رواية بقدر الحب نقتسم الفصل السادس 6 بقلم فاطمة علي
انتشلت "مريم" من ذكرياتها تلك الدقات الخفيفة على باب غرفتها لتجد قلبها يصارع الحياة شوقًا بين أضلعها، وأعينها تضج بعشقٍ امتزج بعبرات العتاب واللوم،
لتعود تلك الدقات ثانية فتزيل ما علق بأهدابها ووجنتها من عبرات ناهضة من مكانها هامسة بحمحمة:
- حاضر.
عدلت من هيئتها قبل أن تفتح باب الغرفة لتجد والدها بابتسامته البشوشة الطيبة،
فردت بإبتسامة خفيفة :
- اتفضل يا بابا.
ولج "محمد" إلى الداخل وهو يحتضن يد ابنته بكفه جاذبًا إياها نحو طرف الفراش ليجلسا سويا قبل أن يردد بحكمة :
- مش هسالك مالك ولا إيه اللي حصل؟ لأن الجواب بيبان من عنوانه وإنتِ باين عليكِ إن الموضوع كبير، بس اللي هقوله ليكِ إن النار لو جالها شوية هوا من برة بتقيد وتأكل كل حاجة بتقابلها في طريقها ، لكن لو خلصت شوية الهوا الصغيرين اللي حواليها بتخمد وتطفى، فعشان كده بلاش توسعي مجالها وتدخلي ليها هوا من كل ناحية، وأي اختبار في حياتنا حتى لو كان صعب بالمحاولة والاصرار بيعدي وننجح فيه، وأعتقد إن حياتك تستاهل انك تحاولي عشانها، حطي الكلمتين دول حلقة في ودانك يا بنتي ، وأنا متأكد إنك هتعملي الصح، وتحافظي على حياتك اللي أنا متأكد إنك لو خرجتي من دايرتها تدبلي زي الزرعة لما تتقلع من أرضها.
كانت ترمقه "مريم" بأعين هُزم بها الجمود هزيمة ساحقة، وأعلنت عبراتها انتصاراتها لتفيض من أحداقها شاقةً طريقها نحو شفاهها التي ارتجفت بأحرف غرست خنجرها بصدر والدها :
- أنا موجوعة قوي يا بابا ، حاسة إني لوحدي وضهري للحيط، اطعنت بخنجر مسموم رشق في قلبي، حتى لو تعافيت منه، أثره هيفضل معلم وسايب شرخ كبير جوايا، شرخ لا أيام تداويه ولا حتي زمن يقدر يمحي معالمه.
تيقن "محمد" من شعوره الغامض بأن غيوم ضبابية قد حلت على أسرته الصغيرة، بل اختصت زهرته الرقيقة لتهرب عبرة متمردة من مقلتيه قبل أن تُلقي بجسدها بين ذراعيه آذنه لقواها بالخوار، وشهقاتها بالتصاعد.
أطبق "محمد" أجفانه بأسي وهو يربت على ظهرها مغمغماً :
- لو حابة تتكلمي في أي وقت أنا سامعك يا"روما".
حركت رأسها بنفي هامسة بخفوت:
- مش عايزة اتكلم يا بابا.
اومأ برأسه مرددًا :
- اللي يريحك يا بنتي، بس افتكري إني ضهرك وسندك في الحياة، وعمر ما هيكون ضهرك للحيط وانا موجود.
شددت "مريم" من احتضان والدها متنهدة براحة كبيرة وهي تغمغم :
- ربنا يخليك لينا يا حبيبي.
***********
شقة "يحيي".
ولج من بابها حاملًا بين يديه باقة من الزهور البيضاء كقلب معشوقته ومعالم الندم تفرض سطوتها على قسماته، ليضع مفتاحه بجيب سرواله مطوفًا المكان كاملًا بأحداقه المستنكرة لذلك الهدوء الذي لم يعهده بمنزله، فهي دائمًا ما كانت تترنم بأنشودة عشق فرنسية تتقافز أحرفها فرحًا بين جنبات المنزل، ليهمس بعتاب لائم ذاته :
-تغني إزاي بقا وهي زعلانة مني؟!
وخطى نحو غرفته بخطى واسعة موزعًا نظراته ما بين زهرها المفضل، وبين باب الغرفة الشبة مفتوح ليدفعه بيُمناه برفق مغمغمًا بندم:
- "روما" أنا أسـ...
لتُبتر أحرفه بعدما وجد ذلك المشهد الذي أشعل يقينه بالفراق، فقد كانت أبواب خزانتها مفتوحة على مصرعيها، خاوية من ثيابها التي لطالما عشق النظر إليها فقد كانت له حصن أمان وسكون، لتسقط باقة الزهور أرضًا معلنة صدمته وانكساره. خطى نحو الخزانة مطوفًا جنباتها بأعين عاتبة، أعين استقرت أخيرًا على ذلك الصندوق الخشبي الصغير الذي يعلم أمره جيدًا.
أطبق "يحيي" أجفانه بقوة زافرًا زفرة حارقة وهو يحمل ذلك الصندوق بين يديه
مغمغمًا بأسي:
- سيبتيني لوحدي ليه يا "مريم"؟ ليه؟
وفتح الصندوق كما فتح أحداقه التي جابت مصوغاتها المتواضعة التي اختارتها كشبكة رمزية لها، فهي لم تُرد يومها أن ترهقه ماديًا ، إلا أنها حلمت أن تملأ ذلك الصندوق بهدايا عشقه لها، كتلك الوردة الجافة التي أهداها إياها يوم ترقيه بوظيفته. ثارت الدماء بأوردته وألقى الصندوق بالخزانة ثانية صافعًا بابها بقوة قبل أن يتجه إلى كيس الملاكمة الخاص به وينهال عليه ضربًا علّه يطفئ نيران قلبه المشتعلة.
