اخر الروايات

رواية شارع الحبايب الفصل الثالث 3 بقلم هند سعد الدين

رواية شارع الحبايب الفصل الثالث 3 بقلم هند سعد الدين


رجعت البيت قبل المغرب، ريحة الأكل لسه في الجو.
التليفزيون شغال على صوت واطي.
ماما قاعدة على الكنبة، لابسة نضارة القراءة، قدامها طبق فاكهة متقشر نصه.
بصت لي.
— اتأخرتي.
— كنت في الورديان.
النضارة نزلت سنة صغيرة.
— عند بيتنا القديم؟
— لأ.. عند شارع الحبايب.
سكتت وأنا كنت مستنية سؤال..
— شارع إيه؟
— حضرتك عارفة.
ما أنكرتش.
بس ما اعترفتش.
— كنتي بتدوري على إيه؟
قعدت قدامها.
— كنت بدور عليكي هناك.
الجملة وقفت ما بينا.
ضحكت ضحكة صغيرة مش مفهومة.
— أنا قدامك أهو.
— لأ مدورتش على أمي، كنت بدور على البنت اللي عندها ١٧ سنة.
سكتت.
حطت النضارة جنبها.
— مسك.. في حاجات لما بنقفلها، بنقفلها عشان نعرف نعيش.
— ولا عشان نهرب؟
بصت لي لأول مرة بنظرة أم مش مرتاحة.
— قريتي قد إيه؟
— كفاية أعرف إنك كنتي واقفة بين اختيارين.
سكتت شوية.
— وإنتِي شايفة إني اخترت غلط؟
— أنا شايفة إنك كتبتي كأنك ما اخترتيش.
الجملة دي خبطتها.
قامت من مكانها.
مشيت ناحية المطبخ.
رجعت بكوباية مية.
مكانتش عطشانة، بس أظن كانت محتاجة حاجة تمسكها.
— ليلى كانت بنت صغيرة.
قالتها بصيغة الغايب.
مسكت الخيط.
— ليلى ولا إنتِي؟
بصت لي بصة طويلة.
— ساعات الواحد بيحكي عن نفسه كأنه حد تاني، عشان يقدر يقول الحقيقة من غير ما ينهار.
قلبي دق.
— يبقى اللي في الدفتر حقيقة؟
— اللي في الدفتر جزء منها.
.— جزء! طب والباقي؟
— الباقي.. ما يتحكيش بسهولة.
قربت منها.
— هو كان بيحبك؟
ما سألتش “مين”.
هي عرفت أنا أقصد مين.
— الحب مش دايمًا كفاية.
— طب إنتِي حبّيتيه؟
سكتت.
ثواني طويلة.
— أيوه.
الاعتراف خرج هادي، من غير دراما.
— طب ليه سيبتيه؟
ردّت بعد صمت:
— أنا ماسيبتوش، هو اللي مشي.
الجملة دي كسرت حاجة في الصورة اللي بنيتها.
— بس الدفتر بيقول إنك إنتِي اللي مشيتي.
ابتسمت ابتسامة موجوعة.
أخدت نفس طويل وقالت..
— الدفاتر بيتكتب فيها اللي نفسنا نعيشه، مش دايمًا اللي حصل.
الهواء اتسحب من صدري.
— يعني إيه؟
— يعني مش كل قرار كان بإيدي.
الصمت رجع.
— بابا يعرف؟
بصت لي بسرعة.
— أبوكي مالوش ذنب في حاجة.
رد دفاعي.
سريع.
هنا فهمت حاجة..
القصة أكبر من حب قديم، أكبر من شارع.
— سنة 1974 حصل إيه؟
بصت لي كأنها بتشوفني لأول مرة مش بنتها.. يمكن صاحبة أو حد عايز يشاركها النقطة السودا اللي جواها.
شاورت جمبها عشان أقعد..
وبدأت تحكي..
— اللي حصل إن في بنت افتكرت إنها قوية كفاية تواجه الدنيا.. واكتشفت إن الدنيا أقوى.
— عملتي إيه؟
— دفعت تمن.
الجملة وقفت في النص.
— تمن إيه؟
قالت بهدوء:
— مش كل التمن فلوس يا مسك.
سابتني ومشيت أوضتها.
واقفت في الصالة، الإجابات ما رضيتش فضولي بل عقدت الحكاية أكتر..
الصورة اتشققت، يوسف مش بطل رومانسي وليلى مش ملاك ضحّى، والحكاية مش مجرد “اختيار”.
في حدث، في حاجة حصلت..
دخلت أوضتي، فتحت الدفتر..
سنة 1973.
فرح قريبة ماما من بعيد..
