رواية بقدر الحب نقتسم الفصل الرابع 4 بقلم فاطمة علي
أنهى "يحيي" عمله وبدأ بجمع متعلقاته الشخصية وهو يردد بابتسامته الودودة محدثًا زملاء عمله :
- يدوب أنا ألحق أمشي، عشان ميعاد الحاجة عند الدكتور.
نهض أحد زملائه من مقعده واتجه صوبه قائلًا بود علّه يبث الإطمئنان لقلب "يحيي":
- إن شاء الله هتكون كويسة ، حماتي أخدت الدور ده ودلوقتي ما شاء الله عليها.
ربت "يحيى" على كتف زميله بعرفان مرددًا برجاء : ادعيلها.
وغادر المكتب وما هي إلا دقائق قليلة وكان خارج الشركة يستوقف احدى سيارات الأجرة التي استقلها مُخبرًا السائق بوجهته.
انطلق السائق، وبدأ "يحيي" باللهو بجواله، ومطالعة حساباته الشخصية على مواقع التواصل الإجتماعي ، ليتسلل إلى مسامعه صرخات استغاثة أنثوية قوية، قطب جبينه مسترقًا السمع، ليرفع أنظاره نحو نوافذ السيارة ويستوقفه مشهد جذب رجلين لفتاة وإقحامها بسيارتهما عنوة، فارت الدماء بأوردته، ونفرت جميع عروقه وتضخمت، ليهتف بالسائق محتدًا :
- أقف يا أسطي، أقف.
ما إن انخفضت سرعة السيارة؛ حتى فتح "يحيى" بابها دون انتظار توقفها، وغادرها مهرولًا نحو هؤلاء، ليصرخ بهم غاضبًا :
- في إيه يا كباتن؟
صرخت به الفتاة مستجيرة وهي تقاوم هؤلاء بأقصى جهدها :
- أبوس إيدك تساعدني، أبوس إيدك.
تحفز جسد "يحيي" لحرب ضارية، ليقبض على كتف أحدهما ويديره نحوه صارخًا به بقوة وهو يهوي على فكه بلكمة قوية:
- لما أسألك تجاوبني.
وألقى لكمته الأخرى بفك الآخر، ليجبره على ترك الفتاة ، فاتحدا الرجلين معًا وانهالا عليه بلكمات تفاداها "يحيي" جيدًا ، إلا أنه ردها لهما الصاع صاعين، ليصيح أحدهما به مستجديًا :
- دي أختنا والله، وكانت هربانة من البيت.
قبض "يحيي" على كتفهما بقوة، ملتفتًا برأسه نحو الفتاة يسألها عن حقيقة الأمر، لتجاوبه بخجل متلعثمة :
- أ... أيوة أخواتي فعلًا ، بس دول عاوزين يجوزني غصب، ولواحد قد أبويا.
اشتعلت نيران الغضب بصدره، ليجذبهما نحوه بقوة هاتفًا بهما بصوتٍ أجش مستنكرًا :
-عاوزين تبيعوا أختكم؟!.. لأ رجالة.
دفعه أحدهم بعيدًا وهو يتملص من بين يده صارخًا به بغضب جلي :
- إنت مالك أصلًا ، وبعدين إحنا هنجوزها على سنة الله ورسوله.
تعالت شهقاتها التي تذيب القلوب وهي تهتف بأنين يجلد نياط القلب بسياطه، ودمعاتها أنهارًا متدفقة بمصبها الأخير :
- الله ورسوله قالوا إنكم ترموني خدامة لراجل عنده سبعين سنة، قالوا إنكم ترموني خدامة لمراته المريضة اللي محتاجة حد ياخد بإديها للحمام، واللي عيالهم رموهم عشان يعيشوا حياتهم من غير حمل على كتافهم، قالوا إنكم تبيعوني وتقبضوا تمنى؛ حتى لو كان كبير فهو أقل بكتير من تمن جليسة يجيبوها تقعد معاهم، الله ورسوله وصوا بالنساء خيرًا، ربنا قال إن شروط الزواج القبول والرضا.
كلمات اعتصرت قلب "يحيي" ومزقته أشلاءً، فأي قُساة هؤلاء؟! وأي جحود هذا؟! ليشدد بقبضته على كتفي أخويها، ولا سيما تخيل والدته بوضع هؤلاء، أباء تربى وتعول وتبذل قصارى جهدها؛ لتُلقى بطول أذرع الأبناء بلا عائل ولا أنيس، ليهتف بأخويها بقوة غضبه :
- هات لي عنوان الراجل ده، وأنا هبعتله حد يساعدهم ويقعد معاهم، وبالنسبة لأختكم، هاخد عنوانكم إنتوا كمان، وأقسم بالله لو جيت في أي وقت واشتكت منكم ، لخلي الدكتور ميعرفش يخيط فيكم غرزة واحدة فاهمين.
