رواية حكمت وحسم الامر فهل من مفر الفصل الرابع 4 بقلم الهام رفعت
الفصـــل الرابع
~~~~~~~
خرجت من المرحاض مرتدية ثوب ملفت متعمدة اغواءه بهيئتها الجذابة، حدق بها عمار بنظرات متمنية عاشقة كلما تحركت، وقفت مارية أمام المرآة تمشط شعرها الاسود الحريري وهي تتأمل نظراته التي تخترق طلعتها عبر انعكاس صورته في المرآة ، تسطح عمار على الفراش منتظرًا قدومها ليأخذها في عالمٍ حالمٍ متمنيًا منها المزيد فكم حلم أن ينعم معها في أحلامه الوردية هو وهي فقط، ناهيك عن نظراته التي ظهر فيها الشوق، فطنت مارية رغبته تلك وارتبكت من لمسه لها فهو سيظل قاتل أبيها وجسدها سيبقى وللأبد محرمًا عليه، تنفست بهدوء مسيطرة على توتر اعصابها وارتجافة اعضاءها الداخلية، استدارت وتحركت بحذر متجهة لخزانة الملابس وهي تكمل اغواءها له لتجعله يزحف تحت قدميها فلن تشفق عليه كما هان عليه دم والدها، لم تنكر مارية حبها هي الأخرى له، فلم يدق قلبها سوى له هو وكم تمنت أن تكون معه، كل ذلك ألقته خلف ظهرها ورسمت التحجر وباتت صورة والدها المغدور أمامها، لم يتحمل عمار حتى نهض ليتوجه نحوها، شعرت مارية بقربه منها وارتبكت بشدة وشعرت برهبة تسري بداخلها، حاوط عمار خصرها وضمها بقوة، شعرت حينها مارية بمشاعر متضاربة في تمنيها له وأخرى نافرة منه، دفن هو وجهه في شعرها ليستنشق رائحته التي اذهبت عقله وبدأ يتعمق حين طبع قبلة على عنقها فبدا عليها الإرتجاف مما يفعل، حاولت التماسك في ردة فعلها لا تعرف ما بين حبها له، أو ابتعادها حتى لا يشك في أمرها كونها تريد الإنتقام، هتفت باستنكار زائف حين فطنت نيته:
- انت نسيت يا عمار ، مش هينفع تقربلي .
تجاهل حديثها واستمر كما هو وسط نظراتها الزائغة ودقات قلبها العنيفة ومشاعرها الكامنة التي لم تستطع التحكم فيها، تركته للحظات قليلة يفعل ذلك؛ حتى عادت مارية لرشدها حين تخيلت والدها أمامها ويتطلع عليها بازدراء، بلوم، بخيبة أمل، ثم دفعته بعنف بعيدًا عنها، لم يستغرب عمار تغيرها كونها لم تتعود عليها وسلط انظاره عليها، سألها بمعنى:
- احنا مش اتفقنا ننسي كل حاجة، رجعتي تاني في كلامك ، هتنسي حبنا .
بدت نظراتها متجمدة عليه خاوية من المشاعر فارغة من مجرد تخيلها لمستقبل يجمعهما معًا، تأمل عمار وجهها واغتاظ لأنها لم تتناسى ولمح بأحساسه نظرات الكره الجديدة عليه من هاتين العينين الذي لم يرى فيهما سوى الحب، حدق فيها بشراسة ويديه تقبض على عنقها، انقذها فقط طرقات الباب ليضطر هو للإبتعاد عنها، التقطت انفاسها بصعوبة بالغة وشحب وجهها، رمقها عمار بغيظ وقبل ان ينهض ليفتح للطارق كان قد صفعها على وجهها فتألمت في صمت، تحرك عمار والغضب يكسو ملامحه، وقف خلف الباب ليسيطر على حدة غضبه وبدلها بهدوء زائف، فتحه عمار ليجد والدته واحدى الخادمات بجانبها حاملة لصينية من الطعام، زيف عمار ابتسامة وحدثها :
- أهلا يا ست الكل، اتفضلي .
ارتبكت مارية وهندمت نفسها وهي ترجع شعرها المبعثر للخلف، ولجت راوية الغرفة لتسقط انظارها عليها ، ابتسمت في نفسها حين وجدتها بحالتها تلك وادركت أنها أتت في وقت غير مناسب ، نظرت لابنها وابتسمت له برضى ، ابتسم لها عمار بتصنع ، امرت راوية الخادمة :
- دخلي الأكل علشان العرسان ياكلوا لوحدهم .
رد عمار بتردد :
- مكنش ليه لزوم يا أمي ، احنا كنا هننزل كمان شوية .