********
يوم جديد أسدل ستاره علي حياة "مريم" التي وعلى الرغم من وجعها قررت أن تعطيه كامل فرصته فمازال هناك ركن صغير بقلبها يتوسل إليها الشفاعة، قرارها أن تستكمل رحلتها مع الطبيبة "صفا" علّها تجد له عذرًا حقيقيًا تتشبث بخيطه الواهي، لتأتي مساعدة الطبيبة إليها بابتسامة خفيفة مرددة :
- اتفضلي يا مدام "مريم" دكتورة "صفا" في انتظارك.
نهضت "مريم" من مقعدها بابتسامة خفيفة مجاملة قبل أن تلج إلى غرفة الطبيبة التي نهضت لمقابلتها بحفاوة وترحاب، مرددة وهي تصافحها :
- ازيك يا "مريم".
أومأت لها مريم برأسها مرددة بارتباك جلي: - الحمد لله.
قصدت "صفا" مقعدها وهي تشير نحو أريكة وثيرة مرددة بثبات:
- اتفضلي ارتاحي.
طوفت "مريم" الأريكة بأنظارها بتردد قبل أن ترمقها "صفا" بابتسامة ودودة مرددة :
- تقدري تقعدي في المكان اللي يريحك.
أومأت "مريم" برأسها ثانية قبل أن تخطو نحو الاريكة هامسة :
- مش هتفرق كتير.
واحتلت طرفها بجمود ظاهري ينافي تضارب أفكارها المتصارعة، لتجلس "صفا" هي الأخرى بالمقعد المقابل لها مرددة بودٍ كبير :
- تحبي نبتدي منين؟
شردت "مريم" بمعالم متجهمة وجسد متحفز تزداد أعضاءه نفورًا، وعروقه بروزًا وهي تشدد علي طرف فستانها بقوة مرددة بهذيان :
- كسرني، بعد ما اديته قلبي وأمنت له خاني، عارفة إحساس إنك توصلي لآخر سما وبعدين تنزلي على جدور رقبتك، أهو ده بالظبط اللي حصل معايا حبيته واخلصت له رغم خوفي وارتباكي أول مرة قابلته، بس الخوف ده كله راح لما قابلته تاني.
كانت "صفا" تصغي إليها باهتمام جم وهي تدون بعض الملحوظات الهامة، لتكمل "مريم" باستفاضة وذلك التجهم قد تبددت معالمه لتحل محلها ابتسامة واسعة فقد باتت تحيا تلك المشاعر كما السابق تمامًا، فلقائها الثاني كانت تفصله أيامٍ كثيرة عن الأول.
غادرت "مريم" مدرستها بعد انتهاء يوم دراسي طويل، لتستقل سيارتها متنهدة بإرهاق شديد وهي تضع مفتاح السيارة بموضعه محاولة تشغيلها إلا أن محاولتها الأولى باءت بالفشل، فحاولت، وحاولت وهي تردد بتأفف:
- لا وحياة أبوكِ هي مش ناقصة فرهدة أنا خلصت النهاردة بما فيه الكفاية.
وذكرت اسم الله العظيم وأعادت تحريك المفتاح ثانية إلا أن النتيجة كانت واحدة، لتزفر زفرة قوية مُعلنة استيائها بفرنسية طليقة قبل أن تغادر السيارة لاستكشاف العطل مرددة بحنق شديد:
- انتي كده جيبتي آخرك معايا يا زوبا وشكلي كده هغيرك.
واتجهت نحو غطاء السيارة ترفعه برفق في محاولة بائسة لمعرفة سبب العُطل إلا أنها فشلت في هذا لتجد ذلك الرجل الأربعيني ذو الرأس الأصلع والنظارة الطبية، والبطن المتدلي بشكل مقزز والذي وقف إلى جوارها بضحكته البلهاء مردداً : - العربية عملتها معاكِ يا أستاذة "مريم" ولا إيه؟
ابتسمت "مريم" ابتسامة متصنعة فهي حقًا تمقت ذلك الرجل، ورددت بجمود :
- شكلها كده يا مستر "صبري".
اقترب منها "صبري" بشكلٍ فج، لتنتفض بغضب مبتعدة عنه وهي تردد باستياء ساخط :
- فيه إيه حضرتك؟
رمقها "صبري" بنظرات ذات مغزى مرددًا بسماجة قوية:- هساعدك.
عقدت "مريم" ذراعيها أعلى صدرها بقوة وهي تزفر زفرة نارية مغمغمة بحدة : - ميرسي قوي لحضرتك، مش حابة أعطلك معايا.
تنهد "صبري" تنهيدة حارة وهو يقترب منها هامسًا :
- ده يوم المنى لما أتعطل معاكي يا "روما".
اتسعت عينا "مريم" صدمة وهي تتراجع للخلف خطوة واسعة مغمغمة في استياء أكبر :
- فيه إيه يا أستاذ "صبري"؟!
أجابها صبري برغبة عارمة :
- فيه إني تعبت من كتر الانتظار، مش هتريحي قلبي بموافقتك بقا.
حركت "مريم" رأسها بقوة ساخرة
وهي تردد بتهكم شديد :
- موافقة إيه حضرتك؟! إنت واحد متجوز اتنين وعندك تسع عيال.
اقترب منها أكثر وهو يردد بابتسامة سمجة :
- وماله؟ ما الشرع محلل أربعة، وبعدين طالما قادر يبقى اتجوز.
