اخر الروايات

رواية في قبضة اللعنات الفصل الحادي والعشرين 21 بقلم مريم غريب

رواية في قبضة اللعنات الفصل الحادي والعشرين 21 بقلم مريم غريب


( 21 )

_ خوف ! _

كانت تجلس فوق الكرسي الوثير بأريحية تامة، تحتسي فنجان قهوتها في هدوء... و تراقبه في صمت بنفس الوقت

و هو لا يزال يتحدث عبر هاتفه إلى والد "عمرو".. زوج إبنته :

-إسمع يا عز.. إبنك واقف قصادي. بيتحداني. أحسنلك تعقله.. إسمعني كويس و منغير ما تقاطعني.. إبنك لو ماعقلش و طلق بنتي بهدوء و بدون مشاكل.. منغير يمين.. مش هايلحق يندم إنه ماسمعش كلامي.. سلام يا عز !

و أغلق الخط و هو يزفر بشدة ...

-إيه يا سفيان ! مالك عصبي كده ليه ؟ .. قالتها "وفاء" بصوتها الهادئ

-قالك إيه عز ؟

إلتفت "سفيان" نحوها و رد بضيق شديد :

-أنا ما صدقت حياتنا تستقر شوية. مش عارف إيه إللي قلبها كده فجأة.. ليه إللي حواليا بيدورا دايماً على المشاكل ؟ مانعرفش نهدا الشوية الفاضلين دول ؟!

ضحكت "وفاء" و قالت :

-إيه إللي حصل لده كله بس ؟ عز رافض الطلاق هو كمان ؟

سفيان بلهجة مستوحشة :

-مايقدرش يرفض. و مايقدرش يعارضني في أي حاجة.. ده مرعوب على إبنه. و كده كده عمرو هايطلق ميرا أنا مش شاغلني الموضوع ده

وفاء بدهشة : الله ! أومال إيه إللي شاغلك طيب ؟ ضاغط على أعصابك أوي كده ليه إيه السبب ؟!!!

زفر مرة أخرى و هو يلقى بهاتفه فوق الطاولة الصغيرة ...

سار صوبها و جلس في كرسي مجاور لها، ثم قال بصوت مهموم :

-هاقولك يا وفاء !

•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••

فرغت "ميرا" من حمامها الساخن و خرجت إلى غرفتها، جففت شعرها و صففته أولاً، ثم إرتدت أجمل الثياب و تزينت و تعطرت بأفخم عطورها

ألقت نظرة رضا على إنعكاسها بالـمرآة، الآن هي جاهزة لملاقاة حبيبها... جاهزة لملاقاة "يوسـف"

إذ أخيراً قد سمح لها والدها بإستضافته مجدداً، بعد ما يزيد عن العشرون سنة، يلتقيان من جديد و تصحو علاقتهما الميتة بل و تنتعش أيضاً

بوجود ذلك الجنين الكامن برحمها.. الأمل الذي دب فيها الحياة مرةً أخرى، أخيراً يعود إليها حبها القديم، يعود ليملأ حاضرها و الباقي من مستقبلها

تعتبر "ميرا" نفسها أكثر الناس حظاً في هذه الحياة، فهي لديها "سفيان الداغر".. أبيها الحبيب المخلص لها على الدوام، و الحامي و المدافع، و الضاغط حتى الموت على أعدائها و على كل من يضمر لها شراً !

مرت بالخارج أمام غرفة "يارا".. وجدت الباب موارباً، فتوقفت و هي تمد رأسها بفضول لترى ما إذا كانت بالداخل ...

-بتدوري على حاجة يا حبيبتي !

شهقت "ميرا" بفزع، حين أتاها ذلك الصوت من خلفها على حين غرة ...

إستدارت، لتجد "يارا".. إذن لم تكن بالداخل !!

كانت تبتسم لها بتهكم ظاهر، بينما كانت الأخيرة مرتبكة بشدة فحاولت أن تبدو طبيعية قدر المستطاع و هي تقول لها :

-أهلاً يا. مرات أبويا.. السخرية هي سلاحها الأمثل في هذه المواقف كالعادة

-أبداً. ماكنتش بدور على حاجة. أنا كنت نازلة أشوف دادي و كمان يوسف جاي !

