رواية زخات الحب والحصي الفصل التاسع عشر 19 بقلم شموسة
الفصل التاسع عشر
قال عاصم بعصبية" هيا يا شويكار سأتأخر "
ردت عليه بارتباك " اسبقني أنت يا عاصم لتلحق بعقد القران .. وأنا سألحق بك بعد أن أصلح من زينة وجهي"
بدون تعليق استدار عاصم مغادرا يتمنى ألا تحضر .. فقد بات وجودها في أي مكان معه محبطا له ولكارمن .
أما شويكار فأجرت اتصالا أخر لكن الرقم الذي طلبته كان مغلقا ..
قبل يوم:
ركن لؤي سيارته أمام مبنى الجمعية بعد أن ترك والده غاضبا بسبب إصرار الأخير على سفره وايقاف بطاقاته البنكية ومحاصرته حتى يسافر ..
عليه أن يتحدث مع والدته حتى تثني والده عن قراره .. فدخل المبنى متحفزا يتفتت من الغضب ووقف ينتظر المصعد والذي كان يحمل شويكار الشبكشي في حالة من الاحباط الشديد .. فالمؤشرات بين أعضاء الجمعية ومجلس إدارتها تشير لأن الغالبية يؤيدون انتخاب ثريا الفالح ومتحمسون لبرنامجها الذي تراه من وجهة نظرها مجرد شعارات رنانة ليست عملية التنفيذ على أرض الواقع ..
برطمت بِغِل وهي تقف منكسة الرأس تتابع صوت طرق مقدمة حذائها على أرض المصعد " الأغبياء .. لو يفهمون سيعرفون بأن الخبرة أفضل من اختيار شخص ليس له أي خبرة .. أي عين واعية من المفروض أن تكتشف أن برنامجها غالبيته أحلام غير منطقية التنفيذ .. أنا سأثبت لهم أن كل ما تطمح إليه هو محض خيال صعب التنفيذ على أرض الواقع .. بنت الـ(....) تستخدم ضدي الاشاعات وتتخذ من خبر افلاسنا القديم وزيجة كارمن وشائعات انفصالي عن عاصم مادة لتؤثر على التافهات اللاتي سيمنحنها أصواتهن ! .. عليّ أن أعتمد على أصوات الرجال"
انفتح باب المصعد فتواجه الاثنان يتشاركان حالة الغضب والاحباط كل له أسبابه ودوافعه.
تطلعت فيه شويكار بقرف بينما اتسعت عينا لؤي وكأنه قد وجد ضالته لكن الأخيرة انتحت جانبا تتجاوزه بكبرياء خارجة من المصعد متعمدة التجاهل فلحق بها لؤي يقول " تونت شويكار دقيقة من فضلك"
تجمدت الأخيرة وتوقف صوت كعب حذائها الذي يضرب في الأرض بغضب ثم استدارت تقول" ( تونت ) هذه كانت عندما كنت مرشحا لأن تكون زوج ابنتي .. أما الآن وقد ضاعت هذه الفرصة فأنا شويكار هانم يا لؤي "
اقترب لؤي منها كالغريق الذي يتمسك بقشة وقال "أعرف بأني خذلتك وخذلت كارمن لكني نادم .. اقسم بالله نادم"
عوجت شويكار شفتيها مشيحة بوجهها عنه تغمغم" وماذا بعد الندم؟.. ضاعت كارمن وانتهى الأمر"
اسرع بالقول "كلا لم تضع بعد.. وأنا عازم على استرجاعها وسآخذها ونسافر الى أمريكا"
تكلمت شويكار باستنكار" هل أنت واع لما تقول يا لؤي؟.. كارمن متزوجة الآن"
رد بثقة أدهشت شويكار " لن تطول هذه الزيجة بعد أن تعرف بما أعرفه .. لكني غير قادر على الوصول إليها ..رقم هاتفها مغلق منذ مدة بعد أن حظرت رقمي ورقم أخر ابتعته للاتصال بها .. ولم تعطني فرصة أبدا لإخبارها ما علمته وما قد يصدمها ويكشف لها أي لعبة دنيئة تعرضت لها"
بدا الاهتمام واضحا على وجه شويكار .. فاعتدلت في وقفتها توليه كامل تركيزها ليكمل لؤي" وفي الوقت نفسه غير قادر على مقابلتها فقد انقطعت تماما عن الأماكن التي اعتادت الذهاب لها .. ولا أعرف كيف أصل إليها ومن غير المعقول أن أذهب إليها في بيتها الجديد أطلب مقابلتها .. خاصة وأنها تسكن في بيت عائلة كما فهمت"
غمغمت شويكار في سرها بقرف " ولن تراها في أي مكان بعدما حبسها المبلط أفندي (ثم سألت لؤي بلهجة أكثر ودا ) أخبرني بما تريد إيصاله لها وأنا سأخبرها"
لم تكن شخصية شويكار ومكرها غائبة عن وعي وإدراك لؤي وهو الذي يعرفها حق المعرفة منذ صغره .. بالإضافة لرغبته الملحة لمقابلة كارمن شخصيا والتأثير عليها فرد عليها بإصرار" آسف شويكار هانم لن اتحدث إلا أمام كارمن نفسها"
قالت بلهجة ساخرة تقلده " وأنا آسفة لؤي بك ليس بيدي شيء لأفعله لك"
وهمت بالمغادرة بعد أن شكت في امتلاكه لأي معلومات خطيرة كما يدعي .. لكن شعور بالانتشاء تملك منها بسبب حالته البائسة وتمنت لو تستطيع تصويره في هذه الحالة من الالحاح لرؤية ابنتها.. وارسال ذلك لثريا التي ادعت أمام بعض العضوات من قبل أن ابنتها هي من كانت تلاحق ابنها"
امسك لؤي بذراع شويكار قائلا بتوسل" أرجوك شويكار هانم ..أرجوك ساعديني في مقابلة كارمن .. فما أحمله من معلومات خطير جدا .. ولابد أن تعرفه لتكتشف في أي فخ قد وقعت بزواجها من هذا الرجل ..وأي مصير ينتظرها معه"
عقدت شويكار حاجبيها مستفهمة فقال لؤي" آسف لكني لن استطيع اخبارك كما قلت .. أريدها هي من تقرر ماذا ستفعل بالمعلومات التي أعرفها عن فارس سعد الدين"
المعلومات التي يعرفها عن فارس سعد الدين؟
معلومات كفيلة بأن تفسد الزواج؟!!