ردت راوية بنبرة محبوبة وهي تنظر لمارية التي ترتجف من الداخل وتختطف الأنظار لعمار بتوجس :
- علشان العروسة تاخد راحتها وعلى ما تتعود علينا .
التوى فمه بابتسامة ساخرة وهو ينظر إلى زوجته بحسرة ، ابتلعت مارية ريقها وادركت أنها في خوض حرب شرسة في هذا المكان وانتقامها سيتطلب منها حنكة بالغة في تدبير مخطط مدروس لتنفيذه ، كل ذلك التفكير كان من وراء قلبها حيث سيطر عقلها وبدأ هو مجاراة الأمور.....
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
اخذت فريدة الغرفة ذهابًا وإيابًا وهي تنتظر أن تسمع خبر موته المؤكد من فؤاد الذي ذهب ليتفقد الأجواء في الخارج ، زفرت بقوة وارتمت جالسة على المقعد وهي تضرب فخذها بعنف ، هتفت بأنفاس غاضبة :
- يا ترى يا فؤاد أتأخرت كدة ليه ، نفسي تطمني .
ثم انتبهت لمن يدخل عليها غرفة الضيوف ، على الفور نهضت لتقابله بلهفة جلية ، تقدم فؤاد لتمسك ذراعه وتسأله بشغف:
- طمني يا فؤاد ، حصل خلاص .
ربت على يدها الممسكة به وتنهد ثم رد عليها بتردد :
- لا يا عمتي ما حصلش ، انا بنفسي شوفته وهو راكب عربيته.
اغتاظت فريدة وبدا عليها الغضب ، زفرت بقوة ليهدئها فؤاد بمفهوم:
- تلاقيها معرفتش يا عمتي ، اهدي انتي كدة ومتستعجليش ، وأن شاء الله هتسمعي خبره .
تنهدت فريدة بانزعاج ، هتفت بشراسة :
- آه لو منفذتش اللي قولتلها عليه وصعب عليها ، وقتها هخلص منه ومنها بإيديا دول ومش هيهمني حد لو هموت فيها .
ادرك فؤاد ضيقها ونظر لها بتفهم ، قال بتأكيد :
- مارية بتحب ابوها ، وحبها ليه اكيد مش هينسيها ابوها اللي طول عمرها بتحبه ، هي اكيد معرفتش تنفذ ، واحنا كمان مش عاوزين نستعجل ، انتي ناسية يا عمتي انها عندهم ، يعني لو عرفوا انها قتلته هيخلصوا عليها .
انتبهت فريدة لحديثه ونظرت له لبعض الوقت وكأنها تفكر في ذلك ، قالت لاعنة غباءها :
- أنا أزاي مفكرتش في بنتي ، زمانها بتقول عليا ايه دلوقتي .
ثم صمتت ليبدو الحزن عليها ، فطن فؤاد حالتها ولذلك قال بنبرة متعقلة :
- أنا عايزك تهدي يا عمتي ، أنا بس عاوز حد يروحلها يتكلم معاها ويفهمها تعمل ايه وتنفذ امتى علشان نقدر نساعدها تهرب من عندهم قبل ما حد يأذيها .
اومأت برأسها وهي تتفق معه ، سألت بتفكير :
- طيب يا تري مين اللي هيروح عندها ويقولها على الكلام ده علشان تاخد بالها ؟ ، آخر مرة روحت هناك مقدرتش اقعد في المكان اللي عايش فيه قاتل جوزي .
فكر فؤاد في المسألة المعقدة ليهديه تفكير بعد وقت قليل ، هتف فؤاد بحماس :
- ايه رأيك في اسماء ، طول عمرها هي ومارية اصحاب وعادي لو دخلت هناك ، محدش هيشك فيها علشان هي من الخدامين وهيفتكروا أنها جتلها علشان تخدمها .
مدحت فريدة فكرته حين هتفت باطراء بائن :
- بتفكر صح يا فؤاد ، هي اسماء ومافيش غيرها ، وهي ما هتصدق نطلب منها طلب زي ده ، دي مستعدة تخدمنا بعنيها .
قال فؤاد بنبرة جادة وهو يستعد بالذهاب :
- أنا بنفسي اللي هكلمها وهفهمها تعمل ايه ....
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
امسكت اسماء بقطعة من القماش لتجفف الأرضية المبتلة بداخل المطبخ ، كانت اسماء رافعة لعباءتها لتظهر بعض ساقيها ناهيك عن عباءتها المبتلة إلى حد ما لتعطي ملمح مغري، ولج فؤاد المطبخ ليجدها هكذا ، شرد بفكره وهو يتأملها، ابتلع ريقه وبعض وقت انتبهت اسماء لوجوده ، لاحظت نظراته نحوها ليرقص قلبها من السعادة ، ابتسمت بمكر وتركت هيئتها كما هي لتجعله يتطلع لها أكثر ، شهقت مدعية أنه فزعها بدخوله المفاجئ، قالت بدلال :
- اخص عليك يا سي فؤاد ، مش تكح قبل ما تدخل .
