رواية بقدر الحب نقتسم الفصل السابع 7 بقلم فاطمة علي
كانت "مريم" بغرفتها تحتل ذلك المقعد الهزاز وهي تقرأ أحد كتب علم النفس بتركيز قوي فقد قررت التبحر في هذا العلم الذي لطالما أحبته منذ دراستها الثانوية، الآن بات أنيسها في وحدتها التي حاوطت أيامها رغم وجود والديها إلى جوارها، خاصة والدها الذي يدعمها بقوة ويشدد من أذرها، أما والدتها فدائمًا ما تلقي اللوم والعتاب عليها حتى أنها تتهمها بالتقصير مع زوجها ذلك الملاك كما تراه هي وقد نسيت أننا بشر نُخطئ ونُصيب ونرتكب معاصي وذنوب.
تطوي ورقة تلو الأخرى بنهم قوي أخرجها منه ذلك الرنين الدائم لهاتفها، فـ"يحيي" لم يمل من محاولات التواصل معها إما بالرسائل النصية التي لم تُكلف نفسها عناء قراءتها أو الاتصال الصوتي الذي ترفضه تمامًا كما فعلت هذه المرة، وهي تردد بحنق ساخط :
- كفاية بقا.. كفاية يا "يحيي" سيبني لوحدي.
لتجد والدتها تفتح باب الغرفة وتلج إليها بمعالم متجهمة بعض الشيء مرددة : - ياريت تقومي تساعديني عشان نجهز الأكل على ما أبوكي يرجع من الشغل.
وضعت "مريم" الهاتف إلى جوار كتابها أعلى المنضدة الصغيرة المجاورة لمقعدها،
ونهضت بمعالم لائمة مرددة بتساؤل :
- ليه بتعامليني كده يا ماما؟! دا أنا لو مش بنتك هتعامليني أحسن من كده.
أومأت "كريمة" برأسها بقوة وهي تردد بحدة :
- أه هعملك أحسن من كده، لو مش بنتي يا "مريم" هعملك أحسن من كده.
اتسعت عينا "مريم" صدمة وهي تقترب منها مرددة باستنكار قوي :
- ليه؟! أنا عملت لكِ إيه؟
أجابتها "كريمة" بحسرة وأسي :
- عايزة تخربي بيتك، البيت اللي ما صدقت أشوفك فيه.
تضاعفت صدمة "مريم" وهي تحرك رأسها بذهول :
- أنا يا ماما؟!
أومأت "كريمة" برأسها مرددة بحدة:
- أه إنتِ ما هو مش عشان مشكلة تافهة تسيبي بيتك، مش ده الحل لمشاكلنا.
رددت "مريم" بصدمة أقوى :
- مشكلة تافهة؟! إنتِ تعرفي أصلًا إيه اللي حصل؟
لوحت "كريمة" بيدها في الهواء وهي تهتف :
- مش عايزة أعرف لأنها أكيد حاجة تافهة، "يحيي" ابن ناس ومحترم ، وبعدين مين قالك إن البيوت خالية كل البيوت فيها مشاكل وخصام، أنا وأبوكِ ياما حصل بينا عمرك حسيتي بحاجة؟
حركت "مريم" رأسها بنفي دون أن تنبس ببنت شفة، لتستكمل "كريمة" حديثها بجدية:
- عشان عمري ما حسستك بكده، ولا أهلي عمرهم حسوا بحاجة زي دي، كنت عروسة جديدة لسه مكملتش شهر ولقيت بنت عمه اللي اتطلقت من جوزها بتلف عليه وعايزة تتجوزه، تخيلي إحساسك لما تكوني لسه متجوزة وتلاقي اللي عايزة تشاركك فيه، واللي كسرني ووجعني يومها، رد فعل أبوكِ.
رمقتها "مريم" بنظرات ذاهلة إلا أنها كانت تحثها على استكمال حديثها، لتستطرد "كريمة" بوجع وألم وانكسار:
- يومها قالي بكل برود دي بنت عمي ولازم أقف جنبها، مينفعش أدخل وأخرج عليها من غير شكل شرعي للعلاقة، عمري ما هتحمل حد يتكلم عليها نص كلمة.
كانت "مريم" تتابع حديث والدتها بصدمة، وذهول تام، لتجد شهقات والدتها المتقطعة تصاحب كلماتها :
- شهر كامل ما بنمش فيه غير ساعتين في اليوم، اتبدلت من عروسة فرحانة بجوزها، لست مكسورة بتستعد لدخول ضرة عليها في أي وقت، كرهت أبوكِ وكرهت قربه مني، واليوم اللي كان بيحصل فيه كده كنت بقرف قوي منه ومن نفسي.
اشتعل الغضب بقلب وعقل "مريم" لتهتف باستنكار لائم:
- وإنتِ إزاي تقبلي بحاجة زي دي؟! ليه كنتي ارجعي بيت أهلك؟
أجابتها أمها بحسرة :
- أرجع لابويا مطلقة وهو لسه مديون بفلوس جوازي؟ أرجع أقوله شيل همي تاني وسيب اخواتي؟ ولا ارجع اكسره في وسط الناس؟ ما هو لما عروسة تطلق بعد جوازها بشهر أكيد الكل هيقول العيب فيها هي ومحدش يفكر يجيب اللوم على الراجل.
تضاعف غضب "مريم" وهي تهتف بحنق ساخط :
- يبقى مجتمع متخلف. لما مجتمع يسيب الظالم ويحاكم المظلوم يبقى مجتمع مشوه وغير سوي.
ابتسمت "كريمة" ابتسامة جانبية متهكمة وهي تردد بيأس :
- هو ده المجتمع اللي احنا عايشين فيه، لا نعرف نغيره، ولا هنغير تفكير الناس ومعتقداتها.
أجابتها "مريم" بصدمة:
- إيه اليأس والاحباط اللي في صوتك ده ياماما؟! طول السنين اللي فاتت دي أول مرة أشوفك بالسلبية والاستسلام ده؟! طول عمرك كنتِ قوية، وجامدة ومفيش حاجة ممكن تهزك، ولا تكسرك .