تطلعت فيه شويكار مفكرة.
إنها لا تعلم أن كان ما يملكه لؤي من معلومات خطير إلى هذه الدرجة .. أم إنها مجرد حجة لرؤيتها.. لكن ظهور هذا الولد بالجوار قد يستفز فارس سعد الدين ..
وبتقليب سريع للأمر في رأسها وجدت أن مساعدته لمقابلة كارمن في صالحها .. فإما يكون صادقا ولديه من المعلومات ما يفسد هذه الزيجة فتعود كارمن تحت جناحها.. أو بظهوره تظهر المشاكل بين فارس وكارمن وساعتها ستفضح ثريا أمام الجميع وتثبت لهم أن ابنها هو من يطارد امرأة متزوجة.
ارتسمت ابتسامة ماكرة على شفتيها وقالت وهي تخرج هاتفها "اسمع .. سأمنحك فرصة واحدة.. فسأعطيك رقم هاتفها الجديد"
اخرج لؤي هاتفه يتلق الرقم ثم قال" أرجو أن تدبري لي لقاء مع كارمن شويكار هانم .. فإذا اتصلت أنا بها ستحظر رقمي مجددا ولن تعطيني فرصة لأخبرها بما أريد"
قالت شويكار بسرعة" لا .. اخرجني أنا من الصورة .. فلا ارغب في أن أسمع منها ومن والدها شعارات رنانة عن المبادئ .. ساعد نفسك بنفسك"
اطرق لؤي برأسه بإحباط .. فمطت شويكار شفتيها بامتعاض وتحركت مبتعدة .. لكنها توقفت عند سيارتها وقد لمعت فكرة في رأسها .. فاستدارت تقول
" لؤي لدي فكرة لطريقة تستطيع بها مقابلتها"
هرول لؤي نحوها متلهفا لسماع الفكرة لتستطرد شويكار "غدا بعد الظهر لديهم احتفالا بالفيلا تستطيع التسلل بين المدعوين ومقابلتها .. فهو الحل الوحيد لك لأن زوجها يحبسها في البيت ويمنعها من الخروج منه .."
××××
في فيلا سعد الدين نزلت كارمن درجات السلم بهدوء وثقة رغم توترها لمعرفة رد فعل فارس قبل الجميع.
لم يكن قراراها وليد اللحظة ولا رغبة في اسعاد فارس رغم معرفتها بأنه سيسعده ذلك ..
لكنها دوما كانت تميل لفكرة الاحتشام .. ربما والدها من زرع فيها هذا الميل.. ربما هي طبيعتها الخجول الرافضة للفت الانتباه .. وربما لما تؤمن به دوما بأن التعري هو إهانة للإنسان وخاصة المرأة ..
كانت الحاجة نفيسة تبدي آخر ملاحظتها للخادمات قبل أن تتوكأ على عصاها للحاق بمراسم عقد القران حيث الجميع في انتظارها للبدء ..فأمسكت بيد شهد المتأنقة هي الأخرى والتي تنتظرها .. لكنها قبل أن تتحرك لمحت كارمن في هيئتها الجديدة والتي تقترب منها بوجنتين حمراوين لتردد الحاجة بصوت مسموع "اللهم صل على النبي .. اللهم صل على النبي"
ابتسمت كارمن بحرج وهي تقف أمامها فاقتربت الحاجة برأسها تقبل وجنتها بتلك القبلات القصيرة المتعاقبة والتي تنتهي بواحدة أعلى صوتا وأطول زمنا وغمغمت " اللهم بارك يا رب"
ضحكت كعادتها كلما تلقت منها هذه القبلات وقالت وهي تمسك بمرفقها وترافقها للخارج "اشكرك حاجة نفيسة"
قالت نفيسة بإعجاب" وفستانك ما شاء الله رائع"
قالت كارمن وقد عبس وجهها "الحمد لله يداري الفضائح .."
ابتسمت الحاجة وضغطت على ساعد كارمن تقول" عن أي فضيحة تتكلمين يا كارمن أعوذ بالله"
ردت كارمن وهي تشير للكرش الصغير الغير مرئي "لزيادة وزني .. لكني اتفقت مع فارس أن استخدم الأجهزة الرياضية الخاصة به"
هتفت الحاجة بانزعاج " أجهزة رياضية !.. معقول يا كارمن لم تفهمي حديثي أمس!!"
