رواية شارع الحبايب الفصل الثاني 2 بقلم هند سعد الدين
— مسك! الغدا هيبرد!
صوت ماما جاي من المطبخ..
نفس الصوت اللي كان من شوية في الشارع بيهمس ليوسف.
نزلت لها.
كانت واقفة قدام البوتاجاز، شعرها مربوط، لابسة مريلة مطبخ مشجرة، بتقلب في حلة محشي.
بصتلها شوية.
حاولت أشوف ليلى اللي في الدفتر جوه ملامحها.
— ماما..؟
— نعم؟
— هو إنتي عمرك حبّيتي حد غير بابا؟
المعلقة وقفت في الهوا نص ثانية.
بس نص ثانية بس.
— الأسئلة دي بتيجي لك منين؟
— من الكراكيب.
ابتسمت ابتسامة صغيرة، مش واضحة إذا كانت هزار ولا تحذير.
— خلصي السلطة يا مسك.. وبلاش تعيشي في حواديت قديمة قوي.
حواديت قديمة؟
ولا حقيقة متخبّية؟
بالليل.
أنا في أوضتي.
نور الأباجورة أصفر وهادي.
فتحت الدفتر تاني.
“اللقا نصيب.”
وتحتها بخط أهدى:
مكوناش عارفين إن النصيب ساعات بييجي عشان يختبرنا.. مش عشان يفضل.
كملت قراية.
يوسف بص حواليه كأنه بيودّع الشارع قبل ما يودعني.
— لو مشيتِ دلوقتي....
— مش همسك فيك يا يوسف، محدش بيمسك في حاجة مش عايزة تحارب عشانه.
— متحسسنيش بالضعف،..
ـــ مش بحسسك، كل واحد اختار حاجة سواء إنت بإرادتك ولا أنا بالضغط..
ـــ طيب قولي لي هتعملي إيه؟
— هكمل اللي اتكتب لي.
ابتسم ابتسامة وجع.
مش اعتراض.. قبول.
صوت باب معدن اتقفل بعيد.
حد خرج من المصنع.
الوقت خلص.
يوسف قال بهدوء:
— أنا مش هطلب منك تختاريني.
— كويس.
— بس لو في يوم حسيتي إنك واقفة في نص الطريق.. افتكري إن فيه شارع كان شاهد على ولادة قصتنا.
بلعت ريقي.
— — في ناس بتختار، وفي ناس بيتكتب لها اختياراتها من قبل ما تكبر.
رجعت خطوة لورا.
هو ما قربش.
المسافة فضلت مترين.
بس المرة دي المترين كانوا أوسع من شارع كامل.
مشيت.
وما بصّتش ورايا.
قفلت الصفحة.
قلبي بيدق كأني أنا اللي سيبته واقف هناك.
ليه ماما بتكتب عن نفسها بصيغة الغايب؟
“ليلى مخطوبة…”
“ليلى وقفت..”
كأنها بتحكي عن واحدة تانية.
ولا يمكن..
اللي بتكتب مش هي؟
بصيت لباب أوضتي.
ماما نايمة.
البيت هادي..
حسيت لأول مرة إن الشارع ده لسه ماما واقفة عنده، حسيت إن فيه جزء منها لسه واقف هناك.
عند نفس المترين.
مستني حد يقول لها “ارجعي”.
وقررت..
بكرة هسألها عن سنة 1974.
مش عشان أعرف حكاية حب.
عشان أعرف..
إيه الوهم اللي اتبنى هناك ولسه عايش معانا لحد دلوقتي.
قومت اشرب ماية.
عدّيت من قدام أوضة ماما.
الباب موارب.
ماما مش نايمة.
قاعدة على طرف السرير.
فاتحة درج قديم.
في إيدها صورة.
مش بتعيط.
بس باصة للصورة كأنها بتراجع قرار قديم.
مسك تستخبى.
تسمع همسة بالكاد:
— كان لازم أختار الصح.. صح؟
رجعت أوضتي وجوايا مليون سؤال بس النوم غلبني..
صحيت متأخرة.
الشمس داخلة بعرض الأوضة، كأنها مش مهتمة بسر سنة 1974 ولا بالصورة اللي في درج ماما.
بصيت في المراية.
أنا مش ليلى.
ولا نسخة منها.
ولا ظلها.
أنا مسك.
بنت عندها 21 سنة.
بتعرف تختار.
وما بتخافش من الأسئلة.
لبست جينز واسع، قميص أبيض، شعري مرفوع بنص كعكة سريعة.
حطيت الدفتر في الشنطة.
