رواية في قبضة اللعنات الفصل التاسع عشر 19 بقلم مريم غريب
19 )
_ نبض ! _
لا مجال للتفكير الآن... فلو فكرت لن تتخذ خطوة أخرى واحدة تجاه غرفته، لقد ألغت عقلها تماماً و هي لا تنقطع عن محاولات إقناع قلبها بالذهاب إليه
منذ الليلة الماضية و هي تجرب ذلك، حتى أنها لم تنم، و حالتها مزرية بشدة، بعد الكلام السام الذي سمعته من زوجها المجرم.. عفواً، الذي كان زوجها بيوم من الأيام، رأت أنها تهدر وقتها سُدى، و أنها ربما تضيع فرصة التفاهم مع إبنها
لذلك فقد حسمت أمرها اليوم و ها هي تجتاز الرواق وصولاً إلى غرفته الخاصة ...
طرقت الباب بخفة بادئ الأمر، كان التردد يساورها.. ليزداد طرقها قوة لحظة بلحظة، و تسمرت فجأة... حين سمعت صوته يهتف من الداخل :
-إدخــل !
إبتلعت ريقها بصعوبة، كان وجهها عبارة عن كتلة نار و جبينها بتصبب عرقاً بشدة ...
جففت عرقها في كم كنزتها و أخذت تعبئ أنفاساً عميقة إلى رئتيها بسرعة، ثم برمت مقبض الباب و دفعته بروية و بطء ...
مشت إلى الداخل، و إرتفعت نظراتها شيئاً فشيء.. جمدت في هذه لحظة... عندما إصطدمت برؤيته مباشرةً، حيث كان يجلس أمام الشرفة ممدداً فوق كرسي قابلاً للطي و الغيتار في حضنه يداعبه بأنامله بين الفينة و الأخرى
كان مسترخٍ و رأسه مائل للخلف، عندما شعر بطول مدة الصمت هذه و هو لا يعرف من الذي أقدم على زيارته الآن !
حرك رأسه للأمام و نظر مستطلعاً هوية الزائر ...
-إنتــي !!! .. صاح "سفيان"... الإبن
و هب قائماً من مكانه فوراً، تركه غيتاره فوق الكرسي و إبتعد خطوة رأسياً و هو يقول بغلظة شديدة :
-إنتي إيه إللي جابك هنا ؟ إللي جابك عندي ؟ إطلعــي بــرا. بــرااااااا !
و إحمّر وجهه و برزت عروقه في ثوانٍ من شدة الإنفعال الذي ألمّ به ..
تذرعت "يارا" ببعض القوة لصد هجومه العنيف هذا، فقالت من مكانها بصوت هادئ صاغر لتستميله :
-على مهلك شوية طيب. مالك بس ؟ إهدا يابني أنا آ ا ..
-أنا مش إبنك ! .. قاطعها بعصبية كبيرة
-طيب خلاص إهدا .. قالتها مسايرة لتهدئه
-إهدا أنا جاية أتكلم معاك بس. لازم أتكلم معاك. لازم تسمعني يابنـ .. يا عبد الرحمن !
عقد "سفيان" حاجبيه مستنكراً :
-عبد الرحمن !!
أومأت "يارا" بالإيجاب و قد إمتلأت عينيها بالعبرات.. لتفيض فجأة كالشلالات و هي ترد عليه بصوت أبح :
-أيوه.. عبد الرحمن... إنت عبد الرحمن. ده إسمك الحقيقي. ده إسمك إللي إختارتهولك من قبل ما تتولد. من و إنت لسا في بطني.. قبل ما إتحرم منك يابني !