توقفت كارمن تسألها" ماذا تقصدين؟"
لم ترغب الحاجة أن تظهر بمظهر المتلهفة على الحفيد لكنها قالت " اسمعي يا كارمن قبل أن تقومي بتلك التمارين .. تأكدي فقط أنك لست حامل ..وأن هذه الاعراض التي تعانين منها مؤخرا ليست أعراض حمل"
تعرق جسد كارمن فجأة وارتفعت حرارته بينما اقتربت فريدة تقول " يا أمي ينتظرونك"
تحركت الحاجة وهي تقول لكارمن المتسمرة "يا بنيتي احسبي أخر مرة جاءتك ظروفك الشهرية وإن تأكدت أنك لست حامل إفعلي ما تشائين بشأن ما تسمينه زيادة وزن رغم أني لا أراها بصراحة "
قالت كارمن بخفوت "الحقيقة أحيانا تتأخر ظروفي الشهرية حسب حالتي النفسية لهذا لم أربط هذا بذاك"
ربتت الحاجة على ذراعها بحنان ثم تحركت بخطى أسرع قليلا تستند على شهد وفريدة بينما وقفت كارمن تشعر بانقباض مفاجئ في رحمها فوضعت يدها على أسفل بطنها تغمغم" هل من الممكن أن أكون حامل بطفل !!"
الفكرة كانت غريبة ..
ربما لأن زواجها من فارس بدأ بشكل غير نمطي..
ربما لأنهما بدآ شهر عسل لقصتهما منذ مدة قصيرة ..
ففتحت تطبيق تسجيل مواعيد ظروفها الشهرية على هاتفها بسرعة .. لتجد أن آخر مرة كانت قبل أسبوع من أول لقاء حميمي بينها وبين فارس .. وأن التطبيق كان بحاجة للتحديث لذا لم ينبهها لتأخر عادتها الشهرية فاتسعت ابتسامتها ..وتحركت تبحث عن فارس فوجدته جالسا بجوار المأذون .
تحت دفء شمس الشتاء الذي يوشك على الرحيل جلس الأخوان أمام بعضهما يتوسطهما المأذون في مشهد قد يكون مكررا .. بل ويحدث في كل دقيقة إذا لم تعرف صلة وكيل العروس بالعريس ليخرج إليك مشهدا غير تقليديا مما جعل يونس بمجرد أن أمسك المأذون بيده ليضعها في يد أخيه ينفجر بالضحك .. خاصة بعد أن تواجهت انظارهما ..
فانفجرت الضحكات حولهما بالتبعية عدا فارس الذي ضيق عينيه يحاول تصنع الجدية ويرمقه بنظرة موبخة.
أمسك المأذون الذي علم منذ دقائق قليلة صلة العريس والعروس ووكيلها بيديهما مرة أخرى وهو يلملم ضحكته.. فأحمر وجه يونس وهو يكتم المزيد من الضحك بينما زياد يصور بهاتفه الحدث .. لينفجر العريس مرة أخرى ضاحكا غير قادر على تمالك نفسه فصاح زياد قائلا "يا بني خلصنا ألم تكن متعجلا على الزواج !"
قال يونس بهيستريا ضحك " ما يحدث الآن لا يتكرر كثيرا .. أن أضع يدي في يد شقيقي لأتزوج من أخته"
ثم نظر لفريدة التي تجلس بجوار فارس مبتسمة وانفجر في المزيد من الضحك .. يحاول التحكم فيما يتملكه من مشاعر ليست بالهينة.. في لحظة انتظرها كثيرا .. فغطى بعد ثوان جبينه بكفه يحاول التماسك ليقول له فارس المحتفظ بجديته" هل ستنتهي فقرة السيرك القومي سريعا أم نؤجل الأمر أم نلغيه"
قال يونس مشيرا على فارس وهو يسيطر على حالة الضحك المسيطرة عليه " انظروا لنظراته إليّ .. إنه لا يزال لا يستسيغ الأمر ( واستقام واقفا يميل على أخيه الجالس أمامه ويحضنه قائلا بخفوت متأثر استشعره فارس) اقسم لك يا كبير لو كان هناك مفرا منها لفررت حتى لا اسبب لك أي عدم راحة.. "
مسد فارس على ظهر أخيه بحنان وقد انتقلت له عدوى التأثر فقال بهمس اجش "ومن غيرك سآتمنه عليها يا بَغل .. تأكد بأن سعادتي اليوم بكما مضاعفة "
قبّل يونس كتف أخيه بمحبة ليعود لمقعده يداري تأثره الذي لاحظه الجميع .. فقال المأذون مشاكسا " هل نبدأ مراسم الزواج يا عريس أم أؤجل أنا هذه الزيجة!"
قال يونس بسرعة "كلا أرجوك يا مولانا لقد هرمت في انتظار هذه اللحظة وشاب شعري"
ابتسم المأذون وامسك بيد الأخوين يضع فوقهما المنديل الأبيض الذي شغلت عليه الحاجة نفيسة بالخيط اسميّ يونس وفريدة ..
فأخذ يونس يردد خلف المأذون وعيناه تحدقان في فريدة التي تجلس بجوار أخيها بينما قلبه يرتجف في رهبة من اقتراب تحقيقه لأمنية هي الأغلى من حياته نفسها.
انهى المأذون كلامه قائلا "بارك الله لكما وعليكما وجمع بينكما في خير"
انفجرت الزغاريد في نفس الوقت الذي خطف زياد المنديل .. وتناوبت التهنئة على فريدة من الحاجة نفيسة التي بكت .. ومن كارمن وعهد وصديقات العروس ومعلمات الدار .. بينما حاول يونس الفكاك من عناق زياد والعدد القليل من أصدقائه الشباب الحاضرين الذين يقومون بتهنئته لأنه كان يركز على شيء واحد حين قال للمأذون " اعطني ما يثبت"
تطلع فيه المأذون باندهاش ..ليقول يونس " اعطني ما يثبت بأنها أصبحت زوجتي"
رد المأذون مشاكسا وهو يشير نحو الحاضرين" ألا يكفيك كل هؤلاء شهودا على أنها أصبحت زوجتك ؟"
لم يجاريه يونس في المزاح وإنما قال بجدية وإصرار " أريد ورقة تثبت أنها أصبحت زوجتي يا مولانا "
ختم المأذون ورقة معدة من قبل قائلا " هذه تثبت أنها زوجتك لحين استخراج قسيمة الزواج"
سحب يونس الورقة منه يتطلع فيها مدققا .. فصمت الجميع مترقبون .. ليقترب من فارس الذي لا يزال جالسا بجوار المأذون ويفرد أمامه الورقة قائلا بجدية "أنظر يا كبير .. فريدة زوجتي على سنة الله ورسوله "
ثم استدارت مقلتيه العسليتين تبحثان عنها وترمقانها بأسهم عشق محروم وهو يطوي الورقة بعناية ويضعها في جيب سترته الداخلي .. ثم تحرك نحوها حيث تقف في منتصف الحديقة بعد أن سحبتها موجات التهاني والتبريكات ..