ارتبك فؤاد وانتبه لنفسه ، قال بتوتر :
- انا جيت علشان عاوزك في موضوع.
نظرت له بخبث وهي ترى ارتباكه ، بينما قال هو بتردد عندما اشاح بوجهه عنها:
- اعدلي بس هدومك ميصحش تقفي قدامي كدة .
لوت شفتيها وهي ترمقه بنظرات جريئة، تجاهلت ما قاله لتدنو منه بخطوات متمايعة جعلته ينظر لها بتوتر ، وقفت امامه وقالت هي بدلال ألبكه:
- قولي عاوز ايه وانا عمري ما هرفضلك طلب ، انا تحت امرك في أي حاجة .
ثم صمتت لتنظر له بمكر، زادت سعادة اسماء وهي ترى نظراته المعجبة نحوها، تجرأت وحاوطت عنقه بذراعيها لتقترب منه، لكن ابعدها بعنف عنه لينظر لها بغضب من تجرأها المعيب معه، بينما اضطربت اسماء وتراجعت للخلف، نظر لها بغضب بعكس ما بداخله وما شعر به، هتف بحدة متذبذبة:
- ماتلمي نفسك يا بت انتي ، انت ازاي جاتلك الجرأة تعملي كدة، أما انتي صحيح قليلة الرباية .
ابتلعت اسماء ريقها برهبة وتوجست منه ، بينما استطرد بغيظ:
- وازاي عيلة لسة في سنك تتكلم بالطريقة دي معايا ، انا لو كنت اتجوزت كنت خلفت قدك .
امتلأت الدموع في عينيها لتنظر له بحزن ، هندمت ملابسها وسترت نفسها، فتابع هو بجدية:
-أنا جاي علشان تسمعيني كويس في اللي هقولهولك، واياكي تغلطي غلطة واحدة ومتنفذيش.....!!
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
بعد أيام قليلة على مائدة الطعام التمت العائلة كعادتهم في قصر سلطان ، كان سلطان يتحدث مع عمار بشأن زواجه وأنه غير راضٍ بالمرة لتلك الزيجة العدائية وأن نتائجها ستصبح أسوأ ، انزعج عمار من تحكمات والده كونه تزوج منها ، تأفف من الداخل وهو يستمع لحديثه بأنها سوف تنتقم لوالدها وعليه أخذ الحذر منها ، اضطر عمار للإمتثال لرغبته فقط حتى يطمأنه من الموضوع وتمنى في نفسه ألا يفتحه مرة أخرى ، نظرت له والدته راوية بنظرات محببة ، قالت مؤكدة حديث والده :
- أبوك عنده حق يا عمار ، لازم تاخد بالك يا حبيبي ، حتى لو هي بتحبك ، ممكن اهلها يجبروها تنتقم ، وانت ابننا الوحيد في وسط اخواتك البنات اللي اتجوزوا ، عايزة افرحك بيك يا ابني واشوف عيالك ، بس مع مارية مش حاسة انها هتحقق اللي بحلم بيه ده .
كانت راوية تتحدث بحسرة وحزن ، تأملها عمار بنظرات كأنه تفهم ما يزمعون له ، كاد ان يتحدث ولكنه توقف ليتفاجىء بها تهبط الدرج وهي في كامل زينتها وجمالها الذي سحره ، هبطت مارية الدرج لتسير نحوهم بخيلاء ، تسلطت انظار الجميع عليها إلا سلطان ، حيث كانت قادمة من خلفه وهو جالس على مقعده ، توقف عن تناول الطعام ليتأهب لقدومها ، دنت مارية منهم لتقف بجانب عمار تريد معرفة أين ستجلس وهي تمرر انظارها عليهم ، تطلع عليها سلطان بنظرات مطولة ، نظرت له مارية بهدوء بعكس خوفها من تعابيره القاسية ، هتف سلطان بمغزى :
- سامحينا يا عروسة ابني ، اصل مكناش عاملين حسابك في وسطنا .
كتمت مارية انزعاجها ووجهت بصرها لعمار الذي ارتبك من الموقف ، نهض من مقعده ليقول بتردد لأحدى الخادمات :
- هاتي كرسي جمبي هنا بسرعة .
نظر لوالده وتابع باكتهاء:
- دا بعد اذنك يا حاج .