سفيان بغضب : قولتلك أنا مش إبنك. سامعاني ؟ مش إبنك
يارا و هي تجهش ببكاء مرير :
-لأ إنت إبني.. هي دي الحقيقة. أنا آسفة إنت مضطر تصدقها و تقبلها.. إنت إبني أنا. أنا أمك. جايز عرفت متأخر بس ده ماينفيش الواقع. أنا عمري ما هاسمحلك تبعد عني تاني. أنا أتقهرت عليك بما فيه الكفاية. إتكويت بنارك و أنا فاكرة إنك ميت طول السنين دي. كنت عايشة و أنا متصبرة بفكرة الإنتقام. كنت هاخد تارك. منك إنت و أنا مش حاسة. مش حاسة بيك و لا قلبي شايفك.. أنا عارفة إنك مصدوم. و كارهني دلوقتي و ...
-كارهك دلوقتي و طول عمري ! .. قاطعها للمرة الثانية
لكنه كان هادئاً الآن، هادئاً على نحو خطير... بينما كانت "يارا" تحملق فيه بخرس، مضى صوبها وئيداً و هو يقول بصوت كالفحيح :
-إنتي مش محتاجة تبذلي كل المجهود ده و تقعدي تعيطيلي و تحلفي إنك أمي كل ده عشان أصدقك. حتى لو صدقتك دي مصيبة و نقطة سودا في صالحك.. إنتي فاكرة إني ممكن أخدك بالحضن مثلاً ؟ مستنية أقولك يا ماما ؟ بعد ما سيبتي لي نفسك. إنتي عارفة أنا شايفك إزاي ؟ إنتي في عنيا مش أكتر من واحدة ×××××× !
-إخرس !!!
و قد خرس فعلاً ...
بفعل الصفعة التي طبعتها على خده الأيمن بعزم قوتها، ليغمرها الشحوب فجأة، كلياً، و من بعده الندم مصحوباً بفزع كبير ...
رفعت كفها الذي إمتد إليه للتو و نظرت فيه بإستنكار، ثم نظرت له هو.. لم يكن غاضباً كما توقعت، بل كان يبتسم لها تلك الإبتسامة المزدرية التي تطعن قلبها في الصميم
لم تحتمل التواجد معه أكثر، فإستدارت مهرولة إلى الخارج و هي تكمم فمها الباكي بكفها !
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
لقد مرت نصف ساعة كما وعدها... تقريباً إنتهى الأمر
إنتهى كل شيء، و محى أبيها آثار خطيئتها بالطريقة التي رآها صواب من وجهة نظره، و كانت هي في منتهى الخنوع و الإستسلام، فماذا عساها تفعل ؟
لا يمكنها أن تقف بوجهه، لا يمكنها أن تعصي له أمراً.. أبداً !
كانت لا تزال تحت تأثير التخدير، جزئياً... عندما سمعت صوته آتياً من مسافة بعيدة بادئ الأمر، ثم صار يقترب شيئاً فشيء :
-ميــرا.. ميــرا.. ميــرا !
وجدت صعوبة شديدة في الكلام، عوضاً عن الغصة الخانقة التي تقبض على حنجرتها بشدة.. شعرت بدموعها تفيض عبر عينيها المغمضتين، و أحست بأصابع أبيها القاسية تزيل ما يمكن إزالته.. فالدمع على ما يبدو يتدفق بلا نهاية ...
-ميرا ! baby إنتي سمعاني ؟ ردي عليا !
رغم لطف نبرته، إلا أنها لم تغفل الإسلوب الآمر الذي يغلفها.. لكنها لم تستطع، لم تحسن تكوين جملة من شدة حزنها و قهرها على الجنين الذي فقدته للتو.. إبنها ....
عاد صوت "سفيان" يتكلم بنفس الصيغة الآمرة من جديد :
-ميــرا.. أنا أبوكي. سمعاني ؟ فتحي عنيكي. إتكلمي !
-إممممم ! .. كان هذا الأنين المتألم كل ما إستطاعت التفوه به
سمعته يقول مجدداً و هي تشعر بيده التي تشد على يدها :
-إنتي بقيتي كويسة دلوقتي.. لازم تقومي. لازم نمشي يا حبيبتي. يلا يا ميرا. فتحي عنيكي !
