📁 آخر الروايات

رواية زخات الحب والحصي الفصل الثامن عشر 18 بقلم شموسة

رواية زخات الحب والحصي الفصل الثامن عشر 18 بقلم شموسة


الفصل الثامن عشر


بقلب تنهشه الوساوس.. وتأسره الهموم جلس زياد في اجتماعه الهام الذي امتد لساعات مع وفد أجنبي .. متمنيا في كل دقيقة أن ينتهي بسرعة حتى يعود للبيت بأي حجة ليطمئن على وجودها فيه ..
وفي الوقت نفسه يوبخ نفسه لتلك الحالة المزرية التي اصبح عليها ..
لكنه لم يكن قادرا على مقاومة ما يشعر به من عذاب .. يعرف نفسه جيدا ..
إنه عالق في حبها بشكل فاق الوصف والتعبير .




بذهن شارد استأذن الجالسين حول طاولة الاجتماعات واستقام ينتحي جانبا .. ليتأكد من الهاجس الذي يسيطر على عقله منذ أن تركها صباحا ... فأمسك بهاتفه ليطمئن نفسه بأن ما يفكر فيه ليس صحيحا .. وأن إغلاقها للهاتف منذ الصباح هو بالتأكيد محض صدفة لأنها رغبت في المزيد من النوم ..


لكن اتصاله بهاتف المنزل وعدم ردها عليه أيضا أرعبه وزاد من قلقه وتوجسه .. فقرر أن يتصل بهاتف العمل ..
ردت زميلة عهد على الهاتف فقال رغم معرفته بأنها ليست في العمل " أريد التحدث مع الأستاذة عهد الدهشان من فضلك"


ليأتيه الرد الذي كان يخشاه حين أجابت " استاذة عهد لم تعد تعمل لدينا يا أفندم .. استقالت .. فكيف يمكنني أن أساعدك ؟"
قال بحشرجة يحاول التأكد مما سمعه " استقالت !!"
صمتت زميلتها لثانية ثم قالت مؤكدة " أجل يا أفندم هل أتشرف باسم سيادتك ؟"


أغلق زياد الخط .. ووقف متقبضا متخشبا كتمثال من الشمع يحاول أن يتماسك ..
قلبه ينزف وكرامته تئن ومشاعر الخذلان تجلده ..
أبعد كل هذا استطاعت أن تفعلها ؟؟!
حتى لو كان ما فعلته من أجل تصحيح علاقته بوالديه .. كيف امتلكت القدرة على التنفيذ؟؟!!!..
كيف طاوعها قلبها أن تتركه وتسافر ..


هل سافرت عهد وتركته ؟!!
أخرجه محامي الشركة من شروده حين ناداه متنحنحا ليغمض زياد عينيه لثانية يتمالك نفسه ثم استدار إلى الحاضرين بوجه جامد يعتذر .. وتحرك عائدا إلى مقعده يمسك بعقدة رابطة عنقه متمنيا لو يستطيع حلها قليلا ليخفف شعوره بالاختناق.
داخله يتمزق وقلبه يتفتت بألم مبرح لقطع صغيرة لكنه تقبض بقوة وصلابة يطالع الوجوه بعدم تركيز ..




دخل عامل البوفيه يضع المشروبات أمام الضيوف فمال زياد على المحامي الذي لاحظ تجهمه وقال بحشرجة " أستاذ عزت .. أنا أشعر ببعض التوعك لكني بالطبع لن استطيع الاستئذان أو تأجيل صفقة هامة كهذه .. لذا أطلب منك أن تدقق بالنيابة عني فيما يقولون.. واذا استطعنا بأي حجة أن نستكمل الاجتماع فيما بعد سيكون هذا من حسن حظي .. ( وبلع ريقه يحاول التجلد ) المهم سأتفاوض أنا معهم لكن كن مستيقظا لربما أخفقت بشيء "
نظر إليه عزت بتعاطف ثم قال بخفوت " تبدو بالفعل مريضا إنك تتعرق "


قبض زياد على أعصابه ونظر لأعضاء الوفد الأجنبي يرسم ابتسامة مجاملة بصعوبة بينما صب عزت له كوبا من الماء ليرشف الأخير منه رشفة واحدة كانت مرة كالعلقم .. ويعود للتحدث بالإنجليزية وكفه الموضوعة على الطاولة تزداد تقبضا دون أن يدري حتى ابيضت مفاصل أصابعه .


قبل ساعات


خرجت عهد من غرفة النوم متعجلة بعد أن ارتدت حلة رسمية باللون الرمادي وصففت شعرها على شكل عقدة منخفضة خلف رأسها مرتبة بعناية مع زينة خفيفة على الوجه وطلاء شفاه باللون الوردي يتناسب مع بشرتها البيضاء.


لقد تأنقت أكثر من المطلوب لمقابلات التقدم للحصول على وظيفة ..
وكيف لا تتأنق وهي ستقابل زياد الحب بعد قليل .


أرادت مفاجأته بالانضمام له في شركته راغبة في مساندته .. وخططت لهذا الأمر من اليوم الأول الذي عادت فيه للعمل بعد الزواج .. وما ساعدها في الحصول على اخلاء طرف سريع بعد تقديمها الاستقالة هو أنها كانت عائدة من إجازة ولا يوجد في عهدتها أعمال تحتاج لوقت لتسليمها لزميل .. ففاتحت رئيسها المباشر فيما هي عازمة عليه وقضت بقية الأيام تستعد للمغادرة ..


كانت ستستقيل في كل الأحوال بعد أن حصلت على تأشيرة السفر لألمانيا .. لكنها أرادت أن تقف خلف زياد وتدعمه في عمله .. واشفقت عليه من شعوره بعدم الراحة بسبب عملها مع يونس رغم أنها تقريبا تمر أيام لا تقابل الأخير فيها..
حتى أنها استقالت بدون أن تخبر يونس ويتملكها الحرج الشديد بسبب ذلك .. فهو من منحها هذه الفرصة .. كما أن ما بينهما من صداقة وعشرة توجب عليها أن تخبره بنفسها .. لكنها خشيت أن يخبر زياد قبل أن تخبره هي فيضايق ذلك الأخير .. وبالطبع من غير اللائق أن تطلب من يونس بألا يخبر زوجها .. لهذا قررت ألا تخبر يونس رغم استشعارها بالحرج منه .. ونوت أن تعتذر له فيما بعد .. وتدعو في سرها ألا يعلم الأخير بالخبر في المصنع قبل أن تفاجئ هي زياد اليوم في الشركة ..
وبالرغم مما عزمت عليه .. لكنها لا تزال خائفة من أن تضغط على زياد بما ستفعل في نفس الوقت الذي يضغط عليه والديه في الانفصال عنها .. ولا تعرف إن كان ما تفعله صواب أم خطأ ؟..
يصب في مصلحته أو ضده؟ ..
يساعده أم يصعب الأمور عليه ؟..
لكنها أرادت أن تثبت له أنها تحبه ومتمسكة به رغم مخاوفها من أن تضره بهذا الحب ..
وقفت عهد في الصالة تضع يدها على صدرها لتنظم أنفاسها مطمئنة نفسها بأن التأشيرة لا تزال موجودة .. وبأنها ستتمسك به حتى آخر نفس .. لكن اذا ما وجدته يعاني من تمسكها به .. سترحل بعيدا .. وطلبت من الله أن يمنحها القوة لفعل ذلك ..
للرحيل ..
لتركه إذا ما تطلب الأمر .


تذكرت بأنها نسيت ملف أوراقها الذي يتضمن سيرتها الذاتية وشهاداتها.. فعادت بسرعة لغرفة النوم تلتقطه من فوق طاولة الزينة وتهرول نحو غرفة المعيشة ووقفت تشرب قهوتها على عجل وتتخيل رد فعل زياد حين تدخل عليه تطلب العمل معه ..


بحثت في حقيبة يدها عن هاتفها لكنها لم تجده .. فجرت مجددا نحو غرفة النوم لتلتقط الهاتف من فوق السرير عائدة لغرفة المعيشة ثم وقفت من جديد في الممر المؤدي للغرف الداخلية تهدئ من روعها .. ساخرة من نفسها على حالتها المتوترة المرتبكة ..وأخذت تسحب نفسا منتظما لتهدأ .. ثم ضيقت عيناها تتطلع في هاتفها مفكرة .. إذا اتصل بها زياد وهي في الطريق وردت سيكتشف بأنها في الشارع وسيحرق لها المفاجأة .. فكرت لثوان ألا ترد عليه إذا ما اتصل لكنها عادت تخبر نفسها بأنه قد يقلق ويترك مكتبه ويأتي ليطمئن عليها .. تعرفه مجنون ويقوم بأشياء غير متوقعة .. فقررت أخيرا أغلاق هاتفها خلال هذه الساعة التي ستستغرقها للوصول لمكتبه ومقابلته ..



ابتسمت عهد بتسلي وهي تغلق الهاتف.. لكن تلك الابتسامة طارت من على وجهها سريعا حين رن جرس الباب فتعجبت .. مَن مِن الممكن أن يأتيهم في هذا الوقت من الصباح .. وتمنت ألا يكون محصل فاتورة الكهرباء الذي تحرجت أمامه المرة الماضية وهي محبوسة لا تجد المفتاح .. لكن قبل أن تتحرك نحو الباب شعرت بأن احدهم يفتحه من الخارج فارتبكت لأول وهلة ..



أيمكن أن يكون زياد وضاعت مفاجأتها ؟!!.. لكنها استبعدت ذلك بعد أن انتبهت لأن القادم ضغط على الجرس أولا.. لتتفاجأ بوالدة زياد تقف عند حدود الباب تتطلع حولها بحرج.. حتى تلاقت عينيهما .
تلجمت عهد وانعقد لسانها من المفاجأة.. فقالت ناهد بهدوء" صباح الخير عهد (واكملت بحرج وهي تشير للمفتاح ) آسفة ضغطت على الجرس وحين لم يفتح أحد تصرفت بعفوية.."


حاولت عهد السيطرة على الارتباك والمفاجأة وغمغمت بكلمات غير مفهومة تشير لها بكفها بأدب للدخول
فتقدمت ناهد نحو غرفة المعيشة تشعر هي الأخرى بالحرج موبخة نفسها أنها فتحت الباب دون إذن ... فرغم أنها شقتها هي وليست شقة زياد وعهد لكن الأمر محرج ومربك وغير لائق .


جلست ناهد بأناقة تضع ساقا فوق الأخرى ثم هتفت باندهاش وهي تطالع ما ترتديه عهد " هل كنت تنوين الخروج .. لقد علمت من زياد وهو يلقي عليّ تحية الصباح منذ قليل على الهاتف بأنه خرج اليوم وحده وأنك فضلت الراحة اليوم.. لهذا وجدتها فرصة جيدة لنتحدث سويا في عدم وجود زياد"
ضربات قلبها تزداد وشعور بالإحباط الشديد تملك من عهد .. بعد أن كانت متحمسة للمفاجأة التي تعدها لزياد .. لكنها حاولت التماسك وسألتها بهدوء" اخبريني ماذا تشربين أولا .. لدي قهوة ممتازة (ثم ارتبكت لتقول) أقصد إذا كنت تحبين القهوة (ثم استدركت بلجلجة كرهتها من نفسها وهي تقف بارتباك واضح أمام ناهد) وعندي عصير إذا اردت"
قالت ناهد بتعاطف مع ارتباكها " لا بأس بالقهوة "


اسرعت عهد نحو المطبخ ممتنة لهذه الفرصة لالتقاط أنفاسها من المفاجأة .. وفكرت في الاتصال بزياد لتخبره بوجود والدته لكنها تذكرت أنها أتت بدون علمه فأسرعت لتجهيز القهوة وذهنها مشغول بألف سؤال وسؤال مرددة في سرها "تماسكي يا عهد أنت شجاعة وستفعلين كل شيء في مصلحته"


مدت ناهد يدها للملف الموضوع على الطاولة القصيرة التي تتوسط الارائك وتفحصت محتواه بسرعة وهي تراقب عهد التي توليها ظهرها في المطبخ .. فتعرفت سريعا على بياناتها وشهاداتها والدورات التي حصلت عليها واللغات التي تتقنها وما إلى ذلك لتتركه بسرعة بعد أن شعرت بعهد عائدة.. لتتفحصها بنظرة انثى مقيِّمة لزوجة ابنها قبل أن تشكرها بلباقة حين وضعت القهوة أمامها ثم جلست على الأريكة المقابلة .


لاحظت عهد كيس كبير كانت ناهد قد دخلت به موضوعا على المنضدة فقالت متهكمة بدون قصد وهي تشير إليه "يبدو أن المبلغ كبير"
عقدت ناهد حاجبيها وغمغمت بعدم فهم "أي مبلغ؟"
قالت عهد موضحة " المبلغ الذي ستعرضينه عليّ لأترك زياد .. هكذا يفعلون في الدراما.. تأتي أم الزوج وتعرض على زوجة ابنها الغير مرغوب فيها مبلغا من المال لتتركه .. لكن النقود تكون في حقيبة سوداء وليس في كيس"


خرجت النكتة من فم عهد دون قصد منها سهما مؤلما أصاب قلب ناهد التي رفعت حاجبيها ثم سألتها باهتمام "وماذا كانت تفعل زوجة الابن عادة في هذه القصص؟"


تنهدت عهد واجابت " عادة كانت ترفض أن تأخذ المال حتى تثبت للمشاهدين ولأهله أنها تحبه .. ثم تقرر أن تتركه وترحل مضحية بسعادتها من أجله "
تناولت ناهد كوب القهوة بهدوء ورشفت منه وهي تسألها بنظرة ماكرة" وهل ستفعلين أنت نفس السيناريو؟"


قالت عهد وهي تسند بيديها إلى جانبيها على الاريكة وجذعها يهتز بحركة خفيفة متوترة" الحقيقة لو كان زياد لن يتألم لذلك سأفعلها .. (وتهدج صوتها وهي تضيف ) حتى لو كان ذلك سيمزق قلبي ويقتلني.. (ونظرت في عيني ناهد مؤكدة ) لو تستطيعين تنفيذ ذلك يا هانم .. لو تستطيعين التأكيد لي بأن زياد لن يتألم سأفعلها من أجله .. ( وتحشرج صوتها ) أنا عشت حتى قبل يومين من زواجي منه أراه بعيد المنال وكنت أنوي السفر لألمانيا"


وضعت ناهد الكوب البورسلين على المنضدة وعدلت من جلستها لتضع ساقيها ملتصقتان تميلان قليلا إلى يسارها وبقيت صامتة .. متفحصة .. محللة .. فأكملت عهد بلهجة متوسلة ليست من شيمها " ناهد هانم .. ربما لم تتسنى لنا الفرصة ليقدمني زياد لك بالشكل اللائق.. لكن صدقيني.. لا أنا ولا هو تعمدنا أن نتزوج بهذه الطريقة.. الأمر كان من تدبير القدر ليختصر علينا المسافات الكبيرة بيننا .. ولا أرغب في أن يغضب قلبك على زياد .. لن أرضى له بهذا أبدا .. لكني استحلفك بالله أن تمنحي زواجنا فرصة .. ( وارتجف صوتها تضيف باختناق ) ربما لا أعرف كيف أكون زوجة جيدة .. أو زوجة ابن تتشرفين بها أمام الناس فلم تعلمني أمي أيا من هذه الأمور .. وربما لا أملك اسم العائلة الكبير ذا الصيت الذي تمنيتِه لزياد .. رغم أني من عائلة كبيرة في الجنوب لها وزن ليس بهين.. لكني متفهمة أنه من حقك كأم أن تتفاخري بنسب عائلة معروفة في محيط معارفك .. لكن ما أنا متأكدة منه كاسمي .. أني أحب زياد .. أحبه جدا .. ولم استطع الفكاك من هذا الحب من مراهقتي حتى الآن .. "


استمرت ناهد في تأملها بصمت فأضافت عهد بلهجة معذبة وقد بدأت الدموع تتدفق من عينيها " أنا أحب ابنك ناهد هانم .. ومستعدة أن أفعل أي شيء من أجله وأي تضحية لا تؤذيه .. هل تعلمين بأني قد حصلت على تأشيرة لألمانيا؟؟.. أي أنني استطيع أن أذهب لو أردت وكما خططت قبل الزواج منه.. لكني لم أقدر.. ولن افعلها إلا لو طلب مني هو ذلك .. ( وسحبت نفسا لتهدئ من انفعالها وتمسح بإصبعها دمعة فرت من طارف عينها ثم أكملت بنفس اللهجة المتوسلة ) أستحلفك بالله ألا يغضب قلبك عليه وامنحينا فرصة .. أنا أريد أن أسعده صدقيني لن تجدي فتاة تحبه بقدر حبي له.. فامنحينا مباركتك "


رق قلب ناهد لها .. واطمأنت بأن القرار الذي اتخذته والذي بسببه أتت هو قرار سليم .. وهو أن تقبل بالأمر الواقع رغما عنها حتى لا تفسد على ابنها سعادته.. لكنها قالت بعتاب " كنت أتمنى أن تكوني أنت يا عهد المبادرة بالذهاب إلينا.. لا أن تنتظري حتى آتي أنا إليك"
قالت عهد بسرعة " صدقيني فكرت في هذا الأمر أكثر من مرة لكني خشيت أن تنفعلي إذا ما رأيتني كما حدث في المرة الماضية وتمرضي "


قالت ناهد موضحة " المرة الماضية لم يكن رد فعلي ضدك أنت .. كان بسبب الخبر الصاعق الذي تلقيته .. ضعي نفسك مكاني.. ابنك الوحيد يتزوج دون أن.. (وتهدج صوتها لتكمل بألم ) دون أن تريه في حلة العريس .. دون أن تعيشي تلك اللحظة مثل أي أم تنتظر هذا اليوم وتنتظر ...."
تغرغرت عيني عهد بدموع التعاطف بينما قطعت ناهد حديثها وفتحت حقيبتها تبحث عن البخاخة لتندفع الأخرى مقتربة منها بسرعة تجلس أمامها على عقبيها قائلة " أرجوك اهدئي ناهد هانم .. أنا اتفهم تماما ما تتحدثين عنه .. ولا أعرف كيف يمكن أن أصلح الأمر"
اعادت ناهد البخاخة لحقيبتها بعد أن استشعرت عدم حاجتها لها .. ومسحت دموعها تقول بهدوء " لا بأس لعله خير .. ( واستحضرت كلمات زوجها ورددت بما قاله لها منذ أيام ) الله سبحانه وتعالى أراد للأمر أن يتم بهذا الشكل فاللهم لا اعتراض على أمره"


لم تجد عهد ما تعقب به فانخرست تتأمل حماتها من هذا القرب .. لقد اختلفت كثيرا عن عشر سنوات مضت حين رأتها أول مرة .. زاد وزنها زيادة محمودة .. وظهرت علامات طفيفة للسن على وجهها رغم أنها تبدو أصغر من منتصف الخمسين من العمر كما أخبرها زياد .. وتغير شكلها بالحجاب .. فحين قابلتها من عشر سنوات لم تكن محجبة .. لكنها ازدادت بحجابها القصير أناقة ورقة وارستقراطية ..


