اخر الروايات

رواية فردوس الشياطين الفصل الثامن والعشرين 28 بقلم مريم غريب

رواية فردوس الشياطين الفصل الثامن والعشرين 28 بقلم مريم غريب

الفصل ( 28 )

~¤ زيارة ! ¤~

في الواحدة ظهرا ، وسط الهدوء المطبق و الفراغ و السكون السائد ...

يدق جرس المدرسة فجأة معلنا عن إنتهاء اليوم الدراسي ، لينفجر صياح الطلاب و تبدأ الأروقة و المخارج بالإزدحام

فيكون الظهور الإستثنائي لتلك المجموعة الفاترة ، من بينهم يسهل تمييز "يوسف" و "ميرا .. سارا جنبا إلي جنب متشابكي الإيدي ، هي تميل برأسها علي كتفه و هو يلتفت من حين لأخر ليتنشق عبق شعرها الجميل

ودعوا أصدقائهم أمام بوابة المدرسة ، لتقف "ميرا" أمام السيارة المخصوصة التي تقلها كل يوم إلي هنا ثم تعيدها مجددا إلي منزلها

ما زالت تمسك بيد "يوسف" ..

إبتسم الأخير لها و قال بصوته الهادئ :

-إيه يا قلبي ! هتروحي علطول ؟

ميرا بإبتسامتها الرقيقة :

-Yeah . هاروح فين يعني ؟ علي البيت علطول

-طيب إبقي طمنيني لما توصلي .. تمتم "يوسف" و هو يرفع أنامله ليزيح خصلة تهدلت فوق عينها

ميرا : أوك . بس ماتنساش معادك بعد ساعة عند الـFashion House بدلتك خلاص جاهزة

يوسف بحماسة : مش ناسي طبعا إنتي بتهزري ؟ ده بكره هيبقي أحلي يوم في عمري . و إنتي هتكوني أجمل Princess في الكـوون .. و حني رأسه ليقبل يدها

ميرا و هي تضحك :

-و دادي لو شافك ماسك إيدي كده بكره هتاخد بوكس في وشك و الحفلة هتبوظ

يوسف بثقة : لأ يا حبيبتي ده كان زمان الوضع دلوقتي مختلف . ده أنا بكره هعمل أكتر من كده و هتشوفي محدش هيقدر يتكلم إزاي

ضحكت "ميرا" ثانيةً و رمت بذراعيها حول عنقه لتحتضنه ، ثم تباعدا بعد ثوان ..

-بـاي حبيبي ! .. قالتها " ميرا" مودعة

ليفتح "يوسف" لها باب السيارة الخلفي ، ثم يرتد للوراء و يقف ملوحا لها عندما هدر محرك السيارة و إنطلقت تدريجيا ...

•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••

في ڤيلا آل"داغر" ...

حالة من الملل و الضيق الشديد تغمر "يارا" .. منذ الصباح و هي تجلس هنا بهذه الغرفة التي تمثل سجنا لها

يومها كسائر أيامها الفائتة ، لا جديد ، إنها هنا له فقط كما أخبرها لا تفعل أي شيء بإرادتها ، و كلما رغبها تكون تحت طلبه شاءت أم أبت

بدأت تعتاد الأمر خاصة عندما إكتشفت إنه يجد في مقاومتها له بعد المتعة و اللذة ، تماما كالقطة عندما تناور فأرا لكنها بالأخير تنقض عليه حاسمة الموقف و تأكله

علاقتها به لا تختلف كثيرا عن هذا ، و لعلها تأمل في العثور علي أي دليل ضده لتكسر قيوده و تطلق سراح نفسها بنفسها ...

لفت نظرها و هي تجلس فوق الأرجوحة البيضوية المعلقة بالشرفة ، تلك الكومة من المجلدات الملونة علي سطح منضدة ضخمة بأخر الغرفة

عقدت حاجبيها بإهتمام و قامت من مكانها متوجهة صوب تلك المجلدات ..

إستطاعت أن تتبين من شكلهم إنهم عبارة عن ألبومات صور ، حملتهم بدون تردد و مضت نحو السرير ، جلست متربعة و تناولت أول مجلد و فتحته ... لتري في أول صفحاته صورة قديمة بالأبيض و الأسود جمعت بين رجل و إمرأة في لقطة حميمية مبهجة

لم تكن بحاجة للتخمين إنهما والدي زوجها ، حيث التشابه الكبير الذي ورثه عن كلا منهما تستطيع أن تراه بأجزائه المنصفلة في هذين الوجهين

الآن و قد عرفت سر وسامته ، الأم جميلة و الأب حاد القسمات ..

إستغرقت في تأمل الصورة لشدة ما كان فيها من مشاعر نبيلة واضحة وضوح الشمس ، لدرجة أنها لم تنتبه إلي حضوره إلا حين سحب المجلد من بين يديها فجأة

أجفلت لهذا التصرف و تطلعت إليه بإرتباك ..