و لم تعرف كيف إستجابت له هذه المرة، ففتحت عينيها بتثاقل... كانت رائحة ( البينج ) تزعجها كثيراً، و هذا الضوء الأبيض الشديد، أعماها قليلاً، ثم بدأت الرؤية تتوضح، و شاهدت والدها، يقف بجوارها تماماً مطلاً برأسه عليها ...
كانت لا تزال في حجرة العمليات، و لم يكن هناك سواها هي و هو فقط.. جالت بنظرها المكان، و عندما لم تجد الطبيبة التي عزمت على إجهاضها نظرت نحو أبيها
سألته و عيناها لا تكفان عن ذرف الدموع الساخنة :
-خلاص ؟ خلصت ؟!
-خلصتي آه ! .. كان وجهه مقنعاً بالجمود و هو يخاطبها
بينما غمرتها موجة من الآسى جعلتها تنفجر باكية بحرقة شديدة، ليحاول "سفيان" تهدئتها و هو يقول :
-خلاص يا ميرا. إهدي.. كله هايبقى كويس !
قلت "ميرا" نائحة بمرارة كبيرة :
-إيه إللي هايبقى كويس ؟ إبني مات. أمنيتي الوحيدة راحت. كل حاجة إنتهت بالنسبة لي. كل حاجة خلصت. أنا إنتهيت خلاص !!
أمسك "سفيان" بكتفيها و قرب وجهه منها قائلاً بصوت خافت ملؤه الحزم :
-عمرك ما تنتهي طول ما أبوكي عايش. طول ما أنا موجود مافيش أي حاجة ممكن تمسّك.. سمعاني ؟
لكنها إستمرت في البكاء و الإنهيار أكثر فأكثر، ليعيد عليها بصرامة :
-ده كان درس ليكي. كان لازم أعمل فيكي كده. إتعلمتي تداري عليا و تغلطي من ورا ضهري. تخيلي إيه إللي كان ممكن يحصلك لو كنت عرفت متأخر ؟ كنت هاتصرف إزاي ؟.. خلاص يا ميرا بطلي عياط. إنتي سليمة. إبنك كويس محدش لمسه !
و كفت فجأة
حملقت فيه مصدومة، إعتصرت جفنيها من الدموع حتى تراه جيداً و قالت بلهجة متأثرة بالتخدير :
-دادي ! إنت بتقول إيه ؟ أنا سليمة ؟ و . و إبني. إبني كويس ؟ يعني هو لسا في بطني ؟!!!
و إرتفعت يدها إلى بطنها على الفور، أخذت تتحس حدبتها التي برزت حديثاً، كانت تبحث عنه، عن نبضه، حتى تتأكد بنفسها.. و لكن جاء التأكيد القاطع من أبيها مرة أخرى :
-إنتي كويسة يا ميرا. إنتي و إبنك بخير .. و أكمل مجففاً دموعها بكفه الكبير :
-معقول أنا أعمل فيكي كده ؟ أنا أحرق قلبك بالطريقة دي ؟ بعد ما ضحيت بعمري و بكل حاجة عشانك. إنتي عمري أصلاً !
إندفعت ضحكة قصيرة منها في هذه اللحظة، و ما لبثت أن أطلقت ضحكة أخرى متقطعة و هي تبكي و تقول بنفس الوقت :
-دادي.. Thanks.. Thanks.. Thanks.. Thanks !
و بدت أنها لن تكف عن تكرار تلك الجملة، ليبتسم "سفيان" بحنان و هو يقاطعها بلطف :
-تمام يا حبيبتي تمام.. You most welcome !
و إنحنى ليقبل يدها و جبينها، و بدورها تعلقت به و إحتضنته بقوة... هذا أبيها، هذا هو أبيها !!! ....... !!!!!!!!!!