اشتعل غضب "مريم" من تفكير هذا الوغد ومعتقداته الخاطئة، لتهتف به بحدة جامحة :
- إنت بني آدم مريض ميعرفش في الشرع كله غير إنه محلل أربعة، بنى آدم بيفسر شرع ربنا بمزاجه وتبع أهواءه.
اشتعل غضب "صبري" وشَكّل قسمات وجهه، ليصرخ بها بحدة غاضبًا :
- لا أفسره على مزاجك إنتِ، كلام ربنا واضح وصريح مش محتاج قاموس يعني.
احتد النقاش بينهما وتجمهر حولهما بعض الطلبة والطالبات، فتغمز هذه، وتلمز الأخرى، فكادت "مريم" أن تفقد ما تبقى من ثباتها مُعلنة انهيارها لولا تدخله القاطع :
- {وَلَن تستطيعوا أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ النساء وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُواْ كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِن تُصْلِحُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا} صدق الله العظيم.
التفت الجميع نحو صاحب هذا الصوت العذب لتشتعل نظرات الإعجاب بأعين بعض الفتيات، ونظرات الغيظ والحقد بأعين "صبري" الذي هتف به بحدة :
- وإنت مالك يا أخينا انت؟ وبعدين إيه اللي دخلك في كلام ما يخصكش أصلًا؟!
تأجج غضب "يحيي" ليجد قبضته قد طوقت تلابيب "صبري" وسبابته أُشهرت بتحذير قوي صاحب كلماته الحازمة:
- صوتك يبقي واطي إنت فاهم، وبعدين بدل ما تتشطر على واحدة ست في وسط الشارع تعالى قابلني راجل لراجل وساعتها نشوف شطارتك دي على حق ولا إيه؟
ازدرد "صبري" لعابه بذعر حقيقي فبُنيان "يحيي" يُقسم أنه يستطيع أن يطيح به أرضًا بمجرد لكمة خفيفة من يده، ليغمغم بحشرجة :
- مين حضرتك؟! وعايز إيه؟
أجابه "يحيي" على الفور وبدون تفكير ودون أن يرف له طرف :
- أنا "يحيى الشيخ" خطيب الأستاذة "مريم".. ثانية واحدة بس لو شوفت خلقتك قدامي مش هيحصل ليك طيب.
حرك "صبري" رأسه بموافقة قبل أن يحرره "يحيي" فيركض مهرولًا تاركًا خلفه تلاميذه يضحكون ويسخرون من رجولته المزيفة.
بينما كانت "مريم" تحدق ذلك الخطيب المفاجئ بأعين ذاهلة، تحرك" يحيى" نحو سيارتها يُصلح ما بها من عطل
مرددًا بثبات :
- عربيتك بقت كويسة يا "مريم" تقدري تروحي دلوقتي وتبلغي عم "محمد" إني هزوركم الساعة ٧ مساءً، ده طبعًا بعد اذنه.
استقلت "مريم" سيارتها بصمت مطبق، بل بلا أدنى ردة فعل، فكانت كالمغيبة تمامًا. أغلقت باب سيارتها برفق دون أي حركة لدقائق حتى اقترب "يحيي" من زجاج نافذة السيارة وطرقه بأصابعه طرقات خفيفة جذب انتباهها فرمقته بنظرات زائغة سرعان ما هربت بها نحو الطريق قبل أن تنطلق بالسيارة تاركة إياه يودعها بنظرات شاردة.
هنا عادت "مريم" من شرودها لتغمغم بهدوء :
- لأول مرة كنت أحس بالعجز، العجز إني أرد عليه وأقوله إنى معرفش إنت مين؟ العجز إني أعمل أي رد فعل حتى، يمكن ده لأني كنت مبسوطة وحسيت إنه جاني نجدة من السماء.
تنهدت "صفا" براحة بعض الشيء قبل أن تردد بابتسامتها البشوشة:
- كفاية كده النهاردة.
تنهدت "مريم" بقوة كمن يُزيح ثقل كبير عن صدره، مرددة بثبات :
-تمام.. الجلسة الجاية إمتي؟
وضعت "صفا" قلمها، وأغلقت دفترها مرددة بهدوء :
- يوم الخميس إن شاء الله.. بس هتكون جلسة جماعية.
تجهمت معالم "مريم" وهتفت بحدة بعض الشيء :
- مش موافقة طبعًا، إذا كنت بتكلم معاكي فده عشان إنتِ الدكتورة بتاعتي وعارفة إنك مستحيل تخرجي حرف واحد برة، إنما إن أتكلم مع ناس فده مستحيل يحصل.
حركت "صفا" رأسها بموافقة قائلة:
- اللي يريحك، أنا كنت شايفة إن التجربة دي هتكون كويسة حتى لو كنتي مستمعة فقط.
نهضت "مريم" من مجلسها وهي تردد بحنق جلي:
- أكيد طبعًا هعمل اللي يريحني، بعد اذنك.
**********
علي الجانب الآخر
كانت سحر شاردة بما حدث بينها وبين الطبيبة في آخر مرة.
سحر : بحبه؟!
صفا: كلامك بيقول كده.
سحر برفض: لالا أنا بحبه كصديق كأخ إنما حبيب لأ، وأعتقد هو كمان مش بحبني جوازنا جواز صالونات شافني واتقدم مفيش حب خالص بينا.