اومأ سلطان رأسه بخفة ليوافق على ما يفعله ، جاءت احدى الخادمات بالمقعد لتجلس عليه مارية وهي تشعر بالرهبة كونها في وسطهم ، كانت نظرات الجميع فقط هي من تتحدث ولم يقدر احد حتى على التفوه بكلمة فلسلطان الأمر والنهي ، بدأوا في تناول الطعام في صمت ، كان عمار يختلس لها النظرات وكانت مارية تتجاهله تمامًا فكبت انزعاجه منها وانتظر الأختلاء بها في غرفتهم ..
بعد وقت ليس بقليل انتهى الجميع من تناول الطعام لينهض سلطان بعدها ، هتف بنبرة قاسية :
- هاتيلي قهوتي فوق يا حاجة علشان هنام بدري .
نهضت راوية لتطيعه بحماس :
- تحت امرك يا حاج ، ثواني وتكون عندك .
ابتسم لها بلطف ثم استدار ليصعد للأعلى ، ما أن تركهم حتى هم الجميع بمغادرة مائدة الطعام ، حيث كان عليها اخويه فوزي وسالم وابناءه وزوجاتهم وابنة سلطان الصغرى منى وزوجها وابناءها لأنها تعيش بالقصر بعدما تزوجت من ابن عمها عيسى، لم يتبق سوى عمار ومارية على الطاولة والخدم من حولهم يلملمون الاطباق في صمت ، جاءت مارية تنهض من مقعدها فأمسك ساعدها ليوقفها ، وقفت مارية وهو ممسك بساعدها ونظرت له ببرود ، نهض عمار هو الآخر ليقول بجدية شديدة :
- لازم نتكلم دلوقتي .
هتفت بتأفف زائف وهي تقصي يده :
- أنا عاوزة اتمشى في الجنينة شوية ، بعدين نبقى نتكلم .
سيطر على انزعاجه ليهمس لها بامتعاض :
- تعالي معايا بالذوق بدل ما افرج الخدامين عليكي .
اندهشت مارية من نبرته الجديدة معها، رمقها عمار بنظرات قوية جعلتها تمتثل له، اومأت برأسها لتصعد معه للأعلى...
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
في غرفة نومهم جلست مارية على طرف الفراش تنتظر حديثه معها، لم يتحدث عمار بل شرع في تبديل ملابسه، شعرت بالخجل لرؤيته هكذا، خانتها عيناها لتنظر له وتتأمل هيئته فطالما حلمت به، بدأت مشاعرها تتحرك ناحيته، فقد فاق عليها حين اغراها هو كأنه يتعمد ذلك كما كانت تفعل معه، لم تتوقع أن للرجال سحر في جذب الفتيات إلا حين رأته هو، تركت مارية الموقف لقلبها يتطلع عليه بنظرات محبة وتناست ما حولها ليبقى هو أمامها، استشعر عمار نظراتها نحوه فهو يتعمد اظهار جسده الرياضي امامها ليستهويها، استدار نحوها ثم أمرها بنبرة جامدة من الخارج وهو يدنو منها:
-هتفضلي قاعدة كده؟!
شهقت مارية وهي تنظر له بارتباك واعين مهزوزة، اقترب عمار منها ليجعلها تنهض معه، نظر لها بنظرات لم تتفهمها ولكن انفاسه كانت ثقيلة للغاية وهو يتجول بأنظاره عليها، فطنت أنه لا مفر لها اليوم معه حين ظهرت الرغبة في نظراته، خشيت مارية اكماله للأمر معها فماذا ستقول لوالدتها؟!، كانت بيدها تمنعه من ملامستها بتذبذب حيث لم تستخدم قوتها في ذلك كأنها ترتضي تلك اللمسات منه، ابتسم عمار بمكر وادرك رغبتها الكامنة تجاهها، اغمضت عينيها حين حاوط خصرها ليضمها إليه، همس عمار بحب بالقرب من وجهها:
- بحبك قوي ، وانتي بتحبيني ومتحاوليش تخبي .
انصتت له ونظراتها زائغة وهي تتأمل وجهه الذي تعشقه فهو يقول الحقيقة، تناست مارية ما حولها لتلتف ذراعيها حول عنقه كبادرة منها للتجاوب معه، لم يتوانى الأخير في ضمها لصدره، بادلته الحب بطريقة ملأت الرغبة بداخله لتكسو هيئته شعرت مارية بشوق أنساها ما حولها وهو يأخذها برضاها، جزء كبير منها يريده والآخر ضعيف يريد ابعاده عنها ، استسلمت لقلبها وتجاوبت معه منغمسين في أحلامهما وتركت العنان لمشاعرها تستفيض على هيئتها العاشقة.......................!!
