رواية حكايات من قلب الصعيد الفصل الخامس 5 بقلم آية الشربيني
☆ رواية ☆
حكايات من قلب الصعيد
بقلم: أية علي الشربيني
الفصل الخامس
اتَّسعت عينا مازن وملك فزعًا، بينما ظلّت مليكة تتنفس ببطء محاولة استعادة هدوئها. فجأة ضغط مازن على الفرامل بقوة حين قطع الطريق قطيعٌ من الغنم.
نظرت مليكة بصدمة وقالت:
— حاسب يا مازن… الست واقفة هناك أهو!
نظر مازن حوله متعجبًا:
— ست مين يا مليكة؟ مفيش حد.
التفتت مرة أخرى… فلم تجد أحدًا. ارتجف قلبها، فسكتت دون أن تنطق.
تبادل مازن وملك نظرات الاستغراب، ثم واصل القيادة، بينما كان يرمق أخته بنظرات حائرة، مفضّلًا الصمت حتى لا يزيد خوفها.
في مكان آخر — المستشفى
جلس همّام بجوار ابنه وزوجته، وقال بصوتٍ يحمل شوق السنين:
— جلجتني عليك جوي يا ولدي.
ابتسم سليم قائلاً:
— أني مبسوط جوي يا بوي إني شايفك جدامي… يعني مزعلانش مني؟
رد همّام بحنان:
— كيف أزعل منيك يا ولدي؟ ده إنت كل جلبي… وأمك كمان اتوحشتك جوي.
سأله سليم:
— بس كيف عرفت مكاني يا بوي؟
قصّ همّام عليه كيف جاء أبناؤه إلى الصعيد لأجل مصالح مشتركة.
نظر سليم لوالده وزوجته بفخر وقال:
— ولادي حبايبي.
لكن همّام أخفى عنه حالة ابنته، خوفًا على صحته.
في الصعيد — شركة كارم الهواري
جلس كارم بهيبته خلف مكتبه، يتابع العمل بدقة.
دخل أحد الرجال قائلاً:
— كارم بيه، المناقصة كسبناها باكتساح.
ارتسمت ابتسامة عريضة تحت شاربه، فنهض قائلاً:
— صرف مكافآت لكل الموظفين.
ابتسم السكرتير:
— تمام يا فندم.
في مكان آخر بالصعيد
دوّى صوت كالرعد:
— كيف ده؟ كيف يحصل؟ ودّ الهواري ميجبهاش لبر! كنت متوكد إنها هترسا علينا!
ضرب الجد عصاه بالأرض وقال:
— طول عمره كارم ودّ الهواري ياخد كل حاجة.
قال شهاب بحدة:
— جولتك جبل سابج خلّيني أجتله ونخلص منيه!
رد الجد، منصور الزناتي:
— عم بتخربت! دول عيلة الهواري… من كبار البلد. عاوز همّام يعلّجنا على باب البلد؟
اشتعل غضب شهاب:
— وإحنا لينا اسمنا يا جدي! التار ده حجّنا… واني ولا عيلة الزناتية هنسيبهم يتهنّوا.
نظر إليه الجد بصرامة:
— فاكر يا ولدي… بس بلاش تتسرع. المهم، خوك رحيم جاي إمتى؟
— بكرة يا جدي.
دخلت هند مسرعة:
— جد! رحيم جاي؟ أني مش مصدّجة!
ابتسم الجد:
— أيوه جاي يا حبيبتي… يلا شوفي هتعملي إيه لحد ما يعاود.
في الجبل
جلس رجال حول صينية الشاي.
قال أحدهم:
— جرى إيه يا رجالة؟ مفيش شغل عاد؟
رد آخر:
— عيلة الهواري مسبناش نشتغل… كارم الهواري واقف في وشّنا كيف الصقر.
قال ثالث:
— نغيّر الطريق ونروح أرض الملك في الجبل.
ارتعب أحدهم:
— أرض الملك؟ نسيتوا اللي حصل هناك؟
— مالها الأرض دي؟
— بيقولوا ملعونة… اللي يروح ما يرجعش، وإن رجع دماغه تتلخبط!
— دي خرافات… يلا نروح.
— خلوني هنا… أني مش مستغني عن نفسي!
ضحكوا وانطلق بعضهم، بينما بقي الآخر.
القاهرة — أمام منزلهم
توقفت السيارة، ودخلوا المنزل في صمت.
قال مازن:
— مليكة… إيه الهدوء ده؟ مش متعودين منك على كده.
أجابت بتعب:
— تعبانة جدًا… وعايزة أرتاح.
دخلت غرفتها، وهمست لنفسها:
— اللي شوفته ده كان حقيقي؟ ولا تهيؤات؟ بس أنا شفتها… شكلها كان مخيف… أنا مش مرتاحة.
المستشفى
قال همّام للطبيب:
— جولّي يا دكتور… حالة ولدي إيه؟
ترجمت زوجة سليم كلامه للطبيب الأجنبي.
قال الطبيب بالإنجليزية ثم ترجمت الزوجة:
— سليم بصحة جيدة، العملية نجحت، ويمكنه الخروج قريبًا، لكن يحتاج إلى فترة نقاهة.
اطمأن الجميع، ودخل همّام إلى ابنه مبتسمًا.
قال سليم:
— عاوز أرجع مصر يا بوي… عاوز أشوف أمي.
رد همّام:
— كل اللي إنت عاوزه هيحصل يا ولدي.
بعد أيام
وصل سليم إلى القاهرة وسط فرحة عارمة.
قال لملك:
— عاملة إيه يا ملك؟
ابتسمت:
— أنا كويسة يا بابي… لما شوفتك.
جلس الجميع، ثم قال همّام:
— ملك يا بتي… عاوز أتحدّث معاكي شوية.
توترت، فاقترب منها ممسكًا يدها بحنان:
— متخافيش… أني جدك.
واصَل بصوتٍ دافئ:
— أني آسف يا بتي… ما كنتش عارف حاجة. بوكي حتة من جلبي… وإنتِ حفيدتي. عاوزك تبقي جويّة، وما تخافيش. حفاد الهواري ما يخافوش.
دمعت عيناها:
— خوفي غصب عني يا جدو… بس أنا مش زعلانة منك.
ضمّها إلى صدره، فشعرت بالأمان لأول مرة.
راقب مازن المشهد وقال:
— جدك عمل اللي محدش قدر يعمله… ملك حسّت بالأمان.
أومأت مليكة:
— فعلًا… حسّيت قد إيه بيحب بابا… وبيحبنا.
بعد يومين
تلقّى همّام اتصالات متكررة من الصعيد، ثم أقنع سليم بضرورة السفر.
خفق قلب مليكة… لكنها حاولت تهدئة نفسها.
عند مدخل البلدة، لمحهم أحد الرجال وابتسم بشر.
وصلت السيارات إلى القصر، وخرجت غالية مسرعة. توقفت لحظة، ثم انهمرت دموعها وهي ترى ابنها الغائب.
احتضنته بشوق، تقبّل وجهه، وكأن السنين الطويلة تذوب في لحظة.
وقفت بهية وهنية تراقبان.
قالت بهية:
— الغالي رجع… ومعاه مرته وعياله. الأيام الجاية لازم نتحد.
تقدّمت هنية للترحيب، لكن ابتسامتها كانت ماكرة.