رواية فردوس الشياطين الفصل الثالث والاربعون 43 بقلم مريم غريب
الفصل ( 43 )
~¤ خبائث ! ¤~
أحضرت "عطيات" المشروب المخصوص للضيف ، وضعته فوق الصينية الفضية الأنيقة و سارت متجهة إلي الصالون ...
كان هناك شاب في مقتبل عمره ، أسمر البشرة ، صاحب بنية قوية و طول مناسب ، يرتدي أفخم الثياب العصرية المؤلفة من الچينز الغامق و قميص كحلي مفتوح الصدر ضيق يبرز عضلات كتفه و ذراعاه بشكل ملفت ، و تلك الساعة الثمينة بضخامتها تزين معصمه الأيسر و حذاؤه الكلاسيكي الأسود لامع بلا أربطة
قدمت له "عطيات" المشروب ، تناوله الأخير شاكرا إياها بإيماءة قصيرة ، إنصرفت "عطيات" ليأتي "سفيان" في إثرها مباشرةً ...
ولج إلي ضيفه راسما علي وجهه تعابير صارمة و لطيفة في آن ، مشي ناحيته هاتفا بصوته القوي :
-أهلا . أهلا بجوز بنتي .. منور يا عمرو !
يقوم "عمرو" فور رؤية والد زوجته التي لم يرها حتي الآن ، أنحني أمامه إجلالا و إحتراما و مد يده للمصافحه قائلا بنبرة مهذبة :
-سفيان باشا . متشكر أوي . إزي حضرتك ؟
سفيان و هو يطبق علي كفه بحزم واثق :
-أنا زي الفل الحمدلله . قولي إنت إيه أخبارك و معالي الوزير إزيه ؟
عمرو بإبتسامة : كلنا بخير الحمدلله . و بابا باعتلك معايا سلام مخصوص أوي و بيقولك إمتي هتشرفونا بقي ؟!
برزت نيته سريعا ، إبتسم "سفيان" بإلتواء مستقبلا نظرات "عمرو" الفضولية المرتقبة و قال :
-الموضوع لسا مافتش عليه كام يوم . و شكلك مستعجل أوي عمرو
أطرق "عمرو" قائلا بحرج :
-لأ يا باشا مش بالظبط و الله . أنا بس كنت حابب أتعرف علي ميرا . أنا لحد اللحظة دي ماعرفش شكلها حتي .. ثم نظر له بتردد و أكمل :
-لو هضايق حضرتك خلاص . هستأذن و كأني ماجتش
سفيان مبتسما بإستخفاف :
-تستأذن إيه بقي ! ما إنت جيت خلاص .. إتفضل أقعد يا عمرو ميرا زمانها نازلة
شد "عمرو" علي شفتيه منكسا رأسه ، تنحنح و هو يجلس مرة أخري و قد إجتنب التطلع إلي "سفيان" قدر إمكانه ، بينما جلس "سفيان" مقابله واضعا ساق فوق ساق ، أشعل غليونه الأنيق و هو يحثه بلطف :
-إشرب يا عمرو .. و أشار بذقنه نحو الكأس المعبأ بالشراب
إستجاب "عمرو" له ، ليقول "سفيان" بعد إرتشافه الرشفة الأولي :
-سمعت إنك في أخر سنة في الجامعة !
نظر "عمرو" له و رد بإبتسامة بسيطة :
-فعلا يا باشا أنا في AUC و إن شاء الله هتخرج السنة دي
سفيان بصوت هادئ :
-و يا تري هتتخصص في إيه بعد التخرج ؟
عمرو بجدية : أنا بدرس إدارة أعمال . و حاليا بضارب في البورصة علي أدي يعني بس ناوي أفتح شركة صغيرة بعد التخرج
سفيان بإعجاب : براڤو . أنا بحب أوي الشباب العصامي إللي بيبني نفسه بنفسه زيك . براڤو يا عمرو إنت مستقبلك مبشر
عمرو و هو يضع يده فوق صدره :
-دي شهادة أعتز بيها يا باشا . متشكر .. ثم سأله بإهتمام :
-بالمناسبة يا تري ميرا ناوية تدخل إيه بعد ما تخلص مدرسة ؟
نفث "سفيان" الدخان عاليا و أجابه متمهلا :
-ميرا مش هتدخل حاجة . أنا بجهزها عشان تمسك شغلي كله . مش هتحتاج إلا تدريب و خبرة . و أنا مخطط لكل ده
عمرو بدهشة : بس لازم يكون معاها مؤهل بردو . و بعدين دي لسا صغيرة . معقول هتقدر تمسك شغل حضرتك ؟!
