ببطء.
هتفت مليكة:
— أيوه بقى… بقينا جامدين يا ست ملك!
— لوكِل يا مليكي… انتي لوكِل.
ضحك يونس وكارم.
التفت كارم إلى مليكة:
— شكل أختِك هتحبك جوّي.
ردّت بابتسامة مشاكسة:
— هدي النفوس يا شعلة.
تصلّب وجهه، واقترب منها:
— انتي جدّ الحديد ده؟
— أيوه… قدّه. في حاجة؟
— يبقى جنيتي على نفسك يا بنت عمي.
ابتلعت ريقها لكنها تماسكت:
— آخرك فاضي.
اقترب أكثر، صوته كالرعد:
— يا برق!
وفجأة…
انطلق كائن ضخم بسرعة الصاروخ.
صرخت مليكة:
— كارم! أوعى تتصرف كده!!
ضحك:
— علشان تتعلمي ما تتحدّيش معايا كيف!
اقترب الحيوان المفترس…
وفي لحظة رعبٍ صادق، قفزت مليكة متشبثة بكارم، تحيط عنقه بقوة.
تجمّد كارم في مكانه…
أنفاسها المرتعشة تلامس عنقه.
قبضته التي اعتادت الصلابة… ارتخت.
وقف الحيوان أمامه مطيعًا.
أما هي… فلم تدرك بعد أنها لم تعد خائفة من الوحش…
بل من قربه هو.
وفي تلك اللحظة، لمعت نظرة غامضة في عيني كارم…
كأن الصعيد نفسه يخبئ سرًا لم يُكشف بعد.