انفرجت ابتسامة صادقة بثغر "كريمة" وهي تردد بسعادة :
- بسببك.. كنت قوية بسببك يا "مريم".
عقدت "مريم" جبينها بدهشة وهي تردد بتساؤل: - بسببي أنا؟!
اقتربت "كريمة" منها محاوطة كتفيها بكفيها وهي تردد بحب وعطف :
- في عز كسرتي وانهزامي ربنا نصرني بيكي، الحاجة الوحيدة اللي رجعت أبوكِ عن قراره كان حملي بيكِ، لما عرف إنى حامل وإني هسيبه وأخدك وأبعد بعيد خاف عليكِ، خاف تتربى في حضن راجل غريب، أو على الأقل تتربي بعيد عنه، خاف أحرمه منك يا"روما".
اشتعل غضب مريم ونفرت عروق رقبتها ويديها بل وجميع جسدها، لتهتف بحدة غاضبة وهي تقطب جبينها مستنكرة: - يعني رجع عن قراره ده بس عشان بنته؟! والبني أدمة اللي أمنته على نفسها ملهاش تمن عنده؟ إيه كمية الأنانية دي؟!
حركت "كريمة" رأسها برفق وتلك الابتسامة الباهتة تغازل ثغرها وهي تردد بعشق جارف :
- بالعكس، أبوكِ عمره ما كان أناني، يمكن كانت الشهامة والمروءة واخداه شوية لما بنت عمه جت له مكسورة وبكت قدامه، ادته شعور إنها ملهاش غيره في الحياة وإنها هتكون مطمع وفريسة سهلة لكل من هب ودب.
قاطعتها "مريم" بحدة أكبر وهي تشيح بيدها في الهواء :
- و ده عمره ما يكون مبرر للي كان عايز يعمله، طب ليه مشفش إنك كمان مالكيش غيره في الحياة، وإنه سندك وضهرك وحمايتك.
خطت "كريمة" نحو فراش ابنتها واحتلت طرفه برجفة خفيفة سرت بجميع جسدها، فرغم تصنعها القوة واللامبالاة كل هذه الأعوام إلا أن جرحها قد ترك ندبة قوية تؤلمها طوال العمر، ندبة لا يشعر بها سواها، لتتنهد بهدوء مرددة بصدق :
- أبوكِ لسه ليومنا ده بيكفر عن غلطته اللي كان عايز يرتكبها في حقي، هو متأكد إني مش مسامحة، ولا نسيت عشان كده بيعمل كل ما في وسعه عشان ينسيني.
اقتربت منها "مريم" وجلست جوارها،
ملتقطة كفها بين راحتيها برفق مغمغمة : - ونسيتِ يا ماما؟
كان سؤال منطقي ومتوقع من "مريم" إلا أن وقعه على "كريمة" لم يختلف أثره كثيرًا عن يوم إخبار زوجها لها بالأمر، ذات الرجفة، ذات الصدمة، وذات الانكسار،
إلا أنها هنا تلبست بثوب القوة والفكاهة وهي تنهض من موضعها هاتفة بمشاكسة ظاهرية :
-نسيت يا ختي، إنتي وأختك وأبوكي تنسوا الواحد اسمه مش وجعه بس، قومي يلا على المطبخ كملي الأكل على ما اصلي وأحصلك.
انفرجت ابتسامة واسعة بثغر "مريم" قبل أن تُلقي بجسدها بين ذراعي والدتها مشددة من احتضانها وهي تغمغم بدعاء:
- ربنا يخليكِ لينا ياست الكل.
شددت "كريمة" هي الأخري من احتضان صغيرتها وهي ترفع عيناها إلى خالقها هامسة بخفوت:
- ربنا يريح قلبك يا بنت قلبي يا رب.
وزفرت زفرة قوية، وهي تُزيح "مريم" بعيدًا عنها مرددة بجدية :
- قومي يلا شوفي الأكل.
ذمت "مريم" فمها بطفولية هاتفة بسخط مصطنع :
- إيه القفلة دي يا ماما؟ حد يخرج حد من الجو الشاعري ده كده؟
ضربتها "كريمة" بيديها برفق مرددة بصدمة مصطنعة :
- شاعري؟! ومع أمك يا بنت "محمد"؟
ليقطع حديثهما تلك الطرقات المتزنة بباب الشقة، لتردد "كريمة" بجدية وهي تشير نحو باب الغرفة :
- قومي شوفي مين يا بنتي.
نهضت "مريم" وهي تردد بسعادة :
- ده أكيد بابا.
حركت "كريمة" رأسها بنفي مرددة :
- دي مش خبطة بابا، شوفي مين.
وسحبت سجادة الصلاة من جوارها ونهضت من مجلسها مستقبلة القبلة قبل أن تتركها "مريم" لاستكشاف هوية هذا الزائر.
خطت نحو باب الشقة بابتسامة خفيفة ما زالت تُغازل ثغرها وهي تُعدل من وضعية حجابها حول رأسها حتى أحكمته، رددت بهدوء وهي تُدير مقبضه : - حاضر.
ما إن أتمت فتح الباب حتى تسللت إلى مسامعها معزوفة عشق ووله تُزين بقسمات الهيام التي أشعلت أحداقه كما اشتعل فؤاده بالاشتياق: - وحشتيني.
مشاعر متضاربة عصفت بقلبها، ما بين الجفاء والاشتياق تشتت الكلمات، لترتجف شفاهها بأحرف متناقضة، ليضيق عيناه بعدم فهم مرددًا :- هااا.
حمحمت "مريم" بقوة لتستجمع رباطة جأشها وهي تتشبث بطرف فستانها كصغيرة تتشبث بيد والدها، استحضرت قوتها وصلابتها التي شكلت قسماتها
وهي تردد بحدة :
- أفندم؟ جاي تكمل ضرب هنا كمان؟
أطبق "يحيي" أجفانه بأسي متنهدًا بحرقة وهو يردد بصدق :
- آسف. والله آسف.
