رواية فردوس الشياطين الفصل الثامن والعشرين 28 بقلم مريم غريب
الفصل ( 28 )
~¤ زيارة ! ¤~
في الواحدة ظهرا ، وسط الهدوء المطبق و الفراغ و السكون السائد ...
يدق جرس المدرسة فجأة معلنا عن إنتهاء اليوم الدراسي ، لينفجر صياح الطلاب و تبدأ الأروقة و المخارج بالإزدحام
فيكون الظهور الإستثنائي لتلك المجموعة الفاترة ، من بينهم يسهل تمييز "يوسف" و "ميرا .. سارا جنبا إلي جنب متشابكي الإيدي ، هي تميل برأسها علي كتفه و هو يلتفت من حين لأخر ليتنشق عبق شعرها الجميل
ودعوا أصدقائهم أمام بوابة المدرسة ، لتقف "ميرا" أمام السيارة المخصوصة التي تقلها كل يوم إلي هنا ثم تعيدها مجددا إلي منزلها
ما زالت تمسك بيد "يوسف" ..
إبتسم الأخير لها و قال بصوته الهادئ :
-إيه يا قلبي ! هتروحي علطول ؟
ميرا بإبتسامتها الرقيقة :
-Yeah . هاروح فين يعني ؟ علي البيت علطول
-طيب إبقي طمنيني لما توصلي .. تمتم "يوسف" و هو يرفع أنامله ليزيح خصلة تهدلت فوق عينها
ميرا : أوك . بس ماتنساش معادك بعد ساعة عند الـFashion House بدلتك خلاص جاهزة
يوسف بحماسة : مش ناسي طبعا إنتي بتهزري ؟ ده بكره هيبقي أحلي يوم في عمري . و إنتي هتكوني أجمل Princess في الكـوون .. و حني رأسه ليقبل يدها
ميرا و هي تضحك :
-و دادي لو شافك ماسك إيدي كده بكره هتاخد بوكس في وشك و الحفلة هتبوظ
يوسف بثقة : لأ يا حبيبتي ده كان زمان الوضع دلوقتي مختلف . ده أنا بكره هعمل أكتر من كده و هتشوفي محدش هيقدر يتكلم إزاي
ضحكت "ميرا" ثانيةً و رمت بذراعيها حول عنقه لتحتضنه ، ثم تباعدا بعد ثوان ..
-بـاي حبيبي ! .. قالتها " ميرا" مودعة
ليفتح "يوسف" لها باب السيارة الخلفي ، ثم يرتد للوراء و يقف ملوحا لها عندما هدر محرك السيارة و إنطلقت تدريجيا ...
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
في ڤيلا آل"داغر" ...
حالة من الملل و الضيق الشديد تغمر "يارا" .. منذ الصباح و هي تجلس هنا بهذه الغرفة التي تمثل سجنا لها
يومها كسائر أيامها الفائتة ، لا جديد ، إنها هنا له فقط كما أخبرها لا تفعل أي شيء بإرادتها ، و كلما رغبها تكون تحت طلبه شاءت أم أبت
بدأت تعتاد الأمر خاصة عندما إكتشفت إنه يجد في مقاومتها له بعد المتعة و اللذة ، تماما كالقطة عندما تناور فأرا لكنها بالأخير تنقض عليه حاسمة الموقف و تأكله
علاقتها به لا تختلف كثيرا عن هذا ، و لعلها تأمل في العثور علي أي دليل ضده لتكسر قيوده و تطلق سراح نفسها بنفسها ...
لفت نظرها و هي تجلس فوق الأرجوحة البيضوية المعلقة بالشرفة ، تلك الكومة من المجلدات الملونة علي سطح منضدة ضخمة بأخر الغرفة
عقدت حاجبيها بإهتمام و قامت من مكانها متوجهة صوب تلك المجلدات ..
