رواية فردوس الشياطين الفصل الحادي والاربعون 41 بقلم مريم غريب
الفصل ( 41 )
~¤ خذلان ! ¤~
قام "يوسف" بتوصيل "ميرا" بعد أن فرغا من تناول وجبة الغداء ، لم ينبس معها ببنت شفة طيلة الطريق و قد إتخذ وجهه قناع الجمود ، بينما كانت "ميرا" في حالة من السكون التام
كانت هادئة علي غير المتوقع ، لعلها كانت تدرك ردة فعله مسبقا و هذا ما جعلها تستقبل جفاؤه ببساطة ، كأنه شيء عادي بعد الكلام الذي ألقته علي مسامعه .. فهل كانت تتوقع حاله أفضل من والدها ؟ لقد أثبت لها "يوسف" أن الرجال الشرقيون جميعهم علي نفس الشاكلة ، ما من أحد منهم يقبل سلعة فرز ثاني ، يجب أن يكون لهم اليد الأولي دائما بصرف النظر عن بقية الحيثيات ...
أوقف "يوسف" سيارته بمنتصف باحة الڤيلا ، و لأول مرة لم ينزل ليفتح لها الباب ، إنما قال بدون أن ينظر نحوها :
-إتفضلي إنزلي
و هنا تخلت "ميرا" عن صمتها هي الأخري ، فنظرت له و قالت بلهجة طبيعية جدا :
-مش هتنزل معايا شوية ؟
يوسف عابسا : لأ معلش مش هقدر المرة دي . لازم أروح دلوقتي بابا إتصل بيا كتير
أومأت "ميرا" قائلة :
-أوك as you like
باي .. و ترجلت و قد عمدت لأول مرة بدورها علي عدم تقبيله أو إحتضانه علي سبيل الوداع
مشي "يوسف" فورا و لم تنظر "ميرا" خلفها أبدا ، بل أكملت سيرها الهادئ حتي بلغت المدخل ، دقت جرس الباب ، فتحت لها "عطيات" مستقبلة إياها ببشاشتها المعهودة ، بادلتها "ميرا" بفتور ثم إتخذت طريق السلم
و ما كادت تضع قدمها علي أول درجة حتي إستوقفها صوت أبيها المباغت ...
-مـيرا !
إلتفتت "ميرا" نحوه :
-دادي ! .. في حاجة ؟
طالعها "سفيان" بنظرات غامضة و قال :
-أومال فين يوسف ؟ مش كنتي معاه مادخلش معاكي ليه ؟
هزت "ميرا" رأسها و هي تقول بعدم إكتراث :
-قولتله بس قالي باباه عاوزه !
برقت عيناها الآن و قد فاجأتها موجة آسي غير طبيعية ..
-إنتي كويسة يا ميرا ؟ .. تساءل "سفيان" بهدوء غريب
نظرت له و هي تضغط علي شفتيها بقوة مجاهدة دموعا تهدد بالهطول بأي لحظة ...
-دادي ! .. تمتمت بصوت مختنق
نظر لها بترقب و هو ما زال محتفظا بهدوئه ، أو بروده ..
و هنا خذلتها دموعها فجأة ، فوجدت نفسها تنطلق كالسهم بإتجاه أبيها ، إصطدمت رأسها بصدره و لفت ذراعيها حول خصره العريض و هي تنشج بمرارة حارقة :
-أنا مش عايزة يوسف . أنا مش عايزة أكمل معاه . بلييييز كلمه و قوله ميرا مش عايزة تشوفك تاني خلاص . قوله مايكلمنيش أبدا . بليييز دادي خليه يبعد عني
لم يتغير "سفيان" قيد شعرة ، بقي ساكنا كما هو و إنتظرها حتي هدأت تماما و خبا نحيبها ، بينما خشت "ميرا" أن تتحرك أو أن تتقابل نظراتها مع والدها فظلت علي وضعها و دموعها تسيل علي خديها في صمت وجل ...
-تعالي يا ميرا . تعالي عايز أتكلم معاكي شوية .. قالها "سفيان" و هو يبتعد عنها متجها صوب غرفة مكتبه
وقفت مكانها للحظات و هي تشعر بالتوتر ، لا تعرف علي ماذا يلوي .. بعد أن أبدي ردة فعل متساهلة إزاء كلامها ، إزدردت لعابها و مضت في إثره بخطوات آلية ...