ابتسمت "مريم" ابتسامة جانبية متهكمة وهي تغمغم بسخرية:
- تفتكر ليه معنى دلوقتي؟
رمقها "يحيي" بعتاب ولوم وهو يقترب منها مرددًا :
- ليه بقيتي قاسية كده؟
انتصر الغضب على معالمها وشكَّلها ببراعة لتهتف به بحدة ساخطة:
- قاسية؟! لو كنت كده مكنتش وريتك وشي ده أبدًا ، ولا عمرك كنت تحلم تقف معايا الوقفة دي.
خنجر مسنون غرس نصله بفؤاده، فسالت دمائه تروي ظمأ اشتياقه بحميم آن، فهو أخطأ واعترف بخطئه ونقطة ضعفه، وهي لم تغفر ذلته وضعفه هذا، ليتنهد بأسي مستديرًا للخلف قاصدًا الرحيل، ليجد والدها أمامه وتلك الابتسامة الحافية تزين ثغره وهو يردد مرحبًا :
- إزيك يا "يحيي" يا ابني، من يوم ما مشيت من الفرع مبقاش حد بشوفك.
رسم "يحيي" ابتسامة ظاهرية على وجهه وهو يرحب بوالد زوجته مردداً بثبات:
- أبدًا والله، بس حضرتك عارف الشغل وظروفه.
رمق "محمد" ابنته بعتاب فكيف لها أن تترك زوجها بباب بيتها هكذا؟! فدنت بأنظارها أرضًا وتنحت جانبًا، ليعود ثانية بأنظاره نحو "يحيي" مرددًا بابتسامته البشوشة:
- اتفضل أدخل يا ابني، ولا نكمل كلامنا على السلم؟
حرك "يحيي" رأسه بنفي مرددًا :
- معلش يا عم "محمد" أنا مضطر أمشي دلوقتي، بس أكيد جاي تاني.
أجابه "محمد" بصرامة قبل أن يسبقه إلى الداخل :
- مينفعش الكلام ده يا ابني.
ورمق ابنته مستكملًا : - هاتي جوزك يا "مريم".
تابعت "مريم" خطى والدها بأنظارها حتى تأكدت من اختفائه تمامًا ، لتتنهد بقوة قبل أن تلتفت نحو زوجها مشيرة بيدها نحو الداخل وهي تردد بجمود :
- اتفضل.
تجاهل "يحيي" النظر إليها وتخطاها والجًا إلى الداخل بجمود انصهر وذاب ما إن وجد "كريمة" تخطو نحوه بابتسامة واسعة هاتفة بترحاب:
- وأنا بقول البيت نوّر ليه؟ ازيك يا "يحيى"؟
صافحها "يحيي" بحرارة وهو يغدقها بنظراته السعيدة فـ "كريمة" كانت حقًا عوض الله له بعد وفاة والدته، ليردد بمحبة صادقة :
- منور بحضرتك يا ماما أخبارك إيه؟
أجابته" كريمة" بود :
- الحمد لله رضا من ربنا، يلا بقا عشان ناكل لقمة سوا يدوب "مريم" تحط الأكل.
انفرجت ابتسامة "يحيي" الممتنة وهو يردد :
- ربنا يخليكِ يا ماما، بس أنا لسه واكل، قولت أسلم عليكِ وأمشي.
أشارت "كريمة" بسبابتها في وجهه محذرة وهي تردد :
- أنا قولتها كلمة هناكل سوا يعني هناكل سوا، أدخل أغسل إيدك على ما الأكل يجهز على السفرة.
أطرق "يحيي" رأسه أرضًا للحظات تفكير أتبعها بتنهيدة خفيفة قبل أن يرفعها ثانية مرددًا بابتسامته التي لم تفارق محياها طوال لقاء "كريمة" :
- إنتِ تؤمري ياست الكل.
ربتت "كريمة" على كتفه برفق مرددة : - تسلم يا حبيبي.
بينما كانت "مريم" تتابع هذا الحديث بتعجب شديد فكيف لوالدتها أن تحب "يحيي" هذا الحب، وأن تثق به كل هذه الثقة، ليخرجها من تفكيرها هذا صوت والدتها الآمر:
- روحي مع جوزك يغسل إيده يا"روما".
أومأت "مريم" برأسها وهي تشير نحو طريق المرحاض مرددة بجفاء :
- اتفضل.
لم يُعيرها أي إهتمام ، وسبقها نحو المرحاض فهو يعلم جيدًا الطريق، وما كاد أن يلج إليه حتى وجد من تتشبث بذراعه مرددة بجدية :
- لحظة واحدة.
توقف "يحيي" وهو يزفر بقوة مرددًا باستياء دون أن ينظر إليها : - أفندم؟
حمحمت "مريم" بتوتر سرعان ما انتصرت عليه وهي تغمغم بثبات :
- عاوزك تروح لدكتورة نفسية.
'************
على الجانب الآخر
كانت سحر تجلس بالخلف إلى جانب إسراء شقيقة محمد وتضحك علي كلامها
وعلى ما تريها إياه بهاتفها المحمول، بينما تتلاقى عينيها هي وزوجها من وقت إلى آخر
في مرآة السيارة وتبتسم بخجل ووجه يكاد ينفجر من شدة الخجل أحمر كحبة الفراولة،
وجد محمد إسراء تقول بسرعة : محمد ما تشغل أي حاجة.
محمد بابتسامة : حاضر يا سو عنيا الاتنين، هشغل أغنية جميلة هتعجبكم.
كان يتحدث وهو ينظر إلى سحر وكأنه يخبرها أن تلك الأغنية لها وحدها.
فتح محمد تسجيل السيارة وبدأت سحر تستمع إلى تلك الأغنية الرائعة لكاظم الساهر،
ف محمد يعشقه بشدة.