إستطاعت أن تتبين من شكلهم إنهم عبارة عن ألبومات صور ، حملتهم بدون تردد و مضت نحو السرير ، جلست متربعة و تناولت أول مجلد و فتحته ... لتري في أول صفحاته صورة قديمة بالأبيض و الأسود جمعت بين رجل و إمرأة في لقطة حميمية مبهجة
لم تكن بحاجة للتخمين إنهما والدي زوجها ، حيث التشابه الكبير الذي ورثه عن كلا منهما تستطيع أن تراه بأجزائه المنصفلة في هذين الوجهين
الآن و قد عرفت سر وسامته ، الأم جميلة و الأب حاد القسمات ..
إستغرقت في تأمل الصورة لشدة ما كان فيها من مشاعر نبيلة واضحة وضوح الشمس ، لدرجة أنها لم تنتبه إلي حضوره إلا حين سحب المجلد من بين يديها فجأة
أجفلت لهذا التصرف و تطلعت إليه بإرتباك ..
-واضح إن الصور عجباكي أوي ! .. قالها "سفيان" مبتسما بخبث
إزدردت "يارا"ريقها و ردت بشجاعة :
-أنا لاقيت نفسي زهقانة و بالصدفة شوفت دول
أومأ "سفيان" متظاهرا باللطف و قال :
-طبعا . أنا ماعنديش مانع إنك تتعرفي علي صور العيلة .. بس I prefer إنك تشوفي ده الأول
و أشار للمجلد الزهري المحشور بين أقرانه
رمقته بإستخاف و أشاحت بوجهها للجهة الأخري بدون تعليق ، ليبتسم بمرح ثم يجلس قبالتها علي طرف الفراش ..
-حياتي كلها في الصور دي .. تمتم "سفيان" و هو يسحب المجلد و يفتحه
لكنه لم ينجح في إستمالت "يارا" ، فأردف مبتسما :
-تحويشة عمري . و تعبي و مجهودي و أحلامي .. و نقطة ضعفي الوحيدة !
و هنا إتجهت أنظار "يارا" صوبه ، نظر لها و ضحك قائلا :
-أكيد مستغربة صح ! بس لأ عادي . ماتستغربيش .. و إفهمي دايما إن أي بني آدم مهما كان قوي لازم يكون عنده نقطة ضعف . سلطة مثلا . نفوذ فلوس
ظلت "يارا" منصتة له بوجه جامد خال من التعابير ، ليستطرد و هو يقلب المجلد نحوها :
-بس دي بقي نقطة ضعفي أنا . ميـرا
عاينت "يارا" الصورة الأولي له مع إبنته ، كانت مجرد طفلة حديثة الولادة و كان يحملها بين يديه و علي وجهه أجمل إبتسامة في العالم ، إبتسامة ملائكية لا تناسب إطلاقا وجهه الشيطاني الذي تراه الآن ..
-أنا ماكنتش مخطط أبدا إني أخلف و خصوصا لما كنت في السن ده !
و سلمها مجمع الصور بسهولة حين إمتدت يداها طوعا لتأخذه و تقلب في الصور لتتمعنها أكثر ، ليكمل هو :
-بس لما جت ميرا حسيت بشعور جديد . جديد عليا جدا . حسيت إن أنا إللي إتولدت مش هي .. لما شيلتها بإيدي لأول مرة . لما علمتها تنطق كلمة بابا . لما بضمها لما بسمع صوتها لما ببص في وشها . بحس إني بتولد في كل يوم بيمر من عمرها هي .. جايز حياتي أنا مش الحياة إللي كنت بتمناها لنفسي . بس أنا دلوقتي بعمل المستحيل عشان أخليها أسعد بنت في الدنيا . عشان هي نفسي . من صلبي . وريثتي في كل حاجة . هي أي نعم طايشة شوية . بس أنا بعرف أتعامل معاها كويس و في الأخر هتمشي زي ما أنا مخطط لها
و نظرت له "يارا" في هذه اللحظة ...