كان يجلس علي الآريكة الجلدية و أمامه علي الطاولة بضعة أوراق و ملفات ، كان ممسكا بورقة معينة و تبينت أنه يراجعها بناظريه
-تعالي و إقفلي الباب وراكي ! .. دمدم "سفيان" بدون أن ينظر إليها
إنصاعت "ميرا" له و أقفلت الباب ، ثم توجهت نحوه عابسة بغرابة ، تطلع "سفيان" إليها بعد برهة و قال بأمر :
-أقعدي
جلست "ميرا" قائلة بصوت متحشرج :
-دادي إنت مش عايز تسألني إيه إللي حصل ؟!
سفيان و قد تعمد تجاهل سؤالها :
-أنا عايزك تسمعي الكلام إللي هقوله دلوقتي و تركزي كويس عشان هتنفذيه بالحرف . فهماني ؟
أومأت "ميرا" رأسها و هي تحدق في عينيه بتركيز ، ليكمل و هو يشعل لنفسه سيجارا :
-أول حاجة إقلعيلي الدبلة إللي في إيدك دي .. و أشار بذقنه نحو خاتم الماس الذي يزين إصبعها
أجفلت "ميرا" قائلة و هي تتلمس الخاتم بعفوية :
-أقلعه ! ليه ؟
سفيان بحدة : إنتي مش لسا قايلة مش عايزة خطيبك ؟
ميرا بإرتباك : أيوه قلت . بس .. إنت مش هتسألني ليه الأول ؟
نفث "سفيان" دخان السيجار و قال بصرامة :
-أنا مش محتاج أسأل . كل حاجة بتوضح قدامي لوحدها .. يلا إقلعي الدبلة دي من إيدك و تبقي تنزليلي الشبكة لما تطلعي
آثار ريبتها بكلماته المبهمة ، لكنها غضت الطرف عن هذا مقنعة نفسها بترهات أخري ، إعترتها رجفة خفيفة و هي تخفض رأسها لتنزع الخاتم بهدوء ، أمسكته بين إصبعيها و ناولته لأبيها دون أن تنظر إليه ..
أخذ "سفيان" الخاتم و وضعه جانبا فوق الطاولة ، ثم دفع لإبنته بورقة و هو يقول بصوت قوي :
-عايزك توقعيلي علي الورقة دي بقي !
نظرت إليه أولا ثم للورقة التي دفعها لها و قالت :
-إيه الورقة دي ؟
سفيان بجدية : ده عقد جوازك . مش عايز مخلوق يعرف عنه حاجة . نهائي لحد يجي الوقت المناسب
فغرت "ميرا" فاهها و هي تقول بذهول :
-عـ عقد جوازي ! إزاي ؟ و من مين ؟
تنفس "سفيان" بعمق و نظر أمامه بشرود ، ثم بدأ يقص لها ...
Flash back ...
بعد أن ترك زوجته لتفكر بحرية في العرض الذي قدمه لها ، تلقي إتصالا مهم كان ينتظره منذ الصبيحة
أخذ هاتفهه و توجه نحو أحد الغرف البعيدة ، أغلق الباب جيدا ثم رد بلهجة ودية هادئة :
-باشا . مساء الفل .. إتأخرت عليا و الله . لأ و أنا ماستغناش . حضرتك قريب ؟ علي الباب ؟ . لأ أنا نازلك حالا .. و أغلق الخط منطلقا للأسفل
أعطي أوامره لجميع للخدم ، فتهيأوا فورا لإستقبال الضيف المنتظر ، لحظات و ظهر ذلك الرجل المهيب عند المدخل ، سار بين حرسه بوقار فأمرهم بالإنتظار في الخارج و ولج هو ماضيا صوب "سفيان" بخطوات واسعة ثابتة ...