صفا بابتسامة ذات مغزي: مش مهم دلوقتي نعرف إيه حقيقة مشاعرك احنا مهمتنا دلوقتي أن إنتِ لازم تكوني قوية متضعفيش طالما مش حاجه غلط ولا مخالفة للدين أعتقد إن مامتك هتفرح قوي لو شافتك قويه وصلبة مش ضعفيه وتخافي وتقبلي بالأمر الواقع زيها، عمرها ما تتمني تكوني زيها مامتك لو كان عندها بس شوية ثقة كان ممكن تتطلق وتبعدوا عنه.
لكن للآسف مامتك شخصيتها ادمرت كانت بتخاف من والدك ،كانت متحملة علشانك ممكن خوف إن يبعدك عنها؟ ممكن خوف إن يضرك بس الأكيد إنها نفسها تكوني أقوى منها.
سحر : أعمل إيه؟!
صفا: عاوزكِ تنسي خوفك من والدك تتمسكي بحقك واوعي تفرطي فيه متبينيش ضعفك لحد خليكِ فاكرة دايمًا إن الخوف ده هو سبب اللي حصل لوالدتك، وكمان هديكِ كتاب تقرى فيه هيساعدك في ده.
سحر: حاضر.
صفا بابتسامة : جلسة النهاردة خلصت إن شاء الله على ميعادنا الأسبوع الجاى.
سحر : إن شاء الله.
توجهت سحر الي الباب ووجدت زوجها ينتظر إلى جانب الباب ولم يجلس ينتظرها دون ملل أو ضيق
ابتسمت له وهي تقول:
سحر : خلصت يله بينا.
محمد بابتسامه لسعادته لرؤيتها تبتسم : يلا بينا.
فاقت من شرودها وجدته يتخذ طريق المنزل ولكنها قالت له.
وجدها محمد تطلب منه طلب غريب عليه ولأول مرة: ممكن تلف بينا بالعربية شوية نشم هوا؟
محمد بسرعة : طبعًا إنتِ عليكِ تطلبي وأنا انفذ.
سحر بصدق: متشكره قوي يا محمد بجد انت هدية من ربنا ليا.
محمد: ربنا ما يحرمني منك.
انطلق محمد بالسيارة وظل يدور بها لأكثر من ساعتين وحديثهم لم يتوقف عن ذكريات الطفولة وغيرها من المواقف، وكانت فرحته لا تقدر بالمال فهو يشعر الآن أنهم زوج وزوجه طبيعين.
مر يومان والهدوء هو المخيم حياتهم حتى أخبرها محمد بضرورة سفرهم إلى مسقط رأس أبيه في إحدى المحافظات لحضور حفل زفاف إبن عمته.
سحر بتوتر : هو أنا لازم أجي معاك؟
محمد بجدية: طبعًا آمال هروح لوحدي، وبعدين متقلقيش ماما هناك وأختي وبنات عماتي وعمامي هتحبيهم قوي مينفعش تفضلي هنا لوحدك أنا مستحيل أوافق أو أكون مطمن عليكِ، مينفعش إني اغيب عن حاجة زي دي أنا مكان بابا الله يرحمه.
سحر بتنهيدة : ماشي اللي تشوفه.
محمد : تمام اعملِ حسابك السفر إن شاء الله يوم الاربع ولو هتعبك معايا تجهزي ليا شنطة سفر.
سحر : طبعًا أكيد هعمل كده.
محمد: تسلملي.
سحر : احنا هنرجع امتى؟ أقصد يعني هتقعد كام يوم؟
محمد : إن شاء الله يوم السبت بإذن الله تعالى.
سحر : تمام، عشان أنا عندي امتحان شفوي بعد اسبوعين إن شاء الله.
محمد : لأ إن شاء الله هنرجع قبلها وتروحِ امتحانك ومش عاوز تنسي حاجة، وكمان أنا عامل حسابي اخدك وننزل نشتري ليكِ طقم أو فستان عشان الفرح.
سحر : مالوش لزوم أنا هدومي لسه جديدة وفي حاجات مش لبستها أصلًا حرام اشترى.
محمد : متأكدة؟
سحر : أكيد متقلقش عليا.
محمد : تمام.
توجهت سحر إلى غرفتها وهي تحدث نفسها ماذا سيحدث هناك؟ وكيف ستجعلهم متأكدين أن زواجهم زواج طبيعي لا غبار عليه؟ وأين ستنام؟ وبالتأكيد محمد سيكون معها بنفس الغرفة كثير من التساؤلات كانت تدور بداخل عقلها وكل سؤال ليس له إجابة لديها.
دعت ربها أن تمر تلك الأيام على خير وأن تستطيع إخراج كل ثقتها بنفسها خلال تلك الأيام، حتى لا تكون محط سخرية الجميع.
كان القلق ينهشها من الداخل دون أن تخبر زوجها بذلك خوفًا من أن تغضبه، ولكنها تخشى التجمعات بشدة وأن تكون تحت الرقابة والتركيز ممن حولها تعشق الوحدة ومعنى ذهابها معه إلى العرس أنها ستكون محط انظارهم جميعاً فاغلبهم لم يراها سوا يوم عرسها هي ومحمد والبعض لم يحضر فكيف ستتحمل؟ كانت تدرب نفسها خلال الأيام الماضية على الابتسامة وعلى بعض الردود لبعض الجمل المجاملة للرد على أي شخص يحدثها وتدعو الله أن يمر هذا العرس على خير.
استيقظت منذ الصباح لتجهيز نفسها استعدادًا للرحيل فقد ذهب محمد ليجلب شقيقته ووالدته وها هي تنتظرهم على أحر من الجمر.