-إنت مغرور أوي يا سفيان بيه ! .. قالتها "يارا" و هي ترمقه بنظرات تهكمية
-فاكر إن كل خيوط اللعبة في إيدك . و إن كل إللي إنت عايزه هيحصل
سفيان بثقة : ما دي حقيقة يا يارا . أنا مافيش حاجة تقف قصادي . ماينفعش .. أنا سفيان الداغر
يارا بسخرية : طيب ياريت تخلي بالك من بنتك بقي . مش بتقول إنها نقطة ضعفك ؟
سفيان بجدية : محدش يقدر يقرب من بنتي . إستحالة أي شيء في العالم يئذيها و أنا موجود . دي حتي و هي في أخر العالم كانت تحت عنيا و في حمايتي ليل نهار . هتيجي و هي هنا في حضني تتأذي !
يارا بإبتسامة خفيفة :
-مافيش حاجة تعصي علي ربنا . و داين .. تدان
..................................................................................
كان منهمكا في العمل علي حاسوبه الخاص ، عندما دق هاتف مكتبه و إنتشله من تركيزه علي تلك الرسالة الإلكترونية التي لم تنتهي بعد ..
-ألو ! .. رد "سامح" بلهجة فاترة ، ليأتيه صوت سكرتيرته :
-سامح بيه في واحدة هنا عايزة تقابل حضرتك
سامح و هو يفرك عينه بإصبعه :
-واحدة مين يعني يا سهيلة ؟ إسمها إيه ؟
سهيلة : هي بنت صغيرة كده و بتقول إسمها ميرا الداغر . يمكن تكون من عيلة سفيان بيه العميل بتاعنا !
جمد "سامح" تماما عندما ذكرت السكرتيرة إسمها ، كل شيء فيه توقف لثانية حتي قلبه ..
-ألو يافندم حضرتك سامعني ؟!
أجفل "سامح" و هو يرد بشيء من الإرتباك :
-آ أه سامعك يا سهيلة
سهيلة : طيب أدخلها و لا و لأ ؟
سامح : دخليها طبعا . دخليها دلوقتي
و أقفل الخط و هو يعدل ياقتي قميصه و يمرر يداه ماسحا علي خصلات شعره بسرعة ..
إنفتح باب الكتب في اللحظة التالية ، لتظهر "ميرا" من خلفه ، تقابلت نظراتهما للحظة ثم ولجت "ميرا" و إستدارت لتغلق الباب
إلتفتت نحوه ثانيةً و وقفت بلا حراك ، فقط تنظر له بصمت و علي وجهها تعبير مبهم وتره .. لكنه تماسك ، فرؤيتها وحدها كفيلة أن تنسيه كل شيء بالعالم و ليس فقط مخاوفه ...
-أهلا يا ميرا ! .. قالها "سامح" و هو يقوم من مكانه مستعدا لإستقبالها
-إتفضلي واقفة ليه ؟ تعالي إقعدي . نورتي مكتبي
و هنا بزغت إبتسامتها الرقيقة فجأة ، لكنها بقت متحفظة بعض الشئ .. مشت "ميرا" ناحية المكتب و هي تقول بصوتها الناعم الذي يذيب مشاعره :
-أنا مش عارفة جتلك إزاي يا سامح ! بعد إللي عملته في يوسف كنت المفروض أقطع علاقتي بيك Forever . بس Actually مقدرتش .. لأني بحبك يا سامح زي دادي بالظبط و مش ممكن أزعل منك
لوي ثغره بإبتسامة ساخرة و أومأ قائلا :
-Thank you يا حبيبتي
و عموما أنا ماعملتش فيه كده إلا لما شوفته بيتجاوز حدوده معاكي . إنتي كان ليكي رأي تاني خلاص . أنا ماليش دخل .. إتفضلي إقعدي ! ... و أشار لأحد المقعدين المقابلين له
جلست "ميرا" في مقعد و رمت حقيبتها المدرسية فوق المقعد الأخر ، ليسألها "سامح" :
-إنتي جاية من المدرسة علي هنا ؟
ميرا : Yup
سامح بإهتمام : باباكي عارف إنك جايالي ؟؟
ميرا و تهز رأسها سلبا :
-No , أنا جتلك من وراه
سامح بإستغراب ساخر :
-و جيتي من وراه ليه ؟ المفروض إنك مش طايقاني !