أومأ الأخوين برأسيهما ونظرات الفزع والرعب تتطاير من أحداقهما، ليلتفت "يحيي" بأنظاره نحو الفتاة مرددًا بنبرة مطمئنة :
- هديكِ رقمي إتصلِ بيا في أي وقت، ومسافة السكة هكون عندك.
نظرات الأمل بأحداقها وئدت نظرات اليأس وبددتها، لتركض نحو يده في محاولة لتقبيلها، وهي تردد بسعادة غامرة :
- ربنا يصلح حالك ويعطيك ما يحرمك يا رب ، ويحليلك دنيتك، ويحفظ ليك حبايبك.
نفض "يحيي" يده بعيدًا بابتسامته الودودة، وهو يحادثها بمحبة وإيخاء : - اركبي مع اخواتك ماتخافيش.
وناولها قُصاصة ورق مطوية تحوي رقمه الخاص وهي تملي عليه عنوان الرجل وزوجته بالتفصيل وكذلك عنوان إقامتها.
غادرت الفتاة مع أخويها، وزفر "يحيي" عدة زفرات متتالية، ليتفاجأ بالتفاف البعض حوله وقد بدأوا ينهالون عليه بعبارات الإشادة والمدح، لشهامته ومروءته، ليشكرهم هو الآخر ويركض نحو السيارة التي مازالت تنتظره واستلقها إلى جوار السائق مرددًا باعتذار شديد :
- معلش يا باشمهندس، عطلتك معايا.
اتسعت إبتسامة السائق وهو ينطلق بسيارته مرددًا بثناء :
- ولا عطلة ولا حاجة يا أستاذ، ده كفاية اللي إنت عملته مع البنت الغلبانة دي.
واستكمل السائق حديثه حتى صف سيارته أمام منزل "يحيي".
ولج "يحيي" إلى شقته مهرولًا وهو يحملق بساعة يده، زافرًا زفرة لائمة، فقد تأخر عن موعد والدته كثيرًا، وضع مفتاحه بجيب بنطاله واتجه نحو غرفة والدته بخطى واسعة؛ حتى ولجها وهو يردد بأسف : - معلش يا ست الكل اتأخرت عليكِ.
خطى نحوها بخطاه الواسعة، ليجدها تغط بسباتٍ عميق، بوجهٍ باشٍ يُشع نورًا وضياءً فجلس بطرف الفراش إلى جوارها بابتسامة واسعة مدلكًا ساقها من أعلى الدثار هامسًا بحنو يستحثها على الاستيقاظ :
- ماما، اصحي بقا عشان ميعاد الدكتور.
ابتسامة مشرقة، أنفاس مستقرة، أهداب مسدلة، جسد بارد لين استشعره "يحيي" حينما مسَّ يدها الممتدة إلى جوارها لتسري تلك القشعريرة القوية بجسده والتي تفوقت على صرخات قلبه المستجيرة ليحرك جسد والدته بلاوعي هامسًا بخفوت مترنح:
- ماما، ماما.
فقد إجابة نداءه هذا وللأبد، لتنهمر عبراته فيضانًا جارفًا بينما أحداقه مرتكزة على ابتسامتها تلك التي تزين ثغرها ليميل نحو صدرها برأسه مستمعًا لدقاتها الساكنة وهو يهمس بأنين ملتاع :
- أمي، قومي أنا لسه مشبعتش منك، لسه محتاج حضنك يدفيني، لسه محتاج نفسك يطمني، قومي يا أمي. قومي، أنا ماليش غيرك في الدنيا، أنا عايش بفضل دعاكِ يا أمي.
كلماته تذوب بالهواء وتتلاشى بلا أدنى همس أو إجابة، فقد تسرب الشك خارج قلبه واحتله اليقين التام، ليرفع أنظاره نحو بارئه صارخًا بألم تجاوز طاقة احتماله :
- أمي.
*************
على الجانب الآخر
كانت الأم تجلس هي وسحر يتسامرون وتضحك الأم على حديث ابنتها فسحر تتمتع بحس فكاهي رائع لا يمل أي شخص من الجلوس معها.
سمعت الأم وسحر صوت إغلاق باب الشقة، ولكن بطريقة مبالغ فيها وبقوة حتى يسمعوا هذا الصوت العالي.
سحر بقلق : إيه ده؟!
الأم: معرفش يا بنتي أن...
وقطع حديثها دخول الأب وهو يغلي من الغضب وجهه أحمر من شدة الضغط على أعصابه حتى يصل المنزل، علمت الأم حين نظرت إليه أن هذا اليوم لن يمر بالخير كما يقولون.
