اخر الروايات

رواية في قبضة اللعنات الفصل العشرين 20 بقلم مريم غريب

رواية في قبضة اللعنات الفصل العشرين 20 بقلم مريم غريب


( 20 )

_ تدبير ! _

لأول مرة في تاريخ الأسرة المتماسكة السعيدة... قامت الزوجة المختالة و الآنفة على الدوام بإعداد عشاءً مفتخر بنفسها، إحتفاء بعودة زوجها من سفرته

حيث إنه قد تغيب عنها لأول مرة أيضاً منذ أن تزوجها قبل خمسة عشر عاماً !

الغريب في الأمر إنها إفتقدته كثيراً، رغم أنه لم يمكث بعيداً عنها سوى بضع ليالٍ فقط، فهي لم تكن تتخيل أن حبه يملأ قلبها إلى هذا الحد، و أنه إذا غاب عنها مدة سوف تشتاقه إلى هذه الدرجة.. ربما لأن زواجهما كان تقليدياً في البداية، لم يكن يغمره الحب أو المشاعر العنيفة التي تكون بين الأحباب و العشاق

لكن مع مرور الزمن إستطاع أن يجعلها تحبه، بل و تغرق في عشقه حتى أذنيها، و من دون أن يسعى لذلك.. أحياناً كثيرة تفكر، أن لولا جفاؤه معها و قساوته عليها لما كانت أحبته أصلاً، هي إبنة العائلة الثرية رفيعة المستوى، و إحدى جميلاتها الفاتنات !

كان يترأس المائدة كالعادة، عندما وضعت زوجته طبقه المخصوص أمامه، ثم جلست على يمينه كالمعتاد أيضاً

الإبن و الإبنة يجلسان أمام والديهما، كل بدا مسروراً بعودة رب الأسرة، إلا هو، ظاهرياً حرص على إظهار سعادة زائفة، إنما داخلياً... لم يكن سعيداً بالمرة !!!!

-بابي جيبتلي الـPump Shell ؟!! .. قالت الإبنة رقيقة الجمال هذه العبارة متسائلة

رفع "يوسف" عينيه عن صحنه و قال لها مبتسماً :

-نعم يا حبيبتي ! إيه Pump Shell ده ؟

لوّت الفتاة ذات الثلاثة عشر عاماً فمها و هي تقول مستاءة :

-يبقى نسيت تجيبها يا بابي.. الـPump Shell دي بيرفيوم. قولتلك إني مش لاقيتها هنا خالص و كنت عايزاك تشتريهالي من لندن !

يوسف معتذراً : آوه. بجد أنا آسف يا حبيبتي. كنت فاكر فعلاً أجبلك كل قولتيلي عليه بس أنا ماخرجتش من الآوتيل إللي نزلت فيه خالص. المؤتمر إللي حضرته كان مهم و الحراسة في الأماكن إللي كنت فيها كانت مشددة جداً.. معلش سامحيني. أوعدك هاقلب الدنيا على البيرفيوم ده و هايكون عندك الليلة. ها إيه رأيك !

-Yes Yes Yes !

صاحت الفتاة و هي تقفز من مكانها، إنقضت على أبيها و أخذت تحتضنه و تقبله بقوة، لتقاطع الأم لحظة المرح هذه فجأة :

-ميــرا ! مش وقته خالص إللي بتعمليه ده بابي بيتعشا

إرتبك "يوسف" للحظة، حين سمع إسم إبنته من فم زوجته... و كأنها تناديها للمرة الأولى، أهذه إشارة !!!

-و بعدين يا يوسف ماتسمعش كلام البنت دي .. و أردفت بحدة

-Pump Shell إيه إللي عايزاها ؟ دي كبيرة على سنك يا حبيبتي. إزاي بنت في سنك تحط Product نسائي يعني !!

أغرورقت عينيّ الفتاة بالدموع و هي تقول :

-بس هي عجباني يا مامي. ده بيرفيوم هو Babydoll !