تنهدت "ميرا" تنهيدة مطولة ثم نظرت له و قالت :
-سامح أنا عرفت إنك كنت جاي عشان تطلب أنطي وفاء للجواز . بصراحة أنا حاسة بالذنب .. لو ماكنتش إتخانقت مع يوسف في اليوم ده ماكنش حصل كده بينك و بين دادي و أنطي وفاء هي إللي زعلانة أكتر واحدة . و أنا السبب
و هنا أدرك "سامح" مقصدها ، أدرك غرضها من الزيارة فتنهد و هو يرجع جسمه للخلف مسندا ظهره إلي لوحة الكرسي المبطنة
ركز أنظاره عليها و بقي وجهه صلبا لا إنكماش و لا إرتخاء ، أساخ السمع لها فقط و هو يهز قدمه غير المرئية بعصبية مفرطة ...
-بليز يا سامح . أنا خطوبتي بكره .. مش عايزة أفرح و أنطي تكون زعلانة . بليييز تعالي معايا دلوقتي و صالحها دادي كمان مستنيك بس إنت إللي مش عايز تيجي ... هكذا راحت "ميرا" تتوسل إليه حتي يذهب معها
لكنه كان يفكر في شيء أخر ، عندما قالت أن الخطبة غدا ... هو كان يعرف ذلك سلفا ، لكن تلفظها به الآن أوحي إليه بفكرة جهنمية
فكرة لا يمكن أن تخطر علي بال أبيها نفسه ، فقط لو وافق علي طلبها و ذهب معها إلي البيت ، لن تحوم حوله أي شبهة .. خاصة بعد إثبات حسن نواياه أمام الجميع و بطريقة مقنعة ، "وفاء" تناسب "سامح"
هذا الأكثر واقعية ، و لن ينكره أحد بعد اليوم ، حتي "سفيان" ...
-خلاص يا ميرا .. قالها "سامح" مبتسما بوداعة
-أنا هاجي معاكي و هصالح عمتك . و مبروك مقدما يا حبيبتي ! .......... !!!!!!!
يبتــــع
~¤ زيارة ! ¤~
في الواحدة ظهرا ، وسط الهدوء المطبق و الفراغ و السكون السائد ...
يدق جرس المدرسة فجأة معلنا عن إنتهاء اليوم الدراسي ، لينفجر صياح الطلاب و تبدأ الأروقة و المخارج بالإزدحام
فيكون الظهور الإستثنائي لتلك المجموعة الفاترة ، من بينهم يسهل تمييز "يوسف" و "ميرا .. سارا جنبا إلي جنب متشابكي الإيدي ، هي تميل برأسها علي كتفه و هو يلتفت من حين لأخر ليتنشق عبق شعرها الجميل
ودعوا أصدقائهم أمام بوابة المدرسة ، لتقف "ميرا" أمام السيارة المخصوصة التي تقلها كل يوم إلي هنا ثم تعيدها مجددا إلي منزلها
ما زالت تمسك بيد "يوسف" ..
إبتسم الأخير لها و قال بصوته الهادئ :
-إيه يا قلبي ! هتروحي علطول ؟
ميرا بإبتسامتها الرقيقة :
-Yeah . هاروح فين يعني ؟ علي البيت علطول
-طيب إبقي طمنيني لما توصلي .. تمتم "يوسف" و هو يرفع أنامله ليزيح خصلة تهدلت فوق عينها
ميرا : أوك . بس ماتنساش معادك بعد ساعة عند الـFashion House بدلتك خلاص جاهزة
يوسف بحماسة : مش ناسي طبعا إنتي بتهزري ؟ ده بكره هيبقي أحلي يوم في عمري . و إنتي هتكوني أجمل Princess في الكـوون .. و حني رأسه ليقبل يدها
ميرا و هي تضحك :
-و دادي لو شافك ماسك إيدي كده بكره هتاخد بوكس في وشك و الحفلة هتبوظ
يوسف بثقة : لأ يا حبيبتي ده كان زمان الوضع دلوقتي مختلف . ده أنا بكره هعمل أكتر من كده و هتشوفي محدش هيقدر يتكلم إزاي
ضحكت "ميرا" ثانيةً و رمت بذراعيها حول عنقه لتحتضنه ، ثم تباعدا بعد ثوان ..