سفيان بثقة : هتقدر . دي بنت سفيان الداغر يا عمرو . بكره تشوف بعنيك
و هنا سمعا الإثنان صوت لخطوات تقترب من الصالون ، وجها نظراتهم صوب المصدر ، في نفس اللحظة ظهرت "ميرا" و هي تسير متمايلة برشاقة ، كانت تتجه إليهم لكنها ظلت مسبلة عيناها و قد طبع الغموض كل تصرفاتها
لم تتطلع لأي منهم ، في حين كان "عمرو" يقيسها من أعلي لأسفل ، شملها بنظرات متفحصة و هو يحاول السيطرة علي هدوئه .. فقد تخطت جميع توقعاته ، تخيل أنها مجرد فتاة صغيرة علي مشارف السابعة عشر ، لكنه تفاجأ بها تماما ، صحيح أن شكلها يبدو فتيا مائلا إلي الطفولية ، إلا إنها مفعمة بالأنوثة ، تكوين جسمها المبرعم يثير الغرائز و يلهب الخيال
لم يعد "عمرو" جالسا علي بعضه ، أصابه التململ ، بينما تصل "ميرا" في هذا الوقت أمام والدها ، كانت لا تزال متحاشية النظر إلي الشاب الذي يدعي زوجها
رفعت ناظريها لملاقاة عيني أبيها الحادتين ، و خرج صوتها ناعما كمعزوفة هادئة :
-دادي !
إبتسم "سفيان" و هو يقوم من مكانه :
-و أدي الـPrincess بتاعتي وصلت . أهي دي ميرا يا عمرو .. و طوق خصرها بذراعه ناظرا إليه
إرتبك "عمرو" قليلا و قام بدوره و هو يقول بصوت أجش :
-هاي يا ميرا . أنا عمرو ! .. و إقترب مادا يده لها بالمصافحة
و هنا لم تجد "ميرا" مفرا من المواجهة ، رفعت يدها و أزاحت خصلة متهدلة علي عينها ، ثم وجهت بصرها إليه ..
لوهلة إتسع بؤبؤيها الزرقاوين بصدمة ، فلم تتوقع أن يختار لها والدها شخصا كهذا .. حقا صدق حين قال أنه شابا وسيما ، لكنها لا تعرف لماذا هي لا تشعر بالراحة التامة إزائه ...
-هاي عمرو ! .. قالتها "ميرا" بنبرة خافتة و هي تودع كفها الصغير في راحته الكبيرة الغليظة
إقشعرت قليلا من لمسته و إطباقته الحازمة علي يدها ، أفلتها "عمرو" تدريجيا و هو يقول مزدردا لعابه بتوتر :
-you're charming girl ! ( إنتي ساحرة )
إحمـَّر وجهها خجلا و هي ترد :
-Thanks , you're so kind !
و ران الصمت للحظات و هو لا ينفك عن التفرس بها ، ليقول "سفيان" مظهرا بعض اللطف :
-أوك يا شباب . أنا مضطر أسيبكوا دلوقتي . معاد الدوا بتاع يارا مراتي قرب و لازم أديهولها بنفسي . عن إذنكوا !
عمرو / ميرا : إتفضل
ذهب "سفيان" ، لينفردا الزوجين الغريبين أخيرا ..
-مش عايزة تقعدي ؟ .. قالها "عمرو" بتساؤل عندما لم يري تغيرا علي حالة "ميرا"
تطلعت إليه قائلة بتوتر طفيف :
-لأ هقعد . Sure ! .. و تراجعت لتجلس في مكان أبيها
قبض "عمرو" علي رسغها فجأة و هو يقول :
-لأ تعالي أقعدي جمبي . عشان نعرف نتكلم
أومأت "ميرا" موافقة ، فتركها مبتسما و تنحي قليلا لتمر من أمامه ، جلست علي طرف الآريكة في وضعية شبه متخشبة ، لحق بها "عمرو" و جلس علي مقربة شديدة منها ...
-هو إنتي متجنباني أوي كده ليه ! .. قالها "عمرو" بصوت هامس ، لتنظر له "ميرا" مستوضحة :
-إيه ؟!
عمرو بإبتسامته الجذابة :
-إنتي عارفة إنك مراتي ؟
إبتلعت ريقها بصعوبة و قالت :
-yeah !