اقترب بخطوات ثابتة.. فتفرق من حولها مبتعدون قليلا يفسحون لهما المجال بينما زياد لا يزال يسجل بهاتفه.
يخطو نحوها ..
خطوة ..
اثنين..
إلى تحقيق الحلم..
ثلاث..
إلى كحيلة العينين ..
التي تقف مكانها قلبها تتفجر دقاته.
أربع..
تراه يقترب منها ..
حب عمرها بوسامته التي فاقت أي يوم أخر.
خمس..
خمس خطوات قطعها حتى وقف أمامها يتطلع في حسنها لثانية ..
قبل أن يميل بحركة مفاجئة ويحملها من خصرها يرفعها عاليا وهو يصيح " تزوجنا يا فريداااااااااااااااا.. "
استندت بساعديها على كتفيه .. فأخذ يدور ويدور بها حول نفسه سعيدا وكأنه ملك العالم بين يديه .. قبل أن ينزلها قليلا ويطوق خصرها بذراعيه يغرق في حضنها ويكمل دورانه بها ..
بعد دقائق هدئا من رد الفعل الهيستيري فانزلها ..لكنهما استمرا متعانقان .
كانا يرتجفان .. كعصفورين مبللين ..
وللحظات .. فقدا الشعور بالزمان وكأنهما في كبسولة تحجبهما عن العالم..
فريده في حضنه ..
يحضنها بقوة ويدفن رأسه بين طيات حجابها الناعم..
ويونس في حضنها ..
يغمرها بدفء جسده وعطره الرجولي..
فريدة في حضنه ..
يستشعر طراوة جسدها على صدره.
ويونس في حضنها ..
ويهمس في أذنها بحرارة " تزوجنا يا فريدتي .. تزوجنا يا حب عمري"
كان عناق قلبين وجسدين وروحين كتبا لبعضهما من قبل أن يولدا.
عناق مرتجف .. مشتاق .. طال انتظاره.
لا يعلما كم مر من الوقت وهما بهذا الالتصاق .. ولم يسمعا هزر الشباب بقيادة زياد ولا تفكههم على المشهد .. ولم يشاهدا دموع الحاجة نفيسة .. ولا تأثر فارس الذي أخفاه خلف وجه جامد.
لم يشعرا .. ولم يدركا ..
سوى أنهما يتعانقان أخيرا.
في محاولة للاستفاقة من الصدمة أبعد يونس رأسه ليتطلع في وجهها الباكي يحضنه بين كفيه مقربا جبينه من جبينها ..فتعانقت أنفاسهما ..
عيناه تغوص في قطعتي الشيكولاتة من مسافة لا تتعدى بضع سنتمترات هامسا لها بغير تصديق" تزوجنا يا فريدة ..صرتِ ملكي"
استطاعت أخيرا فك عقدة لسانها وغمغمت بتأثر أمام وهج عينيه العسليتين " أنا ملكك منذ أن ولدت يا يونس"
طبع قبلة ساخنة طويلة بطيئة بين عينيها وقد بدأ يستعيد ادراكه بما حوله ويحاول التماسك .. خاصة حين اقترب فارس يقول برزانة" هلا سمحت لي بتهنئة أختي يا سيد يونس"
قبل أن يجيب يونس كانت فريدة تلقي بنفسها في حضن فارس.. فاستقبلها يربت على ظهرها ويقبل رأسها مباركا .. ثم سحب يونس بذراعه الأخر يحضنه هو الأخر بتأثر ..
بعد قليل وقف فارس يبحث عن كارمن التي تابعت مراسم عقد القران واقفة خلفه بجوار فريدة فلم يلمحها أبدا .. خاصة مع رهبة اللحظات الماضية لكنه انتبه لعدم وجودها بين الحضور فتحرك يدخل الفيلا للبحث عنها بقلق متجاوزا إياها وقد أولته ظهرها بارتباك حين لمحته آتيا يتطلع في الحضور.
كان قلبها يدق بعنف حتى كاد أن يخرج من حنجرتها .. بينما تجاوزها فارس نحو الفيلا بعدة خطوات بذهن مشغول يتساءل أين من الممكن أن تكون .. قبل أن يتوقف للحظة ويستدير ليدقق بتركيز في ظهر الفتاة المحجبة التي ترتدي اللون العسلي الباهت .. ليتحرك نحوها ببطء وعيناه ترسمانها من الخلف بجرأة ليست من عادته وقد توقف نبضه.
إنها هي..
لا يمكن أن يخطئها أبدا ..حتى لو كان عقله لم يستوعب ما يراه بعد ..
لكن قلبه تعرف عليها .. وعيناه تحفظان كل تفصيلة فيها .
استدار حولها ليقف أخيرا في مواجهتها .. فانفجرت ضربات قلبه .. يحدق في عينيها الواسعتين اللتان تطالعانه بترقب بينما شفتيها مطبقتان على نفسهما بقوة.