~~~~~~~
خرجت من المرحاض مرتدية ثوب ملفت متعمدة اغواءه بهيئتها الجذابة، حدق بها عمار بنظرات متمنية عاشقة كلما تحركت، وقفت مارية أمام المرآة تمشط شعرها الاسود الحريري وهي تتأمل نظراته التي تخترق طلعتها عبر انعكاس صورته في المرآة ، تسطح عمار على الفراش منتظرًا قدومها ليأخذها في عالمٍ حالمٍ متمنيًا منها المزيد فكم حلم أن ينعم معها في أحلامه الوردية هو وهي فقط، ناهيك عن نظراته التي ظهر فيها الشوق، فطنت مارية رغبته تلك وارتبكت من لمسه لها فهو سيظل قاتل أبيها وجسدها سيبقى وللأبد محرمًا عليه، تنفست بهدوء مسيطرة على توتر اعصابها وارتجافة اعضاءها الداخلية، استدارت وتحركت بحذر متجهة لخزانة الملابس وهي تكمل اغواءها له لتجعله يزحف تحت قدميها فلن تشفق عليه كما هان عليه دم والدها، لم تنكر مارية حبها هي الأخرى له، فلم يدق قلبها سوى له هو وكم تمنت أن تكون معه، كل ذلك ألقته خلف ظهرها ورسمت التحجر وباتت صورة والدها المغدور أمامها، لم يتحمل عمار حتى نهض ليتوجه نحوها، شعرت مارية بقربه منها وارتبكت بشدة وشعرت برهبة تسري بداخلها، حاوط عمار خصرها وضمها بقوة، شعرت حينها مارية بمشاعر متضاربة في تمنيها له وأخرى نافرة منه، دفن هو وجهه في شعرها ليستنشق رائحته التي اذهبت عقله وبدأ يتعمق حين طبع قبلة على عنقها فبدا عليها الإرتجاف مما يفعل، حاولت التماسك في ردة فعلها لا تعرف ما بين حبها له، أو ابتعادها حتى لا يشك في أمرها كونها تريد الإنتقام، هتفت باستنكار زائف حين فطنت نيته:
- انت نسيت يا عمار ، مش هينفع تقربلي .
تجاهل حديثها واستمر كما هو وسط نظراتها الزائغة ودقات قلبها العنيفة ومشاعرها الكامنة التي لم تستطع التحكم فيها، تركته للحظات قليلة يفعل ذلك؛ حتى عادت مارية لرشدها حين تخيلت والدها أمامها ويتطلع عليها بازدراء، بلوم، بخيبة أمل، ثم دفعته بعنف بعيدًا عنها، لم يستغرب عمار تغيرها كونها لم تتعود عليها وسلط انظاره عليها، سألها بمعنى:
- احنا مش اتفقنا ننسي كل حاجة، رجعتي تاني في كلامك ، هتنسي حبنا .
بدت نظراتها متجمدة عليه خاوية من المشاعر فارغة من مجرد تخيلها لمستقبل يجمعهما معًا، تأمل عمار وجهها واغتاظ لأنها لم تتناسى ولمح بأحساسه نظرات الكره الجديدة عليه من هاتين العينين الذي لم يرى فيهما سوى الحب، حدق فيها بشراسة ويديه تقبض على عنقها، انقذها فقط طرقات الباب ليضطر هو للإبتعاد عنها، التقطت انفاسها بصعوبة بالغة وشحب وجهها، رمقها عمار بغيظ وقبل ان ينهض ليفتح للطارق كان قد صفعها على وجهها فتألمت في صمت، تحرك عمار والغضب يكسو ملامحه، وقف خلف الباب ليسيطر على حدة غضبه وبدلها بهدوء زائف، فتحه عمار ليجد والدته واحدى الخادمات بجانبها حاملة لصينية من الطعام، زيف عمار ابتسامة وحدثها :
- أهلا يا ست الكل، اتفضلي .
ارتبكت مارية وهندمت نفسها وهي ترجع شعرها المبعثر للخلف، ولجت راوية الغرفة لتسقط انظارها عليها ، ابتسمت في نفسها حين وجدتها بحالتها تلك وادركت أنها أتت في وقت غير مناسب ، نظرت لابنها وابتسمت له برضى ، ابتسم لها عمار بتصنع ، امرت راوية الخادمة :
- دخلي الأكل علشان العرسان ياكلوا لوحدهم .
رد عمار بتردد :
- مكنش ليه لزوم يا أمي ، احنا كنا هننزل كمان شوية .