يتبع ...
_ نبض ! _
لا مجال للتفكير الآن... فلو فكرت لن تتخذ خطوة أخرى واحدة تجاه غرفته، لقد ألغت عقلها تماماً و هي لا تنقطع عن محاولات إقناع قلبها بالذهاب إليه
منذ الليلة الماضية و هي تجرب ذلك، حتى أنها لم تنم، و حالتها مزرية بشدة، بعد الكلام السام الذي سمعته من زوجها المجرم.. عفواً، الذي كان زوجها بيوم من الأيام، رأت أنها تهدر وقتها سُدى، و أنها ربما تضيع فرصة التفاهم مع إبنها
لذلك فقد حسمت أمرها اليوم و ها هي تجتاز الرواق وصولاً إلى غرفته الخاصة ...
طرقت الباب بخفة بادئ الأمر، كان التردد يساورها.. ليزداد طرقها قوة لحظة بلحظة، و تسمرت فجأة... حين سمعت صوته يهتف من الداخل :
-إدخــل !
إبتلعت ريقها بصعوبة، كان وجهها عبارة عن كتلة نار و جبينها بتصبب عرقاً بشدة ...
جففت عرقها في كم كنزتها و أخذت تعبئ أنفاساً عميقة إلى رئتيها بسرعة، ثم برمت مقبض الباب و دفعته بروية و بطء ...
مشت إلى الداخل، و إرتفعت نظراتها شيئاً فشيء.. جمدت في هذه لحظة... عندما إصطدمت برؤيته مباشرةً، حيث كان يجلس أمام الشرفة ممدداً فوق كرسي قابلاً للطي و الغيتار في حضنه يداعبه بأنامله بين الفينة و الأخرى
كان مسترخٍ و رأسه مائل للخلف، عندما شعر بطول مدة الصمت هذه و هو لا يعرف من الذي أقدم على زيارته الآن !
حرك رأسه للأمام و نظر مستطلعاً هوية الزائر ...
-إنتــي !!! .. صاح "سفيان"... الإبن
و هب قائماً من مكانه فوراً، تركه غيتاره فوق الكرسي و إبتعد خطوة رأسياً و هو يقول بغلظة شديدة :
-إنتي إيه إللي جابك هنا ؟ إللي جابك عندي ؟ إطلعــي بــرا. بــرااااااا !
و إحمّر وجهه و برزت عروقه في ثوانٍ من شدة الإنفعال الذي ألمّ به ..
تذرعت "يارا" ببعض القوة لصد هجومه العنيف هذا، فقالت من مكانها بصوت هادئ صاغر لتستميله :
-على مهلك شوية طيب. مالك بس ؟ إهدا يابني أنا آ ا ..
-أنا مش إبنك ! .. قاطعها بعصبية كبيرة
-طيب خلاص إهدا .. قالتها مسايرة لتهدئه
-إهدا أنا جاية أتكلم معاك بس. لازم أتكلم معاك. لازم تسمعني يابنـ .. يا عبد الرحمن !
عقد "سفيان" حاجبيه مستنكراً :
-عبد الرحمن !!
أومأت "يارا" بالإيجاب و قد إمتلأت عينيها بالعبرات.. لتفيض فجأة كالشلالات و هي ترد عليه بصوت أبح :
-أيوه.. عبد الرحمن... إنت عبد الرحمن. ده إسمك الحقيقي. ده إسمك إللي إختارتهولك من قبل ما تتولد. من و إنت لسا في بطني.. قبل ما إتحرم منك يابني !