وجدت محمد يتصل بها يخبرها أنه بالأسفل فقد أخذ حقائب السفر معه في وقت سابق، نظرت لنفسها مرة أخيرة وبعدها أغلقت باب الشقة وتوجهت إلى الأسفل وهى تردد بداخلها بعض الآيات من القرآن الكريم.
لتعود تلك الدقات ثانية فتزيل ما علق بأهدابها ووجنتها من عبرات ناهضة من مكانها هامسة بحمحمة:
- حاضر.
عدلت من هيئتها قبل أن تفتح باب الغرفة لتجد والدها بابتسامته البشوشة الطيبة،
فردت بإبتسامة خفيفة :
- اتفضل يا بابا.
ولج "محمد" إلى الداخل وهو يحتضن يد ابنته بكفه جاذبًا إياها نحو طرف الفراش ليجلسا سويا قبل أن يردد بحكمة :
- مش هسالك مالك ولا إيه اللي حصل؟ لأن الجواب بيبان من عنوانه وإنتِ باين عليكِ إن الموضوع كبير، بس اللي هقوله ليكِ إن النار لو جالها شوية هوا من برة بتقيد وتأكل كل حاجة بتقابلها في طريقها ، لكن لو خلصت شوية الهوا الصغيرين اللي حواليها بتخمد وتطفى، فعشان كده بلاش توسعي مجالها وتدخلي ليها هوا من كل ناحية، وأي اختبار في حياتنا حتى لو كان صعب بالمحاولة والاصرار بيعدي وننجح فيه، وأعتقد إن حياتك تستاهل انك تحاولي عشانها، حطي الكلمتين دول حلقة في ودانك يا بنتي ، وأنا متأكد إنك هتعملي الصح، وتحافظي على حياتك اللي أنا متأكد إنك لو خرجتي من دايرتها تدبلي زي الزرعة لما تتقلع من أرضها.
كانت ترمقه "مريم" بأعين هُزم بها الجمود هزيمة ساحقة، وأعلنت عبراتها انتصاراتها لتفيض من أحداقها شاقةً طريقها نحو شفاهها التي ارتجفت بأحرف غرست خنجرها بصدر والدها :
- أنا موجوعة قوي يا بابا ، حاسة إني لوحدي وضهري للحيط، اطعنت بخنجر مسموم رشق في قلبي، حتى لو تعافيت منه، أثره هيفضل معلم وسايب شرخ كبير جوايا، شرخ لا أيام تداويه ولا حتي زمن يقدر يمحي معالمه.
تيقن "محمد" من شعوره الغامض بأن غيوم ضبابية قد حلت على أسرته الصغيرة، بل اختصت زهرته الرقيقة لتهرب عبرة متمردة من مقلتيه قبل أن تُلقي بجسدها بين ذراعيه آذنه لقواها بالخوار، وشهقاتها بالتصاعد.
أطبق "محمد" أجفانه بأسي وهو يربت على ظهرها مغمغماً :
- لو حابة تتكلمي في أي وقت أنا سامعك يا"روما".
حركت رأسها بنفي هامسة بخفوت:
- مش عايزة اتكلم يا بابا.
اومأ برأسه مرددًا :
- اللي يريحك يا بنتي، بس افتكري إني ضهرك وسندك في الحياة، وعمر ما هيكون ضهرك للحيط وانا موجود.
شددت "مريم" من احتضان والدها متنهدة براحة كبيرة وهي تغمغم :
- ربنا يخليك لينا يا حبيبي.
***********
شقة "يحيي".
ولج من بابها حاملًا بين يديه باقة من الزهور البيضاء كقلب معشوقته ومعالم الندم تفرض سطوتها على قسماته، ليضع مفتاحه بجيب سرواله مطوفًا المكان كاملًا بأحداقه المستنكرة لذلك الهدوء الذي لم يعهده بمنزله، فهي دائمًا ما كانت تترنم بأنشودة عشق فرنسية تتقافز أحرفها فرحًا بين جنبات المنزل، ليهمس بعتاب لائم ذاته :
-تغني إزاي بقا وهي زعلانة مني؟!
وخطى نحو غرفته بخطى واسعة موزعًا نظراته ما بين زهرها المفضل، وبين باب الغرفة الشبة مفتوح ليدفعه بيُمناه برفق مغمغمًا بندم:
- "روما" أنا أسـ...
لتُبتر أحرفه بعدما وجد ذلك المشهد الذي أشعل يقينه بالفراق، فقد كانت أبواب خزانتها مفتوحة على مصرعيها، خاوية من ثيابها التي لطالما عشق النظر إليها فقد كانت له حصن أمان وسكون، لتسقط باقة الزهور أرضًا معلنة صدمته وانكساره. خطى نحو الخزانة مطوفًا جنباتها بأعين عاتبة، أعين استقرت أخيرًا على ذلك الصندوق الخشبي الصغير الذي يعلم أمره جيدًا.
أطبق "يحيي" أجفانه بقوة زافرًا زفرة حارقة وهو يحمل ذلك الصندوق بين يديه
مغمغمًا بأسي:
- سيبتيني لوحدي ليه يا "مريم"؟ ليه؟
وفتح الصندوق كما فتح أحداقه التي جابت مصوغاتها المتواضعة التي اختارتها كشبكة رمزية لها، فهي لم تُرد يومها أن ترهقه ماديًا ، إلا أنها حلمت أن تملأ ذلك الصندوق بهدايا عشقه لها، كتلك الوردة الجافة التي أهداها إياها يوم ترقيه بوظيفته. ثارت الدماء بأوردته وألقى الصندوق بالخزانة ثانية صافعًا بابها بقوة قبل أن يتجه إلى كيس الملاكمة الخاص به وينهال عليه ضربًا علّه يطفئ نيران قلبه المشتعلة.