-إخرسي ! .. صاحت بها معنفة

-كمان بتردي عليا ؟ طيب مافيش عشا ليكي معانا. إتفضلي على أوضتك و دادا هاتجبلك أكلك عندك. يــلا

هربت الفتاة على الفور إلى غرفتها و هي تكتم صوت بكائها... ليلتفت "يوسف" نحو زوجته قائلاً بغضب :

-إيه ده ! إيه إللي عملتيه ده يا فريدة ؟ إزاي تزعقي للبنت و أنا قاعد ؟ و تقوميها من على الأكل كمان ؟!!!

فريدة بضيق : البنت من أول ما شافتك مش رحماك يا حبيبي و كلامها مش بيخلص. أنا قلت أريحك شوية من الزن ما إنت عارف زن ولادك

يوسف و هو يضرب سطح المائدة بقبضته :

-و أنا كنت إشتكيت لك ؟ 100 مرة قولتلك صوتك مايعلاش على الولاد في وجودي. صوتك مايعلاش أصلاً طول ما أنا قاعد. إيــه مابتفهميش !!!

غضت "فريدة" طرفيها و قالت بشيء من الحرج :

-طيب أنا آسفة.. حقك عليا المرة دي !

رد "يوسف" بغلظة و هو لا ينفك يرمقها شزراً :

-عشي زياد و إسبقيني على الأوضة في كلمتين لازم تسمعيهم. و أنا هاروح أكمل عشايا مع ميرا

و قام و هو يمسح يديه في منديل صغير ...

أطلقت "فريدة" نهدة عميقة و هي تراقب ذهابه، حتى توارى عن ناظريها.. إلتفتت نحو طفلها الصغير و نسخة أبيه المصغرة، كان يجلس في صمت هدوء

إبتسمت له بحب، فركت شعره البني الغزير بأصابعها، ثم قالت و هي تغمر رأسه في حضنها :

-أنا عملالك كوكيز حلوة أووي زيك يا روحي. بس مش هناكلها إلا لما تخلص أكلك الأول أوكي ؟

أومأ الصغير موافقاً، فضحكت له و أخذت تطعمه بيدها ...

•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••

لم يستغرق "عمرو" وقتاً طويلاً للوصول إلى بيت والد زوجته، في الواقع لقد قطع الطريق كلمح البصر بدون مغالاة... بعد أن تلفن له "سفيان" و أخبره بعودة "ميرا" من رحلتها الإستجمامية

و لكنه أخبره أيضاً بتوعكها الشديد و المفاجئ، و كان سيطلب منه المجيئ، إلا أن الأخير لم ينتظر منه سماع ذلك

و ها هو ذا يقف أمام الوالد و يسأله بوجه شاحب و أنفاس متقطعة :

-خير يا سفيان باشا ! مالها ميرا ؟ جرالها إيه ؟ هي فين ؟!!!!

-خير يا عمرو ماتقلقش ! .. قالها "سفيان" مطمئناً و هو يربت على كتف زوج إبنته، و أكمل بإبتسامة :

-تعالى الأول نقعد نشرب حاجة و نتكلم شوية

عمرو بقلق واضح :

-أيوه يا باشا بس أنا عايز أطمن على ميرا. أشوفها طيب !

سفيان بلطف حازم :

-قولتلك ماتقلقش. هاخليك تشوفها طبعاً.. بس بعد ما نتكلم

-نتكلم في إيه ؟؟!!

-تعالى و أنا أقولك !

و إصطحبه معه إلى الصالون الصغير ...

-خير يا باشا !! .. قالها "عمرو" بتساؤل

و كان يجلس أمامه متململاً ...