عمرو بنعومة : طيب أومال إيه بقي ؟ ليه واخدة جمب كده و من أولها حاسس إنك بتصديني ! ده أنا جاي إنهاردة مخصوص عشان أشوفك و أتعرف عليكي . ما إحنا قريب هنعيش سوا تحت سقف واحد أول ما سفيان باشا يأذن بس هاخدك من هنا علي بيتي علطول
عبست "ميرا" قائلة بتبرم حاد :
-مين قالك إني هاسيب بيت دادي ؟ noway طبعا . دادي ماقليش كده و لو كان قال أنا ماكنتش هوافق عليك
تلاشت إبتسامته التحببية في هذه اللحظة كما لو أنها نور و أنطفأ ، أجفلت "ميرا" بشئ من القلق ، ليمد الأخير يده ممسكا بفكها ، إعتصره قليلا و هو يقول بنبرة محتدة :
-لأ إسمعيني كويس يا ميرا . إنتي يمكن ماتعرفنيش . بس أحب أفهمك حاجة في البداية كده .. إللي فات من عمرك كله كوم . و إللي جاي معايا كوم تاني . إنتي بقيتي مراتي . حطي ده في دماغك . و مراتي لازم تسمع كلامي في كل حاجة و ماتردليش كلمة . بنت سفيان الداغر علي عيني و راسي . هعاملك أحسن معاملة و هتعيشي معايا معززة مكرمة . لكن لو حسيت في يوم بس إنك ممكن تحاولي تستغلي باباكي و تتخطيني في نقطة تخصنا . صدقيني مش هيهمني ساعتها لا إنتي و لا باباكي و علي فكرة أنا ممكن أقوله الكلام ده قدامك لو تحبي عشان نبقي علي نور من أولها كده
كانت من داخلها ترتجف ، لكن صوت والدها الذي راح يتردد في أذنيها جعلها تبدو كالجبل أمامه ، شامخة لا تهتز " إوعي تتهزي أو تخافي مهما حصل . إنتي صغيرة أه بس إنتي بنتي . فاهمة يعني إيه يا ميرا ! " ...
-و أنا عشان مراتك متخيل إنك هتمسح شخصيتي ؟ .. قالتها "ميرا" بغلظة و هي تنتزع أصابعه القابضة علي فكها ، و تابعت :
-أنا عشت في الـEstates ( الولايات المتحدة ) طول عمري و إتعلمت إزاي أبقي حرة . و ماتنساش أني مواطنة أمريكية أصلا
عمرو بصرامة : أنا عارف عنك كل حاجة . و عارف إن معاكي جنسية أميركا . بس أنا كمان خريج جامعة أمريكية و سافرت كتير لفيت أوروبا كلها مش بس الـEstates . لكن هفضل عمرو عز الدين غالي . راجل مصري و شرقي و من منظوري الحرية إللي بتتكلمي عنها دي ليها حدود
رمقته "ميرا" بنظرات محتقنة و قالت :
- و إنت شايفني إيه قدامك يعني ؟ إنت مش عارف أنا بنت مين و لا إيه ؟؟!!
عمرو : عارف . عشان كده وافقت أتجوزك منغير ما أشوفك و لا أعرفك .. باباكي سمعته كويسة و أكيد إنتي تربيته يعني زيه
إبتسمت "ميرا" بإلتواء و قالت بنبرة ذات مغزي :
-أنا لحد الوقت إللي فات كنت نفسي و بس . لكن إطمن .. دم سفيان الداغر بيجري في عروقي . أنا مش زيه يا عمرو . أنا الـCopy بتاعته . و أكيد هتشوف بنفسك !
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
كان الجناح هادئ .. عندما ولج "سفيان" راسما علي ثغره إبتسامته الخبيثة ، لم يري زوجته في الفراش ، فسار مفتشا عنها حتي وجدها مستلقية علي الكرسي الهزاز أمام باب الشرفة المفتوح علي مصراعيه
إزدادت إبتسامته إتساعا و إستدار متجها نحو الكومود المحاذي لها عند السرير ، كانت أدويتها هناك ، أخذ دواء معين ثم ذهب إليها ...
صحيح أنها كانت غافية ، لكنها أصبحت تعرفه جيدا و قد حفظت كل تحركاته مهما كانت خفيفة ، كانت تشعر به منذ البداية ، إلي أن إقترب منها و أصبح بإمكانه سماع نبرتها الخفيضة
قالت بسخرية و عيناها مغمضتين :
-إيه رأيك ! يا تري مثلت كويس ؟
إنحني "سفيان" جالسا بجوارها في وضع القرفصاء ، أمسك بظاهر الكرسي و باشر في هزه و هو يقول بإسلوبه الماكر :
-كنتي هايلة . خصوصا في كلمة يا حبيبي .. يآاااه . ده أنا قشعرت و كنت هصدقك
فتحت "يارا" عيناها في هذه اللحظة ، أدارت رأسها نحوه و نظرت له بقوة قائلة :
-هتنفذ وعدك ليا إمتي ؟
سفيان بدهشة مصطنعة :
-هو إحنا لسا خلصنا يا حبيبتي ؟ أنا مش قولتلك دي كلمة شرف ؟ ماتقلقيش أول ما يحصل إللي أنا عايزه هنفذلك كل إللي إتفقنا عليه
يارا و قد إمتقع وجهها آلما :
-أنا مش طايقة أقعد علي ذمتك دقيقة واحدة . خلصني بقـي
إبتسم "سفيان" قائلا بسخرية :
-إطمني . قريب أوي هتخلصي .. ثم أدار الكرسي صوبه و أردف و هو يلوح لها بزجاجة الدواء :
-و دلوقتي يلا عشان معاد الدوا . هتاخديه من إيدي إنهاردة !