راقبت كارمن تفاحة آدم في عنقه تتحرك وهو يبلع ريقه قبل أن يقول بحشرجة" كارمن !"
لم ترد وإنما شبكت أصابعها خلف ظهرها تتهرب من عينيه لتنظر حولها ثم تعود للنظر إليه فقال فارس هامسا وعيناه تقبلان كل قطعة من وجهها "هل أنت متأكدة؟"
غمغمت وهي تومئ برأسها بوجنتين مشتعلتين" متأكدة جدا"
قال وهو لا يزال متفاجئا "هذا ليس مجرد غطاء للرأس"
ردت بثقة " أعرف ذلك .. وجهزت نفسي له جدا جدا"
حدق فيها لبعض الوقت يستوعب ثم تطلع حوله بتحفظ رغم أنهما بعيدان قليلا عن الحضور ليقترب ويمسك رأسها بيمينه ويقبل جبينها مغمغما " الحمد لله الذي تتم بنعمته الصالحات"
ابتهجت وهي تناظر الفرحة في عينيه فحضن كفها قائلا" هيا يا أميرتي لننضم إليهم ولنؤجل احتفالنا بقرارك هذا لوقت أخر أنا وأنت فقط "
اتسعت ابتسامتها وبحركة لا ارادية لمست بطنها وهي تتحرك معه لينضموا للمدعوين.
××××
في مكتبه نظر صفوت بوجوم لهاتفه الذي يرن بإلحاح ليقرر أخيرا الرد قائلا بصوت جامد "نعم"
جاءه صوت الشماع قائلا "صديقي عظمة بك ابن الاصول (واستدرك بلهجة متسلية ) أتعلم .. أنا شديد الاعتزاز بصداقتك .. أن تصادق شخص من أصل وضيع مثلي وأنت ابن الحسب والنسب"
أبعد صفوت الهاتف عن أذنه لثانية يشتم في سره ثم أعاده يقول " ماذا تريد يا فؤاد ؟.. ولماذا تلح هكذا في الاتصال؟"
قال الشماع بلهجة مستمتعة باستفزازه "ما دمت تعلم بأني اتصل بك يا رجل لماذا لا ترد من أول مرة "
هتف صفوت بقلة صبر " خلصني يا فؤاد عندي موعد هام"
غمغم الآخر بلهجة باردة " كان الله في عونك .. أعلم بأنك في الشركة اليوم رغم أنها الجمعة لكن هنيئا لك بافتتاح الفندق الجديد"
جعد صفوت جبينه وهتف باستنكار " هل تراقبني يا فؤاد.!!"
رد الأخير بلهجة مستفزة " أنا؟؟ ... لا سمح الله .. أنا أحب أن أطمئن على أخبارك .. تعرف عشرون عاما مضت لم أرك إلا في الصحف والمجلات .. ( وردد بلهجة متهكمة ) صفوت عظمة العضو المنتدب لمجموعة فنادق ومنتجعات( ....)"
زفر صفوت بينما دخل الساعي يحمل فنجانا من القهوة متلكئا في خطواته في الوقت الذي أكمل الشماع لهجته الباردة " بالمناسبة .. يبدو أن هذا الولد قد تأدب وأقر بأنه حشرة لا تساوي إلا دعسة من قدمي .."
اوقع الساعي نقطة من الفنجان على الطبق ووقف يتلكأ في مسحها بالمنديل بينما أضاف الشماع " جميل أن ينتهي هذا الصداع أخيرا ... ( وقهقه ضاحكا يضيف بلهجة متشفية ) الجبان من أول تهديد ارتعب"
اشار الساعي لصفوت معتذرا .. فأشار له الأخير بأن يذهب ثم هدر حين أغلق الساعي الباب " فؤاد قلت لك لست متفرغا لثرثرتك "
في الخارج مال الساعي أمام الباب يربط رباط حذائه في الوقت الذي قال الشماع بلهجة هادئة مستفزة "أنا لم أتصل للثرثرة ولكن لتحجز لي في منتجع ايزادورا السياحي التابع لك"
تفاجأ صفوت وانتابه القلق فسأله بشك "هل قررت أن تعود للوطن"
أجاب الشماع بهدوء " كلا إنها زيارة استجمام سريعة"
رفع صفوت حاجبه وسأله بفضول "ولمّ الآن بالتحديد؟ .. ما الذي تنويه بالضبط؟"
قال الشماع بلهجة متسلية " لا أنوي على شيء .. أنا شخص مسالم يريد أن يستجم في بلده لبعض الوقت ..(وصمت قليلا ليقول بعد ثوان مستدركا ) الحقيقة أن ابني يلح بشدة لزيارة بلده الأصلي.. الغبي ملهوف عليها بشكل مستفز .. تعرف عاطفة الشباب الصغير .. والحقيقة ماطلت في تحقيق طلبه كثيرا حتى انتهت الحجج .. وخشيت أن يفعلها من خلف ظهري ويضعني أمام الأمر الواقع "
غمغم صفوت متفاجئا " هل عندك أولاد؟"
رد الشماع بسرعة " مالك ابني .. ولد رائع .. لابد أن اعرفك عليه يا صفوت بك "
قال صفوت بسرعة " أنا لا أريد أن أتعرف على أحد .. وإن حضرت فأعلم بأنه لن يكون لك بي أي صلة"
سأله الشماع ساخرا " لماذا؟ .. هل تخاف من الظهور معي صفوت بك !.. لا تنس أنا لي وزني كرجل أعمال في دولة الصين"
هدر صفوت بقوة " أنا لست متفرغا لضيافتك"
استمر الشماع في لهجته الهادئة قائلا " على الأقل احجز لي في منتجعك وسأدفع مثل أي زبون وأكثر بكثير.. ولنترك الباقي حين أحضر صفوت بك"
وجم صفوت مستشعرا خطرا وشيكا يقترب منه وبأن هذا الشماع سيظل يلف حبل المشنقة حول عنقه لكنه لم يشأ أن يعاديه فقال باستسلام" متى ستحضر؟"
جاء صوت الشماع مستمتعا وهو يجيب " اليوم الخامس والعشرين من الشهر الجاري"
قال صفوت بجمود " حسنا سأبلغ أحد الموظفين للتواصل معك .. والأن عليّ أن أذهب.. سلام "
اغلق صفوت الخط وألقى بالهاتف على المكتب بعصبية .. ثم تناول سماعة هاتف المكتب وطلب رقما ليقول بعد ثانية " هيلين .. من فضلك احجزي شاليه في منتجع ايزدورا باسم فؤاد نشأت الشماع .. وسأرسل لك على الواتساب رقم هاتفه .. تواصلي معه ورتبي كل شيء سيصل يوم خمس وعشرون .. شكرا"
في الخارج اقتربت السكرتيرة من الممر المؤدي لمكتب صفوت عظمة وعقدت حاجبيها حين وجدت الساعي يعتدل مستقيما .. فسألته "هل هناك مشكلة يا عم عطية؟ لماذا تقف هكذا "
رد عطية يعرج بساقه " ركبتي تشنجت يا آنسة آلاء .. لعن الله الغضروف .. "
وتحرك يحضن صينيته ويزك على ساقه فتابعته السكرتيرة حتى ابتعد مشفقة .. ثم طرقت على باب مكتب صفوت عظمة ودخلت .