قال الأب بحدة وصوت عالي جعل جسد كل من سحر ووالدتها ينتفض خوفًا فهو الآن في حالة غير طبيعية لا تظهر عليه إلا إذا وصل إلى أقصى درجات الغضب: كتبتِ الشقة والعربية والأرض لبنتك ليه؟
الأم بتعجب: آمال أكتبهم لمين؟! بنتي وبديها حاجتي عشان لو حصل ليا حاجة أكون مطمئنة إنها مش محتاجة حاجه من حد.
فوجئت الأم بصفعة تنزل علي وجهها، واقترب منها ومد يده وقبض على خصلات شعرها الطويل بقوة حتى تشعر بالألم.
كانت تبكي وهي تحاول أن تدفعه بعيدًا عنها فهو يؤلمها حقًا.
بينما هناك تقف إلى جانب باب الغرفة سحر ترتجف وتبكي، وهي لا حول ولا قوة لها ضعيفة تريد بكل ما فيها أن تدافع عن أمها، ولكنها تدرك وتفهم جيدًا أن والدها قاسي القلب لا يرحم أحد شعرت بالخوف الشديد تهتز في مكانها بسبب تلك الرعشة التي أصابت جسدها.
كانت تنظر إليهم لا تزيح عينيها ولو قليلًا ، وجدت والدها يضرب والدتها بقسوة وهي تصرخ وتبكي لا تستطيع أن تدافع عن نفسها جسدها هزيل بسبب المرض والحزن وليس لديها قوة لتدافع عن نفسها.
إبتعد عنها وهو يسبها بأبشع الألفاظ، وهي تبكي وتبكي الدموع هي الشيء الوحيد الذي تستطيع أن تخرج غضبها عن طريقها.
وجدت الأم سحر ترتجف بقوة تحاملت على نفسها وجمعت قوتها ووقفت واقتربت من ابنتها تضمها إليها وتخبرها أنها بخير.
ظلت الأم وابنتها يبكون والحزن مخيم عليهم طوال ذلك اليوم، ومساءًا وفي حدود الساعة الحادية عشر
وجدت سحر وجه والدتها يشحب بقوة، وتضغط على أسنانها لتخفي عنها الألم، ولكن وجهها يجعل الأعمى يفهم أن بها شيء ما.
سحر بقلق : ماما إنتِ كويسة؟
الأم وهي تتحامل على نفسها قالت لها: اه يا حبيبتي كويسة، الحمد....
لم تكمل عبارتها وخرجت من بين شفتيها صرخة ألم، كادت أن تصيب سحر بسكته قلبية من شدة الخوف.
اقتربت منها سحر تسألها ما بها ودموعها تنهمر على وجهها، لكن الأم لم تستطع الرد عليها
فقد كانت تشعر بألم حاد بصدرها وعدم القدرة على التنفس.
خرجت سحر مسرعة من غرفتها لتبحث عن والدها فاليوم وبعد ما حدث كانت الأم تنام إلى جانبها بغرفتها طرقت باب غرفة النوم عدة مرات ولم يجيب حينها فتحت الباب ولكنه غير موجود،
جرت مسرعة إلى باب الشقة وذهبت إلى ذلك الطبيب والذي يسكن معهم بنفس العمارة، واحضرته معها شعر بعض الجيران بوجود شيء وتجمعوا ليسالوا ماذا حدث؟! أخبرتهم سحر بما حدث وهي في طريقها إلى شقتها دخلت سحر برفقه الطبيب ومعها إحدى السيدات من الجيران.
ولكن كانت الصدمة، حين دخلت ووجدتها لا تتحدث، ولا تتحرك نظرت إلي الطبيب ليرى ما بها
فحصها الطبيب وتنهد بحزن وهو يقول لسحر بحزن شديد : للآسف ماتت، واضح إنها ذبحه صدرية.
سحر وهي تبتسم للطبيب بسخرية: مين دي اللي ماتت؟!
الطبيب : شدي حيلك ،الله يرحمها ويغفر لها ويسكنها فسيح جناته الفردوس الأعلى دون حساب ولا سابق عذاب .
سحر بهستيريا وهي تقترب من أمها وتمسك يدها وتحدثها ببكاء شديد: ليه يا ماما سبتينى؟ ليه؟ أنا ماليش غيرك في الدنيا حتى أصحاب ماليش، كنتِ أختي وصحبتي وأمي إنتِ العالم بتاعي كله، أنا عارفه إنك زعلانه من بابا بس ما إنتِ كل مرة بتسامحيه اشمعنا المرة دي روحتي وسبتينِ ، أنا بخاف يا ماما بخاف من أي حاجه وكل الناس إنت ِاللي كنت بستخبي فيها طيب، أنا سبتينى لوحدي ليه؟ كنتي خديني معاكِ مش عاوزه أعيش في الدنيا دي من غيرك.