ردت راوية بنبرة محبوبة وهي تنظر لمارية التي ترتجف من الداخل وتختطف الأنظار لعمار بتوجس :
- علشان العروسة تاخد راحتها وعلى ما تتعود علينا .
التوى فمه بابتسامة ساخرة وهو ينظر إلى زوجته بحسرة ، ابتلعت مارية ريقها وادركت أنها في خوض حرب شرسة في هذا المكان وانتقامها سيتطلب منها حنكة بالغة في تدبير مخطط مدروس لتنفيذه ، كل ذلك التفكير كان من وراء قلبها حيث سيطر عقلها وبدأ هو مجاراة الأمور.....
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
اخذت فريدة الغرفة ذهابًا وإيابًا وهي تنتظر أن تسمع خبر موته المؤكد من فؤاد الذي ذهب ليتفقد الأجواء في الخارج ، زفرت بقوة وارتمت جالسة على المقعد وهي تضرب فخذها بعنف ، هتفت بأنفاس غاضبة :
- يا ترى يا فؤاد أتأخرت كدة ليه ، نفسي تطمني .
ثم انتبهت لمن يدخل عليها غرفة الضيوف ، على الفور نهضت لتقابله بلهفة جلية ، تقدم فؤاد لتمسك ذراعه وتسأله بشغف:
- طمني يا فؤاد ، حصل خلاص .
ربت على يدها الممسكة به وتنهد ثم رد عليها بتردد :
- لا يا عمتي ما حصلش ، انا بنفسي شوفته وهو راكب عربيته.
اغتاظت فريدة وبدا عليها الغضب ، زفرت بقوة ليهدئها فؤاد بمفهوم:
- تلاقيها معرفتش يا عمتي ، اهدي انتي كدة ومتستعجليش ، وأن شاء الله هتسمعي خبره .
تنهدت فريدة بانزعاج ، هتفت بشراسة :
- آه لو منفذتش اللي قولتلها عليه وصعب عليها ، وقتها هخلص منه ومنها بإيديا دول ومش هيهمني حد لو هموت فيها .
ادرك فؤاد ضيقها ونظر لها بتفهم ، قال بتأكيد :
- مارية بتحب ابوها ، وحبها ليه اكيد مش هينسيها ابوها اللي طول عمرها بتحبه ، هي اكيد معرفتش تنفذ ، واحنا كمان مش عاوزين نستعجل ، انتي ناسية يا عمتي انها عندهم ، يعني لو عرفوا انها قتلته هيخلصوا عليها .
انتبهت فريدة لحديثه ونظرت له لبعض الوقت وكأنها تفكر في ذلك ، قالت لاعنة غباءها :
- أنا أزاي مفكرتش في بنتي ، زمانها بتقول عليا ايه دلوقتي .
ثم صمتت ليبدو الحزن عليها ، فطن فؤاد حالتها ولذلك قال بنبرة متعقلة :
- أنا عايزك تهدي يا عمتي ، أنا بس عاوز حد يروحلها يتكلم معاها ويفهمها تعمل ايه وتنفذ امتى علشان نقدر نساعدها تهرب من عندهم قبل ما حد يأذيها .
اومأت برأسها وهي تتفق معه ، سألت بتفكير :
- طيب يا تري مين اللي هيروح عندها ويقولها على الكلام ده علشان تاخد بالها ؟ ، آخر مرة روحت هناك مقدرتش اقعد في المكان اللي عايش فيه قاتل جوزي .
فكر فؤاد في المسألة المعقدة ليهديه تفكير بعد وقت قليل ، هتف فؤاد بحماس :
- ايه رأيك في اسماء ، طول عمرها هي ومارية اصحاب وعادي لو دخلت هناك ، محدش هيشك فيها علشان هي من الخدامين وهيفتكروا أنها جتلها علشان تخدمها .
مدحت فريدة فكرته حين هتفت باطراء بائن :
- بتفكر صح يا فؤاد ، هي اسماء ومافيش غيرها ، وهي ما هتصدق نطلب منها طلب زي ده ، دي مستعدة تخدمنا بعنيها .
قال فؤاد بنبرة جادة وهو يستعد بالذهاب :
- أنا بنفسي اللي هكلمها وهفهمها تعمل ايه ....
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
امسكت اسماء بقطعة من القماش لتجفف الأرضية المبتلة بداخل المطبخ ، كانت اسماء رافعة لعباءتها لتظهر بعض ساقيها ناهيك عن عباءتها المبتلة إلى حد ما لتعطي ملمح مغري، ولج فؤاد المطبخ ليجدها هكذا ، شرد بفكره وهو يتأملها، ابتلع ريقه وبعض وقت انتبهت اسماء لوجوده ، لاحظت نظراته نحوها ليرقص قلبها من السعادة ، ابتسمت بمكر وتركت هيئتها كما هي لتجعله يتطلع لها أكثر ، شهقت مدعية أنه فزعها بدخوله المفاجئ، قالت بدلال :
- اخص عليك يا سي فؤاد ، مش تكح قبل ما تدخل .