********
يوم جديد أسدل ستاره علي حياة "مريم" التي وعلى الرغم من وجعها قررت أن تعطيه كامل فرصته فمازال هناك ركن صغير بقلبها يتوسل إليها الشفاعة، قرارها أن تستكمل رحلتها مع الطبيبة "صفا" علّها تجد له عذرًا حقيقيًا تتشبث بخيطه الواهي، لتأتي مساعدة الطبيبة إليها بابتسامة خفيفة مرددة :
- اتفضلي يا مدام "مريم" دكتورة "صفا" في انتظارك.
نهضت "مريم" من مقعدها بابتسامة خفيفة مجاملة قبل أن تلج إلى غرفة الطبيبة التي نهضت لمقابلتها بحفاوة وترحاب، مرددة وهي تصافحها :
- ازيك يا "مريم".
أومأت لها مريم برأسها مرددة بارتباك جلي: - الحمد لله.
قصدت "صفا" مقعدها وهي تشير نحو أريكة وثيرة مرددة بثبات:
- اتفضلي ارتاحي.
طوفت "مريم" الأريكة بأنظارها بتردد قبل أن ترمقها "صفا" بابتسامة ودودة مرددة :
- تقدري تقعدي في المكان اللي يريحك.
أومأت "مريم" برأسها ثانية قبل أن تخطو نحو الاريكة هامسة :
- مش هتفرق كتير.
واحتلت طرفها بجمود ظاهري ينافي تضارب أفكارها المتصارعة، لتجلس "صفا" هي الأخرى بالمقعد المقابل لها مرددة بودٍ كبير :
- تحبي نبتدي منين؟
شردت "مريم" بمعالم متجهمة وجسد متحفز تزداد أعضاءه نفورًا، وعروقه بروزًا وهي تشدد علي طرف فستانها بقوة مرددة بهذيان :
- كسرني، بعد ما اديته قلبي وأمنت له خاني، عارفة إحساس إنك توصلي لآخر سما وبعدين تنزلي على جدور رقبتك، أهو ده بالظبط اللي حصل معايا حبيته واخلصت له رغم خوفي وارتباكي أول مرة قابلته، بس الخوف ده كله راح لما قابلته تاني.
كانت "صفا" تصغي إليها باهتمام جم وهي تدون بعض الملحوظات الهامة، لتكمل "مريم" باستفاضة وذلك التجهم قد تبددت معالمه لتحل محلها ابتسامة واسعة فقد باتت تحيا تلك المشاعر كما السابق تمامًا، فلقائها الثاني كانت تفصله أيامٍ كثيرة عن الأول.
غادرت "مريم" مدرستها بعد انتهاء يوم دراسي طويل، لتستقل سيارتها متنهدة بإرهاق شديد وهي تضع مفتاح السيارة بموضعه محاولة تشغيلها إلا أن محاولتها الأولى باءت بالفشل، فحاولت، وحاولت وهي تردد بتأفف:
- لا وحياة أبوكِ هي مش ناقصة فرهدة أنا خلصت النهاردة بما فيه الكفاية.
وذكرت اسم الله العظيم وأعادت تحريك المفتاح ثانية إلا أن النتيجة كانت واحدة، لتزفر زفرة قوية مُعلنة استيائها بفرنسية طليقة قبل أن تغادر السيارة لاستكشاف العطل مرددة بحنق شديد:
- انتي كده جيبتي آخرك معايا يا زوبا وشكلي كده هغيرك.
واتجهت نحو غطاء السيارة ترفعه برفق في محاولة بائسة لمعرفة سبب العُطل إلا أنها فشلت في هذا لتجد ذلك الرجل الأربعيني ذو الرأس الأصلع والنظارة الطبية، والبطن المتدلي بشكل مقزز والذي وقف إلى جوارها بضحكته البلهاء مردداً : - العربية عملتها معاكِ يا أستاذة "مريم" ولا إيه؟
ابتسمت "مريم" ابتسامة متصنعة فهي حقًا تمقت ذلك الرجل، ورددت بجمود :
- شكلها كده يا مستر "صبري".
اقترب منها "صبري" بشكلٍ فج، لتنتفض بغضب مبتعدة عنه وهي تردد باستياء ساخط :
- فيه إيه حضرتك؟
رمقها "صبري" بنظرات ذات مغزى مرددًا بسماجة قوية:- هساعدك.
عقدت "مريم" ذراعيها أعلى صدرها بقوة وهي تزفر زفرة نارية مغمغمة بحدة : - ميرسي قوي لحضرتك، مش حابة أعطلك معايا.
تنهد "صبري" تنهيدة حارة وهو يقترب منها هامسًا :
- ده يوم المنى لما أتعطل معاكي يا "روما".
اتسعت عينا "مريم" صدمة وهي تتراجع للخلف خطوة واسعة مغمغمة في استياء أكبر :
- فيه إيه يا أستاذ "صبري"؟!
أجابها صبري برغبة عارمة :
- فيه إني تعبت من كتر الانتظار، مش هتريحي قلبي بموافقتك بقا.
حركت "مريم" رأسها بقوة ساخرة
وهي تردد بتهكم شديد :
- موافقة إيه حضرتك؟! إنت واحد متجوز اتنين وعندك تسع عيال.
اقترب منها أكثر وهو يردد بابتسامة سمجة :
- وماله؟ ما الشرع محلل أربعة، وبعدين طالما قادر يبقى اتجوز.