بينما ينظر إليها من حين لآخر وهو يردد كلماتها.
"حبيني بلا عقد . وضيعي في خطوط يدي
أحبيني لأسبوع لأيام لساعات . فلست أنا الذي يهتم بالأبد
أحبيني أحبيني .
أحبيني بلا عقد . وضيعي في خطوط يدي
أحبيني لأسبوع لأيام لساعات . فلست أنا الذي يهتم بالأبد
أحبيني أحبيني .
أحبيني بلا عقد . وضيعي في خطوط يدي
تعالي واسقطي مطرا . على عطشى وصحراى
وذوبي في فمي كالشمع . وانعجني بأجزائي
تعالي واسقطي مطرا . على عطشى وصحراى
وذوبي في فمي كالشمع . وانعجني بأجزائي
أحبيني أحبيني .
أحبيني بلا عقد . وضيعي في خطوط يدي
أحبيني بلا عقد . وضيعي في خطوط يدي
أحبيني بطهري أو بخطاءي
وغطيني أيا سقفا من الأزهار . يا غابات حناءي
أنا رجل بلا قدر . فكوني أنتي لي قدري
أحبيني أحبيني .
أحبيني بلا عقد . وضيعي في خطوط يدي
أحبيني ولا تتساءلي كيف ولا تتلعثمي خجلا ولا تتساقطي خوفا
أحبيني ولا تتساءلي كيف ولا تتلعثمي خجلا ولا تتساقطي خوفا
كوني البحر والميناء . كوني الأرض والمنفى
كوني الصحوة والإعصار . كوني اللين و العنف
أحبيني معذبتي . وذوبي في الهواء مثلي كما شئتِ
أحبيني بعيدا عن بلاد القهر والكبت
بعيدا عن مدينتنا التي شبعت من الموت
أحبيني. "
كان قلبها ينبض بقوة، تشعر بارتباك وتوتر ومشاعر جديدة عليها،
تردد بذهنها سؤال صفا عن حبها له، هل تحبه فعلًا؟ هل وقعت بحب محمد
من رفضته بكل طاقتها هو نفسه من وقعت بحبه؟ من أرادت الهروب منه
والموت حتى لا تكون له هو نفسه من احتل قلبها، كيف هذا؟! ومتى حدث؟!
لا تعلم.
الآن فقط أدركت أنها تحبه وأنها لا تستطيع الإبتعاد عنه، ولكن هل يحبها هو؟!
لا تعلم أحيانًا تشعر أن كل ما يفعله معها بدافع الشفقة والمروءة، فهو رجل لا يقبل
أن يرى أحدًا يتعرض للظلم ولا يساعده وكيف إن كانت من تتعرض للظلم زوجته؟!
تعلم أخلاقه وأنه لن يقبل أن يتركها لأبيها واستغلاله لها وأنه سيدافع عنها لآخر العمر
ولن يتخلى عنها مهما حدث سيتخلى عن حياته، ولكن لن يتخلى عنها.
أخيرًا وبعد يوم طويل شاق عليهم وصلوا إلى بلد والد زوجها.
وجدتهم ناس في غاية البساطة واللطف شعرت معهم بالسعادة والحب واندمجت معهم بفرح،
لم تشعر ولو للحظة واحدة أنها غريبة عنهم، بل كانت تشعر وكأنها تعرفهم منذ زمن طويل،
وخصوصًا جدة زوجها والدة أبيه، إمرأة في حوالي الثمانين من العمر، محبوبة من الجميع من ينظر بوجهها يشعر براحة لا توصف، خرج الجميع لإعداد سفرة الطعام بينما جلست معها سحر وحدها
وجدتها تقول لها بحب : تعالى جنبي يا حبيبتي.
اقتربت منها سحر وهي تبتسم وجلست الي جانبها،
وجدت الجدة تمسك بيدها وتقول لها بجدية :شفت في عنيكِ أول ما دخلتي خوف ليه يا سحر؟
سحر بتوتر ولكنها أجابت بصدق: كنت خايفة معرفش أتعامل معاكم.
الجدة : لما اتجوزت جد محمد كان الكل بيقولي إنه راجل صعب وإني مش هعيش معاه وممكن أطلق، بس وقتها صممت وخدت الموضوع تحدي مش هكدب عليكِ وأقولك إني مكنتش خايفة، لأ كنت من جوايا خايفة كلامهم يكون صح وإني مقدرش أتحمل العيشة معاه، واتجوزت صحيح هو كان صعب مع الكل، لكن معايا كان غير خدت منه القوة وقدرت أبين للكل إن كلامهم غلط، بس أنا قدرت على التحدي ده بسببه، كان هو قوتي وسندي وضهري، عارفه أنا ليه بقولك كده؟
سحر : لأ.
الجدة بابتسامة : بقولك كده لأن شفت نفس النظرة النهاردة على حفيدي، كان بسلم على الكل
لكن عينه عليكِ كان في عينه نفس نظرة جده اللي كانت بتحاوطني في كل مكان وتحميني من أي حد يفكر بس يبص ليا نظرة مش حلوة.
سحر : محمد إنسان كويس جدًا أي واحدة تتمنى تتجوزه.
الجدة بابتسامة : محمد بيحبك يا بنتي أي راجل لازم يكون سند لمراته ده الطبيعي، لكن محمد عاشق
زي جده ممكن ميقولش بالكلام، لكن باين في عيونه حبه ليكِ، ربنا يحفظكم ويسعدكم ويرزقكم دايمًا بالخير يا حبيبتي.
سحر بشرود من حديث الجدة : آمين يا رب العالمين.
مر اليوم والجميع يتسامرون ويضحكون وسحر منسجمة معهم، ولكن حديث الجدة ما زال يتردد برأسها هل فعلا يحبها؟!
هل هي عمياء إلى هذا الحد حتى لا تدرك حبه لها؟!
لقد رأته الطبيبة واخبرتها بذلك والآن الجدة. وهي لم ترى ذلك، رأسها مشوش إلى حد كبير تتمنى أن يكون حديثهم صحيح.