..................................................................................
إنفتحت بوابة الڤيلا إلكترونيا بعد أن أطلق "سامح" زمورا من سيارته ...
كانت "وفاء" تجلس بجواره مسترخية ، سعيدة بعلاقتهم التي إستحالت من الظلمات إلي النور ، نظرت له بحب و مدت يدها لتمسك بيده الحرة
نظر "سامح" لها و قال بإبتسامة :
-مبسوطة يا حبيبتي ؟
وفاء بسعادة : محدش أدي يا سامح . أنا طايرة .. أخيرا أقدر أقولهالك و أقولها قدام أي حد
سامح : هي إيه دي يا فوفينا ؟
وفاء بهيام : بــحبـك . بـحبـك يا سامح
ضحك "سامح" و رفع يدها إلي فمه ليقبلها ...
دقيقة بالضبط ، و كان "سامح" يصطف سيارته وسط باحة الڤيلا .. ترجلت "وفاء" أولا ، و إنتظرته حتي أقفل السيارة و لحقها ، سارا معا بإتجاه باب المنزل ، دقت "وفاء" الجرس ، لتفتح الخادمة بعد لحظات ، ألقت عليهم التحية لتعاجلها "وفاء" :
-سفيان بيه فين ؟
الخادمة : البيه فوق مع الست يارا . تؤمري بحاجة يا هانم !
وفاء : أه يا ريت تعملوا حساب سامح بيه الليلة معانا علي العشا
الخادمة : حاجة تانية ؟
كادت "وفاء" ترد ، ليقاطعها "سامح" مستغربا :
-مين ده إللي قاعد هناك مع ميرا ؟!
نظرت "وفاء" له لتجده يصوب عيناه جهة الصالون ، نظرت حيث ينظر و هي تسأل الخادمة :
-إحنا عندنا ضيوف و لا إيه شربات ؟
الخادمة : أيوه يا هانم ده ضيف سفيان بيه سابه مع الأنسة ميرا لما طلع للست يارا
إزدادت حيرة "سامح" فقال و هو يترك يد "وفاء" بحركة لبقة :
-وفاء عن إذنك . هاروح أشوف مين ده !
وفاء بهدوء : أوك يا حبيبي . و أنا هطلع أغير هدومي و رجعالك
أومأ "سامح" مرة واحدة ، ثم إتجه إلي الصالون و عيناه ما زالتا معلقتان علي الضيف غير المألوف له ...
كانت "ميرا" تجلس في الواجهة ، فور أن رأته تحفزت و إستطاع مشاهدة ذلك بنفسه ، بالإضافة إلي ذاك البريق المتأهب الغامض الذي لمحه بعينيها
تغضن جبينه بعبسة متململة ، إنتبه "عمرو" لإقباله عليهم فوقف مستعدا له ...
-هاي سامح ! .. قالتها "ميرا" بصوتها الرقيق
سامح رافعا حاجبه :
-هاي ! .. و نظر إلي "عمرو" ثم لها بإستفهام
قامت "ميرا" و إقتربت من الرجلين قائلة بإبتسامة ملائكية :
-عمرو . أقدملك سامح .. صاحب دادي و خطيب أنطي وفاء
عمرو بإبتسامة ودية :
-أهلا يافندم . تشرفنا .. و مد يده للمصافحة
سامح و هو يصافحه ببرود :
-أهلا .. و من جديد نظر نحو "ميرا" بإستفهام
كانت مستمتعة بشكله ، و متلهفة لرؤية الصدمة في عيناه ، لا تعرف أكان ما تنتوي عليه خطأ أم صواب ؟ هل ستخرب مخططات والدها التي لا تعرف عنها شيئا ؟ .. لا تعرف نتيجة ما إهتدي إلي تفكيرها الشيطاني
فقط أصاخت السمع في تلك اللحظات إلي صوت فكرتها الملحة ، أرادت تلبية نداءات الخبث و الخبائث التي هي منهم الآن و من قبلها أبيها ...
إبتسمت إبتسامة كبيرة و هي تعلن بشماتة ساحقة :
-سامح أقدملك عمرو عز الدين غالي ... جـ ........ !!!!!!!!!!!
يتبـــــع .