مش بعيدة قوي، بس كان الحدث كافي إن العيلة كلها تتحشر في صالة واحدة وتتصرف كأنهم أصحاب.
كننت لابسة فستان لبني بسيط.
شعري سايباه على ضهرها.
مش عاملة حاجة ملفتة في وشي.. جمالي كان كفاية يلفت النظر لوحده.
أغاني قديمة طالعة من سماعات عالية.
أطفال بيجروا.
ستات بيقارنوا دهب ببعض.
وهو كان واقف جنب باب مسرح الحبايب.
يوسف، شاب مش من العيلة.
قريب بس من بعيد.
ابن عم مرات خال حد.. يعني النوع اللي لازم حد يعرفك عليه عشان تفهم العلاقة.
في الأول ما كانتش واخدة بالي منه.
هو اللي لاحظني الأول.
مش عشان شكلي.
عشان كنت الوحيدة اللي مش بترقص.
قرب مني..
— مش بترقصي ليه؟
بصت له.
نظرة مستقيمة.
مفيهاش كسوف.
— برقص لما أبقى مقتنعة بالموسيقى.
ضحك.
— طب والموسيقى دي مش عاجباكي؟
— حاسة إنها بتصوت أكتر ما بتغني.
ابتسم.
الرد مش تقيل.
بس مختلف.
— أنا يوسف.
— عارفة.
اتفاجئ.
— منين؟
— مفيش حد في الفرح ده مش متقال اسمه عشر مرات.
هنا ضحك بجد.
الدقايق اللي بعدها كانت عادية.
اتكلمنا عن الشغل.
هو شغال في مصنع في المنطقة.
وأنا لسه في المعهد.
هو بيصحى بدري.
أنا بحب السهر مع كتاب.
مفيش شرارة سينمائية.
مفيش “حسيت بحاجة”.
بس كان فيه راحة.
النوع اللي يخليك تكمل كلام من غير ما تحسب كل كلمة.
قال لي:
— بتحبي البحر؟
— البحر مش بيحب حد، وأنا مبعرفش أحب حاجة ما بتحبنيش.
بص لي باستغراب.
— إنتِي دايمًا كده؟
— كده إزاي؟
— بتتكلمي كأنك أكبر من سنك.
سكتت لحظة.
— يمكن عشان أنا مش عايزة أعيش صغيرة.
الجملة علقت في دماغه.
بعد الفرح، كل واحد رجع بيته.
الموضوع كان ممكن يخلص هنا.
بس بعدها بأسبوع، قابلني صدفة قدام مكتبة صغيرة في المنطقة.
— إنتِي بتشتري كتب؟
— لأ، بشتري هروب مؤقت.
ابتسم.
— طيب لو قلت لك إني بحب الناس اللي بتهرب؟
— ما تحبش قوي.. اللي بيهربوا دايمًا هتلاقي حد بيجرّي وراهم.
— إنتِي عمرك فكرتي تبقي إيه؟
— آه.
— إيه؟
— مستقلة.
ضحك.
— دي مش مهنة.
— لأ.. دي نجاة.
يوسف بدأ يقع في حبي.
مش في حب شكلي.
ولا إعجاب سريع.
وقع في فكرة.
فكرة إن فيه حد قدامه مش مستني حد ينقذه.
وده كان مرعب… وجذاب في نفس الوقت.
قفلت الدفتر..
ابتسمت من ثبات ماما او ليلى..
سمعت صوت رنة تليفون مكتومة!
زين!
متصل بيا ٤٠ مرة..
اتصلت بيه..
ـــ إنتي فين يا مسك؟
ـــ في البيت
ـــ وقعت قلبي الله يسامحك، تعرفي إني في الشارع بتاعك مستنيكي تطلعي البلكونة اطمن!
ـــ اسفة.
طلعت مني بتعب.
سكت هو كمان وبعدها قالي بحنية..
ـــ أنا اللي أسف، عشان مش عارف أعمل حاجة وتكون علاقتنا رسمي ولما أقلق عليكي اجي بقلب جامد اشوفك واطمن..
ـــ أنا بجد كويسة، نسيت التليفون في الشنطة وانشغلت..
ـــ عاوزة تقولي لي حاجة؟
ــــ عاوزة اسألك سؤال، بس احلف ما تكذب..
ــــ أنا مبكذبش يا مسك.
ــــ تقدر تحارب عشاني؟
ـــ أقدر أعادي الكون كله عشانك..
ــــ حتى أهلك؟
ــــ العالم كله يا مسك فدا إنك تكوني مرتاحة ومعايا.
ـــ أنا عاوزة أشوفك.
ـــ اطلعي بلكونتك هتلاقيني.
ـــ لأ أقصد عاوزة أشوفك بكرة في كافية ويف.



الرابع من هنا
تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close