تعمدت أن تشير إلى مجيئ حبيبها "يوسف" بصراحة أقرب للتبجح حتى تثير حنق زوجة أبيها، أو تغيظها بمعنى أصح

إلا أن الأخيرة إبتسمت لها أكثر و هي تشيح بيدها بالهواء، ثم أزاحتها بلطف من طريقها و ولجت إلى غرفتها ...

-من حقك طبعاً تعيشيلك يومين يا حبيبتي .. قالتها "يارا" هازئة بها، و أكملت و هي تفتح باب شرفتها الكبيرة على مصراعيه :

-إحلمي كمان. و حبي. و موتي بحبك.. قبل ما تموتي بحاجة تانية

كانت قد تبعتها "ميرا" إلى الداخل، إحتقن وجهها بدماء الغضب و هي ترد عليها بخشونة :

-إنتي بتهدديني يا يارا ؟ إنتي نسيتي نفسك ؟ إنتي فاكرة أصلاً إنك ممكن تقربيلي أو تعملي أي حاجة و بابي موجود ؟ فوقي يا حبيبتي. سفيان الداغر رجعلك و لا لسا مش مستوعبة ؟!!!

قهقهت "يارا" بقوة قائلة :

-يا عيني على سفيان الداغر. العــو إللي دمرلي حياتي. طبعاً مش بنكر إنتصاره عليا ! .. و إلتفتت لها مستطردة بإبتسامة شريرة :

-بس المرة دي إنتصاري عليه أكيد يا حيلة أبوكي. لا تكوني فاكراني هاسيب تاري زي ما هو فاكر إني مش هقدر عليه.. أبوكي قادر. عارفة و الله.. بس قسماً بربي. لو كان آخر يوم في عمري. مش هموت قبل ما أحسره عليكي. عليكي إنتي. لأن إنتي بس إللي هاتكسريه و هاتقضي على هيلمانه ده كله

و ضحكت من جديد

كظمت "ميرا" غيظها بعناء و هي تقول ببرود متكلف :

-أعلى ما خيلك إركبيه يا يارا. و لو إنك لو كنتي تقدري تعملي حاجة كنتي عملتيها من زمان.. لكن إنتي طول عمرك قليلة الحيلة. و مستسلمة. و هاتفضلي طول عمرك كده. مهما حاولتي مش هاتبقي أد لعبة الشر بتاعتنا

إبتسمت لها بوداعة و لم ترد، إنما مشت صوب الخزانة الضخمة.. فتحت حقيبة صغيرة مخفية أسفل كدسة ملابس، ثم عادت إليها و هي تخبئ شيئاً خلف ظهرها ...

-عايزاكي تفتكري الكلمتين إللي قولتيهم دلوقتي حالاً. إوعي تنسيهم. عشان ساعة قضاكي يكون وشي الجميل ده آخر حاجة تشوفيها في حياتك إن شاء الله !

طالعتها "ميرا" بمقت شديد، كم تود الفتك بها، هذه أمنيتها الآن !!!

كانت "يارا" تقرأ مشاعر غضبها هذه من عينيها و وجهها، كانت في قمة الإنتشاء، حتى أظهرت لها ما تخفيه ...

عدة بطاقات "فوتوغرافية"، ناولتها إياهم و هي تقول :

-خدي يا حبيبتي. ملي عينك كويس أوي !

حبست "ميرا" أنفاسها فور إطلاعها على محتوى البطاقات... حملقت بصدمة في كل واحدة، لم يكن ما تمسكه في يديها الآن سوى فضيحة !!

أجل فضيحة مدوية ...

إنه ملخص رحلتها الإستجمامية برفقة عشيقها في عدة لقطات من الصور... بدءاً من إستقلال الطائرة و حتى غرفة الشاطئ المفتوحة ذات النظام البدائي كما أخبرها "يوسف" !

و لكنه أخبرها أيضاً أنها معزولة، و أن من المستحيل أن يتلصص عليهما أحد، إذن كيف حصلت "يارا" على هذا التقرير المفصل للرحلة ؟ كيف إستطاعت تصوير حتى أدق اللحظات الحميمية المخزية بينهما كالتي تراها الآن !!!!

ماذا لو رآها أحد ؟ بل ماذا لو رآها "عمرو" فقط ؟؟؟!!!!!!!!

-إيه رأيك يا روحي ؟ عجبتك ؟!