-بـاي حبيبي ! .. قالتها " ميرا" مودعة
ليفتح "يوسف" لها باب السيارة الخلفي ، ثم يرتد للوراء و يقف ملوحا لها عندما هدر محرك السيارة و إنطلقت تدريجيا ...
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
في ڤيلا آل"داغر" ...
حالة من الملل و الضيق الشديد تغمر "يارا" .. منذ الصباح و هي تجلس هنا بهذه الغرفة التي تمثل سجنا لها
يومها كسائر أيامها الفائتة ، لا جديد ، إنها هنا له فقط كما أخبرها لا تفعل أي شيء بإرادتها ، و كلما رغبها تكون تحت طلبه شاءت أم أبت
بدأت تعتاد الأمر خاصة عندما إكتشفت إنه يجد في مقاومتها له بعد المتعة و اللذة ، تماما كالقطة عندما تناور فأرا لكنها بالأخير تنقض عليه حاسمة الموقف و تأكله
علاقتها به لا تختلف كثيرا عن هذا ، و لعلها تأمل في العثور علي أي دليل ضده لتكسر قيوده و تطلق سراح نفسها بنفسها ...
لفت نظرها و هي تجلس فوق الأرجوحة البيضوية المعلقة بالشرفة ، تلك الكومة من المجلدات الملونة علي سطح منضدة ضخمة بأخر الغرفة
عقدت حاجبيها بإهتمام و قامت من مكانها متوجهة صوب تلك المجلدات ..
إستطاعت أن تتبين من شكلهم إنهم عبارة عن ألبومات صور ، حملتهم بدون تردد و مضت نحو السرير ، جلست متربعة و تناولت أول مجلد و فتحته ... لتري في أول صفحاته صورة قديمة بالأبيض و الأسود جمعت بين رجل و إمرأة في لقطة حميمية مبهجة
لم تكن بحاجة للتخمين إنهما والدي زوجها ، حيث التشابه الكبير الذي ورثه عن كلا منهما تستطيع أن تراه بأجزائه المنصفلة في هذين الوجهين
الآن و قد عرفت سر وسامته ، الأم جميلة و الأب حاد القسمات ..
إستغرقت في تأمل الصورة لشدة ما كان فيها من مشاعر نبيلة واضحة وضوح الشمس ، لدرجة أنها لم تنتبه إلي حضوره إلا حين سحب المجلد من بين يديها فجأة
أجفلت لهذا التصرف و تطلعت إليه بإرتباك ..
-واضح إن الصور عجباكي أوي ! .. قالها "سفيان" مبتسما بخبث
إزدردت "يارا"ريقها و ردت بشجاعة :
-أنا لاقيت نفسي زهقانة و بالصدفة شوفت دول
أومأ "سفيان" متظاهرا باللطف و قال :
-طبعا . أنا ماعنديش مانع إنك تتعرفي علي صور العيلة .. بس I prefer إنك تشوفي ده الأول
و أشار للمجلد الزهري المحشور بين أقرانه
رمقته بإستخاف و أشاحت بوجهها للجهة الأخري بدون تعليق ، ليبتسم بمرح ثم يجلس قبالتها علي طرف الفراش ..
-حياتي كلها في الصور دي .. تمتم "سفيان" و هو يسحب المجلد و يفتحه
لكنه لم ينجح في إستمالت "يارا" ، فأردف مبتسما :
-تحويشة عمري . و تعبي و مجهودي و أحلامي .. و نقطة ضعفي الوحيدة !