جاء الليل وذهب كل منهم إلى غرفته للنوم وبالطبع كان محمد يشاركها نفس الغرفة، كانت تقف تنظر له بتوتر شديد ولا تعلم ماذا تفعل؟ وحين دخل إلى الغرفة، وجدت نفسها دون وعي منها تسأله : إنت بتحبني؟!
**********
تطوي ورقة تلو الأخرى بنهم قوي أخرجها منه ذلك الرنين الدائم لهاتفها، فـ"يحيي" لم يمل من محاولات التواصل معها إما بالرسائل النصية التي لم تُكلف نفسها عناء قراءتها أو الاتصال الصوتي الذي ترفضه تمامًا كما فعلت هذه المرة، وهي تردد بحنق ساخط :
- كفاية بقا.. كفاية يا "يحيي" سيبني لوحدي.
لتجد والدتها تفتح باب الغرفة وتلج إليها بمعالم متجهمة بعض الشيء مرددة : - ياريت تقومي تساعديني عشان نجهز الأكل على ما أبوكي يرجع من الشغل.
وضعت "مريم" الهاتف إلى جوار كتابها أعلى المنضدة الصغيرة المجاورة لمقعدها،
ونهضت بمعالم لائمة مرددة بتساؤل :
- ليه بتعامليني كده يا ماما؟! دا أنا لو مش بنتك هتعامليني أحسن من كده.
أومأت "كريمة" برأسها بقوة وهي تردد بحدة :
- أه هعملك أحسن من كده، لو مش بنتي يا "مريم" هعملك أحسن من كده.
اتسعت عينا "مريم" صدمة وهي تقترب منها مرددة باستنكار قوي :
- ليه؟! أنا عملت لكِ إيه؟
أجابتها "كريمة" بحسرة وأسي :
- عايزة تخربي بيتك، البيت اللي ما صدقت أشوفك فيه.
تضاعفت صدمة "مريم" وهي تحرك رأسها بذهول :
- أنا يا ماما؟!
أومأت "كريمة" برأسها مرددة بحدة:
- أه إنتِ ما هو مش عشان مشكلة تافهة تسيبي بيتك، مش ده الحل لمشاكلنا.
رددت "مريم" بصدمة أقوى :
- مشكلة تافهة؟! إنتِ تعرفي أصلًا إيه اللي حصل؟
لوحت "كريمة" بيدها في الهواء وهي تهتف :
- مش عايزة أعرف لأنها أكيد حاجة تافهة، "يحيي" ابن ناس ومحترم ، وبعدين مين قالك إن البيوت خالية كل البيوت فيها مشاكل وخصام، أنا وأبوكِ ياما حصل بينا عمرك حسيتي بحاجة؟
حركت "مريم" رأسها بنفي دون أن تنبس ببنت شفة، لتستكمل "كريمة" حديثها بجدية:
- عشان عمري ما حسستك بكده، ولا أهلي عمرهم حسوا بحاجة زي دي، كنت عروسة جديدة لسه مكملتش شهر ولقيت بنت عمه اللي اتطلقت من جوزها بتلف عليه وعايزة تتجوزه، تخيلي إحساسك لما تكوني لسه متجوزة وتلاقي اللي عايزة تشاركك فيه، واللي كسرني ووجعني يومها، رد فعل أبوكِ.
رمقتها "مريم" بنظرات ذاهلة إلا أنها كانت تحثها على استكمال حديثها، لتستطرد "كريمة" بوجع وألم وانكسار:
- يومها قالي بكل برود دي بنت عمي ولازم أقف جنبها، مينفعش أدخل وأخرج عليها من غير شكل شرعي للعلاقة، عمري ما هتحمل حد يتكلم عليها نص كلمة.
كانت "مريم" تتابع حديث والدتها بصدمة، وذهول تام، لتجد شهقات والدتها المتقطعة تصاحب كلماتها :
- شهر كامل ما بنمش فيه غير ساعتين في اليوم، اتبدلت من عروسة فرحانة بجوزها، لست مكسورة بتستعد لدخول ضرة عليها في أي وقت، كرهت أبوكِ وكرهت قربه مني، واليوم اللي كان بيحصل فيه كده كنت بقرف قوي منه ومن نفسي.
اشتعل الغضب بقلب وعقل "مريم" لتهتف باستنكار لائم:
- وإنتِ إزاي تقبلي بحاجة زي دي؟! ليه كنتي ارجعي بيت أهلك؟
أجابتها أمها بحسرة :
- أرجع لابويا مطلقة وهو لسه مديون بفلوس جوازي؟ أرجع أقوله شيل همي تاني وسيب اخواتي؟ ولا ارجع اكسره في وسط الناس؟ ما هو لما عروسة تطلق بعد جوازها بشهر أكيد الكل هيقول العيب فيها هي ومحدش يفكر يجيب اللوم على الراجل.
تضاعف غضب "مريم" وهي تهتف بحنق ساخط :
- يبقى مجتمع متخلف. لما مجتمع يسيب الظالم ويحاكم المظلوم يبقى مجتمع مشوه وغير سوي.
ابتسمت "كريمة" ابتسامة جانبية متهكمة وهي تردد بيأس :
- هو ده المجتمع اللي احنا عايشين فيه، لا نعرف نغيره، ولا هنغير تفكير الناس ومعتقداتها.
أجابتها "مريم" بصدمة:
- إيه اليأس والاحباط اللي في صوتك ده ياماما؟! طول السنين اللي فاتت دي أول مرة أشوفك بالسلبية والاستسلام ده؟! طول عمرك كنتِ قوية، وجامدة ومفيش حاجة ممكن تهزك، ولا تكسرك .
انفرجت ابتسامة صادقة بثغر "كريمة" وهي تردد بسعادة :
- بسببك.. كنت قوية بسببك يا "مريم".
عقدت "مريم" جبينها بدهشة وهي تردد بتساؤل: - بسببي أنا؟!