-أهلا أهلا يا مـعالي الـباشا . خطوة عزيزة و الله . البيت نـوور ! .. هكذا راح "سفيان" يرحب بضيفه بإفراط كبير
الضيف بإبتسامة واسعة :
-منور بيك يا سفيان بيه
سفيان و هو يصافحه بحرارة :
-عز الدين باشا بنفسه إتكرم و شرفني في بيتي . زيارة غالية أووي يا معالي الوزير
عز الدين مازحا : يا راجل مش أوي كده . ده أنا إللي أتمني زيارة منك الصراحة هو في زيك في البلد
سفيان بإبتسامة مغترة :
-ده بس من ذوقك يا باشا . إتفضل حضرتك .. و بسط ساعده مشيرا نحو غرفة المكتب
تقدمه "عز الدين" متبخترا في مشيته ، فتح "سفيان" باب المكتب و دعاه للدخول ثم دخل بعده و أغلق الباب عليهما ...
-خير يا سفيان ! يا تري إيه الموضع الضروري إللي كنت عاوزني فيه ؟ .. قالها "عز الدين" بتساؤل عندما إستقر في كرسي مقابل مضيفه
إبتسم "سفيان" و أجاب و هو يضع ساق فوق ساق :
-كل خير معاليك . طبعا إنت تسمع عن المثل إللي بيقول أخطب لبنتك و ماتخطبش لإبنك
عبس "عز الدين" قائلا :
-طبعا . أسمع عنه
سفيان : طيب أنا هاجيلك سكة و دوغري عشان ما أطولش عليك
عز الدين : يا ريت إنت عارفني مابحبش الألغاز .. و ضحك
سفيان بإبتسامة متكلفة :
-لأ أطمن مافيش ألغاز و لا حاجة
و في هذه اللحظة طرق الباب لتدخل الخادمة حاملة فنجانين من القهوة ، أمرها "سفيان" بالتقديم للضيف أولا ثم له ، إنصرفت سريعا ، بينما هم "عز الدين" بإرتشاف القليل حين باغته "سفيان" :
-عز الدين باشا . أنا بعد تفكير طويل مالاقتش أنسب من حضرتك أتباهي بشرف بنسبه . و سبب طلبي ليك إنهاردة هو رغبتي في جواز بنتي من إبنك
توقف "عز الدين" عن شرب القهوة و قد جحظت عيناه و هو يسعل بحدة ، إنتظر "سفيان" بهدوئه المعتاد حتي عاد الأخير كما السابق ، لكنه لم يكن هكذا تماما
حدق "عز الدين" فيه و خو يقول بعدم تصديق :
-معلش يا سفيان عيد إللي قولته تاني !
تنهد "سفيان" و كرر بفتور :
-قلت عايز إبنك لبنتي يا باشا . أنا سألت و عرفت أنه مش مرتبط و كمان في أخر سنة في الجامعة يعني ممكن الجواز يتم في أي وقت عادي . ها . موافق ؟
عز الدين بشئ من الإرتباك :
-يا راجل و مين في مصر يرفض نسبك هو أنا أطول ؟ بس مش بنتك مخطوبة ؟ ده إنت كنت عازمني علي خطوبتها من فترة !
سفيان بلهجة جامدة :
-سابت خطيبها . و دلوقتي أنا بعرض عليك .. موافـق تاخدها لإبنك ؟
عز الدين بجدية : موافق طبعا .. و تابع مضيقا عيناه :
-بس أحب أفهم . في حاجة من ورا رغبتك دي ؟!
مط "سفيان" شفتاه و قال :
-بصراحة في . بس ماتشغلش بالك دي أمور تخصني لوحدي و بنتي برا المواضيع كلها . كل إللي أنا عايزه بس إنها تبقي في قفا راجل لأني مش ضامن إيه إللي ممكن يخصل الفترة الجاية و إنت عارف إنها مالهاش غيري لا عم و لا خال يعني في لحظة ممكن تبقي بطولها و هي لسا حتة بت ماكملتش 18 سنة
عز الدين بريية : يا سفيان لو في حاجة . لو عندك مشكلة قولي .. ممكن أساعدك !
سفيان بإبتسامة : ماتقلقش عليا يا باشا . أنا بعرف أسلك نفسي كويس . بس بردو بنتي عندي في المقام الأول و أحب أكون مطمن عليها .. و أكمل بخبث ملوحا له بالإغراءات :
-أومال . دي وريثتي الوحيدة و أنا كاتبلها كل أملك علي حياة عيني .. ماعنديش أغلي من ميرا معاليك دي حياتي كلها
إتسعت حدقتا الأخير عندما ذكر "سفيان" أملاكه و أصوله ، إزدرد لعابه و هو يتخيل كل هذه الأشياء تنضم و تقترن بإسم عائلته ، فهو مهما بلغ مناصب هامة بالدولة سيؤول مصيره موظف حكومي متقاعد ، إنما ثروة "سفيان الداغر" في يد إبنته ، و لا ضير أن يحصل عليها بإنتقالها ليد إبنه ...