اشتعل غضب "مريم" من تفكير هذا الوغد ومعتقداته الخاطئة، لتهتف به بحدة جامحة :
- إنت بني آدم مريض ميعرفش في الشرع كله غير إنه محلل أربعة، بنى آدم بيفسر شرع ربنا بمزاجه وتبع أهواءه.
اشتعل غضب "صبري" وشَكّل قسمات وجهه، ليصرخ بها بحدة غاضبًا :
- لا أفسره على مزاجك إنتِ، كلام ربنا واضح وصريح مش محتاج قاموس يعني.
احتد النقاش بينهما وتجمهر حولهما بعض الطلبة والطالبات، فتغمز هذه، وتلمز الأخرى، فكادت "مريم" أن تفقد ما تبقى من ثباتها مُعلنة انهيارها لولا تدخله القاطع :
- {وَلَن تستطيعوا أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ النساء وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُواْ كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِن تُصْلِحُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا} صدق الله العظيم.
التفت الجميع نحو صاحب هذا الصوت العذب لتشتعل نظرات الإعجاب بأعين بعض الفتيات، ونظرات الغيظ والحقد بأعين "صبري" الذي هتف به بحدة :
- وإنت مالك يا أخينا انت؟ وبعدين إيه اللي دخلك في كلام ما يخصكش أصلًا؟!
تأجج غضب "يحيي" ليجد قبضته قد طوقت تلابيب "صبري" وسبابته أُشهرت بتحذير قوي صاحب كلماته الحازمة:
- صوتك يبقي واطي إنت فاهم، وبعدين بدل ما تتشطر على واحدة ست في وسط الشارع تعالى قابلني راجل لراجل وساعتها نشوف شطارتك دي على حق ولا إيه؟
ازدرد "صبري" لعابه بذعر حقيقي فبُنيان "يحيي" يُقسم أنه يستطيع أن يطيح به أرضًا بمجرد لكمة خفيفة من يده، ليغمغم بحشرجة :
- مين حضرتك؟! وعايز إيه؟
أجابه "يحيي" على الفور وبدون تفكير ودون أن يرف له طرف :
- أنا "يحيى الشيخ" خطيب الأستاذة "مريم".. ثانية واحدة بس لو شوفت خلقتك قدامي مش هيحصل ليك طيب.
حرك "صبري" رأسه بموافقة قبل أن يحرره "يحيي" فيركض مهرولًا تاركًا خلفه تلاميذه يضحكون ويسخرون من رجولته المزيفة.
بينما كانت "مريم" تحدق ذلك الخطيب المفاجئ بأعين ذاهلة، تحرك" يحيى" نحو سيارتها يُصلح ما بها من عطل
مرددًا بثبات :
- عربيتك بقت كويسة يا "مريم" تقدري تروحي دلوقتي وتبلغي عم "محمد" إني هزوركم الساعة ٧ مساءً، ده طبعًا بعد اذنه.
استقلت "مريم" سيارتها بصمت مطبق، بل بلا أدنى ردة فعل، فكانت كالمغيبة تمامًا. أغلقت باب سيارتها برفق دون أي حركة لدقائق حتى اقترب "يحيي" من زجاج نافذة السيارة وطرقه بأصابعه طرقات خفيفة جذب انتباهها فرمقته بنظرات زائغة سرعان ما هربت بها نحو الطريق قبل أن تنطلق بالسيارة تاركة إياه يودعها بنظرات شاردة.
هنا عادت "مريم" من شرودها لتغمغم بهدوء :
- لأول مرة كنت أحس بالعجز، العجز إني أرد عليه وأقوله إنى معرفش إنت مين؟ العجز إني أعمل أي رد فعل حتى، يمكن ده لأني كنت مبسوطة وحسيت إنه جاني نجدة من السماء.
تنهدت "صفا" براحة بعض الشيء قبل أن تردد بابتسامتها البشوشة:
- كفاية كده النهاردة.
تنهدت "مريم" بقوة كمن يُزيح ثقل كبير عن صدره، مرددة بثبات :
-تمام.. الجلسة الجاية إمتي؟
وضعت "صفا" قلمها، وأغلقت دفترها مرددة بهدوء :
- يوم الخميس إن شاء الله.. بس هتكون جلسة جماعية.
تجهمت معالم "مريم" وهتفت بحدة بعض الشيء :
- مش موافقة طبعًا، إذا كنت بتكلم معاكي فده عشان إنتِ الدكتورة بتاعتي وعارفة إنك مستحيل تخرجي حرف واحد برة، إنما إن أتكلم مع ناس فده مستحيل يحصل.
حركت "صفا" رأسها بموافقة قائلة:
- اللي يريحك، أنا كنت شايفة إن التجربة دي هتكون كويسة حتى لو كنتي مستمعة فقط.
نهضت "مريم" من مجلسها وهي تردد بحنق جلي:
- أكيد طبعًا هعمل اللي يريحني، بعد اذنك.
**********
علي الجانب الآخر
كانت سحر شاردة بما حدث بينها وبين الطبيبة في آخر مرة.
سحر : بحبه؟!
صفا: كلامك بيقول كده.
سحر برفض: لالا أنا بحبه كصديق كأخ إنما حبيب لأ، وأعتقد هو كمان مش بحبني جوازنا جواز صالونات شافني واتقدم مفيش حب خالص بينا.
صفا بابتسامة ذات مغزي: مش مهم دلوقتي نعرف إيه حقيقة مشاعرك احنا مهمتنا دلوقتي أن إنتِ لازم تكوني قوية متضعفيش طالما مش حاجه غلط ولا مخالفة للدين أعتقد إن مامتك هتفرح قوي لو شافتك قويه وصلبة مش ضعفيه وتخافي وتقبلي بالأمر الواقع زيها، عمرها ما تتمني تكوني زيها مامتك لو كان عندها بس شوية ثقة كان ممكن تتطلق وتبعدوا عنه.