غمغمت عهد وهي لا تزال على جلستها أمامها " اعتقد انك لا تذكرين لقائي بك منذ سنين حين زرت المدرسة لكني اذكرك جيدا .. لأنك اخفتني"


رفعت ناهد حاجبيها وهتفت مندهشة" أنا اخفتك؟!!"
ابتسمت عهد واستقامت تزيح الكيس الكبير من فوق الطاولة الصغيرة وتجلس عليها بجواره ..فلم يعد يفرق بينها وبين ناهد سوى بضع سنتيمترات وقالت مفسرة بحرج "كنتُ وقتها صغيرة ومراهقة ورأيتك مدججة بالحرس والجميع يحسبون لك ألف حساب .. وكنتِ تتفقدين المدرسة كزوجة الوزير .. فشعرت وقتها أن احلامي مع زياد غير منطقية ومحكوم عليها بالفشل "


ردت ناهد مدافعة وقد ضايقها أن تكون مخيفة " أنا كنت كأي أم في زيارة لمدرسة ابنها .. لكن إدارة المدرسة حولت الزيارة لجولة تفقدية فاضطر الحرس للتجول حولي .. خاصة وأنها لم تكن جولة مخطط لها .. لكني كنت أرغب في معرفة المزيد عن ابني الذي كان في حال غريب وقتها( وصمتت قليلا ثم استطردت باقتضاب ) عموما هذا موضوع قديم لا داعي لفتحه"
قالت عهد متفهمة" أعرف .. زياد اخبرني مؤخرا عن موضوع انزلاقه للإدمان في هذه الفترة "
غمغمت ناهد" يبدو انه لا يخفي عنك شيء"
ابتسمت عهد لتقول ناهد فجأة وهي تمسك بالكيس الكبير" بالمناسبة هذه باقي الهدايا التي طلبت من حارس الxxxx توزيعها على الجيران تمهيدا لأن نقيم حفل كبير نقدمك لهم .. لكن علينا اختلاق سببا مقنعا لعدم اخبارهم بزواج زياد.. وابني الذكي أتى بك الى هنا وليس للبناية الأخرى التي لا تربطنا بسكانها أي روابط مثل هنا "


تفاجأت عهد بأن حماتها كانت عاقدة العزم بالفعل لتقبل الأمر فتأثرت لموقفها ولمبادرتها...
تأثرت بشدة وغلبتها المشاعر أن تتقبل هذه السيدة احباطها من زواج ابنها الوحيد بهذا النضج .. فكبرت في عينيها واحترمتها جدا .. لتغمغم والدموع تتجمع في مقلتيها " شكرا ناهد هانم.. شكرا جدا على منحنا هذا القدر من السعادة بمباركتك لزواجنا "


قرصت الدموع عينا ناهد لا تدري لم .. لكن هذه الفتاة تثير عاطفتها بشكل غريب ..بينما امسكت عهد يد حماتها بين يديها تقول بامتنان حقيقي ودموعها تسبقها " أعدك أن أفعل كل شيء من أجل اسعاده .. صدقيني لن تحبه فتاة أكثر مني أبدا أبدا"


تمتمت ناهد بلهجة طفولية وقد اصابتها عدوى البكاء "لكن عليك أن تعرفي بأني سأكون حماة صعبة.. شديدة.. دقيقة فيما يتعلق بابني"
سيطرت على عهد رغبة غريبة لاحتضانها لكنها تحفظت عن اظهار تلك المشاعر المفاجئة وأومأت برأسها موافقة تغمغم " لا بأس سأتحمل كل شيء من أجل زياد"
تطلعت فيها ناهد بتدقيق أكبر .. ثم قالت وهي تمسح عينيها " لماذا نبكي؟"


مسحت عهد عينيها وأجابت بابتسامة " لا أدري لكني سعيدة جدا جدا شكرا لك"
رن جرس الباب .. فعاقدتا حاجبيهما لتسألها ناهد "هل تنتظري احد؟"
ردت عهد باندهاش وهي تجفف وجهها من الدموع" كلا (ثم غمغمت باستدراك ) سوى محصل الكهرباء .. أتمنى ألا يكون هو"
سألتها ناهد بعدم فهم " لماذا؟؟... هل يتهرب ابني من دفع فاتورة الكهرباء؟!!!"


ردت عهد وهي تتحرك لتفتح الباب " لا .. لكنه حبسني ذات يوم وأغلق عليّ الباب من الخارج وجاء المحصل ولم استطع فتح الباب فكنت محرجة جدا وطلبت منه أن يأتي في وقت آخر"
اتسعت عينا ناهد تهتف باندهاش "لماذا حبسك ؟؟"
احمر وجه عهد وادركت أنها تسرعت في ذكر هذا الموضوع الذي لن تستطيع البوح بالسبب الذي دفع زياد لأن يفعل ذلك فقالت بمراوغة قبل أن تنظر في العين السحرية "كان يمزح"


جعدت ناهد جبينها تحاول استيعاب هذه المزحة الغريبة بينما قالت عهد بملامح متسائلة "هناك ثلاث نساء لا اعرفهم بالخارج "
جحظت عينا ناهد وانتفضت واقفة تقول بهمس" يا الهي أتمنى ألا تكن من الجارات"
رددت عهد متفاجئة تجاريها في الهمس "الجارات!!"


اسرعت ناهد نحو الباب تنظر من العين السحرية لتقول بهمس " انهن توتي .. وآنو ..وزيزي .. بالتأكيد أتوا بعد أن طلبت من حارس البناية توزيع الهدايا على كل الجيران .. لم احسب حساب لهذا ولست مستعدة لمقابلتهم بعد لكننا مضطرون"
اومأت عهد برأسها لا اراديا رغم أنها لم تفهم ما تقوله حماتها لتقول ناهد بسرعة "هيا اخلعي"
قالت عهد بهمس مصعوقة " ها ؟!!"


قالت حماتها بنفس الهمس " اخلعي سترة الحلة تبدين رسمية جدا .. اعتقد أن قميص السترة الحريري هذا بدون أكمام"
تطلعت فيها عهد بغباء .. ليرن الجرس مرة أخرى فأسرعت بالتنفيذ .. لتجد حماتها قد سحبت المشبك من شعرها الكستنائي المموج لينساب على كتفيها فاحمرت الأخرى خجلا .. بينما اسرعت ناهد تفتح الباب وتستقبل ضيوفها ببشاشة .


ارتبكت عهد وتحول وجهها للون الاحمر .. وهي تتلقى منهم التهاني بينما هن يثنين على جمالها ..
شعور مدغدغ ينتابها لأول مرة.. يتمازج فيه الارتباك مع الاحساس بأهميتها وانوثتها .. وتسللت إليها رغبة في أن تكون في عيون الأخريات تليق بأن تكون زوجة ابن لناهد .. ليس من أجلها كعهد ولكن من أجل اسعاد هذه السيدة ..
استأذنتهن وتحركت نحو المطبخ لتضيفهن.. لتلحق بها حماتها بعد ثوان تسألها "هل عندك ما سيقدم مع الشاي أو القهوة؟"


تسمرت عهد تسألها بغباء " مثل ماذا؟"
قالت ناهد هامسه " جاتو سواريه ..أو سابليه .. أو ساليزون .. أو حتى إنجلش كيك"
هرشت عهد في رأسها تقول" عندي كيك البرتقال أنا من صنعته (واكملت مازحة ) أما الباقي استغفر الله لا ندخل لبيتنا هذا المنكر"


تطلعت فيها ناهد لثانية بينما احمر وجه عهد لا تعرف لم اطلقت هذه المزحة بهذا الاندفاع رغم أنها شخصية يغلب عليها التحفظ لتقول بسرعة" آسفة لم اقصد .. بالطبع أعرف هذه الاصناف لكني لا أشتريها عادة"


غمغمت ناهد وهي تبحث حولها بسرعة "أعرف انك تمزحين أين الكيك؟"
ردت عهد بمزاح آخر " ابنك سيفتعل المشاكل إذا لمسنا صينية الكيك قبل أن يعود .. لقد طلب مني اعدادها في الثانية صباحا "
قالت ناهد وهي تفتح الثلاجة وتخرج منها صينية الكيك " كفي عن المزاح يا عهد "


ردت عهد ببساطة " حاضر ...لكني اتكلم الحقيقة صدقيني"
لملمت ناهد ابتسامة ملحة وقربت الكيك من انفها تشتمها.. لترفع عهد حاجبا .. فظهرت علامات الرضا على وجه حماتها .. لتنزل الأخرى حاجبها بارتياح ووقفت تتابعها وهي تقطع الكيك بيد متمرسة بينما قالت ناهد "أحضري الفناجين"
قالت عهد عاقدة حاجبيها "ألن يشربوا الشاي والقهوة في الأكواب البورسلين !"


تنهدت ناهد وأجابت" حفلات الشاي تقدم في الفناجين يا عهد
أومأت عهد برأسها تتصنع الفهم وردت" أجل تذكرت كنا ندرس ذلك في مادة الاتكيت في المدرسة وكنت دوما اهرب من تلك الحصة لأتدرب حصصا اضافية على تمارين كرة اليد"


استدارت إليها ناهد متفاجئة .. فأسبلت عهد جفنيها تهرش في رأسها بحرج مغمغمة" آسفة لم أكن اعرف بأني سأتزوج زياد وجدي (لاح شبح ابتسامة على وجه ناهد بينما اكملت عهد ) ولنفس السبب أيضا لم اشتري فناجين للأسف "
تغيرت ملامح ناهد وهتفت مصعوقة" هل كسرتم اطقم فناجيني الثمين؟؟!!! "
ردت عهد بسرعة" أقسم بالله لم أرها حتى .. اسألي ابنك ألم يكن يسكن هنا قبلي!!"


قالت ناهد بقلة صبر" ارحميني يا عهد ستجدينهم مرتبين بالتأكيد في إحدى الخزائن "
توجهت تبحث في الخزائن وشعور بالراحة غريب يتملكها بأنها طفلة صغيرة في حضرة امرأة أكثر خبرة.. وعادت إليها بعد دقيقة تضع الفناجين بجانبها ووقفت تراقبها وهي ترتبهم على صينية كبيرة .. وسمعتها تغمغم "لو كان لدينا وقت لكنا طلبنا أي صنف بجانب هذا الكيك"


قالت عهد بتردد" عندي بسكويت وكعك من عند اهلي بالجنوب يسمونه( كعك العروس) "
لمعت عينا ناهد وقالت "ولماذا لم تخبريني من قبل .. هاته بسرعة"
ردت عهد متفاجئة وهي تفتح الخزانة وتحضر علبة من العلب " لم اتوقع أن تعجبك فهي ليست أصنافا أجنبية"


تناولت ناهد منها العلبة بسرعة وقربتها من أنفها لتشتم الكعك والبسكويت ثم قالت برضا" رائع .. بالطبع سيعجبهم .. يكفي أنه مصنوع باليد كهدية مخصوصة للعروس "


توقفت عهد عند معنى الكلام وصاحبته .. ثم رفعت رأسها نحو الخزانة التي تحتوي على باقي العلب ..
ولأول مرة ترى الأمر بهذا الشكل العميق .. لقد كانت تركنهم في الخزانة وزياد فقط من كان يأكل منهم .
قاطعت ناهد أفكارها حين قالت بلهجة موجِهة " سأذهب إليهم لأننا تأخرنا عليهم .. وأنت أكملي رص الاطباق بنفس الشكل وهاتها .."


أومأت عهد برأسها وبدأت في التنفيذ بينما تحركت ناهد خطوة ثم عادت لعهد تقول " افردي كتفيك يا عهد .. لا تمشي بهما متدليان للأمام .. افرديهما وارفعي ذقنك وأنت تدخلين حاملة للصينية"
اومأت عهد مرة أخرى بطاعة غريبة على شخصيتها المعاندة فمدت ناهد يدها ترفع عن وجهها خصلة للخلف وعدلت من ترتيب الخصل على كتفيها مغمغمة بمشاعر صادقة " تبدين أجمل هكذا"
وتحركت تخرج على عجل لتلحق بضيفاتها مضيفة بلهجة حازمة" كما قلت ارفعي ذقنك وانظري أمامك ولا تتوتري كنت متوترة وأنت تسلمين عليهن"


رغبة في البكاء انتابت عهد فغمغمت بصوت متأثر خافت "حاضر "
بينما تركت ناهد المطبخ متوجهة لغرفة الصالون تاركة عهد لثوان تتطلع في أثرها تلتقط الأنفاس .. لكنها لم تجد وقتا لتحليل مشاعرها الغريبة التي تعتريها منذ أن جاءت هذه السيدة فأسرعت ترتب الصينية كتلميذة نجيبة ..لتلحق بحماتها في غرفة الصالون .


مرت عدة ساعات حتى غادرت الضيفات أخيرا بعد أن قضوا الوقت في ابداء اعجابهن بالكعك والبسكويت والكيك .. وسألن عهد عددا من الأسئلة الفضولية الشخصية عنها وعن عائلتها .. فاجابت بما اجابت وراوغت بما أرادت أن تراوغ فيه .. بينما وعدتهم ناهد بدعوتهن لحفل قريب احتفالا بزواج ابنها .. متعللة بأنها ووالد زياد كانا يعلمان بعلاقة الحب التي تجمع زياد بزميلته في الدراسة في المانيا وحين عاد زياد وعهد للوطن قاما بالتوجه فورا من المطار إلى عائلة عهد في الجنوب حيث كان عمها الكبير مريضا فأصرت عائلتها بأن تبقى عهد لديهم حتى موعد الزفاف .. مما اضطر زياد لعقد قرانه عليها بسرعة حتى يستطيع العودة بها للعاصمة حيث أنها لم تعتاد على الحياة في الجنوب.. وأن زياد كان ينوي أن يسافر إليهما بعروسه كمفاجأة خاصة مع وعكة ناهد الصحية الأخيرة التي منعتها من السفر لكنهما كانا منتظران استخراج التأشيرة لعهد.


ثم تحول الحديث بعد ذلك لذكريات كل منهما عن قصة زواجها .. واجترار الذكريات والتغيرات وأخر الصيحات في حفلات الزواج .. فظلت عهد تجاريهم في محاولة منها للاندماج شاعرة بالكثير من الراحة وهي تجلس بجوار حماتها والتي أمدتها بدعم أمومي كانت في حاجة ماسة إليه في جلسة غير متوقعة كهذه.
تطلعت عهد في حماتها التي تودع صديقاتها على الباب .. تتأمل حركاتها وسكناتها وطريقة كلامها وكل ما يخصها .. لتغلق ناهد الباب وتزفر براحة بمرور الزيارة على خير ثم انقلب وجهها للعبوس تقول ببعض التوبيخ وهي تلتقط حقيبتها استعدادا للمغادرة هي الأخرى " في أخر عمري أكذب بسببك أنت وزوجك "


لم تنطق عهد وإنما وقفت تشبك أصابعها خلف ظهرها لتضيف ناهد " سأرحل الآن لأني تأخرت على رأفت .. وسأرتب مع زياد أمور هذا الحفل الذي سنقيمه (وعلقت الحقيبة بأناقة على مرفقها تقول لعهد باهتمام وهي تتطلع في ملابسها ) كنتِ على وشك الخروج صباحا .. إلى أين ؟"
ردت عهد وهي تنظر في ساعة يدها " كنت أود أن أفاجئ زياد في المكتب فهو ( وتنحنحت في حرج ) لا يعرف بأني قد قدمت استقالتي وأنوي أن أجثم على صدره .. أقصد أعمل معه في شركته "


مطت ناهد شفتيها ترمقها بنظرة متسلية ثم قالت "أحببت فكرة المفاجأة .. إذن تعالي لأوصلك في طريقي السائق ينتظر في الأسفل"
شعرت بالسعادة أن وجدت ترحيب من والدته .. فلم تشارك أحد أفكارها من قبل.. فتحركت بحماس ترتدي سترة الحلة النسائية وتلف شعرها وهي تتحرك ناحية أقرب مرآة لتصيح ناهد باعتراض "لماذا تعقصينه في عقدة ؟!!"
قالت عهد مبررة "أنا ذاهبة لمقابلة عمل عليّ أن أكون في هيئة محترفة"


رفعت ناهد حاجبيها وردت باستنكار "وهل أنت في مقابلة عمل حقيقة !"