وبكت بانهيار تام والجيران يحاولوا تهدئتها بكل الطرق.
في ذلك الوقت وصل إبراهيم وكان في قمه سعادته بعد ما فعله من محرمات زينها له الشيطان ووقع هو فيها بكل سهولة.
تعجب إبراهيم من هؤلاء الموجودين بشقته، ولكن سمع صوت إبنته تبكي فدخل بخطوات سريعة إلى غرفتها وفي نفس اللحظة وجد إحدى النساء تغطي جسد زوجته حتى وجهها بغطاء باللون الأبيض أدرك حينها أن زوجته ماتت.
دخل إلى الغرفة وهو مصدوم مما حدث ماتت ونظر الي سحر يسألها: أمك ماتت إزاي ؟!
كانت سحر تجلس أرضًا بجانب التخت الذي تنام عليه والدتها وتمسك يدها وتبكي، وحين سمعت صوته انتفضت بكل غضب وهستيريا بعد سؤاله الغبي من وجهة نظرها، يسألها كيف ماتت؟! نعم فهي تتوقع منه أي شيء فهو عديم الإحساس والمشاعر.
نظرت له بغضب ووجه منتفخ وأحمر من شده البكاء: بتسأل ماتت إزاي إنت اللي بتسأل إزاي أنا مش مصدقة إذا كنت إنت اللي موتها؟!
الأب يتعجب: انا!!!
سحر بغضب وقهر : أيوة إنت، ولا نسيت ضربتها إزاي النهاردة وكسرتها يا حبيبتي كتمت في قلبها وكل مرة تضغط وتدوس على نفسها، وتكمل والآخر جت ليها ذبحه بسببك، لأن إنت سبب حزنها وحسرتها على نفسها واحساسها دايمًا إنها وحشة مش حلوة عشان كده بتخونها برة، إنت عملت لأمي كتير بس أهي خلاص سبتها ليك وراحت لربنا هو ألطف عليها وأرحم من العيشة هنا.
كان الأب ينظر لها بصدمة والجيران منهم من يبكي على حديثها ومنهم من ينظر له باشمئزاز
الأب بغضب: بطلي هبل، أمك اصلًا كانت تعبانة.
سحر بحزن : خلاص أنا كده، كده معنتش هتكلم، ولا هقول حاجة اللي كانت بتفرحني ماتت وسبتني ربنا يسامحك.
دفنت الأم ومضى العزاء بشكل طبيعي كانت تجلس سحر بينهم بجسدها بينما عقلها في مكان آخر لا ترى أمامها، ولا تركز في أي شخص تتلقى منه العزاء، ولا تعلم من قام بتعزيتها في وفاة أمها
إنتهى كل شيء وظلت سحر وحيده كئيبة لا تفعل شيء سوا الذهاب إلى الجامعة والمذاكرة وتظل بحجرتها طوال الوقت، وتحاول بكل الطرق أن تتجنب والدها مرت بضعة أشهر حتى جاء في أحد الأيام على طاولة الغداء وقال لها أنها ستذهب معه صباح اليوم التالي لبيع سيارة والدتها انقبض قلبها وقالت له : بس أنا مش هبيع حاجة ، ماما قالتلي إن وقت جوازكم جدي اشتري الشقة دي وكتبها ليها عشان يساعدكم في الجواز، وماما جابت ليا العربية بباقي ورثها لما دخلت الجامعة يعني حضرتك ملكش حاجة في الشقة والعربية دول ذكرى من أمي ومش هفرط فيهم.
إبراهيم وهو يتناول طعامه بكل برود واستفزاز: وبعدين؟
نظره له سحر بتوتر وقالت : بقول لحضرتك لأ.
مد يده بسرعه وأمسك شعرها بقوة وهو يسبها بأبشع الألفاظ : أقسم بالله لو ما اتعلمتي الأدب لكون مخليكِ تحصلي أمك، بس مش بسرعه لأ هعذبك.
سحر بخوف فليس لديها حيلة: حاضر. خلاص أرجوك سبني.
تركها الأب وهو يقف ينظر إليها بقرف وضيق بينما هي تمسد فروة رأسها من الألم، وتبكي بقهر
الأب بحدة: تكوني جاهزة الساعه عشرة فاهمة؟
أشارت له برأسها بالموافقة.
وبالفعل ذهبت معه في اليوم التالي وقامت ببيع سيارتها كما شاء وقام هو بشراء سيارة أخرى وسجلها باسمه هو.
لم تعلق على شيء ومرت عدة أيام حتى أخبرها عن طلب محمد للزواج منها.