نظر له "سفيان" و تنحنح قبل أن يقول بفتور :

-شوف يا عمرو.. إنت طبعاً عارف غلاوتك عندي شكلها إزاي. و عارف أنا بثق فيك أد إيه. في الحقيقة إنت عمرك ما خيبت ظني فيك. من يوم جوزتك بنتي. لحد إنهاردة كنت جدير بالثقة و الأمانة إللي حطتهم فيك.. أنا مهما قلت أو شكرتك مش هقدر أوفيك حقك أبداً

-يا باشا متشكر. إنت مش محتاج تشكرني أصلاً و لا تقول أي حاجة. ميرا مراتي و أنا بحبها و طبيعي أحميها و أعيشها في أمان حتى في بعدك عنها. أنا جوزها !

تنهد "سفيان" مطولاً و شرع في إشعال سيجاراً ...

بدا عليه التردد نوعاً ما، بينما بدأ "عمرو" يشعر بالملل و قلقه في تزايد.. إلى أن عاد "سفيان" يقول بصوته العميق :

-إسمع يا عمرو. سبق و عرفتك قيمة ميرا في حياتي. قولتلك كتير أنا بعتبرها إيه بالنسبة لي.. ميرا إللي طلعت بيها من الدنيا. أخوها موجود آه و له معزة بردو.. بس مش أكتر منها. مش عارف هاتفهمني و لا لأ. بس يكفي أقولك إن من يوم ما إتولدت إتولدت معاها نقطة ضعفي

عقد "عمرو" حاجبيه و هو يقول غير قادراً على إخفاء ذهوله :

-نقطة ضعفك ؟ لأ بجد يا باشا.. حقيقي أول مرة أعرف إن ليك نقطة ضعف. أنا عارف طبعاً إنت بتحب ميرا أد إيه. بس ماجتش في بالي دي. إنها تكون نقطة ضعفك. خصوصاً مع عشرتي لحضرتك و معرفتي بيك شخصياً !

سفيان بإبتسامة ملتوية :

-أديك عرفت يا عمرو.. ميرا نقطة ضعف سفيان الداغر الوحيدة. و أنا ماعنديش إستعداد أخسرها أبداً

عمرو بتوجس : ربنا ما يجيب خسارة. و هاتخسرها ليه بس ؟!!

-ميرا حاولت تنتحر يا عمرو !

جحظت أعين "عمرو" من الصدمة، عندما تلقى هذا الخبر من "سفيان" ...

-إنت بتقول إيه يا باشا ؟ حاولت تنتحر ؟ طب لــيه ؟!!!!

-إنت السبب !

عمرو بصدمة مضاعفة :

-أنا !!!!!

هز "سفيان" رأسه و قال متأسفاً :

-ميرا بنتي.. ست زي أي ست. عاشت طول عمرها بتحلم يبقى ليها طفل. هي صحيح ربت أخوها و إعتبرته إينها. لكن هاتفضل التجربة بالنسبة لها حلم. و إن يكون ليها طفل منها هي بردو. مش هاتقدر تتجاهل النقطة دي جواها. مهما كبرت في السن. هاتفضل تتعذب و العذاب هايكبر مع فكرة إن مش هي السبب في منع الشيء ده !

و ها قد أدرك "عمرو" بيت القصيد ...

إزداد إرتباكه و هو يرد عليه بآسى شديد :

-أنا طبعاً متفهم. كل إللي حضرتك بتقوله. و عارف إن ميرا ضحت في حياتها معايا ! .. و نظر في عينيه مكملاً بصوت أكثر حدة :

-بس أنا كمان ضحيت.. حاجة قصاد حاجة. أكيد حضرتك فاهمني

إبتسم "سفيان" بإنتصار قائلاً :

-كنت عارف إنك هاتقول كده بالظبط !

عمرو بإنزعاج : يا باشا أنا ماقصدش. أنا كنت بقول بس آ ا ..