بررت عهد قائلة "لكن هناك موظفين في الشركة .. أخشى ألا أظهر أمامهم في مظهر محترف”"
اشارت ناهد بيدها تقول" لا تضعي هذه الأمور في رأسك .. المهم زوجك أما الانطباع الاحترافي دعيهم يرونه خلال عملك معهم "


أومأت عهد برأسها موافقة وأسرعت في فرد شعرها المموج .. واخرجت ملمع للشفاه من حقيبتها تطلي به شفتيها.
بعد دقائق كانت عهد مستعدة للخروج فتفحصتها ناهد مرة أخرى بنظرة مدققة شاعرة ببعض الراحة لتقول لعهد مشيرة على الكيس الكبير" خذيه معك لتوزعيه على الموظفين بالمكتب ..ستكون لفتة رائعة"


تخضبت وجنتي عهد وفتحت الكيس لتلتقط منه واحدة من الهدايا وتفحصتها بتأثر .. كانت صرة من التل ملفوفة حول قطع من الحلوى الملونة والشيكولاتة تتوسطهم قطعة من الكريستال على شكل قلب محفور عليه ( زياد & عهد ).
فتغرغرت عيناها بالدموع ولم تدري بنفسها إلا وهي تندفع لتعانق ناهد متمتمة بتأثر "شكرا ناهد هانم .. شكرا جدا جدا"
تفاجأت الأخيرة ..وربتت على ظهرها متعجبة من ذلك التحول الغريب في مشاعرها تجاه هذه البنت فقالت تحاول تصنع الجدية "هيا عليك اللحاق بزياد قبل أن ينتهي وقت الدوام"


ابتعدت عهد تمسح دموعها مغمغمة "لديه اجتماعات هامة اليوم وغالبا هو في اجتماع حاليا لكن لا بأس سأنتظره حتى ينتهي من اجتماعاته (وتحركت خلف ناهد تقول) آسفة لمشاعري الفياضة اليوم .. فكل ما مررت به منذ الصباح حتى الآن كان مفاجئا وغير متوقعا أبدا "
ثم أغلقت عهد الباب خلفها تسبقها لطلب المصعد لتقول ناهد موبخة " كتفيك يا عهد .. ارفعي ذقنك يا بنيتي"
××××


بعد ساعتين


تبادلت فريدة ابتسامات المجاملة مع كلاوديا وصديقها وبعض العبارات بالإنجليزية أمام الفندق وهي ترمق يونس باهتمام الذي انتحى جانبا يرد على مكالمة زياد قائلا باستغراب " ماذا؟؟ .. استقالت ؟؟!! متى وكيف؟؟!!"
هدر زياد على الطرف الآخر فيه صارخا" هذا السؤال أسأله لك يا صاحبي وتصورت بأنك تعلم ولم تخبرني"
صاح يونس بغضب" وكيف سأعرف ولا أخبرك يا بني آدم ؟!!..هل جننت .. سأحقق في هذا الأمر فلم يخبرني أحد لكن .. ( وضيق عينيه يضيف مندهشا ) لماذا أنت عصبي هكذا ؟.. هل حدث شيء ؟.. ألم تخبرك عهد لماذا استقالت؟ .. "


قبل أن يجيب لمح الوفد الأجنبي يهم بالرحيل فقال ليونس بسرعة " سأعاود الاتصال بك فالوفد سيغادر سلام "
وقف يونس يحدق بالهاتف متعجبا .. ثم توجه لكلاوديا التي بادرته بالألمانية" هل هناك مشكلة يا يونس؟"


أجابها يونس بوجه جاد يختفي منه المرح الذي كان طوال الرحلة من المطار للفندق " لا شيء كلاوديا بعض الأمور التي تخص العمل (ثم مد يده يسلم على صاحبها مودعا وهو يتمتم بلباقة ) أتمنى أن تكون اقامتكم سعيدة ( ووجه الحديث لكلاوديا وهو يمسح على شعر ابنها الصغير ) وسأدبر لقاء لنا يضم زياد وعهد أيضا قبل أن تنتهي زيارتكم "


غمغمت كلاوديا بسعادة " سيكون ذلك رائعا يونس .. وشكرا لاستقبالنا ولترتيب برنامج سياحي لنا بدون معرفة الصحافة (وتوجهت لفريدة تقول بالإنجليزية ) سعيدة بمقابلتك فريدة فيونس لم يكف أبدا عن الحديث عنك في ألمانيا حتى أنني واجهته ذات يوم بأنه يحبك لكنه كان ينفي .. الكاذب "


أطرق يونس برأسه يقول بالإنجليزية بملامح بائسة " لم استطع الفرار من شباكها .. كانت تسحر لي غالبا عند عرافة تمارس سحر أسود"
ضربته فريدة على ذارعه بتوبيخ مخضبة الوجنتين بينما قهقهت كلاوديا وصديقها.
بعد قليل كان يونس يغلق الهاتف منهيا مكالمة جماعية مع رئيس عهد المباشر ومدير قسم الموارد البشرية وقد أكد كلاهما أن عهد قدمت استقالتها بعد عودتها من الإجازة وظنا أنه يعلم بقرارها لذا لم يخبراه .. وأن أمس كان آخر يوم لها في العمل.


فحاول الاتصال بها ليعاتبها لكن هاتفها كان مغلقا .. ليزفر يونس بعصبية وهو يضرب على المقود في طريقه عائدا للبيت .. فسألته فريدة باندهاش " أين المشكلة يا يونس في أن تستقيل ؟.. لماذا زياد متوتر بهذا الشكل الذي فهمته من حديثك على الهاتف؟"
قال يونس بحيرة "لا أفهم لكن صوته كان غريبا واقلقني عليه"
حاول الاتصال بزياد لكن الأخير لم يرد فاستدار لفريدة يسألها مغيظا وعلى شفتيه ابتسامة متسلية " لم تخبريني بانطباعك عن آدم ابني وأمه "


حدجته فريدة بغيظ ثم اشاحت بوجهها نحو النافذة .. فعاد يونس لمزاجه الرائق يقهقه وصوت زياد القلق لا يريد أن يخرج من رأسه .



××××


خرج زياد من قاعة الاجتماعات ليودع ضيوفه حتى باب الشركة بذهن شارد لتلحق به السكرتيرة تقول "هناك آنسة تنتظر حضرتك منذ ساعة ونصف وحاولت ابلاغها بأنك مشغول لكنها مصرة على انتظارك"


صاح زياد بعصبية وهو عائد لمكتبه على الناحية الأخرى من غرفة الاجتماعات ليحضر مفاتيحه "لن أقابل أي أحد .. والغي كافة المواعيد التالية أنا سأغادر فورا .."
ورفع الهاتف ليتصل بعهد مجددا .. غير قادر على تحمل الألم أكثر من ذلك ..



صحيح وبخ نفسه ليتماسك ..
صحيح طلب من قلبه ألا يلح عليه ليجري خلفها على المطار إن كانت قد غادرت ..
صحيح كرامته تئن وتمنعه من محاولة اللحاق بها إن كانت قد قررت الرحيل ..
كل هذا صحيح
لكنه مؤلم ..
قاتل..


وكأن روحه ستغادره برحيلها..
فقرر على الأقل أن يسرع للبيت للتأكد من وجودها من عدمه.
قالت السكرتيرة وهي تهرول خلفه" ولكن يا زياد بك هذا الموعد قد تعبنا في الحصول عليه"
استدار زياد يصرخ في وجهها والجنون يتراقص في عينيه "ألا تفهمين .. قلت الغي كل المواعيد .. أنا ذاهب فورا"


وقفت عهد متسمرة في صدمة تحاول استيعاب حالة زياد وقد وصلها صراخه قبل أن يقترب.. وانزعجت من الحالة التي بدا عليها مرجحة أن تكون المفاوضات قد فشلت مع الشركة الأجنبية .. فهمت بالهرولة إليه بمجرد أن ظهر أمامها .


بينما تسمر زياد لثوان جاحظ العينين يحدق فيها متفاجئا بوجودها حتى ظن لوهلة أنه يهلوس .. فتدخلت السكرتيرة تقول بارتباك " الآنسة عهد تصر على مقابلة سيادتك وقد أخبرتها بانشغال جدولك اليوم "
تطلعت فيه عهد تسأله سؤالا صامتا " ما بك؟ .. ماذا حدث؟"
فاندفع زياد نحوها بسرعة يمسك مرفقها قائلا بغضب "أين كنت ؟؟.. ولماذا هاتفك مغلق ؟"


تفاجأت بهجومه فغمغمت وهي تتطلع حولها بحرج والسكرتيرتان تطالعاهما بملامح مصعوقة " زياد ماذا حدث ؟؟؟؟"


سحبها بخشونة نحو غرفة مكتبه وقلبه يوشك أن ينفجر في صدره .. فأغلق الباب ووقف خلفه يتطلع فيها بغير تصديق أنها أمامه وبين يديه .. بينما حدقت فيه عهد تحاول فهم غرابة ما يصدر منه هامسة بذعر "زياد ما بك أخبرني بسرعة؟ "


أخذها زياد بين ذراعيه فجأة في عناق مؤلم لكليهما .. يسحق عظامها بين ضلوعه وكأنه يعاقبها مرددا بهمس " آآآآه يا عهدي آآآآه ..أنت هنا .. أنت هنا "
مسدت عهد على ظهره تقول مفزوعة " زياد أنت ترتجف بشدة .. بالله عليك أخبرني ما بك ؟.. ماذا حدث؟"


ابتعد عنها قليلا ينظر لوجهها ليتأكد من أنها حقيقة .. وخيل لها أن عيناه تلمعان بالدموع ثم سحبها بعيدا عن الباب ليقول بنبرة غاضبة لم تغادره بعد وهو يغرز أصابعه في ذراعها "لماذا لم تخبريني باستقالتك يا عهد؟؟!! "


اتسعت عيناها وشعرت بالإحباط أن علم قبل أن تخبره ليكمل زياد بنفس اللهجة الغاضبة "ولماذا تغلقين هاتفك؟.. ألم تفكري فيّ وكيف سأكون قلقا عليك خاصة حين أعلم بأنك قدمت استقالتك؟ "
تذكرت اغلاقها للهاتف صباحا والذي نسيت أمره تماما فغمغمت بارتباك وهي تبحث في حقيبتها " هاتفي .. آسفة نسيت"
أمسك زياد بكلا ذراعيها يهزها صائحا بعذاب" نسيتِ يا عهد !! .. نسيتِ وأنا أموت هنا ببطء !! "
تطلعت في وجهه مرتبكة تحاول فهم الحالة التي يبدو عليها ليتركها ويجلس على أقرب مقعد يسند رأسه بين يديه يعاني من صداع قاتل .. فأوقعت حقيبتها أرضا واقتربت تجثو أمامه على ركبتيها تبعد يديه عن رأسه وتقول بعينين مغرغرتين بالدموع" آسفة زيزو لم أقصد حدثت أمور أنستني أني أغلقته في الصباح .. كيف .. كيف علمت بأني استقلت من أخبرك ؟.. هل يونس علم وأخبرك ؟"


حضن وجهها بين كفيه قائلا بألم وهو يسحبها لتستقر بين ساقيه ويميل ليلصق جبينه بجبينها محدقا في عينيها " أنا أعيش أيام مرعبة منذ أن حصلت على تأشيرة المانيا ولم تخبريني يا عهد .. كنت أخشى أن تتهوري وتتركيني .. واليوم حين اتصلت بك وكان هاتفك مغلق انتابتني الأفكار المزعجة فقررت أن أطمئن نفسي بأنك في البيت ونائمة لذا اتصلت بعملك أسأل عنك منتظرا أن يكذّبوا ظنوني ويخبروني بأنك في إجازة اليوم لكنهم أخبروني بأنك استقلت .. ( وأكمل بصوت مبحوح معبأ بالألم ) ذهب عقلي وأنا أظنك تركتني وسافرت .. لكني بصراحة لم أكن أنوي اللحاق بك .. فلن أجري خلفك متذللا يا عهدي .. أنا قدمت لك قلبي واسمي وحياتي.. بينما كرامتي هي ما تبقت لي كرجل .. ( وبلع ريقه ثم أضاف ) لكني أعترف بأن البضع ساعات القليلة الماضية كانت مؤلمة يا عهد .. مؤلمة جدا وكأن روحي تُنتزع مني لتغادرني برحيلك"


تألمها بسبب ما عاناه وتلك الحالة السيئة التي بدا عليها أمامها غلب سعادتها بمشاعره وتعلقه بها .. فانفجرت عهد بالبكاء ترتمي عليه وتحيط عنقه بذراعيها بقوة مغمغمة " آسفة زياد .. لم أكن أعرف بأنك علمت بأمر التأشيرة .. لماذا لم تخبرني؟"


أحاطها بذراعيه وشدد من احتضانها قائلا بصوت متأثر "خشيت أن أتعجل المواجهة بيننا .. أردت أن أكسب وقتا حتى اقنع والداي بزواجنا .. كنت أقلل الجبهات التي أحارب فيها يا عهد ( وأبعد رأسه عنها ليتطلع في وجهها يضيف بحشرجة ) كما أنني ( وصمت يبلع ريقه ثم أكمل ) كنت أريد أن أرى بنفسي إن كنت ستتمسكين بي أم لا .. ستتحملين من أجلي أم لا "


قالت بوجه غارق في الدموع وهي ترفع يديها لتحضن وجهه "أنا من أجلك أتحمل أي شيء يا زياد .. وأعيش معك في أي مكان .. ولو لم يكن رضا أهلك مهم بالنسبة لك لم أكن لأعاني أبدا .. لكني لم أكن أعرف ماذا عليّ أن أفعل .. أتمسك بك أم أتركك من أجل مصلحتك ؟.. كنت غارقة في مخاوفي .. ثم قررت أن أقوم بالمحاولة الأخيرة بالتمسك بك .. (وحدقت في عينيه بعشق تقول من بين دموعها ) لهذا استقلت لأعمل معك هنا .."
اتسعت عيناه متفاجئا لتكمل عهد " اليوم كنت اخطط لمفاجأتك باللحاق بك إلى هنا أطلب وظيفة في شركتك لهذا أغلقت الهاتف حتى لا تتصل بي وأنا في الطريق وتكتشف الأمر .. وخشيت ألا أجيب على الهاتف فتقلق لهذا أغلقته .. لكني تفاجأت بوالدتك عندنا في الشقة صباح اليوم"


هتف زياد بدون تصديق" أمي !! .. أمي جاءت اليوم إلى شقتنا ( وأكمل بلهجة قلقة ) وماذا حدث ؟"
مسحت عهد دموعها وجلست بين ساقيه أرضا ترفع إليه نظراتها قائلة " لم نقل شيئا معينا .. لكنها كانت تحاول تجاوز الصدمة بطريقة تستحق الثناء والاحترام"


تراقصت الفرحة في مقلتي زياد فأكملت عهد بابتسامة "ووزعت على الجيران هدايا بمناسبة زواجنا"


رفع زياد حاجبيه ثم اتسعت ابتسامته فأضافت عهد" ثم حضرت بعض الجارات لتحية والدتك وقضيت الوقت معهن حتى أوصلتني والدتك بعدها إلى هنا .. "
كان قلبه يتقافز في صدره من السعادة ..



عجيبة هي الاقدار أخذته من قمة الحزن إلى قمة الفرح بامتثالها أمام عينيه الآن .. ولقيام والدته بخطوة حكيمة كهذه ستقضي على معاناته .. فمد يديه يمسك بذراعيها ليدنيها منه فوقفت عهد على ركبتيها بين ساقيه ..ليمسح بقايا الدموع من على وجهها قائلا "
أعتقد أننا نحتاج لأن نقلل من حمايتنا لبعضنا بكتمان ما نفكر فيه يا عهدي .. أن نتشارك في أفكارنا ومخاوفنا معا .. عليّ أن أثق في أنك لن تتركيني .. وعليك أن تثقي في أني لن أتركك مهما حدث "
أومأت برأسها موافقة ليحضن زياد صدغيها بكفيه قائلا أمام شفتيها " قلت لماذا أتيت اليوم؟ "
غمغمت بخفوت "كنت أبحث عن وظيفة لديكم"


التهم شفتيها في رد عنيف على طلبها .. فتشبثت بتلابيبه وكأنها تخبره في قبلتها بخلطة المشاعر التي مرت بها منذ الصباح .. لكن طرقا على الباب بعد دقائق جعلهما يفترقان بسرعة ..فوقفت عهد على قدميها تعدل ملابسها وتمسح بقايا الدموع عن وجهها .. ليقول زياد بلهجة جادة وهو يستقيم هو الأخر "ادخل".