رفضت فهي لا تريد الزواج وتكرار مأساة والدتها، ولكن على شيء انقلب رأسا على عقب.
- يدوب أنا ألحق أمشي، عشان ميعاد الحاجة عند الدكتور.
نهض أحد زملائه من مقعده واتجه صوبه قائلًا بود علّه يبث الإطمئنان لقلب "يحيي":
- إن شاء الله هتكون كويسة ، حماتي أخدت الدور ده ودلوقتي ما شاء الله عليها.
ربت "يحيى" على كتف زميله بعرفان مرددًا برجاء : ادعيلها.
وغادر المكتب وما هي إلا دقائق قليلة وكان خارج الشركة يستوقف احدى سيارات الأجرة التي استقلها مُخبرًا السائق بوجهته.
انطلق السائق، وبدأ "يحيي" باللهو بجواله، ومطالعة حساباته الشخصية على مواقع التواصل الإجتماعي ، ليتسلل إلى مسامعه صرخات استغاثة أنثوية قوية، قطب جبينه مسترقًا السمع، ليرفع أنظاره نحو نوافذ السيارة ويستوقفه مشهد جذب رجلين لفتاة وإقحامها بسيارتهما عنوة، فارت الدماء بأوردته، ونفرت جميع عروقه وتضخمت، ليهتف بالسائق محتدًا :
- أقف يا أسطي، أقف.
ما إن انخفضت سرعة السيارة؛ حتى فتح "يحيى" بابها دون انتظار توقفها، وغادرها مهرولًا نحو هؤلاء، ليصرخ بهم غاضبًا :
- في إيه يا كباتن؟
صرخت به الفتاة مستجيرة وهي تقاوم هؤلاء بأقصى جهدها :
- أبوس إيدك تساعدني، أبوس إيدك.
تحفز جسد "يحيي" لحرب ضارية، ليقبض على كتف أحدهما ويديره نحوه صارخًا به بقوة وهو يهوي على فكه بلكمة قوية:
- لما أسألك تجاوبني.
وألقى لكمته الأخرى بفك الآخر، ليجبره على ترك الفتاة ، فاتحدا الرجلين معًا وانهالا عليه بلكمات تفاداها "يحيي" جيدًا ، إلا أنه ردها لهما الصاع صاعين، ليصيح أحدهما به مستجديًا :
- دي أختنا والله، وكانت هربانة من البيت.
قبض "يحيي" على كتفهما بقوة، ملتفتًا برأسه نحو الفتاة يسألها عن حقيقة الأمر، لتجاوبه بخجل متلعثمة :
- أ... أيوة أخواتي فعلًا ، بس دول عاوزين يجوزني غصب، ولواحد قد أبويا.
اشتعلت نيران الغضب بصدره، ليجذبهما نحوه بقوة هاتفًا بهما بصوتٍ أجش مستنكرًا :
-عاوزين تبيعوا أختكم؟!.. لأ رجالة.
دفعه أحدهم بعيدًا وهو يتملص من بين يده صارخًا به بغضب جلي :
- إنت مالك أصلًا ، وبعدين إحنا هنجوزها على سنة الله ورسوله.
تعالت شهقاتها التي تذيب القلوب وهي تهتف بأنين يجلد نياط القلب بسياطه، ودمعاتها أنهارًا متدفقة بمصبها الأخير :
- الله ورسوله قالوا إنكم ترموني خدامة لراجل عنده سبعين سنة، قالوا إنكم ترموني خدامة لمراته المريضة اللي محتاجة حد ياخد بإديها للحمام، واللي عيالهم رموهم عشان يعيشوا حياتهم من غير حمل على كتافهم، قالوا إنكم تبيعوني وتقبضوا تمنى؛ حتى لو كان كبير فهو أقل بكتير من تمن جليسة يجيبوها تقعد معاهم، الله ورسوله وصوا بالنساء خيرًا، ربنا قال إن شروط الزواج القبول والرضا.
كلمات اعتصرت قلب "يحيي" ومزقته أشلاءً، فأي قُساة هؤلاء؟! وأي جحود هذا؟! ليشدد بقبضته على كتفي أخويها، ولا سيما تخيل والدته بوضع هؤلاء، أباء تربى وتعول وتبذل قصارى جهدها؛ لتُلقى بطول أذرع الأبناء بلا عائل ولا أنيس، ليهتف بأخويها بقوة غضبه :
- هات لي عنوان الراجل ده، وأنا هبعتله حد يساعدهم ويقعد معاهم، وبالنسبة لأختكم، هاخد عنوانكم إنتوا كمان، وأقسم بالله لو جيت في أي وقت واشتكت منكم ، لخلي الدكتور ميعرفش يخيط فيكم غرزة واحدة فاهمين.