-إطمن يا سفيان .. قالها "عز الدين" بثقة و لمعة جشع تشع في عيناه
-بينك في عنيا من غير أي حاجة و الله
سفيان بإبتسامة باهتة :
-ده العشم !
Back ...
ميرا بصدمة : بس إزاي هتجوز واحد عمري ما شوفته ؟ و ليه إنت عملت كل ده ؟؟؟؟
نظر "سفيان" لها محتفظا بغموضه ، فهو لم يقص لها الأمور تفصيليا ، قال بحزم :
-الولد شاب و وسيم إطمني . و فوق كل ده متعلم كويس و أبوه راجل مهم في البلد يعني مش هرميكي في حتة و السلام
هزت رأسها و هي تقول بحيرة :
-طيب فهمني بليز . ليه ؟
سفيان ببرود : منغير ليه . إنتي تسمعي كلامي من سكات أنا مش هضرك . و عموما أنا إشترط عليه حاجات كتير من ضمنهم إن إبنه يسيبك براحتك لحد ما تاخدي عليه و هما حاطين في إعتبارهم إنك لسا صغيرة . إطمني أنا مرتبلك كل حاجة
تنهدت "ميرا" بيأس و قالت :
-طيب عقد الجواز ده مظبوط و لا إيه ؟
سفيان : طبعا مظبوط . ده علي إيد مأذون و إتنين شهود كمان . مش فاضل غير إمضتك .. ثم ناولها قلم و قال آمرا :
-وقعي يلا
نظرت له بتردد ، لكنها أخذت القلم بالنهاية و خطت إمضتها علي الورقة بتمهل ..
-تمام ! .. تمتم "سفيان" و هو يسحب الورقة من تحت يدها
جمع بضعة أوراق أخري في ملف و أعطاه لأبنته مستطردا :
-الورق ده نسخ لأصول أنا حطتهم في خزنة البنك . تخليه معاكي هو و قسيمة جوازك . و في الوقت المناسب تطلعيه
إبتلعت ريقها بصعوبة و قالت بتوجس :
-إنت بتعمل كل ده ليه ؟ علي فكرة إنت بترعبني !
سفيان بتحذير قوي :
-إوعي . إوعي تتهزي أو تخافي من أي حاجة مهما حصل . إنتي صغيرة أه بس إنتي بنتي . فاهمة يعني إيه يا ميرا ؟!
نظرت له بتردد و قد فهمت تلميحاته ، كانت تفهمه منذ البداية ، لكنها كانت تكذب نفسها ، إنما أصبحت متأكدة الآن ، لولا أن هناك جزء مبهم في الأمر ، لم يوضح لها أغلب الأشياء ، أو بالأحري لم يمنحها ردا شافيا علي تساؤلاتها ، فهل يعلم شيئا أم ماذا ؟؟؟؟؟
-بس أنا مش فاهمة حاجة ! .. تمتمت "ميرا" و هي ترمقه بآسي
-إنت مش عايز تقولي إيه سبب كل ده !!!
إبتسم "سفيان" و رد بخبث غامض :
-ماتقلقيش . بكره هتفهمي كل حاجة و هتشوفي بعنيكي كمان .. المهم تكوني مستعدة .. و أضاف متنهدا :
-لما تطلعي أوضتك هتلاقي Message من عمرو آ ا ..
-مين عمرو !! .. قاطعته "ميرا" بإستفهام ، ليجيبها "سفيان" مبتسما :
-ده جوزك يا حبيبتي . كلميه و إتعرفي عليه براحتك و قريب أوي هتتقابلوا Face to Face ( وجها لوجه ) .. عايزك تكوني لطيفة معاه يا ميرا سمعاني ؟!
رمقته بنظرات ذاهلة ، لكنها أومأت موافقة فأضاف بإستحسان :
-براڤو عليكي . أيوه إسمعي كلامي كده و إنتي هتبقي كويسة . هتبقي كويسة أوي ......... !!!!!!!!!
يتبــــع