ارتبك فؤاد وانتبه لنفسه ، قال بتوتر :
- انا جيت علشان عاوزك في موضوع.
نظرت له بخبث وهي ترى ارتباكه ، بينما قال هو بتردد عندما اشاح بوجهه عنها:
- اعدلي بس هدومك ميصحش تقفي قدامي كدة .
لوت شفتيها وهي ترمقه بنظرات جريئة، تجاهلت ما قاله لتدنو منه بخطوات متمايعة جعلته ينظر لها بتوتر ، وقفت امامه وقالت هي بدلال ألبكه:
- قولي عاوز ايه وانا عمري ما هرفضلك طلب ، انا تحت امرك في أي حاجة .
ثم صمتت لتنظر له بمكر، زادت سعادة اسماء وهي ترى نظراته المعجبة نحوها، تجرأت وحاوطت عنقه بذراعيها لتقترب منه، لكن ابعدها بعنف عنه لينظر لها بغضب من تجرأها المعيب معه، بينما اضطربت اسماء وتراجعت للخلف، نظر لها بغضب بعكس ما بداخله وما شعر به، هتف بحدة متذبذبة:
- ماتلمي نفسك يا بت انتي ، انت ازاي جاتلك الجرأة تعملي كدة، أما انتي صحيح قليلة الرباية .
ابتلعت اسماء ريقها برهبة وتوجست منه ، بينما استطرد بغيظ:
- وازاي عيلة لسة في سنك تتكلم بالطريقة دي معايا ، انا لو كنت اتجوزت كنت خلفت قدك .
امتلأت الدموع في عينيها لتنظر له بحزن ، هندمت ملابسها وسترت نفسها، فتابع هو بجدية:
-أنا جاي علشان تسمعيني كويس في اللي هقولهولك، واياكي تغلطي غلطة واحدة ومتنفذيش.....!!
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
بعد أيام قليلة على مائدة الطعام التمت العائلة كعادتهم في قصر سلطان ، كان سلطان يتحدث مع عمار بشأن زواجه وأنه غير راضٍ بالمرة لتلك الزيجة العدائية وأن نتائجها ستصبح أسوأ ، انزعج عمار من تحكمات والده كونه تزوج منها ، تأفف من الداخل وهو يستمع لحديثه بأنها سوف تنتقم لوالدها وعليه أخذ الحذر منها ، اضطر عمار للإمتثال لرغبته فقط حتى يطمأنه من الموضوع وتمنى في نفسه ألا يفتحه مرة أخرى ، نظرت له والدته راوية بنظرات محببة ، قالت مؤكدة حديث والده :
- أبوك عنده حق يا عمار ، لازم تاخد بالك يا حبيبي ، حتى لو هي بتحبك ، ممكن اهلها يجبروها تنتقم ، وانت ابننا الوحيد في وسط اخواتك البنات اللي اتجوزوا ، عايزة افرحك بيك يا ابني واشوف عيالك ، بس مع مارية مش حاسة انها هتحقق اللي بحلم بيه ده .
كانت راوية تتحدث بحسرة وحزن ، تأملها عمار بنظرات كأنه تفهم ما يزمعون له ، كاد ان يتحدث ولكنه توقف ليتفاجىء بها تهبط الدرج وهي في كامل زينتها وجمالها الذي سحره ، هبطت مارية الدرج لتسير نحوهم بخيلاء ، تسلطت انظار الجميع عليها إلا سلطان ، حيث كانت قادمة من خلفه وهو جالس على مقعده ، توقف عن تناول الطعام ليتأهب لقدومها ، دنت مارية منهم لتقف بجانب عمار تريد معرفة أين ستجلس وهي تمرر انظارها عليهم ، تطلع عليها سلطان بنظرات مطولة ، نظرت له مارية بهدوء بعكس خوفها من تعابيره القاسية ، هتف سلطان بمغزى :
- سامحينا يا عروسة ابني ، اصل مكناش عاملين حسابك في وسطنا .
كتمت مارية انزعاجها ووجهت بصرها لعمار الذي ارتبك من الموقف ، نهض من مقعده ليقول بتردد لأحدى الخادمات :
- هاتي كرسي جمبي هنا بسرعة .
نظر لوالده وتابع باكتهاء:
- دا بعد اذنك يا حاج .