اقتربت "كريمة" منها محاوطة كتفيها بكفيها وهي تردد بحب وعطف :
- في عز كسرتي وانهزامي ربنا نصرني بيكي، الحاجة الوحيدة اللي رجعت أبوكِ عن قراره كان حملي بيكِ، لما عرف إنى حامل وإني هسيبه وأخدك وأبعد بعيد خاف عليكِ، خاف تتربى في حضن راجل غريب، أو على الأقل تتربي بعيد عنه، خاف أحرمه منك يا"روما".
اشتعل غضب مريم ونفرت عروق رقبتها ويديها بل وجميع جسدها، لتهتف بحدة غاضبة وهي تقطب جبينها مستنكرة: - يعني رجع عن قراره ده بس عشان بنته؟! والبني أدمة اللي أمنته على نفسها ملهاش تمن عنده؟ إيه كمية الأنانية دي؟!
حركت "كريمة" رأسها برفق وتلك الابتسامة الباهتة تغازل ثغرها وهي تردد بعشق جارف :
- بالعكس، أبوكِ عمره ما كان أناني، يمكن كانت الشهامة والمروءة واخداه شوية لما بنت عمه جت له مكسورة وبكت قدامه، ادته شعور إنها ملهاش غيره في الحياة وإنها هتكون مطمع وفريسة سهلة لكل من هب ودب.
قاطعتها "مريم" بحدة أكبر وهي تشيح بيدها في الهواء :
- و ده عمره ما يكون مبرر للي كان عايز يعمله، طب ليه مشفش إنك كمان مالكيش غيره في الحياة، وإنه سندك وضهرك وحمايتك.
خطت "كريمة" نحو فراش ابنتها واحتلت طرفه برجفة خفيفة سرت بجميع جسدها، فرغم تصنعها القوة واللامبالاة كل هذه الأعوام إلا أن جرحها قد ترك ندبة قوية تؤلمها طوال العمر، ندبة لا يشعر بها سواها، لتتنهد بهدوء مرددة بصدق :
- أبوكِ لسه ليومنا ده بيكفر عن غلطته اللي كان عايز يرتكبها في حقي، هو متأكد إني مش مسامحة، ولا نسيت عشان كده بيعمل كل ما في وسعه عشان ينسيني.
اقتربت منها "مريم" وجلست جوارها،
ملتقطة كفها بين راحتيها برفق مغمغمة : - ونسيتِ يا ماما؟
كان سؤال منطقي ومتوقع من "مريم" إلا أن وقعه على "كريمة" لم يختلف أثره كثيرًا عن يوم إخبار زوجها لها بالأمر، ذات الرجفة، ذات الصدمة، وذات الانكسار،
إلا أنها هنا تلبست بثوب القوة والفكاهة وهي تنهض من موضعها هاتفة بمشاكسة ظاهرية :
-نسيت يا ختي، إنتي وأختك وأبوكي تنسوا الواحد اسمه مش وجعه بس، قومي يلا على المطبخ كملي الأكل على ما اصلي وأحصلك.
انفرجت ابتسامة واسعة بثغر "مريم" قبل أن تُلقي بجسدها بين ذراعي والدتها مشددة من احتضانها وهي تغمغم بدعاء:
- ربنا يخليكِ لينا ياست الكل.
شددت "كريمة" هي الأخري من احتضان صغيرتها وهي ترفع عيناها إلى خالقها هامسة بخفوت:
- ربنا يريح قلبك يا بنت قلبي يا رب.
وزفرت زفرة قوية، وهي تُزيح "مريم" بعيدًا عنها مرددة بجدية :
- قومي يلا شوفي الأكل.
ذمت "مريم" فمها بطفولية هاتفة بسخط مصطنع :
- إيه القفلة دي يا ماما؟ حد يخرج حد من الجو الشاعري ده كده؟
ضربتها "كريمة" بيديها برفق مرددة بصدمة مصطنعة :
- شاعري؟! ومع أمك يا بنت "محمد"؟
ليقطع حديثهما تلك الطرقات المتزنة بباب الشقة، لتردد "كريمة" بجدية وهي تشير نحو باب الغرفة :
- قومي شوفي مين يا بنتي.
نهضت "مريم" وهي تردد بسعادة :
- ده أكيد بابا.
حركت "كريمة" رأسها بنفي مرددة :
- دي مش خبطة بابا، شوفي مين.
وسحبت سجادة الصلاة من جوارها ونهضت من مجلسها مستقبلة القبلة قبل أن تتركها "مريم" لاستكشاف هوية هذا الزائر.
خطت نحو باب الشقة بابتسامة خفيفة ما زالت تُغازل ثغرها وهي تُعدل من وضعية حجابها حول رأسها حتى أحكمته، رددت بهدوء وهي تُدير مقبضه : - حاضر.
ما إن أتمت فتح الباب حتى تسللت إلى مسامعها معزوفة عشق ووله تُزين بقسمات الهيام التي أشعلت أحداقه كما اشتعل فؤاده بالاشتياق: - وحشتيني.
مشاعر متضاربة عصفت بقلبها، ما بين الجفاء والاشتياق تشتت الكلمات، لترتجف شفاهها بأحرف متناقضة، ليضيق عيناه بعدم فهم مرددًا :- هااا.
حمحمت "مريم" بقوة لتستجمع رباطة جأشها وهي تتشبث بطرف فستانها كصغيرة تتشبث بيد والدها، استحضرت قوتها وصلابتها التي شكلت قسماتها
وهي تردد بحدة :
- أفندم؟ جاي تكمل ضرب هنا كمان؟
أطبق "يحيي" أجفانه بأسي متنهدًا بحرقة وهو يردد بصدق :
- آسف. والله آسف.