××××
في غرفتها في الدار قالت رفيدة لكارمن "مفاجأة حلوة يا كارمن تبدين جميلة بالحجاب ما شاء الله"
ابتسمت كارمن بسعادة وطالعت العروس قائلة" الفستان عليك ما شاء الله .. تبدين في غاية الجمال يا رفيدة "
ابتسمت رفيدة في توتر وردت بتأثر " أنا لا أعرف كيف أشكرك أنتِ وفريدة في مساعدتي في اختيار الفستان وكل الأمور التي احتجت فيها للمشورة"
اقتربت كارمن تطبع قبلة على خدها قائلة " أنت أخت لنا يا رفيدة"
ترقرقت الدموع في عيني العروس فأسرعت كارمن تقول" إياك والبكاء ستفسدين زينة وجهك .. نريد أن نسلمك للعريس في كامل زينتك"
فركت رفيدة يديها بقلق وتمتمت " عمر تأخر أخبرني أنه سيأتي مبكرا"
ردت كارمن بتعاطف "على وشك الوصول بإذن الله"
××××
في أحد الشوارع الرئيسية للمدينة وقف عمر أمام سيارته يهدر في أحد الشباب صاحب السيارة الأخرى التي تقف خلف سيارته في منتصف الشارع قائلا" أنت المخطئ .. أنت من ضرب سيارتي من الخلف وعليك اصلاح الكشاف الذي كسر "
قال شاب أخر من الأربعة شباب الذين كانوا يستقلون السيارة الأخرى "أنت من اصتدمت بنا"
هتف عمر بغضب" كيف يا بني آدم ! .. هل اسير للخلف؟!!"
رد سائق السيارة ببرود" بل توقفت فجأة"
هتف عمر "قلت لك القطة قطعت الشارع فجأة .. ومن المفروض أن تحافظ على مسافة بيني وبينك"
تكلم أحد الشباب بملل " هيا يا جماعة ليس لدينا وقت للثرثرة"
هم الباقين بالعودة للسيارة مما استفز عمر الذي أمسك في تلابيب السائق قائلا" لن تذهب قبل أن تصلح الكشاف"
انكمشت ايمان في سيارة عمر تحضن طفلتها بينما ابنه كريم يطل برأسه يتابع ما يحدث.
من بعيد لمح الشيمي من مقعده بجوار زغلول السيارتين الواقفتين في عرض الطريق الهادئ في هذا الوقت بعد ظهر الجمعة ويبدو أن سائقيها على وشك التشاجر فقال لزغلول "هدئ السرعة حين نصل إليهم "
قال زغلول مستنكرا" أهذا وقته يا شيمي!"
قال الشيمي يركز نظراته على المشهد الذي يقترب "لربما منعنا أذية أحدهم يا زغلول"
انزعج زملاء السائق الذي يمسك عمر بتلابيبه .. فأخرج أحدهم مطواه من جيبه .. بينما تحرك أخر يضرب على مقدمة سيارة عمر بهسترة وتهديد .. لتطلق إيمان صرخة رعب وتسحب ابنها وتقوم بإغلاق النوافذ بسرعة واقفال الأبواب وهي تتمتم بالأدعية.
شعر عمر أن الموقف قد احتدم وخاف على زوجته وأولاده لكنه لم يظهر سوى وجها جامدا يحاول به تهديدهم ..
توقفت السيارة التي يقودها زغلول .. لينزل الشيمي هائجا وقد تعرف على عمر وسيارته قبل ثوان فقال بصوته الجهوري" ماذا يحدث هنا؟؟!!"
توقف الشباب يطالعون الشيمي وقد اصابت طلته وصوته الحازم الرعب في القلوب حتى عمر نفسه الذي بلع ريقه وازداد احمرار وجهه مضيفا لغضبه حرجا.
فهدر الشيمي آمرا لعمر والشاب الممسكان بتلابيب بعضهما "تفرقا"
نفذ عمر وترك ملابس الشاب بينما ظل الأخر يكابر .. فاقترب الشيمي يضغط على معصم الشاب وهو يقول بصوت هادئ وحازم " قلت اتركه "
توجع الشاب وترك ملابس عمر بينما انزل الذي يشهر مطواته يده في رهبة.. ليقف الشيمي يتفحص السيارتين.