اومأ سلطان رأسه بخفة ليوافق على ما يفعله ، جاءت احدى الخادمات بالمقعد لتجلس عليه مارية وهي تشعر بالرهبة كونها في وسطهم ، كانت نظرات الجميع فقط هي من تتحدث ولم يقدر احد حتى على التفوه بكلمة فلسلطان الأمر والنهي ، بدأوا في تناول الطعام في صمت ، كان عمار يختلس لها النظرات وكانت مارية تتجاهله تمامًا فكبت انزعاجه منها وانتظر الأختلاء بها في غرفتهم ..
بعد وقت ليس بقليل انتهى الجميع من تناول الطعام لينهض سلطان بعدها ، هتف بنبرة قاسية :
- هاتيلي قهوتي فوق يا حاجة علشان هنام بدري .
نهضت راوية لتطيعه بحماس :
- تحت امرك يا حاج ، ثواني وتكون عندك .
ابتسم لها بلطف ثم استدار ليصعد للأعلى ، ما أن تركهم حتى هم الجميع بمغادرة مائدة الطعام ، حيث كان عليها اخويه فوزي وسالم وابناءه وزوجاتهم وابنة سلطان الصغرى منى وزوجها وابناءها لأنها تعيش بالقصر بعدما تزوجت من ابن عمها عيسى، لم يتبق سوى عمار ومارية على الطاولة والخدم من حولهم يلملمون الاطباق في صمت ، جاءت مارية تنهض من مقعدها فأمسك ساعدها ليوقفها ، وقفت مارية وهو ممسك بساعدها ونظرت له ببرود ، نهض عمار هو الآخر ليقول بجدية شديدة :
- لازم نتكلم دلوقتي .
هتفت بتأفف زائف وهي تقصي يده :
- أنا عاوزة اتمشى في الجنينة شوية ، بعدين نبقى نتكلم .
سيطر على انزعاجه ليهمس لها بامتعاض :
- تعالي معايا بالذوق بدل ما افرج الخدامين عليكي .
اندهشت مارية من نبرته الجديدة معها، رمقها عمار بنظرات قوية جعلتها تمتثل له، اومأت برأسها لتصعد معه للأعلى...
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
في غرفة نومهم جلست مارية على طرف الفراش تنتظر حديثه معها، لم يتحدث عمار بل شرع في تبديل ملابسه، شعرت بالخجل لرؤيته هكذا، خانتها عيناها لتنظر له وتتأمل هيئته فطالما حلمت به، بدأت مشاعرها تتحرك ناحيته، فقد فاق عليها حين اغراها هو كأنه يتعمد ذلك كما كانت تفعل معه، لم تتوقع أن للرجال سحر في جذب الفتيات إلا حين رأته هو، تركت مارية الموقف لقلبها يتطلع عليه بنظرات محبة وتناست ما حولها ليبقى هو أمامها، استشعر عمار نظراتها نحوه فهو يتعمد اظهار جسده الرياضي امامها ليستهويها، استدار نحوها ثم أمرها بنبرة جامدة من الخارج وهو يدنو منها:
-هتفضلي قاعدة كده؟!
شهقت مارية وهي تنظر له بارتباك واعين مهزوزة، اقترب عمار منها ليجعلها تنهض معه، نظر لها بنظرات لم تتفهمها ولكن انفاسه كانت ثقيلة للغاية وهو يتجول بأنظاره عليها، فطنت أنه لا مفر لها اليوم معه حين ظهرت الرغبة في نظراته، خشيت مارية اكماله للأمر معها فماذا ستقول لوالدتها؟!، كانت بيدها تمنعه من ملامستها بتذبذب حيث لم تستخدم قوتها في ذلك كأنها ترتضي تلك اللمسات منه، ابتسم عمار بمكر وادرك رغبتها الكامنة تجاهها، اغمضت عينيها حين حاوط خصرها ليضمها إليه، همس عمار بحب بالقرب من وجهها:
- بحبك قوي ، وانتي بتحبيني ومتحاوليش تخبي .
انصتت له ونظراتها زائغة وهي تتأمل وجهه الذي تعشقه فهو يقول الحقيقة، تناست مارية ما حولها لتلتف ذراعيها حول عنقه كبادرة منها للتجاوب معه، لم يتوانى الأخير في ضمها لصدره، بادلته الحب بطريقة ملأت الرغبة بداخله لتكسو هيئته شعرت مارية بشوق أنساها ما حولها وهو يأخذها برضاها، جزء كبير منها يريده والآخر ضعيف يريد ابعاده عنها ، استسلمت لقلبها وتجاوبت معه منغمسين في أحلامهما وتركت العنان لمشاعرها تستفيض على هيئتها العاشقة.......................!!