عدلت عهد من شعرها بينما دخلت السكرتيرة تقول بعد أن اختلست نظرة فضولية تجاه عهد" آسفة زياد بك لم أجد الفرصة لألغي هذا الموعد ووصل الضيوف إلى قاعة الاجتماعات "
تنحنح زياد قائلا "حسنا لا بأس أنا قادم لا تلغي أية مواعيد"


خرجت السكرتيرة ليقترب زياد من عهد قائلا بلهجة ذات مغزى وهو يلف ذراعه حول خصرها يضمها إليه "وأنت انتظريني هنا حتى أنتهي من الاجتماعات وآتي إليك لأختبر مؤهلاتك وامكانياتك التي ستؤهلك للعمل هنا "


احمر وجهها لكنها قالت مضيقة عينيها " يبدو أنك تُخضع كل من يأتي للعمل للفحص زياد بك .. بدليل أن شركة صغيرة كهذه بها اثنين من السكرتيرات مرة واحدة .. والاثنتان ترتديان القصير والضيق وتحدقان فيك بوله"


انفجر زياد ضاحكا .. فرُدت إليها روحها بضحكته لكنها لملمت ابتسامتها لتطالعه بوجه حازم ليميل زياد ويبعد شعرها عن كتفها ويطبع قبلة على عنقها .. ثم ضمها إلى صدره بقوة مغمغما بتأثر بعد أن هدأت ضحكاته " يا عهدي .. كنت قبل ساعة أموت ببطء"
لفت ذراعيها حول جذعه تهمس بحشرجة "بعيد الشر عنك يا حبيب عهد"


ابعدها يقول بلهجة عملية "سأذهب للاجتماع (ورفع اصبعه محذرا )وإياك أن تختفي مرة أخرى .. إياك"


وتحرك نحو الباب ثم توقف يشير لها أن تقترب قائلا "تعال .. نسيت أن أعرف الموظفين عليك"
وأمسك بيدها يخرج من المكتب قائلا لسكرتيرتيه "بالمناسبة هذه ليست الآنسة عهد .. وإنما السيدة عهد الدهشان حرمنا المصون"
اتسعت عينا السكرتيرتين فأضاف زياد " ونائب مدير الشركة من هذه اللحظة "


واستدار لعهد يغمز لها بعينه .. ليدخل عزت المحامي قائلا "أنا تفاجأت بأنك ستكمل اليوم وباقي المواعيد زياد بك .. هل أصبحت بخير؟"
غمغم زياد بلهجة غامضة " لا بأس أصبحت أفضل الآن.. أستاذ عزت هذه زوجتي عهد الدهشان نائب المدير وستشرف على الإدارة المالية في الشركة "


رحب بها عزت بحرارة قبل أن يتركها هو وزياد متجهان نحو غرفة الاجتماعات بينما وقفت عهد متكتفة تطالع السكرتيرتين اللتين لم تتخلصا من المفاجأة بعد ثم قالت وهي تدقق في ملابسهن القصيرة الضيقة بشكل لا يخفى عن فراسة الأنثى بداخلها أنه مقصود " هذا الكيس به هدايا زواجنا .. من فضلكما وزعاها على الموظفين وسأمر مع زياد في وقت آخر ليعرفني عليهم (وتوجهت للأخرى ترمقها بنظرة نارية لفتحة صدر بلوزتها المبالغ فيها وقالت ) قهوتي أشربها بسكر مضبوط .. "


أومأت السكرتيرة برأسها عدة مرات فتركتهما وعادت لمكتب زياد تتأمله ملتقطة حقيبتها من الأرض .. ثم تأملت أدواته الصغيرة المرصوصة بنظام على سطح مكتبه بشكل يستفزها فاقتربت تبعثر بعضها بابتسامة شقية وجلست على كرسيه مستعيدة تفاصيل هذا اليوم الغريب .. ومتألمة لساعات المعاناة التي عاشها زياد بسبب سوء الفهم .. ثم أخرجت هاتفها تفتحه أخيرا مقررة أن تتصل بحماتها لتطمئنها كما وعدتها.


××××


في المساء
"أسافر ؟؟؟؟؟!!.. ولمدة أسبوعين كاملين !"
قالها يونس متفاجئا ومصدوما وهو يقف في مكتب فارس في الفيلا والذي كان يقف مشغولا بالبحث في الملفات التي تملأ سطح المكتب .


فأجاب فارس وهو ينظر إليه بذهن مشغول" أجل.. هل لديك حلا أخر؟ .. لابد أن نقابل الشركة الإيطالية ونوقع معهم العقد بعد عرض منتجاتنا في المعرض الدولي للرخام (وأضاف موضحا أكثر حين أنتبه لوجه يونس المقلوب ) كنت سأبعث بأي من الموظفين للمعرض رغم أهمية وجود أحد منا لكن حين ظهر موضوع هذا العقد واهتمام الشركة الإيطالية بمقابلتنا هناك وتوقيع العقد معنا فلابد أن ننتهز فرصة ذهبية كهذه "


قال يونس بإحباط " ظننتك ستسافر أنت إليهم"
قال فارس وهو يعود لفحص ملفاته "أنت ترى بنفسك أن افتتاح خط الإنتاج الجديد سيكون خلال أيام وعليّ أن أشرف على بعض الأمور بنفسي .. والمعرض سيبدأ يوم السبت .. فعليك بأقصى تقدير أن تكون مساء الجمعة في روما"
أطرق يونس برأسه محبطا بدون رد .. ليتطلع فيه فارس عاقدا حاجبيه مستفسرا "ما بك؟ .. ألا تريد السفر؟"


غمغم يونس بلهجة جادة " الحقيقة كنت أعد نفسي لزفاف قريب وليس سفرة لمدة أسبوعين"
هدر فارس بغضب " أنا اتحدث عن العمل يا يونس وأنت تتحدث عن الزواج !.. ألا ترى كيف تراكمت الأمور مرة واحدة فوق رؤوسنا ! "


غمغم يونس بهدوء يداري انفعالاته "حاضر أخي سأعد نفسي للسفر .. هل تريد مني شيئا أخر"
ندم فارس على انفعاله وغمغم بخفوت "لا شيء شكرا"
تحرك يونس بوجه متجهم يغادر لتشيعه عينا فارس ثم عاد ينظر في أوراقه.


في بهو الفيلا سألته فريدة بقلق "ما بك يا يونس وجهك يبدو شاحبا؟ "
رد بهدوء" لا شيء"
سألته بإصرار" عم كنتما تتحدثان "
قال يونس وهو يغادر الفيلا" لا شيء سوي العمل"
عقدت حاجبيها تسأله متفاجئة" إلى أين أنت ذاهب؟؟"


أجابها دون أن يستدير إليها " إلى الملحق .. كان يوما طويلا وأريد أن أستريح"
اسرعت لتلحق به عند الباب تقول باندهاش "والطعام الذي أصريت أن أعده لك ؟!"


تطلع في وجهها ثم مد يده يربت على صدغها بحنان قائلا " غيرت رأيي يا كحيلة العينين .. أشعر بألم في معدتي سأحاول أن أنام مبكرا اليوم"


تركها وخرج من الفيلا فوقفت عاقدة الحاجبين تشعر بالقلق عليه .
أما فارس فلم يستطع التركيز في شيء وقلبه ينغزه فعاد يطالع الباب المقفول بعد خروج أخيه .. يقاوم شعور بالتعاطف معه ثم غمغم بغيظ "بَغْل"


××××


ضغط زياد على جرس الباب عدة مرات قبل أن يدس المفتاح فيه ليفتحه وابتسامة سعادة تضيئ وجهه بينما عهد تدخل معه بحرج للشقة التي يقيم فيها والديه في البناية القديمة .
لقد دعاه والده على العشاء فخرجا من الشركة على بيت والده بعد أن مرا على بعض المحال .


استقبلهما رأفت مقبلا وجنتي عهد المحرجة يرحب بها قائلا "مرحبا بك يا عهد في بيتنا .. بالطبع تعلمين أن ما حدث أول مرة التقينا بك فيها لم يكن ضد شخصك أبدا ولكن تفهمين موقفنا"


أومأت برأسها متمتمة بحرج" أعرف أنكما كنتما مصدومان وأقدر ذلك جدا ولو كان في يدي شيء لأفعله يجنبكما الصدمة لفعلته"
قال رأفت "دعونا ننسى الماضي.. لن أدعي بأني أنا وناهد قد برئنا من الصدمة بعد لكننا نحاول .. وقد اتفقنا على أننا مؤمنان بالقضاء والقدر وبأن الله لم يقسم لنا أن نعيش يوم كهذا .. وأن فرحتنا بزواج ابننا لن تتلخص في حفل عرسه فقط "


بلع زياد غصة مسننة في حلقه .. فمهما مر الوقت وتفهم والديه قصة زواجهما لكنه سيظل يحمل ذنب حرمانهما من لحظة زواجه للأبد .


ولم تكن عهد أقل منه شعورا بالذنب لكنها مدت يدها بارتباك تعطي السيدة ناهد صندوق هدايا صغير بوجنتين حمراوين .. فجعدت ناهد جبينها وهي تتناول منها الصندوق ليقول زياد مشاكسا لتبديد الغصة المرة التي يتشاركونها جميعا " أصرت عهد على احضار هدية لك يا أمي وسحبتني وراءها في المحال لشرائها ودفعت أنا مبلغا كبيرا فيها ( ومد يده لوالده يقول ) أريد المبلغ الذي دفعته هدية لزوجتك "


ضربه والده على يده مستنكرا بينما فتحت ناهد الصندوق لتخرج منه وشاحا أسودا مطرز برسوم بدوية يدوية باللون الفيروزي ..وتطلعت بانبهار طفولي له بينما ازدادت ضربات قلب عهد بسعادة .. لا تعرف لماذا فرحت لسعادة هذه السيدة الرقيقة ولماذا شعرت برغبة قوية في اهدائها هدية .


رفعت عهد أنظارها لزياد لتتلاقى نظراتهما الفرِحة لثوان قبل أن يعودا للتطلع في والدته التي لفت الوشاح حول كتفيها تجربه فقالت عهد "هذا مشغول يدويا .. شعرت بأنك ستحبينه لأنك تقدرين الجهد البشري المبذول في الأشياء "
اقتربت منها ناهد تطبع قبلة رقيقة على خدها تأثرت لها عهد بينما الأخرى تقول" شكرا يا عهد أحببت الهدية جدا "


سأل رأفت مشاكسا" وأنا أين هديتي؟"
احمر وجه عهد بحرج والتصقت بحركة لا شعورية بزياد الذي فرد ذراعه حول كتفيها مدعما بينما ردت هي " آسفة لم يكن هناك وقت .. لكن أعدك أني سأهديك هدية المرة القادمة "


رد زياد مازحا " بل لم يكن هناك نقود .. اعطني ثمن هذه الهدية وسأشتري لك واحدة "
ناظره رأفت بامتعاض ودعا الجميع للجلوس في غرفة المعيشة .. فتركتهم ناهد لتذهب للمطبخ قائلة " وأنا سأضع العشاء على السفرة ".
غمز زياد لعهد واستأذنا والده ليذهبا خلف والدته في المطبخ .. ووقفا يتهامسان على بابه فقالت عهد لزوجها متفاجئة "ظننت أن والدتك تعتمد على خادمة"


رد عليها موضحا بهمس "أمي طباخة ماهرة وكانت تعد بنفسها ولائم كبيرة ..مستعينة ببعض المساعِدات لكن مؤخرا لم تعد تقدر بسبب المجهود .. لكنها لا تزال تعتمد على نفسها معظم الوقت .. تستعين بخادمة تأتي عدد من الأيام أسبوعيا فقط "
شردت عهد فيما قاله زياد .. كم تغيرت نظرتها لتلك السيدة التي قابلتها يوما في الماضي ورسمت لها في ذهنها صورة مخالفة تماما عن الحقيقة..


قالت ناهد دون أن تستدير " هل انتهيتما من الهمس !.. لماذا تقفان بهذا الشكل على باب المطبخ ؟.. "
دخل زياد يحضن أمه من الخلف قائلا" كنت أخبرها أني أحبك يا نهودتي وأنك أعظم أم في الدنيا "
قالت ناهد بضيق وهي تحاول التخلص من ضغط ذراعيه شاعرة بأنه سيخنقها " قلت لك يا زياد لا أحب هذا الاسم "


طبع الأخير قبلات وحشية على وجنتها قائلا بمشاكسة "لماذا يا نهودتي"
أدارت وجهها ترفع نظراتها إليه قائلة بامتعاض " شعبي جدا هذا الاسم يا زياد قلت لك "
قال زياد مستمرا في مشاكستها " ما رأيك أن أضيف له لقب هانم فأقول نهودتي هانم هكذا لن يكون شعبيا"


حاولت التخلص من ذراعيه فكتم ضحكته وقال يعرض عليها اسما آخر " ماذا عن نَهْنَه ؟"
كتمت عهد ضحكتها بينما قالت أمه بغيظ" ابتعد ولا تدعوني بأي اسم أصبحت شعبيا بمصاحبتك ليونس"
قالت عهد بهدوء "اتركها يا زياد أنت تضايقها بهذا الشكل "


واقتربت تحمل بعض الأطباق فترك زياد والدته وحضن عهد من الخلف بدلا منها قائلا" أنرت أسرتنا يا عهدي "
احمرت وجنتي الأخيرة وأفلتت من ذراعيه تحمل الأطباق لخارج المطبخ .


بعد قليل على طاولة السفرة كاد زياد يطير من السعادة ..
أخيرا أصبحت عهد كما تمنى دوما .. جزء من عائلته .. فمال على والدته قائلا بتأثر حقيقي وهو يلثم يدها" شكرا يا أمي على كرمك أنت وأبي .. شكرا على حرصكما على اسعادي رغم كل شيء "
ربتت ناهد على صدر ابنها بحنان تتمتم بعينين غائمتين "لا يسعدنا إلا سعادتك يا حبيبي "


تنحنح رأفت لينبه زوجته فقالت مستدركة وهي تنظر لعهد" وبالطبع عهد اطمأن قلبي لها ( وأكملت بتهديد طفولي ) وخاصة بعد أن تيقنت هي أنني حماة شريرة وستخاف مني "


تملكت عهد رغبة في البكاء وشعور بالدفء يتسلل بخفة إلى قلبها.. لكنها ابتسمت لها بتأثر.. فشاكس رأفت زوجته قائلا " لهذا لازلت تضعين الوشاح حول كتفيك "
نظرت ناهد للوشاح وقالت ببعض الطفولية" أليس جميلا يا رأفت "
رد رأفت مغازلا "حبيبتي أنت هي الجميلة التي تزيده جمالا "
توردت وجنتي ناهد بينما مررت عهد انظارها بينهما وبين زياد الذي يرمقهما بامتعاض ليضيف رأفت وهو يضع لها الطعام في طبقها "كلي يا حياتي فقد تعبت اليوم بإعداد هذه المائدة سلمت يدك مقدما "


نظر زياد لعهد ثم قال لوالده " أبي أنا هو العريس وليس أنت بالمناسبة "


رفع رأفت حاجبا وقال بلهجة خطرة وهو يشير بالشوكة على طبق زياد" كُل وأنت صامت .. ولا تتدخل بيني وبين فراشتي الرقيقة "
اتسعت ابتسامة عهد لتضع ناهد في طبق رأفت الطعام وهي تغمغم بحرج " أنت أيضا ساعدتني في إعداده لأننا لم نستطع الحصول على خادمة بعد "


قال رأفت بابتسامة " أنا فداك يا حياتي "
اسند زياد مرفقيه على المنضدة مسندا صدغيه على قبضتيه بصمت ممتعض فكتمت عهد ضحكتها من جديد ومسدت على ظهره مواسية وهي تسأله بهدوء" ألن تأكل؟"


ادار وجهه نحوها يقول " الحقيقة لا أعرف كيف سأغازلك بعد الآن فإن كان أبي يفعل ذلك أمامك فلا أعرف ماذا أفعل وأنا العريس ؟!.. أخشى أن يرفع هذا سقف توقعاتك"
رفع والده حاجبه وقال مغيظا " إن لم تكن منافسا قويا في عالم العشق فلا تدعي بأنك عاشق يا خفيف ! ( وتوجه لعهد يسألها ) ألست على حق يا عهد "


اشتعل وجه الأخيرة ومررت نظراتها بينهم ثم قالت بلهجة دبلوماسية " صحيح كلامك يا عمي .. والحقيقة الآن فقط علمت من أين تعلم زياد الكلام الحلو "



ابتسم رأفت يطالعها بإعجاب بينما نفش زياد كتفيه مختالا يضحك لوالده ضحكة خشنة ملعبا حاجبيه .. فقاطعتهم ناهد قائلة" كفوا عن المزاح ولنحدد تاريخا للحفل الذي سنقيمه ونتفق على قائمة المدعوين "


××××


نفث دخان سيجارته وأخذ يطالعه وهو يتبخر أمامه صاعدا لأعلى وهو مستلقي على السرير في الملحق .. يحاول السيطرة على شعوره بالإحباط والضيق بسبب اضطراره للسفر..
طرقٌ خفيف على الباب وفتحه فجأة أخرجه من شروده ليجد فارس أمامه.. فاعتدل جالسا ينزل قدميه أرضا ويطفئ سيجارته في مطفأة السجائر متمتما بهدوء "أهلا أخي"


وقف فارس يديه في جيبي بنطاله يطالع وجهه العابس بعد أن فشل في التركيز في عمله بسبب قلبه الذي ينغزه على هذا البغل كما يحب أن يدعوه .. خاصة حين يكون هادئ ومطيع بهذا الشكل المثير لشفقته ولا يدعوه بلقب (الكبير) الذي يحب أن يسمعه منه.. فشاكسه قائلا" هل أنت غاضب وتلوي فمك؟!"