أومأ الأخوين برأسيهما ونظرات الفزع والرعب تتطاير من أحداقهما، ليلتفت "يحيي" بأنظاره نحو الفتاة مرددًا بنبرة مطمئنة :
- هديكِ رقمي إتصلِ بيا في أي وقت، ومسافة السكة هكون عندك.
نظرات الأمل بأحداقها وئدت نظرات اليأس وبددتها، لتركض نحو يده في محاولة لتقبيلها، وهي تردد بسعادة غامرة :
- ربنا يصلح حالك ويعطيك ما يحرمك يا رب ، ويحليلك دنيتك، ويحفظ ليك حبايبك.
نفض "يحيي" يده بعيدًا بابتسامته الودودة، وهو يحادثها بمحبة وإيخاء : - اركبي مع اخواتك ماتخافيش.
وناولها قُصاصة ورق مطوية تحوي رقمه الخاص وهي تملي عليه عنوان الرجل وزوجته بالتفصيل وكذلك عنوان إقامتها.
غادرت الفتاة مع أخويها، وزفر "يحيي" عدة زفرات متتالية، ليتفاجأ بالتفاف البعض حوله وقد بدأوا ينهالون عليه بعبارات الإشادة والمدح، لشهامته ومروءته، ليشكرهم هو الآخر ويركض نحو السيارة التي مازالت تنتظره واستلقها إلى جوار السائق مرددًا باعتذار شديد :
- معلش يا باشمهندس، عطلتك معايا.
اتسعت إبتسامة السائق وهو ينطلق بسيارته مرددًا بثناء :
- ولا عطلة ولا حاجة يا أستاذ، ده كفاية اللي إنت عملته مع البنت الغلبانة دي.
واستكمل السائق حديثه حتى صف سيارته أمام منزل "يحيي".
ولج "يحيي" إلى شقته مهرولًا وهو يحملق بساعة يده، زافرًا زفرة لائمة، فقد تأخر عن موعد والدته كثيرًا، وضع مفتاحه بجيب بنطاله واتجه نحو غرفة والدته بخطى واسعة؛ حتى ولجها وهو يردد بأسف : - معلش يا ست الكل اتأخرت عليكِ.
خطى نحوها بخطاه الواسعة، ليجدها تغط بسباتٍ عميق، بوجهٍ باشٍ يُشع نورًا وضياءً فجلس بطرف الفراش إلى جوارها بابتسامة واسعة مدلكًا ساقها من أعلى الدثار هامسًا بحنو يستحثها على الاستيقاظ :
- ماما، اصحي بقا عشان ميعاد الدكتور.
ابتسامة مشرقة، أنفاس مستقرة، أهداب مسدلة، جسد بارد لين استشعره "يحيي" حينما مسَّ يدها الممتدة إلى جوارها لتسري تلك القشعريرة القوية بجسده والتي تفوقت على صرخات قلبه المستجيرة ليحرك جسد والدته بلاوعي هامسًا بخفوت مترنح:
- ماما، ماما.
فقد إجابة نداءه هذا وللأبد، لتنهمر عبراته فيضانًا جارفًا بينما أحداقه مرتكزة على ابتسامتها تلك التي تزين ثغرها ليميل نحو صدرها برأسه مستمعًا لدقاتها الساكنة وهو يهمس بأنين ملتاع :
- أمي، قومي أنا لسه مشبعتش منك، لسه محتاج حضنك يدفيني، لسه محتاج نفسك يطمني، قومي يا أمي. قومي، أنا ماليش غيرك في الدنيا، أنا عايش بفضل دعاكِ يا أمي.
كلماته تذوب بالهواء وتتلاشى بلا أدنى همس أو إجابة، فقد تسرب الشك خارج قلبه واحتله اليقين التام، ليرفع أنظاره نحو بارئه صارخًا بألم تجاوز طاقة احتماله :
- أمي.
*************
على الجانب الآخر
كانت الأم تجلس هي وسحر يتسامرون وتضحك الأم على حديث ابنتها فسحر تتمتع بحس فكاهي رائع لا يمل أي شخص من الجلوس معها.
سمعت الأم وسحر صوت إغلاق باب الشقة، ولكن بطريقة مبالغ فيها وبقوة حتى يسمعوا هذا الصوت العالي.
سحر بقلق : إيه ده؟!
الأم: معرفش يا بنتي أن...
وقطع حديثها دخول الأب وهو يغلي من الغضب وجهه أحمر من شدة الضغط على أعصابه حتى يصل المنزل، علمت الأم حين نظرت إليه أن هذا اليوم لن يمر بالخير كما يقولون.