و هنا إتجهت أنظار "يارا" صوبه ، نظر لها و ضحك قائلا :
-أكيد مستغربة صح ! بس لأ عادي . ماتستغربيش .. و إفهمي دايما إن أي بني آدم مهما كان قوي لازم يكون عنده نقطة ضعف . سلطة مثلا . نفوذ فلوس
ظلت "يارا" منصتة له بوجه جامد خال من التعابير ، ليستطرد و هو يقلب المجلد نحوها :
-بس دي بقي نقطة ضعفي أنا . ميـرا
عاينت "يارا" الصورة الأولي له مع إبنته ، كانت مجرد طفلة حديثة الولادة و كان يحملها بين يديه و علي وجهه أجمل إبتسامة في العالم ، إبتسامة ملائكية لا تناسب إطلاقا وجهه الشيطاني الذي تراه الآن ..
-أنا ماكنتش مخطط أبدا إني أخلف و خصوصا لما كنت في السن ده !
و سلمها مجمع الصور بسهولة حين إمتدت يداها طوعا لتأخذه و تقلب في الصور لتتمعنها أكثر ، ليكمل هو :
-بس لما جت ميرا حسيت بشعور جديد . جديد عليا جدا . حسيت إن أنا إللي إتولدت مش هي .. لما شيلتها بإيدي لأول مرة . لما علمتها تنطق كلمة بابا . لما بضمها لما بسمع صوتها لما ببص في وشها . بحس إني بتولد في كل يوم بيمر من عمرها هي .. جايز حياتي أنا مش الحياة إللي كنت بتمناها لنفسي . بس أنا دلوقتي بعمل المستحيل عشان أخليها أسعد بنت في الدنيا . عشان هي نفسي . من صلبي . وريثتي في كل حاجة . هي أي نعم طايشة شوية . بس أنا بعرف أتعامل معاها كويس و في الأخر هتمشي زي ما أنا مخطط لها
و نظرت له "يارا" في هذه اللحظة ...
-إنت مغرور أوي يا سفيان بيه ! .. قالتها "يارا" و هي ترمقه بنظرات تهكمية
-فاكر إن كل خيوط اللعبة في إيدك . و إن كل إللي إنت عايزه هيحصل
سفيان بثقة : ما دي حقيقة يا يارا . أنا مافيش حاجة تقف قصادي . ماينفعش .. أنا سفيان الداغر
يارا بسخرية : طيب ياريت تخلي بالك من بنتك بقي . مش بتقول إنها نقطة ضعفك ؟
سفيان بجدية : محدش يقدر يقرب من بنتي . إستحالة أي شيء في العالم يئذيها و أنا موجود . دي حتي و هي في أخر العالم كانت تحت عنيا و في حمايتي ليل نهار . هتيجي و هي هنا في حضني تتأذي !
يارا بإبتسامة خفيفة :
-مافيش حاجة تعصي علي ربنا . و داين .. تدان
..................................................................................
كان منهمكا في العمل علي حاسوبه الخاص ، عندما دق هاتف مكتبه و إنتشله من تركيزه علي تلك الرسالة الإلكترونية التي لم تنتهي بعد ..
-ألو ! .. رد "سامح" بلهجة فاترة ، ليأتيه صوت سكرتيرته :
-سامح بيه في واحدة هنا عايزة تقابل حضرتك
سامح و هو يفرك عينه بإصبعه :
-واحدة مين يعني يا سهيلة ؟ إسمها إيه ؟
سهيلة : هي بنت صغيرة كده و بتقول إسمها ميرا الداغر . يمكن تكون من عيلة سفيان بيه العميل بتاعنا !
جمد "سامح" تماما عندما ذكرت السكرتيرة إسمها ، كل شيء فيه توقف لثانية حتي قلبه ..
-ألو يافندم حضرتك سامعني ؟!
أجفل "سامح" و هو يرد بشيء من الإرتباك :
-آ أه سامعك يا سهيلة
سهيلة : طيب أدخلها و لا و لأ ؟
سامح : دخليها طبعا . دخليها دلوقتي
و أقفل الخط و هو يعدل ياقتي قميصه و يمرر يداه ماسحا علي خصلات شعره بسرعة ..