اسند يونس ساعديه على فخذيه مائلا بجذعه للأمام يرد بهدوء " لا بالطبع .. لقد حجزت تذكرة الطائرة مساء الجمعة لأن باقي الاسبوع لدي مواعيد هامة بالمكتب وضغط عمل كما تعلم "


غمغم فارس " اذن ستحضر جانب من حفل زفاف الشيمي وتسافر "
ازداد عبوس يونس وملأت الحسرة قلبه مغمغا بخفوت "إن شاء الله "
قال فارس موضحا " يا يونس أنا لم أتعمد أي تأجيل لمسألة زواجك لكن أنت ترى أننا اضطررنا لانزال خط الانتاج الجديد في السوق قبل موعده المقرر له من قبل .. وذلك لأسباب تنافسية تعرفها جيدا وهذا ضغطنا في الوقت والإعداد للأمر.. ليأتي أمر المعرض وعقد الشركة الإيطالية فيضيف على عاتقنا المزيد من الالتزامات العاجلة "
رد يونس بنفس الهدوء" أعرف يا فارس .. لكل شيء موعد بإذن الله"


لم يشعر فارس بالراحة رغم ادعاء أخيه بأنه متفهم فقال "لا بأس عندي أن تعقد قرانك على فريدة قبل أن تسافر "
هل قال عقد قران ؟!!!!!!
انفجرت دقات قلب يونس وهو يرفع أنظاره نحو أخيه بشك في جديته ليضيف فارس ببرود متعمد "لكن يوم الجمعة قبل حفل زفاف الشيمي مباشرة ليكون احتفالا واحدا "


لانت ملامح يونس لكنه هتف معترضا" قبل سفري ببضع ساعات !!!"
رد فارس متلذذا في استفزازه " وهل تعتقد بأني سأتركك تعيث في البيت فسادا بعقد زواج بدون زفاف! .. ستعقد قرانك عليها ثم تسافر وتعود على موعد الزفاف بالضبط "


مط يونس شفتيه بغير رضا ليقول فارس وهو يهم بالمغادرة "يبدو أنك غير موافق .. إذن نؤجل عقد القران لحين عودتك من الخارج "
صرخ يونس بسرعة " موافق ( وأكمل بملامح بائسة معذبة ) موافق وشاكر جدا لكرمك الفياض"
تحكم فارس في ابتسامة متسلية وغمغم مغادرا " اذا حضر نفسك يا عريس ليوم الجمعة تصبح على خير "


أغلق الباب خلفه ليتمتم يونس وهو يضرب رأسه بقبضتيه " عريس مع وقف التنفيذ .. لماذا الكون يعاند هذه الزيجة !! .. لماذا.. لماذا "


××××


الخميس
دخلت كارمن ظهرا عائدة من الدار لتمر على الحاجة نفيسة في جلستها المعتادة في مقعدها الوثير في غرفة المعيشة بيدها سبحتها فبادرتها كارمن قائلة " كيف حالك حاجة نفيسة ؟"
غمغمت الحاجة بابتسامة" بخير والحمد لله (ثم سألتها) لماذا تنهتين يا بنيتي؟"


ردت كارمن وهي تصارع في الحصول على النفس" لا أدري .. أتعب هذه الأيام من أقل مجهود"
تأملت الحاجة تفاصيل جسدها بعينيها الزرقاوين وتأكدت أكثر مما تخمنه لكنها قالت " ربما تحتاجين لبعض المقويات الغذائية .. هل انتهيت من حصصك في الدار مبكرا اليوم"


ردت كارمن نافيا" كلا ولكني عدت لأغير البنطال (ورفعت طارف بلوزتها لتري حماتها وهي تكمل ) انظري لقد اضطررت لفتح السحاب .. رغم أنه مقاسي لكني غير متحمله لغلقه لا أدري لماذا أشعر بأنه يطبق على نفسي "


اتسعت ابتسامة الحاجة نفيسة لكنها كعادتها لا تستبق الأحداث ولا تتعجل الأمور فقالت " لا بأس بدليه لشيء فضفاض لا يضغط على بطنك وأتمنى ألا تهرولي على السلم كعادتك "
سألتها كارمن" لماذا؟"


قالت الحاجة نفيسة بلهجة ماكرة " ابحثي عن السبب بنفسك يا ذكية"
طالعتها كارمن وقد ارتسمت على وجهها علامات الغباء في الوقت الذي رن هاتفها فأخرجته بسرعة من جبيها والهاتف ينطق باسم المتصل ( الشاطر فارس - الشاطر فارس) لتستأذن كارمن الحاجة نفيسة وتتحرك تصعد إلى جناحها بينما اتسعت ابتسامة الحاجة بسعادة تدعو الله أن تكون تخميناتها صحيحة.. ثم صاحت بصوت عال" لا تهرولي على السلم يا كارمن"


قال فارس لكارمن على الهاتف " لماذا تنهتين هل تجرين خلف الأطفال"
ردت كارمن وهي تفتح باب جناحها" كلا ولكني انهت هذه الأيام من أقل مجهود ( ثم دخلت إلى غرفتها تجلس على السرير ) لماذا تتصل في هذا الوقت المبكر؟"


رفع فارس حاجبيه وقال" ألا تريدين أن أتصل بك كارمن هانم؟"
قالت كارمن وهي تحاول التخلص من البنطال" لا .. أقصد أنك مشغول جدا من بداية الأسبوع تعود للبيت في وقت متأخر وتقضي بقية اليوم في مكتبك ثم تصعد بعد أن أنام"


قال فارس موضحا "أخبرتك السبب يا كارمن"
ردت كارمن بتفهم" أنا أعرف لهذا أرحمك من شقاوتي بالنزول إليك كل ليلة في المكتب حتى لا أعطلك عن عملك مثل تلك الليلة أول الأسبوع"


اتسعت ابتسامة فارس ورد" الحقيقة لا أعرف هل أتحسر على ما يفوتني كل ليلة أم اطمئن لأنك تساعدينني على انجاز ما أريد إنجازه من العمل .."


قالت كارمن وهي تخرج البنطال من ساقيها " سأتحمل فارس بك حتى تنتهي مما يشغلك عني ( ثم زفرت براحة وهي تدلك أسفل بطنها ) تخلصت منه أخيرا"
سألها فارس بفضول" ما الذي تخلصت منه؟"


ردت وهي تسحب نفسا عميقا " البنطال .. شعرت وكأنه يجثم فوق صدري .. "
تحرك فارس نحو نافذة مكتبه يغمغم بخفوت حار "كيف تخلصت من البنطال !.. أين أنت بالضبط؟؟ ألست في الدار؟!"
قهقهت كارمن برقة ثم ردت" كلا في الجناح .. جئت لأبدل هذا البنطال .. لا أتحمله على أسفل بطني"


استدار فارس ليتأكد من أن باب المكتب مغلق ثم قال بخفوت" لمَ لا ترسلين لي بثا حيا لك الآن بدون البنطال.. بث حصري لفارس سعد الدين"
انفجرت ضاحكة وهي تنقلب على جانبها وتسند بمرفقها على السرير قائلة " أصبحت شقيا جدا فارس بك .. لماذا تتصل الآن وسط كل مشاغلك؟"


أجاب بلهجة عاشقة " اتصلت لأني اشتقت إليك .. ولولا أن يومي ينتهي مهما طال باستلقائي بجانبك وتوسدك لصدري لما استطعت أن أشحن بعضا من الطاقة لمواصلة العمل في اليوم التالي "


تراقصت ضربات قلبها لهذا التصريح وغمغمت بصوت متهدج " وأنا كل ليلة أمنع نفسي من النزول إليك .. وأنام نوما متقطعا مشتاقة لرائحتك في الفراش .. حتى تستلقي بجواري فأنام في حضنك.. يبدو أني أدمنتك فارس بك .. عموما أنا مؤدبة وسأنتظر حتى تنتهي من مشاغلك.. فلقد اشفقت عليك تلك الليلة في المكتب حين ذهبت أنا في النوم على الأريكة الجلدية بينما ظللت أنت بجواري تراجع تقاريرك التي عطلتك عنها حتى ساعات النهار الأولى .. ثم أيقظتني لنصعد لغرفتنا فاغتسلت أنت وذهبت للعمل .. كما أنني اصبّر نفسي بأني سأراك غدا في الحفل .. أم إنك لن تحضر عقد قران أخوك وأختك؟! "


اتسعت ابتسامته ولم يعقب معقود اللسان تغمره السعادة وهو يستعيد كلماتها ..
معها يشعر بأنه فوق أرجوحة عالية مثبتة على قمة جبل فيرتفع بها معلقا في الهواء والفراغ أسفل منه تارة .. ثم يعود للخلف إلي الأرض القريبة حيث تقف هي وتنتظره تارة أخرى ..



ولا يعرف إلى أين ستستقر به الأرجوحة.. بجوارها في أمان .. أم سيقع من فوق قمة الجبل ممزقا لأشلاء .
وما يزيد من حيرته أنه كلما ازداد حبه لها وتعلقه بها وكلما ازدادت جرعة السعادة التي تتملكه في كل لحظة تقفز فيها إلى ذهنه وكل كلمة يسمعها منها ومن كل نظرة تقع عينيه عليها ..
كلما ازداد عذابه بهذه المشاعر .. مرعوبا من أن تلهيه عن الهدف الذي كرس حياته له ..
انهكته هذه الحرب الطاحنة وهي تستولي على مساحة كبيرة من تفكيره ..


متى سيرتاح؟ ..
متى سيستقر على ميناء؟
متى سينتقم؟
أخرجته كارمن من شروده حين قالت بحنق طفولي "فارس"
غمغم وهو ينظر في ساعته يتمنى ألا يحين وقت الاجتماع التالي بسرعة "نعم يا أميرتي"
قالت بحنق " أنا أشعر بالضيق الشديد والإحباط"
سألها باهتمام "لماذا؟.."


صمتت قليلا تلعب بخصل شعرها ثم قالت" سأقول لك السبب لكن لا تضحك عليّ"
اتسعت ابتسامته مسبقا لكنه قال بلهجة جادة" أخبريني ولن أضحك "



قالت بلهجة طفولية باكية" أنا اشتهي صنفا حلوا بشكل معذب منذ أيام .. ومحبطة ولأني أحاول جاهدة منذ مدة الامتناع عن اصناف الحلويات .. لكني لم أعد قادرة على التحمل .. فهلا ابتعت لي منه كمية صغيرة"


عقد فارس حاجبيه وقال "ولم تعذبين نفسك بالامتناع عن الحلوى؟"
هتفت باكتئاب "لأن وزني يزيد يا فارس .. يزيد بشكل غير مبرر .. ها أنا امتنع عن الحلويات منذ مدة ومع هذا زاد وزني خلالها اثنين كليو جرام .. هل تصدق اثنين كيلو جرام دفعة واحدة في وقت قصير جدا !!"


قال فارس باندهاش وبلهجة ذات مغزى " كارمن أين هذه الزيادة لا أفهم ؟؟( وأكمل بصوت أكثر خفوتا ) لم يمضى إلا بضعة أيام منذ أن كنا معا على الأريكة الجلدية ولم ألحظ أي زيادة .. رغم أني أدقق جيدا في كل شيء"
غمغمت بحرج" فارس أنا أتحدث بجدية"
قهقه فجأة بانتشاء ذكوري .. فدغدغ صوت قهقهته أعصابها وهي تسمعه لأول مرة يقهقه عاليا ليقول فارس مستدركا بعد ثوان " يبدو أن الأمر أصبح لا يمكن السكوت عليه يا كارمن"
قالت توافقه " أجل لابد أن امتنع عن كل الطعام "


قال فارس موضحا" لم أقصد هذا .. قصدت أن عليّ أن أتفحص بنفسي أين ذهب هذان الكيلوجرامان يا كارمن"
غمغمت بحنق " فارس لا تمزح أنا مكتئبة جدا"


رد بجدية " يا كارمن .. لا أرى أنك قد زاد وزنك بشكل كبير.. زيادتك محمودة.. بل أنها أصبحت مثيرة جدا خاصة بعد أن تغير جسدك لامرأة مكتملة الأنوثة .. كما أنني لا أفضل الحميات الغذائية القاسية فالحياة أبسط من هذا بكثير .. أقترح عليك القيام ببعض التمارين لحرق تلك الزيادة التي لا أعرف أين هي بالضبط .. ومن الممكن أن تستخدمي الأجهزة الرياضية خاصتي في غرفة مكتبي .."
غمغمت بهدوء" فكرة جيدة التمارين الرياضية .."


أضاف بلهجة شقية "ومن الممكن أن أساعدك أنا فيها.. (ثم استطرد يسألها ) أخبريني أي صنف كنت تشتهين؟"


ضحكت كارمن ثم قالت" أشتهي بشدة ذلك الصنف الذي صنعته رفيدة ذلك اليوم .. وبالطبع لن استطيع أن أطلبه منها وعرسها غدا.. وخضرة مشغولة بإعداد بعض الأمور التي تخص الحفل غدا أيضا وسأتحرج من طلبه منها"
طرقت السكرتيرة على باب المكتب ثم دخلت ليستدير فارس نحوها نصف استدارة فقالت" عفوا فارس بك ممثلي شركة إيكو قد وصلوا"


قال فارس بلهجة جادة " حسنا احضري لي الملف الخاص بهم من فضلك "
أومأت السكرتيرة برأسها بطاعة ثم غادرت ليعود فارس للهجته اللينة قائلا" كارمن أخبريني اسم ذلك الصنف وأنا سأشتريه لأميرتي فورا "


ردت كارمن " أخت البسبوسة"
قال فارس " تريدين بسبوسة ؟"
قالت بإصرار " أختها يا فارس .. أخت البسبوسة "
عقد فارس حاجبيه ثم قال " ما اسمها يا كارمن .. لا يوجد حلوي بهذا الاسم ؟"


قالت بضيق " لا أذكر .. تعرفها انها التي تشبه البسبوسة"
قال فارس وهو يلتفت مرة أخرى ويشاهد نسرين تدخل
"ماذا سأقول للبائع يا كارمن حاولي تذكر اسمه "
ردت تفرك جبينها" أنت أخبر البائع (بأخت البسبوسة) وبالتأكيد سيفهم"


رفع فارس حاجبا ثم قال ينهي المكالمة "حسنا.. أنا مضطر لأن أغلق الآن لألحق بالاجتماع وسنتحدث فيما بعد "
قالت كارمن بالفرنسية" لا بأس .. إلى اللقاء"


أغلق فارس الخط وتحرك نحو المكتب يلتقط الملف بينما همت نسرين بالخروج ليوقفها قائلا "نسرين .. هل تعرفين ما هو صنف الحلو الذي يشبه البسبوسة"
طالعته نسرين متفاجئة وغمغمت " أفندم ! "


تنحنح فارس وقال باستدراك محرجا " لا شيء يا نسرين اذهبي أنت لعملك"
ثم فتح الملف يتفحصه .. لكنه توقف بعد دقائق يتساءل بحيرة ( أخت البسبوسة ) ما هذا الاسم !!"


××××


عصرا :


يسحق الإسفلت تحت عجلات سيارته .. وينفث الغضب من صدره وقد اقترب من فيلا والده صفوت عظمة..
هل وصل الأمر لأن يخطط والده لإبعاده عن البلد بل ويرسل له تذكرة الطائرة وتفاصيل إقامته هناك؟!..
هل يحاول أن يبعده بعد أن علم كل شيء عنه .. وعن ماضيه ؟!..
كم كانت صدمته قاسية حين اكتشف تورط والده في جريمة في الماضي.. وكم كانت مؤلمة تلك المواجهة التي حدثت بينه وبين والده منذ فترة ..




منذ شهر:
تسلل من غرفته في وقت متأخر من الليل قاصدا غرفة مكتب والده.. وهو السبب الذي جعله يبيت في الفيلا تلك الليلة وليس في شقته الخاصة..
لم تهدأ أفكاره منذ تلك المواجهة بينه وبين فارس سعد الدين أمام المستشفى التي كان يرقد فيها والد كارمن فمن جهة يشعر بالغضب أن استطاع فارس الفوز بكارمن ..كارمن حبيبته التي لم يكن يعلم بمدى حبه لها إلا بعد أن فقدها ..
ومن جهة أخرى ينهشه الفضول ليعرف ماذا يربط فارس بوالده .. بعد أن تفاجأ به يتصل بوالده ببساطة وكأنه يعرفه حق المعرفة بل ويعرف بأنه ابنه .. بالإضافة لتلك اللهجة المهددة لأبيه التي تحدث بها فارس والتي لم تعجبه بل اشعرته بالصدمة..


لهذا قرر أن يبحث خلف الأمر .. وبداية البحث لابد أن تبدأ من مكتب والده في البيت خاصة وأنه يعرف كلمة السر الخاصة بخزانة المكتب حين اعطاها له ذات مرة عندما كان يمر بوعكة صحية واراده أن يحضر منها بعض الأوراق .. لذا يعلم جيدا أن الخزانة تحتوي على أوراق كثيرة لم يفكر يوما في الاطلاع عليها .. فعلى حسب اعتقاده كلها تخص العمل وهو بعيد كل البعد عنه .. تاركا لوالده كل ما يخص أمور الشركة .
حين نزل ليلتها لبهو الفيلا تفاجأ بصوت والده في غرفة المكتب .. فهم بالصعود بسرعة لكن الفضول تملك منه خاصة بعد أن شعر بعصبية والده على الهاتف ليقترب من الغرفة ببطء ويسمع بوضوح ما يقوله في سكون الليل.




قال صفوت منفعلا "ما معنى ما فعلته يا فؤاد؟ .. هل كنت تنوي قتل فارس عن طريق هؤلاء البلطجية الذين ارسلتهم له لتحطيم سيارته؟ .. "
رد الشماع بلهجة ساخرة على الطرف الأخر "مازال قلبك عاطفيا يا صفوت .. عموما هذا ما سيحدث بالفعل في المرة القادمة إن لم يترك الماضي وشأنه"
هدر صفوت بانزعاج " هل سنلجأ للقتل مرة أخرى يا فؤاد؟؟ .. ألا يكفي ما نحمله من ذنوب فوق ظهورنا بموت محمود سعد الدين ؟!"