-واضح إن الصور عجباكي أوي ! .. قالها "سفيان" مبتسما بخبث

إزدردت "يارا"ريقها و ردت بشجاعة :

-أنا لاقيت نفسي زهقانة و بالصدفة شوفت دول

أومأ "سفيان" متظاهرا باللطف و قال :

-طبعا . أنا ماعنديش مانع إنك تتعرفي علي صور العيلة .. بس I prefer إنك تشوفي ده الأول

و أشار للمجلد الزهري المحشور بين أقرانه

رمقته بإستخاف و أشاحت بوجهها للجهة الأخري بدون تعليق ، ليبتسم بمرح ثم يجلس قبالتها علي طرف الفراش ..

-حياتي كلها في الصور دي .. تمتم "سفيان" و هو يسحب المجلد و يفتحه

لكنه لم ينجح في إستمالت "يارا" ، فأردف مبتسما :

-تحويشة عمري . و تعبي و مجهودي و أحلامي .. و نقطة ضعفي الوحيدة !

و هنا إتجهت أنظار "يارا" صوبه ، نظر لها و ضحك قائلا :

-أكيد مستغربة صح ! بس لأ عادي . ماتستغربيش .. و إفهمي دايما إن أي بني آدم مهما كان قوي لازم يكون عنده نقطة ضعف . سلطة مثلا . نفوذ فلوس

ظلت "يارا" منصتة له بوجه جامد خال من التعابير ، ليستطرد و هو يقلب المجلد نحوها :

-بس دي بقي نقطة ضعفي أنا . ميـرا

عاينت "يارا" الصورة الأولي له مع إبنته ، كانت مجرد طفلة حديثة الولادة و كان يحملها بين يديه و علي وجهه أجمل إبتسامة في العالم ، إبتسامة ملائكية لا تناسب إطلاقا وجهه الشيطاني الذي تراه الآن ..

-أنا ماكنتش مخطط أبدا إني أخلف و خصوصا لما كنت في السن ده !

و سلمها مجمع الصور بسهولة حين إمتدت يداها طوعا لتأخذه و تقلب في الصور لتتمعنها أكثر ، ليكمل هو :

-بس لما جت ميرا حسيت بشعور جديد . جديد عليا جدا . حسيت إن أنا إللي إتولدت مش هي .. لما شيلتها بإيدي لأول مرة . لما علمتها تنطق كلمة بابا . لما بضمها لما بسمع صوتها لما ببص في وشها . بحس إني بتولد في كل يوم بيمر من عمرها هي .. جايز حياتي أنا مش الحياة إللي كنت بتمناها لنفسي . بس أنا دلوقتي بعمل المستحيل عشان أخليها أسعد بنت في الدنيا . عشان هي نفسي . من صلبي . وريثتي في كل حاجة . هي أي نعم طايشة شوية . بس أنا بعرف أتعامل معاها كويس و في الأخر هتمشي زي ما أنا مخطط لها

و نظرت له "يارا" في هذه اللحظة ...

-إنت مغرور أوي يا سفيان بيه ! .. قالتها "يارا" و هي ترمقه بنظرات تهكمية

-فاكر إن كل خيوط اللعبة في إيدك . و إن كل إللي إنت عايزه هيحصل

سفيان بثقة : ما دي حقيقة يا يارا . أنا مافيش حاجة تقف قصادي . ماينفعش .. أنا سفيان الداغر

يارا بسخرية : طيب ياريت تخلي بالك من بنتك بقي . مش بتقول إنها نقطة ضعفك ؟

سفيان بجدية : محدش يقدر يقرب من بنتي . إستحالة أي شيء في العالم يئذيها و أنا موجود . دي حتي و هي في أخر العالم كانت تحت عنيا و في حمايتي ليل نهار . هتيجي و هي هنا في حضني تتأذي !

يارا بإبتسامة خفيفة :

-مافيش حاجة تعصي علي ربنا . و داين .. تدان

..................................................................................

كان منهمكا في العمل علي حاسوبه الخاص ، عندما دق هاتف مكتبه و إنتشله من تركيزه علي تلك الرسالة الإلكترونية التي لم تنتهي بعد ..

-ألو ! .. رد "سامح" بلهجة فاترة ، ليأتيه صوت سكرتيرته :

-سامح بيه في واحدة هنا عايزة تقابل حضرتك

سامح و هو يفرك عينه بإصبعه :

-واحدة مين يعني يا سهيلة ؟ إسمها إيه ؟

سهيلة : هي بنت صغيرة كده و بتقول إسمها ميرا الداغر . يمكن تكون من عيلة سفيان بيه العميل بتاعنا !