ابتسمت "مريم" ابتسامة جانبية متهكمة وهي تغمغم بسخرية:
- تفتكر ليه معنى دلوقتي؟
رمقها "يحيي" بعتاب ولوم وهو يقترب منها مرددًا :
- ليه بقيتي قاسية كده؟
انتصر الغضب على معالمها وشكَّلها ببراعة لتهتف به بحدة ساخطة:
- قاسية؟! لو كنت كده مكنتش وريتك وشي ده أبدًا ، ولا عمرك كنت تحلم تقف معايا الوقفة دي.
خنجر مسنون غرس نصله بفؤاده، فسالت دمائه تروي ظمأ اشتياقه بحميم آن، فهو أخطأ واعترف بخطئه ونقطة ضعفه، وهي لم تغفر ذلته وضعفه هذا، ليتنهد بأسي مستديرًا للخلف قاصدًا الرحيل، ليجد والدها أمامه وتلك الابتسامة الحافية تزين ثغره وهو يردد مرحبًا :
- إزيك يا "يحيي" يا ابني، من يوم ما مشيت من الفرع مبقاش حد بشوفك.
رسم "يحيي" ابتسامة ظاهرية على وجهه وهو يرحب بوالد زوجته مردداً بثبات:
- أبدًا والله، بس حضرتك عارف الشغل وظروفه.
رمق "محمد" ابنته بعتاب فكيف لها أن تترك زوجها بباب بيتها هكذا؟! فدنت بأنظارها أرضًا وتنحت جانبًا، ليعود ثانية بأنظاره نحو "يحيي" مرددًا بابتسامته البشوشة:
- اتفضل أدخل يا ابني، ولا نكمل كلامنا على السلم؟
حرك "يحيي" رأسه بنفي مرددًا :
- معلش يا عم "محمد" أنا مضطر أمشي دلوقتي، بس أكيد جاي تاني.
أجابه "محمد" بصرامة قبل أن يسبقه إلى الداخل :
- مينفعش الكلام ده يا ابني.
ورمق ابنته مستكملًا : - هاتي جوزك يا "مريم".
تابعت "مريم" خطى والدها بأنظارها حتى تأكدت من اختفائه تمامًا ، لتتنهد بقوة قبل أن تلتفت نحو زوجها مشيرة بيدها نحو الداخل وهي تردد بجمود :
- اتفضل.
تجاهل "يحيي" النظر إليها وتخطاها والجًا إلى الداخل بجمود انصهر وذاب ما إن وجد "كريمة" تخطو نحوه بابتسامة واسعة هاتفة بترحاب:
- وأنا بقول البيت نوّر ليه؟ ازيك يا "يحيى"؟
صافحها "يحيي" بحرارة وهو يغدقها بنظراته السعيدة فـ "كريمة" كانت حقًا عوض الله له بعد وفاة والدته، ليردد بمحبة صادقة :
- منور بحضرتك يا ماما أخبارك إيه؟
أجابته" كريمة" بود :
- الحمد لله رضا من ربنا، يلا بقا عشان ناكل لقمة سوا يدوب "مريم" تحط الأكل.
انفرجت ابتسامة "يحيي" الممتنة وهو يردد :
- ربنا يخليكِ يا ماما، بس أنا لسه واكل، قولت أسلم عليكِ وأمشي.
أشارت "كريمة" بسبابتها في وجهه محذرة وهي تردد :
- أنا قولتها كلمة هناكل سوا يعني هناكل سوا، أدخل أغسل إيدك على ما الأكل يجهز على السفرة.
أطرق "يحيي" رأسه أرضًا للحظات تفكير أتبعها بتنهيدة خفيفة قبل أن يرفعها ثانية مرددًا بابتسامته التي لم تفارق محياها طوال لقاء "كريمة" :
- إنتِ تؤمري ياست الكل.
ربتت "كريمة" على كتفه برفق مرددة : - تسلم يا حبيبي.
بينما كانت "مريم" تتابع هذا الحديث بتعجب شديد فكيف لوالدتها أن تحب "يحيي" هذا الحب، وأن تثق به كل هذه الثقة، ليخرجها من تفكيرها هذا صوت والدتها الآمر:
- روحي مع جوزك يغسل إيده يا"روما".
أومأت "مريم" برأسها وهي تشير نحو طريق المرحاض مرددة بجفاء :
- اتفضل.
لم يُعيرها أي إهتمام ، وسبقها نحو المرحاض فهو يعلم جيدًا الطريق، وما كاد أن يلج إليه حتى وجد من تتشبث بذراعه مرددة بجدية :
- لحظة واحدة.
توقف "يحيي" وهو يزفر بقوة مرددًا باستياء دون أن ينظر إليها : - أفندم؟
حمحمت "مريم" بتوتر سرعان ما انتصرت عليه وهي تغمغم بثبات :
- عاوزك تروح لدكتورة نفسية.
'************
على الجانب الآخر
كانت سحر تجلس بالخلف إلى جانب إسراء شقيقة محمد وتضحك علي كلامها
وعلى ما تريها إياه بهاتفها المحمول، بينما تتلاقى عينيها هي وزوجها من وقت إلى آخر
في مرآة السيارة وتبتسم بخجل ووجه يكاد ينفجر من شدة الخجل أحمر كحبة الفراولة،
وجد محمد إسراء تقول بسرعة : محمد ما تشغل أي حاجة.
محمد بابتسامة : حاضر يا سو عنيا الاتنين، هشغل أغنية جميلة هتعجبكم.
كان يتحدث وهو ينظر إلى سحر وكأنه يخبرها أن تلك الأغنية لها وحدها.
فتح محمد تسجيل السيارة وبدأت سحر تستمع إلى تلك الأغنية الرائعة لكاظم الساهر،
ف محمد يعشقه بشدة.
بينما ينظر إليها من حين لآخر وهو يردد كلماتها.
"حبيني بلا عقد . وضيعي في خطوط يدي
أحبيني لأسبوع لأيام لساعات . فلست أنا الذي يهتم بالأبد
أحبيني أحبيني .
أحبيني بلا عقد . وضيعي في خطوط يدي
أحبيني لأسبوع لأيام لساعات . فلست أنا الذي يهتم بالأبد
أحبيني أحبيني .