لكن للآسف مامتك شخصيتها ادمرت كانت بتخاف من والدك ،كانت متحملة علشانك ممكن خوف إن يبعدك عنها؟ ممكن خوف إن يضرك بس الأكيد إنها نفسها تكوني أقوى منها.
سحر : أعمل إيه؟!
صفا: عاوزكِ تنسي خوفك من والدك تتمسكي بحقك واوعي تفرطي فيه متبينيش ضعفك لحد خليكِ فاكرة دايمًا إن الخوف ده هو سبب اللي حصل لوالدتك، وكمان هديكِ كتاب تقرى فيه هيساعدك في ده.
سحر: حاضر.
صفا بابتسامة : جلسة النهاردة خلصت إن شاء الله على ميعادنا الأسبوع الجاى.
سحر : إن شاء الله.
توجهت سحر الي الباب ووجدت زوجها ينتظر إلى جانب الباب ولم يجلس ينتظرها دون ملل أو ضيق
ابتسمت له وهي تقول:
سحر : خلصت يله بينا.
محمد بابتسامه لسعادته لرؤيتها تبتسم : يلا بينا.
فاقت من شرودها وجدته يتخذ طريق المنزل ولكنها قالت له.
وجدها محمد تطلب منه طلب غريب عليه ولأول مرة: ممكن تلف بينا بالعربية شوية نشم هوا؟
محمد بسرعة : طبعًا إنتِ عليكِ تطلبي وأنا انفذ.
سحر بصدق: متشكره قوي يا محمد بجد انت هدية من ربنا ليا.
محمد: ربنا ما يحرمني منك.
انطلق محمد بالسيارة وظل يدور بها لأكثر من ساعتين وحديثهم لم يتوقف عن ذكريات الطفولة وغيرها من المواقف، وكانت فرحته لا تقدر بالمال فهو يشعر الآن أنهم زوج وزوجه طبيعين.
مر يومان والهدوء هو المخيم حياتهم حتى أخبرها محمد بضرورة سفرهم إلى مسقط رأس أبيه في إحدى المحافظات لحضور حفل زفاف إبن عمته.
سحر بتوتر : هو أنا لازم أجي معاك؟
محمد بجدية: طبعًا آمال هروح لوحدي، وبعدين متقلقيش ماما هناك وأختي وبنات عماتي وعمامي هتحبيهم قوي مينفعش تفضلي هنا لوحدك أنا مستحيل أوافق أو أكون مطمن عليكِ، مينفعش إني اغيب عن حاجة زي دي أنا مكان بابا الله يرحمه.
سحر بتنهيدة : ماشي اللي تشوفه.
محمد : تمام اعملِ حسابك السفر إن شاء الله يوم الاربع ولو هتعبك معايا تجهزي ليا شنطة سفر.
سحر : طبعًا أكيد هعمل كده.
محمد: تسلملي.
سحر : احنا هنرجع امتى؟ أقصد يعني هتقعد كام يوم؟
محمد : إن شاء الله يوم السبت بإذن الله تعالى.
سحر : تمام، عشان أنا عندي امتحان شفوي بعد اسبوعين إن شاء الله.
محمد : لأ إن شاء الله هنرجع قبلها وتروحِ امتحانك ومش عاوز تنسي حاجة، وكمان أنا عامل حسابي اخدك وننزل نشتري ليكِ طقم أو فستان عشان الفرح.
سحر : مالوش لزوم أنا هدومي لسه جديدة وفي حاجات مش لبستها أصلًا حرام اشترى.
محمد : متأكدة؟
سحر : أكيد متقلقش عليا.
محمد : تمام.
توجهت سحر إلى غرفتها وهي تحدث نفسها ماذا سيحدث هناك؟ وكيف ستجعلهم متأكدين أن زواجهم زواج طبيعي لا غبار عليه؟ وأين ستنام؟ وبالتأكيد محمد سيكون معها بنفس الغرفة كثير من التساؤلات كانت تدور بداخل عقلها وكل سؤال ليس له إجابة لديها.
دعت ربها أن تمر تلك الأيام على خير وأن تستطيع إخراج كل ثقتها بنفسها خلال تلك الأيام، حتى لا تكون محط سخرية الجميع.
كان القلق ينهشها من الداخل دون أن تخبر زوجها بذلك خوفًا من أن تغضبه، ولكنها تخشى التجمعات بشدة وأن تكون تحت الرقابة والتركيز ممن حولها تعشق الوحدة ومعنى ذهابها معه إلى العرس أنها ستكون محط انظارهم جميعاً فاغلبهم لم يراها سوا يوم عرسها هي ومحمد والبعض لم يحضر فكيف ستتحمل؟ كانت تدرب نفسها خلال الأيام الماضية على الابتسامة وعلى بعض الردود لبعض الجمل المجاملة للرد على أي شخص يحدثها وتدعو الله أن يمر هذا العرس على خير.
استيقظت منذ الصباح لتجهيز نفسها استعدادًا للرحيل فقد ذهب محمد ليجلب شقيقته ووالدته وها هي تنتظرهم على أحر من الجمر.
وجدت محمد يتصل بها يخبرها أنه بالأسفل فقد أخذ حقائب السفر معه في وقت سابق، نظرت لنفسها مرة أخيرة وبعدها أغلقت باب الشقة وتوجهت إلى الأسفل وهى تردد بداخلها بعض الآيات من القرآن الكريم.