قال الأب بحدة وصوت عالي جعل جسد كل من سحر ووالدتها ينتفض خوفًا فهو الآن في حالة غير طبيعية لا تظهر عليه إلا إذا وصل إلى أقصى درجات الغضب: كتبتِ الشقة والعربية والأرض لبنتك ليه؟
الأم بتعجب: آمال أكتبهم لمين؟! بنتي وبديها حاجتي عشان لو حصل ليا حاجة أكون مطمئنة إنها مش محتاجة حاجه من حد.
فوجئت الأم بصفعة تنزل علي وجهها، واقترب منها ومد يده وقبض على خصلات شعرها الطويل بقوة حتى تشعر بالألم.
كانت تبكي وهي تحاول أن تدفعه بعيدًا عنها فهو يؤلمها حقًا.
بينما هناك تقف إلى جانب باب الغرفة سحر ترتجف وتبكي، وهي لا حول ولا قوة لها ضعيفة تريد بكل ما فيها أن تدافع عن أمها، ولكنها تدرك وتفهم جيدًا أن والدها قاسي القلب لا يرحم أحد شعرت بالخوف الشديد تهتز في مكانها بسبب تلك الرعشة التي أصابت جسدها.
كانت تنظر إليهم لا تزيح عينيها ولو قليلًا ، وجدت والدها يضرب والدتها بقسوة وهي تصرخ وتبكي لا تستطيع أن تدافع عن نفسها جسدها هزيل بسبب المرض والحزن وليس لديها قوة لتدافع عن نفسها.
إبتعد عنها وهو يسبها بأبشع الألفاظ، وهي تبكي وتبكي الدموع هي الشيء الوحيد الذي تستطيع أن تخرج غضبها عن طريقها.
وجدت الأم سحر ترتجف بقوة تحاملت على نفسها وجمعت قوتها ووقفت واقتربت من ابنتها تضمها إليها وتخبرها أنها بخير.
ظلت الأم وابنتها يبكون والحزن مخيم عليهم طوال ذلك اليوم، ومساءًا وفي حدود الساعة الحادية عشر
وجدت سحر وجه والدتها يشحب بقوة، وتضغط على أسنانها لتخفي عنها الألم، ولكن وجهها يجعل الأعمى يفهم أن بها شيء ما.
سحر بقلق : ماما إنتِ كويسة؟
الأم وهي تتحامل على نفسها قالت لها: اه يا حبيبتي كويسة، الحمد....
لم تكمل عبارتها وخرجت من بين شفتيها صرخة ألم، كادت أن تصيب سحر بسكته قلبية من شدة الخوف.
اقتربت منها سحر تسألها ما بها ودموعها تنهمر على وجهها، لكن الأم لم تستطع الرد عليها
فقد كانت تشعر بألم حاد بصدرها وعدم القدرة على التنفس.
خرجت سحر مسرعة من غرفتها لتبحث عن والدها فاليوم وبعد ما حدث كانت الأم تنام إلى جانبها بغرفتها طرقت باب غرفة النوم عدة مرات ولم يجيب حينها فتحت الباب ولكنه غير موجود،
جرت مسرعة إلى باب الشقة وذهبت إلى ذلك الطبيب والذي يسكن معهم بنفس العمارة، واحضرته معها شعر بعض الجيران بوجود شيء وتجمعوا ليسالوا ماذا حدث؟! أخبرتهم سحر بما حدث وهي في طريقها إلى شقتها دخلت سحر برفقه الطبيب ومعها إحدى السيدات من الجيران.
ولكن كانت الصدمة، حين دخلت ووجدتها لا تتحدث، ولا تتحرك نظرت إلي الطبيب ليرى ما بها
فحصها الطبيب وتنهد بحزن وهو يقول لسحر بحزن شديد : للآسف ماتت، واضح إنها ذبحه صدرية.
سحر وهي تبتسم للطبيب بسخرية: مين دي اللي ماتت؟!
الطبيب : شدي حيلك ،الله يرحمها ويغفر لها ويسكنها فسيح جناته الفردوس الأعلى دون حساب ولا سابق عذاب .
سحر بهستيريا وهي تقترب من أمها وتمسك يدها وتحدثها ببكاء شديد: ليه يا ماما سبتينى؟ ليه؟ أنا ماليش غيرك في الدنيا حتى أصحاب ماليش، كنتِ أختي وصحبتي وأمي إنتِ العالم بتاعي كله، أنا عارفه إنك زعلانه من بابا بس ما إنتِ كل مرة بتسامحيه اشمعنا المرة دي روحتي وسبتينِ ، أنا بخاف يا ماما بخاف من أي حاجه وكل الناس إنت ِاللي كنت بستخبي فيها طيب، أنا سبتينى لوحدي ليه؟ كنتي خديني معاكِ مش عاوزه أعيش في الدنيا دي من غيرك.