سفيان بغضب : قولتلك أنا مش إبنك. سامعاني ؟ مش إبنك
يارا و هي تجهش ببكاء مرير :
-لأ إنت إبني.. هي دي الحقيقة. أنا آسفة إنت مضطر تصدقها و تقبلها.. إنت إبني أنا. أنا أمك. جايز عرفت متأخر بس ده ماينفيش الواقع. أنا عمري ما هاسمحلك تبعد عني تاني. أنا أتقهرت عليك بما فيه الكفاية. إتكويت بنارك و أنا فاكرة إنك ميت طول السنين دي. كنت عايشة و أنا متصبرة بفكرة الإنتقام. كنت هاخد تارك. منك إنت و أنا مش حاسة. مش حاسة بيك و لا قلبي شايفك.. أنا عارفة إنك مصدوم. و كارهني دلوقتي و ...
-كارهك دلوقتي و طول عمري ! .. قاطعها للمرة الثانية
لكنه كان هادئاً الآن، هادئاً على نحو خطير... بينما كانت "يارا" تحملق فيه بخرس، مضى صوبها وئيداً و هو يقول بصوت كالفحيح :
-إنتي مش محتاجة تبذلي كل المجهود ده و تقعدي تعيطيلي و تحلفي إنك أمي كل ده عشان أصدقك. حتى لو صدقتك دي مصيبة و نقطة سودا في صالحك.. إنتي فاكرة إني ممكن أخدك بالحضن مثلاً ؟ مستنية أقولك يا ماما ؟ بعد ما سيبتي لي نفسك. إنتي عارفة أنا شايفك إزاي ؟ إنتي في عنيا مش أكتر من واحدة ×××××× !
-إخرس !!!
و قد خرس فعلاً ...
بفعل الصفعة التي طبعتها على خده الأيمن بعزم قوتها، ليغمرها الشحوب فجأة، كلياً، و من بعده الندم مصحوباً بفزع كبير ...
رفعت كفها الذي إمتد إليه للتو و نظرت فيه بإستنكار، ثم نظرت له هو.. لم يكن غاضباً كما توقعت، بل كان يبتسم لها تلك الإبتسامة المزدرية التي تطعن قلبها في الصميم
لم تحتمل التواجد معه أكثر، فإستدارت مهرولة إلى الخارج و هي تكمم فمها الباكي بكفها !
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
لقد مرت نصف ساعة كما وعدها... تقريباً إنتهى الأمر
إنتهى كل شيء، و محى أبيها آثار خطيئتها بالطريقة التي رآها صواب من وجهة نظره، و كانت هي في منتهى الخنوع و الإستسلام، فماذا عساها تفعل ؟
لا يمكنها أن تقف بوجهه، لا يمكنها أن تعصي له أمراً.. أبداً !
كانت لا تزال تحت تأثير التخدير، جزئياً... عندما سمعت صوته آتياً من مسافة بعيدة بادئ الأمر، ثم صار يقترب شيئاً فشيء :
-ميــرا.. ميــرا.. ميــرا !
وجدت صعوبة شديدة في الكلام، عوضاً عن الغصة الخانقة التي تقبض على حنجرتها بشدة.. شعرت بدموعها تفيض عبر عينيها المغمضتين، و أحست بأصابع أبيها القاسية تزيل ما يمكن إزالته.. فالدمع على ما يبدو يتدفق بلا نهاية ...
-ميرا ! baby إنتي سمعاني ؟ ردي عليا !
رغم لطف نبرته، إلا أنها لم تغفل الإسلوب الآمر الذي يغلفها.. لكنها لم تستطع، لم تحسن تكوين جملة من شدة حزنها و قهرها على الجنين الذي فقدته للتو.. إبنها ....
عاد صوت "سفيان" يتكلم بنفس الصيغة الآمرة من جديد :
-ميــرا.. أنا أبوكي. سمعاني ؟ فتحي عنيكي. إتكلمي !
-إممممم ! .. كان هذا الأنين المتألم كل ما إستطاعت التفوه به
سمعته يقول مجدداً و هي تشعر بيده التي تشد على يدها :
-إنتي بقيتي كويسة دلوقتي.. لازم تقومي. لازم نمشي يا حبيبتي. يلا يا ميرا. فتحي عنيكي !