أفاقت "ميرا" من صدمتها بصعوبة ...

رفعت وجهها إليها و أخذت ترمقها بنظرات عنيفة، ليقر وجه "يارا" و يغمرها شعور هائل بالإمتنان، لقد أفصحت عن مخططها الإنتقامي باكراً.. لكن يكفيها ما تراه الآن، رد فعل "ميرا" هذا أفضل ما يمكن أن تحصل عليه حتى تشفي صدرها المغلول قليلاً ..

-شوفتي بقى إن حبستي هنا مامنعتنيش أكشف نجاستك و و××××× ! .. كانت الشماتة واضحة بأعين "يارا" و صوتها

-مش أبوكي بس إللي قدر يوصلك. أنا مش بلعب زي زمان. و يبقى عيب عليا بعد العمر ده لو ما إتعلمتش حاجة من أبوكي.. تخيلي كده لو الصور دي وقعت في إيد حد ؟ في إيد عمرو مثلاً ! و تتخيلي ليه ؟ قريب جداً هاتوصله. و هايكتشف خيانتك يا ست أبوكي. شوفي بقى ممكن يحصلك إيه إنتي و أبوكي. أصل ربنا يكفيكي شر راجل إكتشف إن مراته بتخونه. ما بالك بقى لو شاف خيانتها بعينه و بالتفصيل زي كده !

و أشارت بعينها للصور بين يديها ...

عاودها الضحك مجدداً فإستدارت ماضية صوب الشرفة مرةً أخرى.. بينما لم تكن "ميرا" تشعر بنفسها، و الدماء الملتهبة تندفع إندفاعاً قوياً بشرايينها

كانت عيناها تجوس أرجاء الغرفة على غير هدى، حتى وقعت على ذلك التمثال الخزفي الصغير !

لم تعرف كيف وصلت إليه يدها، و كيف طارت هي نحو "يارا" التي لم تنقطع عن الضحك ...

سكت صوتها فجأة، سكت تماماً

بفعل ذلك الشيء الذي تحطم فوق رأسها بمنتهى العنف، ليطرحها أرضاً مضرجة بالدم !!!!!

•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••

-يعني إنت قلقان عليه بجد ؟! .. قالتها "وفاء" بتساؤل لا يخلو من الدهشة

لينظر لها "سفيان" مؤكداً ما قاله :

-طبعاً يا وفاء. ده إبني. هو عشان عاش بعيد عني يبقى خلاص ماليش علاقة بيه ! .. و أردف بضيق شديد :

-أنا عارف إني سيبته و عيشت مفضل عليه أخته. و يمكن هو ده إللي مضايقني.. بنيت شخصية ميرا. و طلعت ببني غلط أساساً. مش مهم. المهم تكون كويسة و مبسوطة.. لكن هو ! أنا ماعملتلوش أي حاجة. ماعلمتوش و لا حاجة. و فوق كل ده طلع بشخصية مشوهة. ميرا ماعرفتش تحتويه. و أمه قضت على منظرها في عنيه. و أنا.. أنا بيتعامل معايا عادي. لا وضعي بيستفزه و لا مريحه. وجودي زي عدمه يعني !

وفاء بجدية : ماتنساش إن ظروفك كانت أسوأ من ظروفه. و مع ذلك قدرت تكمل و رتبت حياتك. عملت كل حاجة لوحدك.. سيبه هو كمان يخرج من أزمته و يرتب حياته لوحده زيك

سفيان بإستنكار : مين ده إللي يبقى زيي ؟ الواد ده عمره ما هايبقى زيي يا وفاء. ده وارثلي قلب أمه. عاطفي و نحنوح.. إنتي مابتسمعيش صوته و أغانيه إللي كلها محن و تلزيق ؟

ضحكت "وفاء" من كلامه و قالت :

-الولد حساس. دي مش حاجة وحشة يا سفيان !

سفيان بحنق : لأ وحشة.. و لازم أنتبهله شوية عشان ينشف عن كده. أخلص بس من مشاكل أخته و بعدين هــ آ ا ...

-إلحقنا يا سفيــان باشا !!! .. قاطعه هتاف إحدى مستخدمات المنزل

إعتدل في جلسته صائحاً :

-إيه في إيه ؟!!