جمد "سامح" تماما عندما ذكرت السكرتيرة إسمها ، كل شيء فيه توقف لثانية حتي قلبه ..

-ألو يافندم حضرتك سامعني ؟!

أجفل "سامح" و هو يرد بشيء من الإرتباك :

-آ أه سامعك يا سهيلة

سهيلة : طيب أدخلها و لا و لأ ؟

سامح : دخليها طبعا . دخليها دلوقتي

و أقفل الخط و هو يعدل ياقتي قميصه و يمرر يداه ماسحا علي خصلات شعره بسرعة ..

إنفتح باب الكتب في اللحظة التالية ، لتظهر "ميرا" من خلفه ، تقابلت نظراتهما للحظة ثم ولجت "ميرا" و إستدارت لتغلق الباب

إلتفتت نحوه ثانيةً و وقفت بلا حراك ، فقط تنظر له بصمت و علي وجهها تعبير مبهم وتره .. لكنه تماسك ، فرؤيتها وحدها كفيلة أن تنسيه كل شيء بالعالم و ليس فقط مخاوفه ...

-أهلا يا ميرا ! .. قالها "سامح" و هو يقوم من مكانه مستعدا لإستقبالها

-إتفضلي واقفة ليه ؟ تعالي إقعدي . نورتي مكتبي

و هنا بزغت إبتسامتها الرقيقة فجأة ، لكنها بقت متحفظة بعض الشئ .. مشت "ميرا" ناحية المكتب و هي تقول بصوتها الناعم الذي يذيب مشاعره :

-أنا مش عارفة جتلك إزاي يا سامح ! بعد إللي عملته في يوسف كنت المفروض أقطع علاقتي بيك Forever . بس Actually مقدرتش .. لأني بحبك يا سامح زي دادي بالظبط و مش ممكن أزعل منك

لوي ثغره بإبتسامة ساخرة و أومأ قائلا :

-Thank you يا حبيبتي
و عموما أنا ماعملتش فيه كده إلا لما شوفته بيتجاوز حدوده معاكي . إنتي كان ليكي رأي تاني خلاص . أنا ماليش دخل .. إتفضلي إقعدي ! ... و أشار لأحد المقعدين المقابلين له

جلست "ميرا" في مقعد و رمت حقيبتها المدرسية فوق المقعد الأخر ، ليسألها "سامح" :

-إنتي جاية من المدرسة علي هنا ؟

ميرا : Yup

سامح بإهتمام : باباكي عارف إنك جايالي ؟؟

ميرا و تهز رأسها سلبا :

-No , أنا جتلك من وراه

سامح بإستغراب ساخر :

-و جيتي من وراه ليه ؟ المفروض إنك مش طايقاني !

تنهدت "ميرا" تنهيدة مطولة ثم نظرت له و قالت :

-سامح أنا عرفت إنك كنت جاي عشان تطلب أنطي وفاء للجواز . بصراحة أنا حاسة بالذنب .. لو ماكنتش إتخانقت مع يوسف في اليوم ده ماكنش حصل كده بينك و بين دادي و أنطي وفاء هي إللي زعلانة أكتر واحدة . و أنا السبب

و هنا أدرك "سامح" مقصدها ، أدرك غرضها من الزيارة فتنهد و هو يرجع جسمه للخلف مسندا ظهره إلي لوحة الكرسي المبطنة

ركز أنظاره عليها و بقي وجهه صلبا لا إنكماش و لا إرتخاء ، أساخ السمع لها فقط و هو يهز قدمه غير المرئية بعصبية مفرطة ...

-بليز يا سامح . أنا خطوبتي بكره .. مش عايزة أفرح و أنطي تكون زعلانة . بليييز تعالي معايا دلوقتي و صالحها دادي كمان مستنيك بس إنت إللي مش عايز تيجي ... هكذا راحت "ميرا" تتوسل إليه حتي يذهب معها

لكنه كان يفكر في شيء أخر ، عندما قالت أن الخطبة غدا ... هو كان يعرف ذلك سلفا ، لكن تلفظها به الآن أوحي إليه بفكرة جهنمية

فكرة لا يمكن أن تخطر علي بال أبيها نفسه ، فقط لو وافق علي طلبها و ذهب معها إلي البيت ، لن تحوم حوله أي شبهة .. خاصة بعد إثبات حسن نواياه أمام الجميع و بطريقة مقنعة ، "وفاء" تناسب "سامح"

هذا الأكثر واقعية ، و لن ينكره أحد بعد اليوم ، حتي "سفيان" ...

-خلاص يا ميرا .. قالها "سامح" مبتسما بوداعة

-أنا هاجي معاكي و هصالح عمتك . و مبروك مقدما يا حبيبتي ! .......... !!!!!!!

يبتــــع


تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close