مش عشان أفضح حد.
عشان أفهم.
الجامعة دايمًا بتفصلني عن البيت.
ضحك صحابي، صوت الكافيتريا، زحمة المدرجات..
الحياة هنا واضحة.
مباشرة.
اللي عايز حاجة بيقولها.
قعدت أنا وسارة على الترابيزة المعتادة.
— مالك سرحانة في إيه؟
— في ماما، حاسة إني بكتشف من جديد، بشكل تاني.. فهماني؟
سابت ساندوتش الجبنة المقلية وبصت لي ببلاهه..
ـــ لأ، بس الجبنة النهاردة حوار..
ـــ أقصد إني عاوزة أعرف الإنسانة اللي كانت قبل ما تبقى أمي.
سارة ضحكت.
— كل الأمهات كانوا بني آدمين قبل ما يخلفونا، بس إحنا بنفترض إنهم نزلوا كبار.
هزيت راسي.
— لو عرفتي إن أمك كان قدامها اختيارين… واختارت اللي يرضي الكل، هتحسي بإيه؟
سارة قطمت من السندوتش بهدوء.
— لو كانت اختارت نفسها كانت هتبقى شخص تاني، يمكن ماكونتش هتبقي موجودة.
الجملة ضربتني في صدري.
أنا نتيجة اختيار.
مش صدفة.
بعد المحاضرة، ركبت عربية من غير ما اعرف هي رايحة فين، نزلت منها في الورديان ناحية بيتنا القديم..
مشيت لوحدي.
من غير ما أخطط.. لقيت رجلي بتاخدني ناحية المنطقة القديمة.
ورا الشركات.
نفس المكان اللي اتحكى عنه في الدفتر.
الشارع أضيق مما تخيلته.
المصانع مش شغالة زي زمان.
الدهان واقع.
وقفت.
أنا هنا.
مفيش يوسف.
مفيش جيبة كحلي.
مفيش راديو بيغني.
بس في إحساس خفيف..
إن المكان مخبي حاجة.
مش قصة حب.
قرار.
طلعت الدفتر، قعدت على رصيف
فتحته على “اللقا نصيب”.
وبصوت واطي قلت:
— لو كنت مكانك.. كنت هعمل إيه يا ليلى؟
الهواء عدى.
سايب ريحة قديمة..
راجل كبير عدى، شكله انيق..
وقف قصادي وبص لي كتير:
— ما تقعديش هنا كتير، المكان ده مش بيحب اللي يرجع له.
بصت له.
— إنت تعرفه؟
— كنت شغال هنا زمان، قبل ما المصنع يقفل، وقبل ما الزمن يقف بيا في نفس الحتة اللي إنتي قاعدة فيها..
الهواء تقل.
— تعرف البنت دي؟ اسمها كان إيه؟
— محدش يعرفها قدي، اللي باقي لي منها ذكرى لما بصّتش وراها وسدت كل الطرق اللي اعرف اوصلها منها..
ـــ اسمها ليلى؟
وقف.
الاسم خبط فيه.
لف وشه ناحيتي لأول مرة بجد.
عينيه كانت مليانة حاجة مش ندم.. حاجة أهدى، يمكن تعب.
قالي..
— ليلى ما كانتش اسم.. كانت قرار.
رن تليفوني.
اسم ظهر على الشاشة: “زين”.
ابتسمت.
زين مش يوسف.
رديت..
ـــ إنتي فين يا مسك؟
ـــ أنا في شارع الحبايب..
سمعت ضحكته..
— بتكتبي فصل جديد؟
— لأ… يمكن براجع فصل قديم.
سكت لحظة.
— مالك؟
— تفتكر لو جيت هنا من خمسين سنة… كنت هتعمل إيه يا يوسـ...
الهوا وقف.
— يا مين؟
— يا زين.. قصدي يا زين.
الصمت بقى تقيل.
— مش عاجبني إحساس إنك هناك في مكان متعرفيهوش.
ابتسمت بس جوه قلبي حاجة اتحركت.
مش عشان اتلغبطت في الاسم.
عشان الاسم طلع لوحده.
ـــ مش مرتاح لك..
ـــ بتحبني؟
ـــ قد اللي مالوش قد.
ابتسمت.
بس فيه سؤال أكبر:
أنا لو هختار.. هختار بإرادتي؟
ولا من غير ما أحس هكرر نفس اختياراتي زمان؟
رفعت عيني للشارع.
المترين اللي كانت واقفة فيهم ليلى.. دلوقتي أنا واقفة فيهم.
بس الفرق إن محدش مستني مني أرجع.