قهقه الشماع ثم رد بلهجة متسلية " أرأيت .. قلبك رقيق كالفتيات يا صفوت ( وانقلبت لهجته للخطورة فجأة ليضيف ) هو من بدأ .. هو من يبحث خلفي ويتعرض لرجالي .. هو من أضر بالصفقة الأخيرة وفتح عيون الشرطة عليّ .. ولولا خاطرك والعشرة بيننا يا صديقي العزيز لما تحملت عبث الأطفال هذا .. فهو لا يساوي عندي سوى ثمن رصاصة تخلصني منه كما خلصتنا من والده.. ( وتغيرت لهجته للتسلي مرة أخرى ) أرأيت كيف أنك عزيز عليّ يا صفوت عظمة "
هدر الأخير بانفعال جعل ابنه ينتفض وتزداد ضربات قلبه بتوتر يحاول فهم الحديث الدائر رغم أنه لا يسمع سوى طرف واحد هو ما يقوله والده " لسنا أصدقاء يا فؤاد .. لسنا اصدقاء .. بل هي معرفة سوء التي ورطتني معك في جريمة قتل ليس لي فيها ذنب لكني أحملها فوق ظهري حتى أموت "




توترت ملامح لؤي وبدأ جبينه يتعرق فما قاله والده كان صادما بينما قال الشماع بلهجة متهكمة " وهل القتل ذنب لكن المال الذي تسبح فيه الآن من أموال صفقة تهريب الآثار تلك ليس ذنبا!! .. ألم تأخذ نصيبك كاملا من تلك الصفقة التي كانت سببا في مقتل محمود سعد الدين .. ألم تكن تلك الصفقة هي الحل الوحيد لك لإنقاذك من الديون ومن السجن ومن ضياع كل ما ورثته عن أجدادك .. نسيت أنك تخطيت أزمتك المالية بفضل هذه الصفقة لكنك لا تتحدث سوى على مقتل سعد الدين "


صاح صفوت بلهجة متألمة محملة بمشاعر الذنب " أنت قتلت انسان .. شردت عائلته .. ذنبي هذا الذي تتحدث عنه بشأن أموالي يخصني أنا وحدي لا يضر شخصا آخر .. لكن انهاء حياة انسان .. هذا ما لم استطع تخطيه أبدا .. لهذا لا أريد المزيد من القتل يا فؤاد.. تحمل الشاب فما حدث له لم يكن هينا .. نتحمله من أجل ذنبنا في الماضي .. نهدده .. نقرص أذنه .. نخيفه ليترك البحث خلفنا لكن لا المزيد من الدماء أرجوك "


رد الشماع بلهجة مستخفة " أنت قلت أنا من قتلته .. إذن أنا المتحمل ذنبه يا رقيق القلب.. فانعم أنت بأموالك واتركني أتصرف .. "
استمر صفوت في محاولة اقناعه لمنع ذنبا آخر يلقى فوق كاهله " لا تستهين بالذنوب يا فؤاد .. للأسف أنا بصمتي وعدم شهادتي ضدك أحمل معك هذا الذنب فوق كاهلي للأبد .. وكل يوم أرى ثمرة ما فعلت يدي بكتماني لتلك الشهادة ..لهذا أنا أتحمل معك ذنب ما حدث لسعد الدين وما سيحدث لأولاده من بعده "


انفجر الشماع صارخا بغل وتر صفوت نفسه " سعد الدين استحق ذلك .. هو من تحداني ولا أحد يجرؤ أن يتحدى فؤاد الشماع .. هل سمعتني؟ .. من يتحداني يا صفوت امحوه من فوق الأرض "
غمغم صفوت بإجهاد ذهني ونفسي وهو يمسك بصدره " يكفي الحديث عن تلك السيرة القديمة المتقيحة يا فؤاد.. والتي لا أعرف لما فُُتِحت الآن بعد كل هذه السنين .. أتمنى منك أن تترك فارس وشأنه"


رد الشماع بقرف " فارس حشرة ادعسها بقدمي بسهولة . لكني كنت صابر من أجل خاطرك أنت يا صفوت بك كما قلت لك .. ( واردف بلهجة ساخرة ) أرأيت كيف أملك جانبا رقيقا مثلك .. ( وعادت لهجته للخطورة بشكل مفاجئ كعادته فتوتر صفوت ) لكن ليس بعد الآن .. خطأ واحد من ابن سعد الدين وسينتهي أمره ويلحق بأبيه .. ولن أتراجع عن هذا "



اطرق صفوت برأسه في خزي من نفسه وبعذاب ضمير وغمغم قائلا " الله غالب على أمره .. اذهب الآن يا فؤاد يكفيني هذه الجرعة من ذنوب الماضي "
اغلق الخط بدون أن ينتظر رد فؤاد الشماع .. يجثم الضيق على صدره ويخنقه ..
ألن يتخلص أبدا من تلك الحادثة .
غلطة ..
غلطة واحدة فعلها في الماضي تحولت لذنب متعلق برقبته ليوم القيامة ولا يعرف كيف يتخلص منه ..



هم بالتحرك لكنه فوجئ بلؤي ابنه يقف يطالعه بنظرات مصعوقة عند باب المكتب المفتوح ..فهربت الدماء من وجه صفوت وازداد الألم في صدره مغمغا بصوت هارب منه "لؤي منذ متى وأنت هنا؟؟!!!"
رد لؤي وعيناه تطالعانه بنظرات ذاهلة " من أول المكالمة يا أبي .. ولا أصدق ما سمعته .. أنت يا أبي ! .. أنت قاتل"



تحرك صفوت نحوه بسرعة هاتفا بانفعال " أنا لست قاتل .. وانسى ما سمعته للتو فهو من الماضي ولا يعنيك "
صاح لؤي باستنكار " كيف أنساه ؟!!!!! .. كيف أنسى بعد ما سمعته منذ قليل ! .. ( وتطلع في والده مشدوها وأضاف ) كنت دوما أشعر بالذنب لأني ابن فاسد لأب مستقيم مثلك .. فإذا بالبذرة فاسدة من الأساس!"


هدر صفوت بقوة " اخرس (وامسك بتلابيب ابنه ) أخرس واحترم نفسك .. أنا لست بقاتل أنا تورطت في حادثة قديمة لكني لم أقتل أحد"


قال لؤي بلهجة متهكمة " والد فارس سعد الدين أليس كذلك ؟!.. أنا كنت مندهشا من ظهور فارس في حياة كارمن بمجرد أن انفصلت عنها رغم أن علاقتنا لم تكن رسمية .. واندهشت لسرعة زواجهما ولمعرفته بك فشعرت بأن الأمر فيه صدفا غريبة غير قابلة للتصديق فإذا بي أتفاجأ بأنه يسعى للانتقام كما فهمت من حديثك مع هذا الرجل الذي يدعى فؤاد .. واكتشفت بأن والدي قاتل !"


ترك صفوت ملابس ابنه وصاح منفعلا " قلت لك لست بقاتل.. لم أقتل أحد ( وازدادت سرعة أنفاسه ليضيف موضحا ) من عشرين سنة ألمت بي أزمة مالية كبيرة .. وكادت أن تدخلني السجن وتقضي على اسم عائلتنا .. فلم أتحمل أن أراك أنت ووالدتك تخسران كل شيء .. لم أقدر على تحمل فكرة أننا فقدنا كل شيء .. لم أتحمل أن تعيش أنت وثريا في مستوى لستم معتادين عليه .. لم أتحمل ذلك ..( ونظر أرضا يستعيد الذكريات) فلم يكن أمامي سوى أن أرضى بالمشاركة في صفقة مشئومة لتهريب آثار مع هذا الرجل ستربحني مبلغا كبيرا من المال سينقذني من الورطة .. ستنقذنا كلنا .. لكن الأمر انتهى بمقتل محمود سعد الدين على يد فؤاد الشماع وهروب الأخير خارج البلاد بعدها ..( ورفع أنظاره لابنه المصدوم مؤكدا ) أنا لم أحضر لحظة مقتله صدقني .. تركتهم قبل أن يتطور الأمر ولم أكن أعرف بأن الأمر سيتطور للقتل .. (وأطرق برأسه بخزي وهو يضيف ) واضطررت لإغلاق فمي في تحقيقات الشرطة بعد أن ذكر فارس باسمي فيها أنا والشماع لأني كنت على صلة بعمل والده في المقاولات الذي كان يشرف لي على بعض مشاريع الشركة الانشائية .. وأخبرتهم في التحقيق بأني لا أعرف عم يتحدث وانكرت صلتي بفؤاد في مقابل أن آخذ نصيبي من الصفقة .. ( ورفع انظاره يشرح وجهة نظره) حاولت أن انقذ اسرتي فإذا بي اتورط بشكل غير مباشر في جريمة قتل .. ولم أعرف ما ألم بعائلة سعد الدين بعد ذلك صدقني إلا حين ظهر فارس بعد سنوات يخبرني بوجوده وسعيه للانتقام فبحثت خلفه وتبين لي ما حدث له ولأسرته وحملت نفسي ذنبه وذنب عائلته فوق ذنوبي منذ تلك الحادثة التي ظننت بهروب الشماع أنها انتهت لكن الله ظل يعذبني بها .. يكفي أن أراك تضيع أمامي .. ابني الوحيد أمامي تائها في الحياة .. فأرى فيما يحدث معك عقاب رب العالمين لي .. هذا ما حدث فلا تقول بأني قاتل "



ساد صمت ثقيل ليقطعه لؤي قائلا بذهول " لا أصدق .. ما تقوله !.. هذا غير قابل للتصديق ابدا .. كنتَ دوما الرجل الفاضل الذي لا يخطئ أبدا .. وكنتُ أراني لا استحق أب مثلك لكن الآن ...."
هدر صفوت بألم " ماذا الآن؟!! .. أنا لا زلت صفوت عظمة والدك .. وربي يعلم أني نادم على ما تورطت فيه .. ويعلم بأني قد أخرجت ضعف المال الذي كسبته من تلك الصفقة لوجه الله لأكفر عن ذنبي .. لكني لن استطيع أن اعترف للشرطة بتورطي في الحادث القديم .. ولازلت أنكر أمام فارس معرفتي بالحادث .. هذا الأمر سيجر علينا بلايا نحن في غنى عنها .. كما أنه لن يحيي المتوفي .. والحي أبقى من الميت .. لكن فارس لا يريد أن يترك ذلك الانتقام الأسود الذي سيحرقه هو قبل الجميع "



طحن لؤي فكيه قائلا " اذن فارس يسعى للانتقام منك .. واختار الانتقام منك في شخصي أنا بزواجه من كارمن "
اقترب صفوت منه يقول بخفوت محذرا " أنا أخبرتك بسر خطير جدا لأني لم أتحمل أن تراني في نظرك قاتلا فيكفي ما أجلد به ذاتي .. لذا كن رجلا واحتفظ بسر أبيك يا لؤي "
تكلم لؤي بحسرة " حسنا يا أبي سأدفن معك الماضي .. لكن كيف سأتحمل الحاضر؟ كيف سأتحمل ضياع كارمن مني ؟.. بسبب ما فعلته أنت .. فبسبب انتقامه منك ضربني في مقتل يا أبي ..( وضرب على صدره يقول بعذاب ) ضرب ابنك في مقتل .. أخذ مني كارمن (وصمت قليلا يحدق في الأرض ليستوعب الحقائق الصادمة ثم لمعت عيناه بالجنون ليرفع نظراته لأبيه قائلا ) وبالتأكيد يرغب في الانتقام منها هي الأخرى .. فمن غير المنطقي أن يقرر الزواج منها في لحظة حتى يبني معها حياة مستقرة .. بالتأكيد يخطط لشيء ما ربما يخطط لأن يرميها بعد فترة مكسورة مذلولة .. فلا نعرف إلى أين سيأخذه الانتقام .. ولهذا لابد ان أتصدى له بنفسي .. لابد أن أبعده عنك وعن كارمن"



أمسك صفوت بتلابيبه يقول بصرامة " ابتعد عن هذا الأمر هل سمعت؟ .. انسى فارس سعد الدين وأنسى كل شيء .. وما تتشدق به بأنني السبب فالسبب هو أفعالك الدنيئة .. السبب علاقاتك النسائية وفراغ عينك واستحلالك للحرام ..فلا تلقي علي اللوم .. أترك أمر فارس سعد الدين تماما .. كارمن امرأة متزوجة فلا تعطيه الفرصة لأن يؤذيني فيك باقترابك من زوجته "


أوقف لؤي سيارته في ساحة فيلا والده وتوقف معها تدفق ذكرياته ليترجل منها صافعا بابها بعنف ويجري على السلم ليدخل الفيلا.
بعد دقيقة كان يقتحم مكتب والده الذي رفع اليه انظاره من خلف النظارة الطبية المعلقة فوق انفه في جلسته خلف مكتبه ليقول لؤي بانفعال وهو يضع تذكرة الطيران أمامه" ما هذا يا أبي؟.. ومن أخبرك بأني أرغب في السفر وترك البلاد؟"


رد صفوت بهدوء " أنا من قررت ذلك .. عليك بالابتعاد عن هنا .. عن كارمن وعن فارس وعن أصدقاء السوء والملاهي الليلية .. أنا أعطيك فرصة جديدة لتبدأ حياتك في مكان أخر .. فإما أن تنتهز هذه الفرصة لتغيير حياتك .. أو تذهب للمزيد من اللهو .. ففي الولايات المتحدة الأمريكية ستجد ضالتك أيا كان غرضك"


قال لؤي بانفعال " أنا لن أترك البلد يا أبي .. لن تبعدني منها من أجل ابن سعد الدين وهذا الانتقام السخيف بينكما .. لن أسمح له بأن يسلبني حياتي وأصدقائي هنا.. كما سلب مني كارمن"
لم يتفاجأ صفوت من رفضه فرد بالخطة البديلة قائلا " إذن ابحث لك عمن سيعطيك المال لتعيش حياتك مع معارفك وأصدقائك هنا "
ضيق لؤي عينيه مغمغما " ماذا تعني بهذا الكلام؟"


أجاب صفوت بثبات " أعني أن بطاقاتك البنكية كلها تم إيقافها لحين مغادرتك للبلاد .. وقتها سيكون لنا كلاما آخر"
هتف لؤي مصدوما "أبي !!"
أضاف صفوت بحسرة قلب " قد يكون هذا التصرف متأخر فقد استطيع أن أتغاضى عن فسادك لكني لن اتحمل ضياعك مني .. لهذا سأجبرك بأي طريقة على الرحيل "


تأجج الغضب في عيني لؤي وطحن أسنانه ليصيح متقبضا في وجه أبيه "حسنا يا أبي .. سنرى من فينا له الغلبة أنا أم ابن سعد الدين "


وتحرك مغادرا ساحبا قلب والده معه .. فتألم صدر صفوت يرمي بنفسه على كريسه بإعياء يردد في سره "هذا ما جنت يداك يا صفوت ( ثم التقط هاتفه بسرعة يطلب رقما و قال ) عينك على لؤي .. أخبرني بتحركاته أول بأول "
××××


في المساء :


كانت فتيات الدار من المعلمات والعاملات وعمة رفيدة وابنتها وحفيداتها يتجمعن في غرفة رفيدة يحتفلن بليلة الحنة .. فمنهن من ترقصن على أنغام الموسيقى الشعبية الراقصة .. ومنهن من تشاهدن الحنانة وهي ترسم رسومات الحناء للعروس رفيدة .. بينما جلست كارمن وفريدة تنتظران دورهما في رسم الحناء .. وتشاهدان رقص الفتيات .


تطلعت فيهن رفيدة سعيدة بهذا الجمع من الفتيات فلم تتوقع أن تكون ليلة حنتها بهذا الازدحام وهذه البهجة .
إنها العروس ..
بعد كل هذه الرحلة الطويلة مع الوحدة حان دورها لتجلس على مقعد العروس ..
رن هاتفها فاستأذنت الحنانة وتحركت نحو النافذة ترد بلهجة فرحة " نعم عمر "
جاءها صوته هادئا يقول" كيف حالك يا عروس؟"



لولا الملامة لتقافزت كطفلة كما تفعل ضربات قلبها الآن لكنها أجابت بسعادة واضحة "بخير يا عمر .. البنات عندي يقيمون لي ليلة الحنة "


جاءها صوته يقول بسعادة رغم تيقنها من عدم استساغته لتلك الزيجة حتى الآن " مبارك حبيبتي .. أنا منعت ايمان من الحضور لأني أعلم بأنها تستفزك .. لكن غدا سأكون عندك منذ الصباح فأنا أعلم أن الليلة خاصة بالنساء فقط "
اتسعت ابتسامتها وسألته بحماس " ما رأيك في فستاني يا عمر .. أنت الرجل الوحيد الذي أريته صورة الفستان حتى الشيمي لم يراه بعد .. أريده أن يراه لأول مرة وأنا أرتديه "


رد عمر سعيدا لسعادتها ومشفقا عليها في نفس الوقت" جميل جدا ورقيق .. رغم أني توقعت أن يكون أكثر زينة وبهرجة "
غمغمت بابتسامة محرجة" عليّ أن اراعي سني مهما كان فلست مراهقة لأرتدي المنفوش "


تألم قلبه ورد بانفعال " ما هذا الكلام يا رفيدة !!. أنت يليق بك كل الفساتين .. أخبريني أيهم كان يعجبك وسأبدل لك فستانك حالا "
قالت متأثرة من كلامه " هذا يعجبني جدا جدا صدقني ( ونظرت حولها ثم قالت بهمس ) الحقيقة أشعر كالأطفال وأريد للغد أن يأتي بسرعة لأرتديه "
غلبته مشاعره فغمغم بحشرجة " إن شاء الله يا حبيبتي .. أراك في الصباح "


جاءها تنبيه لمكالمة أخرى تنتظرها فأبعدت الهاتف عن أذنها لتجد اسم( شمشون )على الشاشة .. فأعادت الهاتف لأذنها تقول "إن شاء الله .. سلام يا حبيبي .. لا تتأخر غدا سأكون مرتبكة جدا "
انهت المكالمة مع أخوها لتجيب على الأخرى " أين أنت طوال النهار يا شيمي ؟"



اتسعت ابتسامة الشيمي ورد وهو يقف خارج أحد المطاعم " كنت انجز بعض الأمور التي تخص حفل الغد .. والآن أنا مع بعض الأصدقاء يحتفلون مقدما بزواجي"
تخضبت وجنتيها بالحمرة وهمست " وأنا عمتي والبنات يتجمعن في غرفتي يحتفلون بليلة حنتي كما تسمع من الموسيقى "



قال الشيمي مشاكسا " خسارة.. فشلت خطتي .. فقد كنت أفكر أن أنتهي من السهرة مع الشباب وأصعد إليك الليلة .. فلست بقادر على الانتظار بضع ساعات أخرى"
غمغمت بحرج " شيمي!"
قال وهو يتطلع حوله " الشيمي ضاع وانتهى أمره على يد الأستاذة"


صمتت رفيدة بحرج ولم ترد فسألها بجدية " هل ينقصك شيء ؟.. أخبريني إن كان ينقصك أي شيء مهما كان أطلبيه من الشيمي وسيكون عندك فورا بمشيئة الرحمن "


غمغمت بتأثر "شكرا يا شيمي .. لا ينقصني شيء الحمد لله"
عاد للمزاح قائلا بخفوت " متى ما ذهبن من غرفتك في أي وقت أخبريني وسآتي فورا.. فخير الزفاف عاجله"
احمر وجهها وتطلعت حولها لتتأكد أن كلهن ملهيات عن ارتباكها ثم قالت ببعض الحزم تداري فرحتها "اذهب لأصحابك يا شيمي فلربما لن تراهم إلا بعد فترة كبيرة "