و لم تعرف كيف إستجابت له هذه المرة، ففتحت عينيها بتثاقل... كانت رائحة ( البينج ) تزعجها كثيراً، و هذا الضوء الأبيض الشديد، أعماها قليلاً، ثم بدأت الرؤية تتوضح، و شاهدت والدها، يقف بجوارها تماماً مطلاً برأسه عليها ...
كانت لا تزال في حجرة العمليات، و لم يكن هناك سواها هي و هو فقط.. جالت بنظرها المكان، و عندما لم تجد الطبيبة التي عزمت على إجهاضها نظرت نحو أبيها
سألته و عيناها لا تكفان عن ذرف الدموع الساخنة :
-خلاص ؟ خلصت ؟!
-خلصتي آه ! .. كان وجهه مقنعاً بالجمود و هو يخاطبها
بينما غمرتها موجة من الآسى جعلتها تنفجر باكية بحرقة شديدة، ليحاول "سفيان" تهدئتها و هو يقول :
-خلاص يا ميرا. إهدي.. كله هايبقى كويس !
قلت "ميرا" نائحة بمرارة كبيرة :
-إيه إللي هايبقى كويس ؟ إبني مات. أمنيتي الوحيدة راحت. كل حاجة إنتهت بالنسبة لي. كل حاجة خلصت. أنا إنتهيت خلاص !!
أمسك "سفيان" بكتفيها و قرب وجهه منها قائلاً بصوت خافت ملؤه الحزم :
-عمرك ما تنتهي طول ما أبوكي عايش. طول ما أنا موجود مافيش أي حاجة ممكن تمسّك.. سمعاني ؟
لكنها إستمرت في البكاء و الإنهيار أكثر فأكثر، ليعيد عليها بصرامة :
-ده كان درس ليكي. كان لازم أعمل فيكي كده. إتعلمتي تداري عليا و تغلطي من ورا ضهري. تخيلي إيه إللي كان ممكن يحصلك لو كنت عرفت متأخر ؟ كنت هاتصرف إزاي ؟.. خلاص يا ميرا بطلي عياط. إنتي سليمة. إبنك كويس محدش لمسه !
و كفت فجأة
حملقت فيه مصدومة، إعتصرت جفنيها من الدموع حتى تراه جيداً و قالت بلهجة متأثرة بالتخدير :
-دادي ! إنت بتقول إيه ؟ أنا سليمة ؟ و . و إبني. إبني كويس ؟ يعني هو لسا في بطني ؟!!!
و إرتفعت يدها إلى بطنها على الفور، أخذت تتحس حدبتها التي برزت حديثاً، كانت تبحث عنه، عن نبضه، حتى تتأكد بنفسها.. و لكن جاء التأكيد القاطع من أبيها مرة أخرى :
-إنتي كويسة يا ميرا. إنتي و إبنك بخير .. و أكمل مجففاً دموعها بكفه الكبير :
-معقول أنا أعمل فيكي كده ؟ أنا أحرق قلبك بالطريقة دي ؟ بعد ما ضحيت بعمري و بكل حاجة عشانك. إنتي عمري أصلاً !
إندفعت ضحكة قصيرة منها في هذه اللحظة، و ما لبثت أن أطلقت ضحكة أخرى متقطعة و هي تبكي و تقول بنفس الوقت :
-دادي.. Thanks.. Thanks.. Thanks.. Thanks !
و بدت أنها لن تكف عن تكرار تلك الجملة، ليبتسم "سفيان" بحنان و هو يقاطعها بلطف :
-تمام يا حبيبتي تمام.. You most welcome !
و إنحنى ليقبل يدها و جبينها، و بدورها تعلقت به و إحتضنته بقوة... هذا أبيها، هذا هو أبيها !!! ....... !!!!!!!!!!
يتبع ...