الخادمة بشحوب تام :

-الست يارا نزلت المطبخ تطلب فنجان قهوة. عملته و طلعت أوصلهولها في أوضتها.. لاقيتها واقعة في الأرض غرقانة في دمها و الست ميرا عندها !

لم ينتظر "سفيان" تتمة عبارتها و إنطلق مسرعاً للأعلى في إثره "وفاء" ...

وصل إلى غرفة "يارا" يكاد صدره ينفجر من شدة اللهاث !

توقف نبض قلبه لحظة، عندما تأكد من إدعاء الخادمة.. فها هي "يارا" ملقاة أمامه فوق الأرض و حولها بركة من الدماء ...

-دآآآآآآآآغر. دآآآآآآآآآآآآغر ! .. كان هذا النداء الجهوري لإبنه

ربما لم يفهمه من حوله، و لكن الإبن قد حضر فعلاً.. في غضون ثوان كان هنا !!!

أما الأب فقد توجه صوب إبنته صارخاً بعنف :

-عملتي إيه ؟ عملتــــي إيــــه ؟؟!!! .. و قبض على ذراعيها بإيلام

-ليه كده ؟ ليه تعملي فيها كده ؟ ليــــه ؟؟؟؟

كانت الصدمة مسيطرة على الجميع، حتى "الداغر" الشاب، إهتز داخله لمرآى هذا المنظر.. تلك السيدة التي إكتشف بعد سنوات طوال أنها أمه، و التي نبذها عندما علم، و أسمعها أقسى الكلمات التي قد تسمعها الأم من ولدها

ربما تكون فارقت الحياة الآن، بنسبة كبيرة جداً، فالمشهد مريع !!!!!!

كان يقف كالصنم، وراء عمته "وفاء"، كلاهما يراقب "الداغر" الكبير، و هو يحاول مع تلك المسكينة :

-يارا.. يارآآآ إنتي سامعاني ؟.. كان راكعاً بجوارها و قد تلوثت ثيابه بدمائها

أمسك وجهها بين كفيه بقوة قائلاً بصرامة :

-مش هاتموتي. مش هاسيبك تموتي ســامعة !

و إلتفت نحو إبنه ...

-تعــالى هاتلي أمك على تحت.. يـــلا بسـرعة !!

تحرك الإبن مع الأمر، و كأنه كان بحاجة إليه... حمل أمه على ذراعيه و تبع أبيه مهرولاً بساقين مرتعشتين، كان ينظر في وجه أمه الغارق بالدماء.. لا يعرف لماذا إنتابه خوف مفاجئ، خوف شديد !

على الطرف الآخر ...

لا تزال "ميرا" على وضعها، مر الوقت و لم يطرأ عليها أي تغيير.. إلى أن وصل "يوسف" و ولج بنفسه غرفة "يارا" متبعاً إرشادات المستخدمين

أصابته الصدمة هو الآخر، و هو يسير نحو "ميرا" مدققاً النظر في بقع الدماء المنتشرة فوق الأرض... لوهلة ظن أن بها شيء فخرج صوته هاتفاً :

-ميرا ! حبيبتي إنتي كويسة ؟!!

و وقف مقابلها ممسكاً بكتفيها، أمعن النظر فيها مطولاً يستكشف ماذا حل بها فلم يجد ما يشير إلى سوء، هزها بقوة و هو يعيد سؤاله بإلحاح أكبر :

-في إيه يا ميرا ؟؟؟ إيه إللي حصل ؟؟؟!!!

أفاقت من ذهولها بصعوبة و حملقت في عينيه متمتمة بغير إستيعاب :

-يارا ماتت !

إرتد "يوسف" بوجهه قائلاً بصدمة أكبر :

-إيه ؟ يارا ماتت ؟ ماتت إمتى و إزاي ؟!!!

أجهشت "ميرا" بالبكاء فجأة و ردت عليه من بين دموعها :

-أنا.. أنا إللي موتها. أنا إللي قتلتها يا يوسف. أنا !!!

صدمة أخرى، لكنه إبتلعها فوراً و إنخرط في تهدئتها و هو يضمها إلى صدره بقوة قائلاً :

-طيب إهدي. إهدي يا حبيبتي.. إهدي و إحكيلي إيه إللي حصل. أنا جمبك و مش هاسيبك أبداً إطمني ! ............. !!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!


تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close