سألها مقربا الهاتف من فمه أكثر بينما قلبه يرفرف بجناحين بين ضلوعه " لماذا؟.. علام تنوين بالضبط للشيمي ؟"
خرج الصهد من وجهها خاصة مع تكدس المكان وارتفاع حرارة الزحام لتقول بصوت مرتبك مختلط بصوت الموسيقى الراقصة " قصدت.. قصدت أنني سأكون مثل أي زوجة وسأستجوبك وأمنعك من الخروج وهذه الأشياء "


انفجر الشيمي مقهقها حتى تحولت عينيه لخطين في وجهه فازداد ارتباكها لتقول بحنق وحرج " اذهب يا شيمي لأصحابك "
غمغم بابتسامة متسعة بعد أن هدأت ضحكاته " يا خوفي عليك يا شيمي ..أخشى أن يذهب عقلك ليلة الغد يا مسكين!"
غمغمت بسرعة وهي تهم بإغلاق الخط " انت تربكني بكلامك .. اذهب لأصحابك هيا"


اغلقت الخط بسرعة تسحب انفاس قوية لتهدئ من ضربات قلبها .. واسبلت جفنيها بحرج أمام المتطلعات في وجهها الأحمر .. لتعود لمكانها أمام الحنانة بينما جاء الدور على كارمن التي ردت على فارس في الهاتف تقول "نعم فارس .. هل عدت؟"



قال فارس وهو يدخل من باب الفيلا " أجل عدت .. هل أنت مشغولة أم من الممكن أن تكتفي بهذا القدر من الحفل؟ "
سألته بقلق "لماذا؟"
رد فارس وهو يقطع بهو الفيلا" فكرت في أن نخرج أنا وأنت بالسيارة .. لكن إن كنت تريدين البقاء في الحفل فلا بأس لنؤجلها "
قالت كارمن تتصنع الاندهاش" هل سنخرج أنا وأنت وحدنا ؟.. يا إلهي !.. أخشى أن ينفضح أمرنا ويعلم الناس بعلاقتنا السرية "
توقف فارس عند غرفة والدته وقال وهو يرفع حاجبا "أرى تهكما كارمن هانم .. هل ستأتين أم أدخل مكتبي لأنجز ما أجلته من أجلك؟"
قالت وهي تهم بالمغادرة .. ترتدي سترتها الطويلة تداري بها بلوزتها العارية التي كانت تجلس بها في الاحتفال "لا لا سآتي فورا .. فلا أعلم عرض كريم كهذا متى يمكن أن يتكرر .. انتظرني ...إياك أن تدخل مكتبك .. إياك .. سآتي فورا"
أغلقت الخط تقترب من رفيدة ثم فريدة لتبلغهم بمغادرتها بينما دخل فارس غرفة والدته تزين شفتيه ابتسامة ليقول " السلام عليكم يا أمي . كيف حالك؟ "


ردت الحاجة نفيسة بابتهاج لرؤيته وهو يقترب ويقبل رأسها " بخير يا حبيب أمك "



جلس فارس بجوارها على السرير فتطلعت في ملامحه المجهدة وربتت على ظهره تقول " ألم يأن الأوان لأن ترتاح قليلا يا فارس ؟"
غمغم فارس بإرهاق " فترة ضغط وستمر يا أمي وبعدها أعدك أن أخذ إجازة"


غمغمت بحنان "أراح الله قلبك يا بني ورزقك بالخير الوفير "
قال فارس بلهجة جادة " أمي لقد رأيت بالأمس مناما غريبا .."
حركت سبحتها بحركة رتيبة وقالت" خير اللهم أجعله خير "
حدق فارس أرضا وقال " رأيت سني قد وقع من فمي إلى حجري بدون ألم "


زينت ابتسامة زاوية فم الحاجة نفيسة ليكمل فارس شاردا "ثم سقط سنا آخر "
عقدت الحاجة جبينها فنظر إليها فارس موضحا" وآلمني جدا يا أمي .. رغم أن الأول لم يكن كذلك .. ورأيت بعض الدماء تخرج من موضع هذا السن .. لكنه لم يسقط في حجري كالآخر .. وإنما .. ( وازدادت أنفاسه انفعالا ) وإنما طار في الهواء .. وكنت مرعوبا أن يضيع مني .. فمددت يدي لألتقطه .. وأعيده لمكانه في فمي .. لكن ( وتوترت ملامحه وهو يكمل ) لكن ذراعي يا أمي (وأمسك بذراعه اليمين ) ذراعي كان يؤلمني بشدة ولم أستطع رفعه"


وجمت ملامح الحاجة نفيسة وبلعت ريقها تسأله باهتمام "وهل التقطت السن الثاني الذي أردت إعادته لفمك ؟"
حرك فارس رأسه مغمغما "انتهى الحلم قبل أن أعرف "
سحبت الحاجة نفسا عميقا ورددت " خير بإذن الله .. الأسنان في المنام خير أو شر حسب حالة صاحبها"
سألها بتوجس "وهذا المنام ؟"
صمتت قليلا تحرك سبحتها ثم قالت بلهجة غامضة "أرى فيه بشرى خير .. وأتمنى ما فيه من شر ألا يحدث"
سألها فارس بإصرار " ما تفسيره يا أمي ؟"


حركت رأسها تقول بحزم " لن افسره .. (فالرؤيا على رجل طائر مالم تعبر ) .. فلا تحاول تفسيره .. فقط راجع ما تفعله يا فارس لربما تفعل أمرا فيه مجازفة أو خطورة وأكثر من الاستغفار .. "
عقد فارس حاجبيه وبدأ ذهنه يذهب لانتقامه متسائلا في سره "هل سيضره الشماع أو يضر أحد من أهل بيته؟"


قطعت كارمن حديثهما حين دخلت تنهت بشكل واضح فقالت الحاجة نفيسة موبخة "تجرين مجددا يا كارمن؟!!"
استقام فارس واقفا يقترب منها بقلق بينما ردت كارمن من بين أنفاسها وهي تتطلع في فارس "أردت أن ألحق بابنك قبل أن يغير رأيه .. تصوري يريدنا أن نخرج سويا !"


ابتسمت الحاجة نفيسة بينما قال فارس بضيق " إذا أردت الخروج من البيت من قبل يا كارمن لماذا لم تخبريني ؟"
أحست بشعوره بالذنب فقالت وهي تمسك بذراعه" لم اقصد إلا المزاح لماذا أنت متوتر هكذا "
لانت ملامحه وتطلع فيما ترتديه قائلا" هل أنت جاهزة؟"



أشرقت ابتسامتها أمام ناظريه فاستدار يقول لوالدته "هل تريدين شيئا من الخارج يا أم فارس ؟"
ردت الحاجة نفيسة" لا يا ولدي لا أريد سوى سلامتكما .. هل سيتأخر يونس ؟"
أجاب فارس وهو يغادر " سيتأخر قليلا .. فلديه بعض الأمور في العمل قبل سفره مساء الغد .. السلام عليكم"


ردت الحاجة السلام شارده ثم غمغمت بقلب مقبوض "اللهم الطف بنا في قضائك وقدرك يا كريم"
بعد قليل قالت كارمن وهي تتأمل فارس أمام المقود يشغل السيارة ويتحرك بها بعد أن خلع سترة الحلة وألقى بها على المقعد الخلفي.. فبدا أكثر بساطة بالقميص الأنيق والبنطال " إلى أين ستأخذني فارس بك ؟"



قال وهو يركز على الطريق أمامه" هل هناك مكان معين ترغبين في الذهاب إليه كارمن هانم؟"
ردت وهي تغوص في مقعدها باسترخاء" كلا فارس بك .. سأذهب للمكان الذي قصدته أنت من البداية "


غمغم فارس وهو يشاهد استرخائها في المقعد" سآخذك لمحل الحلويات حتى تختارين الصنف الذي تقصدينه بنفسك "
لمعت عيناها وقالت بحماس "حقا "


أومأ برأسه فاعتدلت تسند بمرفقها على ظهر مقعدها بينما رأسها يستند على كفها تتطلع فيه فسألها فارس رافعا حاجبيه" لماذا تنظرين إليّ هكذا"


غمغمت تتأمله " أحب رؤيتك وأنت تقود السيارة"
حرك مقلتيه نحوها ثم عاد يركز على الطريق أمامه لتكمل كارمن "ربما لأننا نكون ساعتها وحدنا .. ربما لأنني أشعر في وجود الشيمي وزغلول حولك وكأنهم قشرة يختبئ خلفها فارس البسيط (وأضافت بلهجة مغازلة) وربما لأنك تبدو أمام عجلة القيادة وسيما كما أنت أمامي الآن "


رفرف قلبه محلقا في سماء السعادة فالتقط كفها ليرفعه نحو شفتيه مقبلا .. ليرتجف قلبها كعصفور ينفض ريشه من الماء بانتعاش .. ثم شبك فارس أصابعه بين أصابعها قائلا بخفوت وهو يحرك ابهامه على ظاهر يدها بعد أن استقر بها على فخذه "اشتقت إليك الأيام الماضية يا أميرتي "
اتسعت ابتسامتها ولم ترد .. فقط مالت برأسها على ظهر مقعدها .. فحرك مقلتيه الزرقاوين نحوها ثم عاد للطريق أمامه شاردا في هذا الحلم الذي رآه وفي امتناع والدته عن تفسيره.



بعد نصف ساعة كانت كارمن تقف في إحدى محلات الحلويات الشهيرة تتطلع في الأصناف أمامها مبتهجة من رؤيتها لكنها كانت تبحث عن صنف معين في حيرة ليسألها الحلواني" أتريدين صنفا معينا يا هانم"


قالت كارمن للحلواني "أريد التي هي أخت البسبوسة"
عقد الرجل حاجبيه فتنحنح فارس يمسك بمرفقها بتحذير ثم تدخل قائلا "تقصد صنفا يشبه البسبوسة" قال الحلواني بابتسامة "تقصدين الهريسة؟"
صاحت كارمن بطفولية "أعتقد هي"


أشار الحلواني لصينية كبيرة وقطع قطعة بسكينه ووضعها في طبق صغير من الكرتون .. فمد فارس يده يلتقطه منه ويناولها إياه قائلا بخفوت " كنت على وشك الاتصال بأمي لأسألها عن الصنف الي تقصدينه لأنني نسيت أن اسألها قبل أن نغادر البيت "



أمسكت كارمن القطعة بطرفي سبابتها وابهامها تقضمها وهي تكاد تقفز من مكانها بسعادة وهتفت" هي يا فارس .. هي الهريسة"
وضع فارس يده على كتفها لتثبتها من الاهتزاز يحدجها بنظرة حازمة موبخة .. ثم استدار للحلواني يطلب طبقا كبيرا من الهريسة.. لتفسر كارمن وهي تتبعه عند دفع الحساب ثم طاولة الاستلام "لم أرغب في أن أسأل الحاجة عن اسم الصنف لأنهم كما قلت لك كلهم مشغولون بحفل الغد .. فتحرجت أن تقوم الحاجة بصنعه خصيصا من أجلي"


ناولها فارس الطبق الملفوف في ورق الهدايا فكادت أن تحضن الطبق .. فابتسم لسعادتها ووضع يده على ظهرها يخرج بها من المحل المزدحم عائدا للسيارة ثم فتح لها الباب لتجلس فيها .


حين تحرك فارس على الطريق سألها" هل تريدين الذهاب لمكان آخر أخبريني لأني لست خبيرا في مثل هذه الأمور ؟"
ردت وهي تلعب في اشرطة اللفة "لا .. اشعر بأني فاقدة للطاقة وأريد العودة ( ثم سألته والقلوب تتفجر من عينيها ) لن أتحمل حتى نصل للبيت "


اتسعت ابتسامته وهو يراقبها تحل عقد اللفة ثم تكشف عن الطبق وهي تقول" ليس لدينا ملاعق ولا شوك لكن لا بأس سأتصرف .. المهم ألا تعرف شويكار هانم بما سأفعل "
وامسكت بقطع الهريسة بطرفي سبابتها وابهامها لتقطم منها قطعة وتهمهم باستمتاع" رائعة .. رائعة يا فارس"


وزع نظراته بينها وبين الطريق سعيدا بسعادتها متأملا رقتها حتى وهي تأكل بنهم ..
فأمسكت كارمن بقطعة بين أصبعيها وقربتها منه تقول "ذق منها يا فارس .. أرجوك أنها رائعة"
مال نحوها يلتقط الهريسة في فمه لاعقا اصبعيها بشفتيه فدبت الحرارة في جسدها .. والتقطت قطعة أخرى تدسها في فمه فكرر ما فعل يرمقها بعينيه الزرقاوين بنظرات تذيب أعصابها .


عضت كارمن على شفتها .. وعادت تنظر في الطبق .. فالتهمها بعينيه راسما تفاصيلها ..
كل ما يخصها جميل ومسكر ومشعل لأعصابه ..



أما كارمن فالتقطت بعد قليل قطعة كبيرة تدسها في فمها ثم غمغمت شاعرة بالذنب " لقد اتيت على ربع الطبق يا فارس .. اسحبه من يدي قبل أن اتحول لكرة منفوخة"


ركن فارس السيارة فجأة على جانب الطريق الساكن تماما في مدخل المدينة .. فتطلعت حولها متسائلة ليميل عليها يسحب الطبق من يدها بهدوء ويضعه على المقعد الخلفي مغمغما بصوت متهدج " لا يهمني إن تحولت لكرة أم لبالون .. لكني أخشى على معدتك .. ( ثم رفع ذقنها قائلا بخفوت حار أمام عينيها الصافيتين ) أنت ذقتِ حلواكِ مس سويتي فدعيني أنا أيضا أذق حلواي"
وأطبق على شفتيها في عناق شهي.. حلو .. وحار .. ومسكر بينما الحمم السائلة تغلي في أعصابه ..


فهمست كارمن بعد أن افلت شفتيها "فارس نحن في الشارع "
تطلع في صفحة وجهها قائلا بصوت مبحوح " القيام ببعض المراهقة معك في السيارة كارمن هانم تبدو فكرة شهية جدا "
اتسعت ابتسامتها تتحسس وجهه في الضوء الخافت بينما عيناه الزرقاوين قد ازدادتا دُكنة وأنفاسه المختلطة بعطره تزيد من جنون المشاعر بداخلها.. بينما غمغم فارس بخفوت أمام وجهها "أحيانا أحتار ماذا يمكن أن أفعل لأجعلك لا تنسينني أبدا ... لا تنسين الشاطر فارس الذي سمحت له الأميرة بدخول قصر العسل .. فتملكه الطمع بألا يكتفي بالحصول على كل ما يخصها بل امتد طمعه لأن يظل بطل قصتها "


بدا كلامه غريبا لكنها تمتمت " لكنه بالفعل أصبح بطل قصتها الأول والأخير والوحيد "
تجول بعينيه في صفحة وجهها ثم قال " أتمنى أن أكون بطل قصتك للأبد ولست فصلا من فصول حياتك يا كارمن .."
شعرت بالارتباك ولم تفهم معنى كلامه فقالت " ماذا تقصد؟ "
انتبه فارس لما يتفوه به من هلوسة فقال مغيرا الحديث وهو يتأمل شفتيها " أقصد بأني أريد أن أقضم قطعة أخرى منك مس سويتي "


وعانقها في قبلة أخرى أكثر حرارة وعمقا بينما أصابعه تتحسس ظهرها وفخذها .. قبل أن يسمعا صوت سيارة قادمة ويضطرا للافتراق .. ليقول فارس وهو يشغل السيارة " علينا أن نعود إلى البيت بسرعة لأتفحص بنفسي أين ذهب هذان الكيلوان اللذان اكتشفهما ذلك الميزان اللعين قبلي"


ابتسمت كارمن تتطلع إليه لكن لم يغادرها القلق ففرد فارس ذراعه على كتفيها يسحبها إلى صدره .. لتسأله كارمن بحيرة " هل أنت بخير يا فارس ؟"
اتسعت ابتسامته ورد بعد أن طبع قبلة على رأسها " في خير ونعمة كبيرة بوجودك في حضني يا كارمن "


××××


ظهر يوم الجمعة
بعد أداء صلاة الجمعة في المسجد القريب عاد الرجال إلى فيلا سعد الدين.. فارس ويونس وعاصم السيوفي الذي استأذنهم ليبدل ملابسه في شقته المواجهة للفيلا ويعود .. بينما ذهب الشيمي للاستعداد لحفل زفافه .. بعد أن قرر فارس أن يقام الحفل في حديقة فيلا سعد الدين بعد ظهر الجمعة وبعد مراسم عقد قران يونس وفريدة لتكون مناسبة واحدة .. خاصة وأن رفيدة والشيمي ليس لديهما عددا كبيرا من المدعوين لحفل زفافهما فوجدها فارس فرصة جيدة أن ينضم ضيوف العرسين لإقامة حفل ممتد في يوم دافئ من أيام فصل الشتاء الذي قارب على الرحيل.
قال يونس على الهاتف بتوتر وهو يدخل من بوابة الفيلا التي ستفتح أبوابها على مصراعيها طوال اليوم لاستقبال الضيوف" أين أنت يا زياد المأذون على وشك الوصول "


رد زياد بهدوء " لا تتوتر أنا في الطريق بضع دقائق وأصل إليك أن شاء الله يا عريس "
سأله يونس " هل والديك معك ؟"
قال زياد بملل" اقتربا من الوصول إليكم .. اهدأ وارحمني .. أنت تقيم حفلا بعد صلاة الجمعة .. أي أن الجميع قد استيقظوا اليوم مبكرا من أجل سيادتك فارحمنا من توترك "


غمغم يونس بالسلام.. ثم أغلق الخط يتطلع في أطفال الدار الذين بدأوا في الانتشار في حديقة الفيلا بمصاحبة المعلمات كل مجموعة من الأطفال في عهدة معلمة .. عدا براء الذي انتقل رسميا للمبيت عند ضحى وفادي والذي سيحضر معهما بعد قليل لحضور زفاف رفيدة .