قال عمر موضحا " كسر لي الكشاف ويتبجح ولا يرغب في دفع تعويض"
تدخل أحد الشباب قائلا بتحدي وقد بدى عدم اتزانه "ولن ندفع .. فدعنا نذهب يا عمو (شوارزنيجر )"
قال الشيمي بلهجة خطرة وهو يتحرك بخطوات متمهلة نحو الشاب" لا لا لا .. هكذا الشيمي يغضب .. وحين يغضب الشيمي"
قطع عبارته حينما باغته الشاب بإخراج مطواه من جيبه الخلفي يهاجم بها الشيمي الذي تفاداها بسهولة وضرب على معصمه فصرخ الأخر ووقعت منه المطواه .. ليدفعها الشيمي بقدمه بعيدا .. ثم أمسك بياقة ملابس الشاب الخلفية وكأنه سيرفعه منها صائحا "اتصل بالشرطة يا عمر لتأتي هنا وترى من هو المخطئ بالضبط .. وفي نفس الوقت سنعرف ما هم متعاطوه في هذه اللحظة"
نظر إليه عمر بارتباك فقال الشيمي بلهجة آمرة" هيا اتصل يا عمر "
تدخل السائق الشاب وهو يرى ملامح صاحبه المرتعبة" لا داعي يا عمو .. لا داعي ( واستدار لعمر يقول بلهجة لينة مخالفة لسابقتها ) كـ..كـ..كم تريد ثمنا للكشاف؟ "
تكلم الشيمي مناديا زغلول الذي يقف متابعا "كم يساوي كشاف هذه السيارة يا زغلول "
اجابهم الأخير بمبلغ تقريبي وهو يتحرك ويلتقط المطواه من الأرض ويغلقها .. بينما أسرع قائد السيارة بإخراج المبلغ بيد مرتجفة واعطاه لعمر .. الذي وقف معقود اللسان وهو يراقب الشباب يركبون سيارتهم بسرعة بينما يقف الشيمي قبضته على جانبي خصره يطالعهم بنظرة غاضبة .. لتنطلق السيارة بسرعة بعيدا عنهم ويعود زغلول لسيارته .
تحرك الشيمي ليقف بمواجهة عمر المحرج بشدة وقال بلهجة موبخة " بالله عليك كيف تفكر في التشاجر مع أربع شباب أحدهم على الأقل إن لم يكن جميعهم متعاطون نوعا من المخدرات"
قال عمر مدافعا " أنا لا افتعل الشجار .. هذا حقي"
هدر الشيمي بغضب " أي حق بالله عليك ستأخذه من أربعة دفعة واحدة وأنت واحد !!.. أي حق ستأخذه في حضور النساء والاطفال !!.. ( وأشار نحو سيارة عمر ) هل ثمن هذا الكشاف أهم من سلامة أولادك وأمهم؟!"
امتقع وجه عمر وانعقد لسانه فتطلع في الشيمي حانقا لشعوره بأنه ولد صغير أمامه .
ليضيف الشيمي وهو لا يزال يشعر بالغيظ مشيرا بسبابته " خذ حقك رجل لرجل وليس رجل لأربعة فالكثرة تغلب الشجاعة .. بشرط عدم وجود النساء والأطفال معك لأنهم نقطة ضعف سهل اختراقك من خلالها ( وأكمل بلهجة ساخرة ) بالله عليك نوافذ السيارة كانت مفتوحة وابنك كان يطل منها !! .. هل تقدر خطورة ما كنت تقود اسرتك إليه"
انخرس عمر ووقف مشيحا بنظراته كصبي يتلقى توبيخا من والده .. فتحكم الشيمي في انفعاله وأشار له بيده ليعود لسيارته ويتحرك وهو يتفتت من الغضب من انه لم يستطع الرد عليه ومجاراته أو حتى معارضته .. بينما وقف الشيمي يراقب عمر وهو يركب السيارة .
فتح كريم نافذة السيارة مصفقا بيديه وهو يصيح "سوبرمان"
اتسعت ابتسامة الشيمي الطفولية فجأة ثم اقترب يكشر عن انيابه مداعبا وقال وهو يدخل يده من نافذة السيارة " بل وحش الدغدغة "
قهقه كريم حين دغدغه الشيمي وقال بإلحاح "مرة أخرى .. مرة أخرى"
هدر عمر في ابنه "كريم كف عن الشقاوة"
فابتعد الشيمي عن السيارة بامتعاض وأشار لعمر بهدوء أن يتحرك .. ليغلق الأخير نافذة السيارة الخلفية بينما ظل كريم يلوح للشيمي مودعا معتقدا أنه لن يراه ثانية فبادله الشيمي التلويح .
التفتت إيمان لزوجها تقول بمجرد أن ابتعدوا" لا تخبرني بأن هذا هو عريس رفيدة .. إنه يرتدي حلة عريس واسمه الشيمي أيضا"
كان عمر غاضبا من نفسه .. لقد وقف أمام الشيمي كولد صغير .. ورغم اعترافه في قرارة نفسه أن ما قاله كان صحيحا .. لكنه لم يكن يتمنى أن يقابله في موقف كهذا.. فرد على زوجته باقتضاب" أجل هو"
رفعت إيمان حاجبيها وحانت منها التفاتة للخلف ثم عادت تقول باندهاش" هذا حارس الأمن؟!!"