-لا تقول و لا تعيد ! .. قاطعه "سفيان" بصرامة

-إنت هاتطلق بنتي. واضح إن في حاجة مش مظبوطة في علاقتكوا. و العتب باين أوي في صوتك. عشان كده أنا بعفيك من كل ده و بقولك طلقها يا عمرو

هب "عمرو" واقفاً و هو يصيح بإستنكار :

-أطلق مين ؟ حضرتك عايزني أطلق ميرا ؟ بعد كل ده عايزني أطلقها ؟ ده من رابع المستحيلات !

تطلع "سفيان" إليه من مكانه، و قال بهدوء شديد :

-أنا مش بطلب منك و لا بسألك يا عمرو. أنا بآمرك و بقولك إللي هايحصل.. إنت هاتطلق ميرا

قهقه "عمرو" قائلاً بخشونة :

-مش بالسهولة دي يا باشا. زي ما عمرها ضاع عمري أنا كمان ضاع. ماتفتكرش أبداً إني هاسمحلها تخرج من حياتي المدمرة و تروح تعيش حياتها بعيد و أنا أقف أتفرج عليها.. ميرا. يا تعيش إللي باقي من حياتها معايا. يا مش هاتعيش خالص يا سفيان باشا... عن إذنك !

و إستدار مغادراً ...

-يبقى إنت إللي مش هاتعيش يا عمرو ! .. هكذا حدث "سفيان" نفسه

و كان يدبر الأمر في رأسه !!!!!!!

•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••

كانت "فريدة" تجلس أمام مرآتها، تمشط شعرها بالفرشاة، تضيع وقتها في التزين ريثما يآتي لها زوجها كما قال

لم يطول غيابه، و حضر في هذه اللحظة... رسمت إبتسامة كبيرة على وجهها و قامت من مكانها و هي تدفع بشعرها الطويل للوراء، إلتفتت إليه و سارت نحوه بخيلاء و هي تقول برقة :

-إيه يا قلبي ! ماقفلتش الباب وراك ليه ؟ أنا آكلت زياد و نيمته. و ميرا وراها مذاكرة. تعالى إرتاح و غيّر هدوم السفر دي بقى

و طوقت رقبته بذراعيها، ليزفر "يوسف" بضيق قائلاً :

-فريدة. لو سمحتي أنا عايز أقولك كلمتين.. ممكن تهدي شوية و تسمعيني !

أخذت تقبّله من صدره المكشوف و عنقه متمتمة :

-أنا سمعاك يا حبيبي. كل حاجة فيا سمعاك و عاوزاك.. قول إللي إنت عايزه !

تآفف "يوسف" بضجر و هو يمسك برسغيها و يبعدها عنه بالقدر الكافٍ :

-بقولك عاوزك في حاجة مهمة. إثبتي كده و إسمعيني !

عقدت "فريدة" حاجبيها و قالت بكدر :

-قول يا يوسف. إيه الحاجة المهمة يا سيدي. إتفضل أنا سمعاك أهو !!

إنتظر "يوسف" لبرهة، ثم قال بصوت قوي :

-فريدة أنا هاتجوز.. و المرة دي مش بهزر معاكي و لا بهددك . أنا بتكلم جد. و ده قرار مش هارجع فيه. عشان كده شوفي إنتي عايزة تعملي إيه. لو عايزة تطلقي هاطلقك و حقوقك كلها محفوظة. لو عايزة تفضلي على ذمتي تمام بردو مافيش مشاكل. هاتبقي زي ما إنتي هنا في بيتك و معاكي الولاد و مافيش أي حاجة هاتتغير.. خدي وقتك و فكري كويس. لحد ما أرتب أموري و أرجعلك تاني

و إلتفت ليأخذ سترته من فوق المشجب، ثم رحل ...

رحل و تركها هي تقف كالصنم هكذا، بعد أن صدمها صدمة عمرها، وجدت صعوبة في إبداء أي ردة فعل... إنها مصدومة، مصدومة فقط !!! ............. !!!!!!!!!!!!!!!

يتبع


تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close