كان صبيان الدار يرتدون حلات رسمية أنيقة .. بينما الفتيات ارتدين فساتين من التل الأبيض وشبكن جناحين صغيرين خلف ظهورهن فبدين كالملائكة.. فتفاءل يونس من منظرهم وتحرك يبحث عن فريدة التي لم تنزل من غرفتها منذ الصباح .


في الفيلا ربت فارس على يد والدته التي تقف في منتصف البهو تستند على عصاها وتلقي تعليماتها للخادمات الأنيقات اللاتي تم استجلابهن للمساعدة في هذه المناسبة ..


فبالرغم من أن الحفل بسيط يضم المقربين جدا من يونس وفريدة وعائلة سعد الدين بالإضافة لأهل الدار وعدد قليل من ضيوف رفيدة والشيمي ..



وبالرغم من أنه سيتم خلال ساعات النهار في الحديقة ..
لكن الحاجة جهزت مأدبة فخمة بينما قامت كارمن وفريدة بالاهتمام بديكورات الحديقة من بالونات واشرطة ملونة وورود طامعين في أن يكون حفلا عائليا دافئا .


قال فارس لوالدته " لا تجهدي نفسك يا أمي .. لماذا أحضرت الخادمات إذن "
قالت الحاجة وهي تعدل حجابها فوق عباءتها البيضاء المطرزة أكمامها باللؤلؤ " أنا أباشرهن فقط حتى تنزل فريدة وكارمن لوضع اللمسات الأخيرة على ترتيب المائدة"


قبّل فارس رأسها مغمغما " أكثر الله من أفراحك يا أمي"
فربتت على صدره تقول بعينين زرقاوين غائمتين" وبارك الله لك فيما رزقك ..وأعلا من شأنك ونصرك على أعدائك يا فارس ابن رحمي ورزقك بالذرية الصالحة"
قبّل رأسها مرة أخرى .. وتحرك نحو مكتبه يتصل بكارمن التي أجابت بسرعة فبادرها قائلا " أين أنت منذ الصباح لم أرك حين استيقظت؟ "


ردت كارمن بسرعة " أنا في غرفة فريدة نستعد للحفل"
سألها باندهاش "منذ الصباح!"
ردت بثقة "طبعا هل تعتقد أن استعداد النساء بهذه البساطة"
غمغم بلهجة ذات مغزى " وكيف حال الاثنين كيلو جرامات الذين تم تحديد مواقعهم ليلة أمس؟ "


تطلعت كارمن في فريدة المشغولة بزينة وجهها تثرثر مع اثنتين من صديقاتها اللتان تساعدانها .. وانتحت جانبا تقول بحنق "لا تذكرني أرجوك بمأساتي"


ضحك فارس ثم قال بتسلي" أما أنا فلا أريد نسيان ليلة أمس بكل تفاصيلها ( وهمس بشقاوة ) بالمناسبة أحببت الزيادة جدا"
اشتعلت وجنتيها شاعرة بالثقة في انوثتها.. بما يهديها من كلمات عفوية تتوجها كملكة جمال الكون .. وبانفعالاته كرجل التي تستقبلها منه في لحظاتهما الخاصة .. لكنها شاركته قلقها تقول " أتمنى أن يكون الفستان مضبوطا عليّ وألا تختلف مقاساته"


سألها بفضول " كيف هو الفستان لم أراه؟"
ردت تغيظه " الفستان عاري "
انقلب وجهه وقال محذرا " كارمن !"
أكملت بتسلي " قصير"
ازدادت لهجته عبوسا " كارمن !"
أضافت بلهجة شقية "فاضح "
قال بعبوس " كارمن كفي عن المزاح .. اتفقنا على عدم تخطي هذه النقطة "
قالت بلهجة متسلية " ربما أريد أن أمارس بعض الشقاوة وافاجئك بفستان كهذا ثم أصالحك بعدها وأعتذر "


قال بثقة " كلا لن تفعليها أبدا "
تخصرت تقول بمشاكسة " لماذا فارس بك هل تظنني أخاف منك !"
رد بهدوء " لأني أثق فيك ثقة ليس لها حدود يا كارمن"
اتسعت ابتسامتها .. ثم سألته و قد تذكرت شيئا قلب وجهها للعبوس فجأة " هل ستحضر ريتا ؟"



ابتسم بانتشاء ذكوري لغيرتها ورد " كلا إنها في رحلة لتركيا وعقد القران تقرر فجأة "
ردت من بين أسنانها " الحمد لله فلست في مزاج لخربشة أحدهم اليوم "


قهقه فارس.. فرفعت حاجبا تقول بلهجة خطرة " ما معنى هذه الضحكة ؟.. هل تستهين بي .. هل تستهين بي فارس بك .. لا حظ اني أنفعل بسهولة هذه الأيام .. فاتقي شر انفجارات عاطفية ليست محمودة العواقب "
استمر فارس في قهقهته ثم قال" متى ستنزلين ؟.. فالمأذون على وشك الوصول .. والحقيقة أنا متوتر أكثر من يونس .. فأنا أزوج اخواي دفعة واحدة "


سألته "هل أنت سعيد؟"
سحب فارس نفسا عميقا وهو يتطلع من نافذة غرفة مكتبه المطلة على حديقة الفيلا ثم رد " الحقيقة سعيد .. ومندهش .. ولازلت حتى الآن أرى الأمر مضحكا"



اتسعت ابتسامتها قائلة " حسنا .. لا بأس ستعتاد الأمر .. سأذهب لأستعد "
هم فارس بإغلاق الخط خاصة بعد أن شاهد وصول رأفت وجدي وزوجته لكنه سألها سؤالا مراهقا لم يكن يتوقع أن يطرأ على ذهنه الذي لا يهتم إلا بالعمل" ما لون فستانك ؟"
ردت كارمن بشقاوة وقد اسعدها التغير الذي طرأ عليه ليهتم بالتفاصيل الصغيرة التي تخصها " أمممممم .. خمن ماذا يمكن أن يكون لون فستان أميرة قصر العسل يا شاطر فارس "


قالتها وأغلقت الخط تشعر بحماس شديد .. فلا أحد يعرف بعد أن اليوم هو يوم تنفيذ القرار الذي هيأت نفسها له الفترة الماضية نفسيا ومعنويا وروحيا .. وانتظرت لحظة فاصلة تنفيذه .. لتختار هذه المناسبة بالذات .


تناولت الفستان العسلي من فوق المشجب واتجهت للحمام الملحق بالغرفة لترتدي ملابسها بينما استعجلتها فريدة تقول "اسرعي يا كارمن أرجوك فيونس يتعجلني في النزول وأنا أشعر بالحرج من النزول وحدي"
انفجرت صديقاتها من الضحك لتقول إحداهما" عقد قران والعريس في نفس المنزل .. ستكون لياليكما كلها شقاوة قبل يوم الزفاف "
ردت فريدة بوجنتين حمراوين "قلت لك سيسافر الليلة وسيعود يوم الزفاف .. أبيه فارس أصر على ذلك"



قالت الأخرى بلهجة متهكمة " مسكين لابد أنه انجلط من هذا القرار "


ابتسمت فريدة تتذكر حنق يونس وهو يخبرها بالخبر وبرطمته لها في الهاتف .. فسحبت أنفاسها وهي تترقب هذه الحظة ..
لحظة أن تكتب باسم يونس ..
لحظة أن تمحى الحدود بينهما ..
لحظة أن تمنح الفرصة الكاملة لتدليل ابن قلبها.


خرجت كارمن بعد دقائق ترتدي فستان باللون العسلي الهادئ الذي يميل للبيج .. تنورته من الساتان السادة بحزام يلف الخصر من نفس قماش التنورة تزينه فيونكة تميل لجهة اليمين قليلا.
أما جذعها فيزين الساتان خطوط فضية مائلة تمتد حتى الاكمام التي تنسدل بكورنيش بسيط من بعد المرفق وتنتهي حتى نصف الساعد .


كان أنيقا رقيقا استحوذ على انتباه البنات .. لكن ما لاحظته فريدة واندهشت له أن كارمن تكمل ساعد الفستان حتى الرسغ بأكمام إضافية بلون مقارب لدرجة لون الفستان ترتديها تحت الكم الأساسي لتغطي الجزء الباقي من الساعد .. وقبل أن تبدي ملاحظتها كانت كارمن تتجه في عجلة لترفع شعرها أمام المرآه في عقدة خلف رأسها ثم تتجه لفريدة قائلة بوجنتين مخضبتين بالحمرة وهي تناولها وشاحا من الساتان من نفس درجة لون وقماش التنورة قائلة بصوت متهدج فاجأها هي شخصيا " ساعديني من فضلك يا فريدة فلم أجرب من قبل لفه حول رأسي بشكل محترف "


اتسعت عينا فريدة تناظرها بذهول .. ثم صرخت بفرح" كارمن! ..( وتقافزت وهي تمسك بكتفيها قائلة ) كارمن ما هذه المفاجأة الجميلة !"
غطت كارمن وجهها بكفيها بحرج ثم عادت تنظر إليها تقول بابتسامة محرجة " هيا بسرعة حتى لا نتأخر عليهم .. "
بعد دقائق تطلعت كارمن لنفسها في المرآة تشعر براحة وسعادة بينما قالت فريدة من خلفها" تبدين رائعة بسم الله ما شاء الله لم أتوقع أن يكون الحجاب عليك بهذا الشكل الجميل ويبرز رسمة عينيك بشكل مذهل .. سيُجن أبيه.. هل يعلم ؟"


قالت كارمن " كلا أردت أن افاجئه .. "
رن هاتف فريدة عدة مرات ففهمت كارمن أنه يونس .. فقالت لفريدة " انزلي أنت مع البنات وأنا سأنتهي من زينة وجهي سريعا وسألحق بك .. هيا قبل أن يفجر يونس نفسه بقنبلة في الفرح "
اتسعت ابتسامة فريدة ومالت لتعانقها فقالت كارمن بتأثر حقيقي " مبارك يا فريدة أنت تستحقين كل الفرح "



غمغمت الأخرى بنفس التأثر " مبارك لك أيضا يا كارمن "
في الأسفل دخلت عهد من بوابة الفيلا تتأبط ذراع زياد بينما والداه اللذان قد وصلا قبلهما كان يتطلعان فيهما من بعيد و يونس يستقبلهما ..
تطلعت ناهد بإعجاب لفستان عهد التي ساعدتها في اختياره والذي بدا عليها مبهرا .. من قماش الشيفون الوردي الهادئ وأكمام قصيرة .. تنسدل تنورته بطيات طولية قصيرة من الأمام ثم تزداد طولا على الجانبين بينما تلمس الأرض من الخلف .. تلف حول كتفيها وشاحا من نفس قماش ولون الفستان وحذاء عالي الكعب باللون البيج .. بينما شعرها مرفوع لأعلى مزين بورود وردية اللون وبعض الخصلات تنسدل حول وجهها .


قال يونس لعهد بامتعاض" إنها القطيعة بيني وبينك يا عهد"
شعرت عهد بالحرج وقد توقعت رد فعل كهذا فنظرت لزياد الذي بادر بالتبرير موضحا "عهد أرادت أن تفاجئني بطلبها العمل معي لهذا أخفت الأمر عن الجميع"
تكلمت عهد بلهجة معتذرة" آسفة يونس كنت سأخبرك بعد أن يعلم زياد .. لكن الأمر تطور بسرعة وعلمتم قبل أن أخبركم "
أومأ يونس برأسه ثم قال بحاجب مرفوع "عموما بالتوفيق زياد أفندي .. يا لص الموظفين"
اتسعت ابتسامة زياد السعيدة ومد ذراعه يطوق خصر عهد ليقول يونس وهو يتركهما " جهز بطاقتك الشخصية لتشهد على العقد .. سأذهب لأرى لماذا تأخر المأذون "
تأمله زياد وهو يبتعد ثم قال لعهد" يبدو سعيدا جدا الحمد لله "
غمغمت بخفوت " وأنا متوترة جدا .."


تطلع في وجهها مندهشا لتقول عهد مفسرة " اتعامل مع يونس ببساطة لكني الآن أشعر بالارتباك بسبب حساسيتك "
تأمل زياد جمالها بإعجاب وقلبه يرفرف في صدره ثم قال " دعينا نساعد بعضنا لرأب الصدع الذي حدث .. أنت ستكونين أكثر تحفظا معه عن ذي قبل.. لكن طبعا بدون تطرف فأنا لا أمنعك عن التعامل معه .. وفي المقابل سأحاول أن أتعامل أنا مع حساسيتي تجاه الماضي ببعض التعقل خاصة بعد أن تأكدت من حبك لي "


اتسعت ابتسامتها فخلبت لبه ليضع يده على ظهرها ويتحرك ناحية والديه قائلا " لا تتحركي من جانب والداي فما تلبسينه اليوم برعاية أمي سيرفع من درجة رغبتي في الشجار .. وما يشفع لك أن الحفل لن يضم إلا المقربين ( ثم وجه الحديث لوالدته حين اقترب منها قائلا ) حسابكما معي يا ناهد أنت وهي على هذا الفستان ( وأشار لعهد بسبابته بلهجة خطرة محذرا) إياك ثم إياك أن تخلعي عنك الوشاح ستقابلين زياد آخر وقتها"
قالت ناهد مبررة "يا بني إنها عروس "


قال زياد بلهجة خطرة " عروس لي أنا وليس للجميع ..أول وآخر مرة ترتدي فستان دون أن أوافق عليه مسبقا ( وعاد لعهد محذرا) لا تخلعي عنك الوشاح عهد باشا "
ثم تركهم مبتعدا لتقول ناهد مصعوقة " عهد باشا !!.. ماذا حدث لهذا الولد لم يكن يفكر بتلك الطريقة من قبل! "
بعد قليل نزلت فريدة وصديقتيها فاستقبلتهم الحاجة نفيسة وعيناها متعلقة بربيبتها وابنة قلبها .. فقد حانت اللحظة التي تنتظرها منذ سنوات .


اقتربت فريدة من الحاجة التي مررت عينيها الغائمتين عليها تقول " بسم الله ما شاء الله .. يا أرض احفظي من عليك "
طوقت ذراعيها تحضن الحاجة نفيسة وكلتاهما ترتجفان من التأثر .. فغمغمت الحاجة بصوت باك "مبارك يا قلبي .. الحمد لله أن جبر بخاطرك وخاطري ولم يحرمنا من فرحتنا "


ابعدت فريدة رأسها لتتطلع في وجه أمها قائلة" أتعلمين يا أمي ما يزيد من فرحتي ؟.. أني لن افترق عنك أبدا .. لم أتخيل يوما أتركك فيه وابتعد عن حضنك .. لم أتحمل فكرة أن آتيك زائرة .. بيتي دوما بجوارك يا أمي وفي حضنك "
ازداد بكاء الحاجة تحضنها مرة أخرى وتتمتم بتأثر" ربي يعلم كيف كان فراقك عني صعبا يا فريدة .. كأنه موت بالنسبة لي .. وكنت ادفعك للزواج رغم كل هذا حتى أطمئن عليك قبل أن أموت .. لكن الله سبحانه وتعالى كان يعلم بأني لم أكن قادرة على تحمل أن تنتزعين من حضني "


ابتعدت فريدة تلثم يديها الاثنتين ورأسها بهستيريا وانفعال .. لترفع الحاجة يديها تمسح دموع فريدة قائلة "كفى بكاء يا حبيبتي ستفسد زينة وجهك "
دخل يونس فجأة من باب الفيلا يصيح بتوتر" أين فريدة؟.. المأذون وصل .. هيا بسرعة "



قالت أمه وهي تمسح الدموع من وجهها الأشقر" اهدأ يا يونس ولا تستعجل البنت .. إنها العروس وعلى الجميع انتظارها "
انتبه يونس لما ترتديه فريدة.. فوقف متخصرا يرسمها بعينيه .. فستانها من قماش الدانتيل المخرم والمبطن باللون الباذنجاني .. ملون بورود صغيرة زهرية اللون على الخصر ومقدمة الجذع .. وحجاب من الحرير بدرجة افتح قليلا من لون الفستان ترسم عينيها بالأسود فازداد بريق قطعتي الشيكولاتة في حدقتيها مع لون زهري يطلي شفتيها.
اقترب يونس بهدوء يداري ارتجافه خلف ملامح جادة وسط النظرات المتطلعة حولهما ووقف أمامها يطالعها مغمغما "ادعي ليونس يا حاجة نفيسة.. ادعي له أن يتحمل قلبه كل هذه الجرعة من الفرح "


طالعت فريدة اناقته وعينيه العسليتين القاتلتين المسلطتين عليها .. فمد يونس يده يحضن كفها قائلا بصوت متهدج خافت " بضع دقائق .. بضع دقائق فقط وبعدها لن يفرقنا إلا الموت .. يا حليلة يونس سعد الدين"
وسحبها خلفه بهدوء إلى حلم عصي أضحى على وشك التحقيق .


في نفس الوقت قال عاصم في شقته متعجلا لشويكار التي تقف في الشرفة تتطلع فيما يدور في حديقة الفيلا " هل ستأتين معي أم لا يا شويكار؟ .. لقد تأخرت وأنا شاهد على العقد"


بحماس غامض السبب .. اتسعت ابتسامة شويكار ولمعت عينيها بالمكر تقول بلهجة ساخرة لم يلحظها عاصم " بالطبع سآتي .. فأنا متحمسة لحضور حفل اليوم بشكل خاص جدا جدا .. ( ثم نظرت في ساعتها تغمغم من بين اسنانها ) لماذا تأخر الغبي ! "
××××



مكتبة حواء
مكتبة حواء
موقع مكتبة حواء هو منصة إلكترونية عربية متخصصة في نشر الروايات والقصص، ويستهدف بشكل أساسي محبي الأدب الرومانسي والاجتماعي، مع حضور قوي لاهتمامات القرّاء.
تعليقات