وبكت بانهيار تام والجيران يحاولوا تهدئتها بكل الطرق.
في ذلك الوقت وصل إبراهيم وكان في قمه سعادته بعد ما فعله من محرمات زينها له الشيطان ووقع هو فيها بكل سهولة.
تعجب إبراهيم من هؤلاء الموجودين بشقته، ولكن سمع صوت إبنته تبكي فدخل بخطوات سريعة إلى غرفتها وفي نفس اللحظة وجد إحدى النساء تغطي جسد زوجته حتى وجهها بغطاء باللون الأبيض أدرك حينها أن زوجته ماتت.
دخل إلى الغرفة وهو مصدوم مما حدث ماتت ونظر الي سحر يسألها: أمك ماتت إزاي ؟!
كانت سحر تجلس أرضًا بجانب التخت الذي تنام عليه والدتها وتمسك يدها وتبكي، وحين سمعت صوته انتفضت بكل غضب وهستيريا بعد سؤاله الغبي من وجهة نظرها، يسألها كيف ماتت؟! نعم فهي تتوقع منه أي شيء فهو عديم الإحساس والمشاعر.
نظرت له بغضب ووجه منتفخ وأحمر من شده البكاء: بتسأل ماتت إزاي إنت اللي بتسأل إزاي أنا مش مصدقة إذا كنت إنت اللي موتها؟!
الأب يتعجب: انا!!!
سحر بغضب وقهر : أيوة إنت، ولا نسيت ضربتها إزاي النهاردة وكسرتها يا حبيبتي كتمت في قلبها وكل مرة تضغط وتدوس على نفسها، وتكمل والآخر جت ليها ذبحه بسببك، لأن إنت سبب حزنها وحسرتها على نفسها واحساسها دايمًا إنها وحشة مش حلوة عشان كده بتخونها برة، إنت عملت لأمي كتير بس أهي خلاص سبتها ليك وراحت لربنا هو ألطف عليها وأرحم من العيشة هنا.
كان الأب ينظر لها بصدمة والجيران منهم من يبكي على حديثها ومنهم من ينظر له باشمئزاز
الأب بغضب: بطلي هبل، أمك اصلًا كانت تعبانة.
سحر بحزن : خلاص أنا كده، كده معنتش هتكلم، ولا هقول حاجة اللي كانت بتفرحني ماتت وسبتني ربنا يسامحك.
دفنت الأم ومضى العزاء بشكل طبيعي كانت تجلس سحر بينهم بجسدها بينما عقلها في مكان آخر لا ترى أمامها، ولا تركز في أي شخص تتلقى منه العزاء، ولا تعلم من قام بتعزيتها في وفاة أمها
إنتهى كل شيء وظلت سحر وحيده كئيبة لا تفعل شيء سوا الذهاب إلى الجامعة والمذاكرة وتظل بحجرتها طوال الوقت، وتحاول بكل الطرق أن تتجنب والدها مرت بضعة أشهر حتى جاء في أحد الأيام على طاولة الغداء وقال لها أنها ستذهب معه صباح اليوم التالي لبيع سيارة والدتها انقبض قلبها وقالت له : بس أنا مش هبيع حاجة ، ماما قالتلي إن وقت جوازكم جدي اشتري الشقة دي وكتبها ليها عشان يساعدكم في الجواز، وماما جابت ليا العربية بباقي ورثها لما دخلت الجامعة يعني حضرتك ملكش حاجة في الشقة والعربية دول ذكرى من أمي ومش هفرط فيهم.
إبراهيم وهو يتناول طعامه بكل برود واستفزاز: وبعدين؟
نظره له سحر بتوتر وقالت : بقول لحضرتك لأ.
مد يده بسرعه وأمسك شعرها بقوة وهو يسبها بأبشع الألفاظ : أقسم بالله لو ما اتعلمتي الأدب لكون مخليكِ تحصلي أمك، بس مش بسرعه لأ هعذبك.
سحر بخوف فليس لديها حيلة: حاضر. خلاص أرجوك سبني.
تركها الأب وهو يقف ينظر إليها بقرف وضيق بينما هي تمسد فروة رأسها من الألم، وتبكي بقهر
الأب بحدة: تكوني جاهزة الساعه عشرة فاهمة؟
أشارت له برأسها بالموافقة.
وبالفعل ذهبت معه في اليوم التالي وقامت ببيع سيارتها كما شاء وقام هو بشراء سيارة أخرى وسجلها باسمه هو.
لم تعلق على شيء ومرت عدة أيام حتى أخبرها عن طلب محمد للزواج منها.
رفضت فهي لا تريد الزواج وتكرار مأساة والدتها، ولكن على شيء انقلب رأسا على عقب.