أحبيني بلا عقد . وضيعي في خطوط يدي
تعالي واسقطي مطرا . على عطشى وصحراى
وذوبي في فمي كالشمع . وانعجني بأجزائي
تعالي واسقطي مطرا . على عطشى وصحراى
وذوبي في فمي كالشمع . وانعجني بأجزائي
أحبيني أحبيني .
أحبيني بلا عقد . وضيعي في خطوط يدي
أحبيني بلا عقد . وضيعي في خطوط يدي
أحبيني بطهري أو بخطاءي
وغطيني أيا سقفا من الأزهار . يا غابات حناءي
أنا رجل بلا قدر . فكوني أنتي لي قدري
أحبيني أحبيني .
أحبيني بلا عقد . وضيعي في خطوط يدي
أحبيني ولا تتساءلي كيف ولا تتلعثمي خجلا ولا تتساقطي خوفا
أحبيني ولا تتساءلي كيف ولا تتلعثمي خجلا ولا تتساقطي خوفا
كوني البحر والميناء . كوني الأرض والمنفى
كوني الصحوة والإعصار . كوني اللين و العنف
أحبيني معذبتي . وذوبي في الهواء مثلي كما شئتِ
أحبيني بعيدا عن بلاد القهر والكبت
بعيدا عن مدينتنا التي شبعت من الموت
أحبيني. "
كان قلبها ينبض بقوة، تشعر بارتباك وتوتر ومشاعر جديدة عليها،
تردد بذهنها سؤال صفا عن حبها له، هل تحبه فعلًا؟ هل وقعت بحب محمد
من رفضته بكل طاقتها هو نفسه من وقعت بحبه؟ من أرادت الهروب منه
والموت حتى لا تكون له هو نفسه من احتل قلبها، كيف هذا؟! ومتى حدث؟!
لا تعلم.
الآن فقط أدركت أنها تحبه وأنها لا تستطيع الإبتعاد عنه، ولكن هل يحبها هو؟!
لا تعلم أحيانًا تشعر أن كل ما يفعله معها بدافع الشفقة والمروءة، فهو رجل لا يقبل
أن يرى أحدًا يتعرض للظلم ولا يساعده وكيف إن كانت من تتعرض للظلم زوجته؟!
تعلم أخلاقه وأنه لن يقبل أن يتركها لأبيها واستغلاله لها وأنه سيدافع عنها لآخر العمر
ولن يتخلى عنها مهما حدث سيتخلى عن حياته، ولكن لن يتخلى عنها.
أخيرًا وبعد يوم طويل شاق عليهم وصلوا إلى بلد والد زوجها.
وجدتهم ناس في غاية البساطة واللطف شعرت معهم بالسعادة والحب واندمجت معهم بفرح،
لم تشعر ولو للحظة واحدة أنها غريبة عنهم، بل كانت تشعر وكأنها تعرفهم منذ زمن طويل،
وخصوصًا جدة زوجها والدة أبيه، إمرأة في حوالي الثمانين من العمر، محبوبة من الجميع من ينظر بوجهها يشعر براحة لا توصف، خرج الجميع لإعداد سفرة الطعام بينما جلست معها سحر وحدها
وجدتها تقول لها بحب : تعالى جنبي يا حبيبتي.
اقتربت منها سحر وهي تبتسم وجلست الي جانبها،
وجدت الجدة تمسك بيدها وتقول لها بجدية :شفت في عنيكِ أول ما دخلتي خوف ليه يا سحر؟
سحر بتوتر ولكنها أجابت بصدق: كنت خايفة معرفش أتعامل معاكم.
الجدة : لما اتجوزت جد محمد كان الكل بيقولي إنه راجل صعب وإني مش هعيش معاه وممكن أطلق، بس وقتها صممت وخدت الموضوع تحدي مش هكدب عليكِ وأقولك إني مكنتش خايفة، لأ كنت من جوايا خايفة كلامهم يكون صح وإني مقدرش أتحمل العيشة معاه، واتجوزت صحيح هو كان صعب مع الكل، لكن معايا كان غير خدت منه القوة وقدرت أبين للكل إن كلامهم غلط، بس أنا قدرت على التحدي ده بسببه، كان هو قوتي وسندي وضهري، عارفه أنا ليه بقولك كده؟
سحر : لأ.
الجدة بابتسامة : بقولك كده لأن شفت نفس النظرة النهاردة على حفيدي، كان بسلم على الكل
لكن عينه عليكِ كان في عينه نفس نظرة جده اللي كانت بتحاوطني في كل مكان وتحميني من أي حد يفكر بس يبص ليا نظرة مش حلوة.
سحر : محمد إنسان كويس جدًا أي واحدة تتمنى تتجوزه.
الجدة بابتسامة : محمد بيحبك يا بنتي أي راجل لازم يكون سند لمراته ده الطبيعي، لكن محمد عاشق
زي جده ممكن ميقولش بالكلام، لكن باين في عيونه حبه ليكِ، ربنا يحفظكم ويسعدكم ويرزقكم دايمًا بالخير يا حبيبتي.
سحر بشرود من حديث الجدة : آمين يا رب العالمين.
مر اليوم والجميع يتسامرون ويضحكون وسحر منسجمة معهم، ولكن حديث الجدة ما زال يتردد برأسها هل فعلا يحبها؟!
هل هي عمياء إلى هذا الحد حتى لا تدرك حبه لها؟!
لقد رأته الطبيبة واخبرتها بذلك والآن الجدة. وهي لم ترى ذلك، رأسها مشوش إلى حد كبير تتمنى أن يكون حديثهم صحيح.
جاء الليل وذهب كل منهم إلى غرفته للنوم وبالطبع كان محمد يشاركها نفس الغرفة، كانت تقف تنظر له بتوتر شديد ولا تعلم ماذا تفعل؟ وحين دخل إلى الغرفة، وجدت نفسها دون وعي منها تسأله : إنت بتحبني؟!
**********