إنفتح باب الكتب في اللحظة التالية ، لتظهر "ميرا" من خلفه ، تقابلت نظراتهما للحظة ثم ولجت "ميرا" و إستدارت لتغلق الباب
إلتفتت نحوه ثانيةً و وقفت بلا حراك ، فقط تنظر له بصمت و علي وجهها تعبير مبهم وتره .. لكنه تماسك ، فرؤيتها وحدها كفيلة أن تنسيه كل شيء بالعالم و ليس فقط مخاوفه ...
-أهلا يا ميرا ! .. قالها "سامح" و هو يقوم من مكانه مستعدا لإستقبالها
-إتفضلي واقفة ليه ؟ تعالي إقعدي . نورتي مكتبي
و هنا بزغت إبتسامتها الرقيقة فجأة ، لكنها بقت متحفظة بعض الشئ .. مشت "ميرا" ناحية المكتب و هي تقول بصوتها الناعم الذي يذيب مشاعره :
-أنا مش عارفة جتلك إزاي يا سامح ! بعد إللي عملته في يوسف كنت المفروض أقطع علاقتي بيك Forever . بس Actually مقدرتش .. لأني بحبك يا سامح زي دادي بالظبط و مش ممكن أزعل منك
لوي ثغره بإبتسامة ساخرة و أومأ قائلا :
-Thank you يا حبيبتي
و عموما أنا ماعملتش فيه كده إلا لما شوفته بيتجاوز حدوده معاكي . إنتي كان ليكي رأي تاني خلاص . أنا ماليش دخل .. إتفضلي إقعدي ! ... و أشار لأحد المقعدين المقابلين له
جلست "ميرا" في مقعد و رمت حقيبتها المدرسية فوق المقعد الأخر ، ليسألها "سامح" :
-إنتي جاية من المدرسة علي هنا ؟
ميرا : Yup
سامح بإهتمام : باباكي عارف إنك جايالي ؟؟
ميرا و تهز رأسها سلبا :
-No , أنا جتلك من وراه
سامح بإستغراب ساخر :
-و جيتي من وراه ليه ؟ المفروض إنك مش طايقاني !
تنهدت "ميرا" تنهيدة مطولة ثم نظرت له و قالت :
-سامح أنا عرفت إنك كنت جاي عشان تطلب أنطي وفاء للجواز . بصراحة أنا حاسة بالذنب .. لو ماكنتش إتخانقت مع يوسف في اليوم ده ماكنش حصل كده بينك و بين دادي و أنطي وفاء هي إللي زعلانة أكتر واحدة . و أنا السبب
و هنا أدرك "سامح" مقصدها ، أدرك غرضها من الزيارة فتنهد و هو يرجع جسمه للخلف مسندا ظهره إلي لوحة الكرسي المبطنة
ركز أنظاره عليها و بقي وجهه صلبا لا إنكماش و لا إرتخاء ، أساخ السمع لها فقط و هو يهز قدمه غير المرئية بعصبية مفرطة ...
-بليز يا سامح . أنا خطوبتي بكره .. مش عايزة أفرح و أنطي تكون زعلانة . بليييز تعالي معايا دلوقتي و صالحها دادي كمان مستنيك بس إنت إللي مش عايز تيجي ... هكذا راحت "ميرا" تتوسل إليه حتي يذهب معها
لكنه كان يفكر في شيء أخر ، عندما قالت أن الخطبة غدا ... هو كان يعرف ذلك سلفا ، لكن تلفظها به الآن أوحي إليه بفكرة جهنمية
فكرة لا يمكن أن تخطر علي بال أبيها نفسه ، فقط لو وافق علي طلبها و ذهب معها إلي البيت ، لن تحوم حوله أي شبهة .. خاصة بعد إثبات حسن نواياه أمام الجميع و بطريقة مقنعة ، "وفاء" تناسب "سامح"
هذا الأكثر واقعية ، و لن ينكره أحد بعد اليوم ، حتي "سفيان" ...
-خلاص يا ميرا .. قالها "سامح" مبتسما بوداعة
-أنا هاجي معاكي و هصالح عمتك . و مبروك مقدما يا حبيبتي ! .......... !!!!!!!
يبتــــع