رد عمر بانفعال "قلت لك أصبح مديرا لأحد معارض فارس سعدالدين .. ولم يكن حارس أمن .. كان حارسا شخصيا لفارس بك هناك فرق يا إيمان"
غمغمت وهي تشيح بوجهها نحو النافذة" حارس أمن مثل حارس شخصي ووظيفته الحالية لن تمحو ماضيه"
صرخ عمر بعصبية " إيماااااان"
ردت صائحة " إن كنت لا تشعر بالحرج من وظيفته السابقة فأنا أشعر بذلك أمام أبي وأمي وأقاربي .. أنت تعلم كلهم وظائف مرموقة"
نظر إليها يقول مستنكرا " وهل نحن مضطرون لتقديم السيرة الذاتية لزوج أختي لأفراد عائلتك !!!"
مطت شفتيها بامتعاض فقال عمر بلهجة محذرة
"إياك أن تنطقي بكلمة تُحزن رفيدة يا إيمان .. أنا أحذرك"
اشاحت إيمان بوجهها نحو النافذة تهدهد ابنتها على ساقها بعصبية وهي تقول بلهجة باكية " أصبحت إيمان الآن هي سبب المشاكل .. وتتجاهل أنها هي من تعاملني بجفاء وكأني طالبة عندها .. وتبخل عليك بالشقة بالرغم من أنها لن تسكن فيها إلا بضعة أيام ثم ستنتقل لشقة العريس في فيلا ما شاء الله.. في مدينة كهذه (ونظرت حولها ) لا يسكنها سوى الطبقة الراقية.. ( واستدارت إليه تضيف ) ماذا تريد أكثر من ذلك !! .. فلتوسعها عليك كما وسعها الله عليها"
ضرب عمر على المقود بعصبية يرفع نظراته للسماء في يأس وكأنه كان ينقصه زن زوجته التي انتفضت مع ضربته وترقرقت الدموع في عينيها تقول بلهجة باكية "أنا أتحدث من منطلق شعوري بالحرج أمام أبي وأمي الذيّن نسكن عندهما.. ومن حرجي منهم بالنيابة عنك"
زفر عمر وقال بهدوء "إن شاء الله الاسبوع القادم سأستلم دفعة من أرباحي من المشروع الذي اشارك فيه وسأدفعه مقدم لشقة .."
رن هاتفه فرد بسرعة بكلمات مقتضبة " حسنا أنا آت حالاًً دقائق وأصل.. سلام"
سألته بفضول "هل تستعجلك العروس؟"
رد عليها باقتضاب " لا إن فرقة الزفة وصلت "
رفعت حاجبا تقول " فرقة زفة !!.. ما الداعي ...ألا يكفي أن حفل عرسها سيكون في فيلا رجل أعمال شهير وستقيمه في وضح النهار مثل الأجانب "
صاح عمر بغيظ " وما المشكلة في الزفة .. أختي وأريد أن أُُشعِرها بالفرح وأُُدخل السرور على قلبها .."
اسرعت ايمان بالقول " ليس هناك مشكلة .. قصدت أن المكان لن يتناسب معه زفة بلدي ومزمار وتلك الأمور"
رد بنفاذ صبر "يتناسب أو لا .. لا يهمني أريد لرفيدة أن تفرح"
اشاحت بوجهها نحو النافذة وقالت " ستفسد الحفل الارستقراطي .. (وغمغمت بصوت مسموع ) كنت أتمنى أن أقيم حفل زفاف خلال النهار مثل الأجانب "
مرر عمر نظراته المصعوقة بينها وبين الطريق أمامه ثم ضرب كفا بكف قائلا" يبدو أن هناك ميكروبا قد أصاب رأسك يا إيمان !"
قبل أن ترد ضرب كريم بكفيه الصغيرين على زجاج السيارة بتهليل حين لمح الشيمي في السيارة الأخرى فانتبه الأخير وابتسم يلوح له ويرسم وجوها مختلفة على ملامحه مداعبا بينما أشاحت إيمان بوجهها تعوج شفتيها.
أما عمر فظل يختلس النظرات للشيمي في السيارة المجاورة ولم ينس بعد أن لسانه انعقد أمامه وهو يوبخه.
×××××
بعد قليل كان الشيمي يقف في حديقة الدار متأنقا في حلة العريس ينتظر رفيدة التي طلبت أن ينزل بها عمر من الطابق الثاني .. فصعد الأخير إليها وسط زغاريد البنات وبكاء عمتها لتقف أمامه رفيدة ترتجف بتوتر وهي تمسد على جانبي فستانها الأبيض الذي يلف جسدها وتسأله " ما رأيك؟ "
تطلع فيها عمر ثم ابتسم بتأثر يقول "ما أروعك عروس"
سألته بإلحاح خافت" حقا يا عمر .. لا تجاملني"
أخرج عمر هاتفه ولف ذراعه حول ظهرها يلتقط صورة لهما معا قائلا" سأكون أول من يلتقط صورة مع أجمل عروس"
ثم تطلع في الصورة معها يقول" أنظري بنفسك هل رأيت كم أنت مبهرة"
ترقرقت الدموع في عينيها .. فأسرع عمر يحضنها قائلا "أتمنى لك كل السعادة يا رفيدة"
غمغمت وهي تربت على ظهره " أنا بالفعل سعيدة جدا جدا يا عمر "
ابتعد يحاول ألا يظهر عليه تأثره مثلها .. وأمسك بطرحتها ليغطي وجهها كما تمنت أن تزف بهذه الطريقة حتى يسلمها لعريسها ..فتأبطت ذراعه تخرج من غرفتها بالطابق الثاني في دار السعد للأيتام والتي وصلتها وحيدة في يوم من الأيام ليس ببعيد لتخرج منها تزف لعريسها متعلقة بذراع أخيها الذي بالرغم من عدم استساغته لزيجتها بعد ورغبته كما أوضح لها بأن ترتبط برجل ذا شأن ليكون لها عوضا على ما ضاع من سنين عمرها .. لكنه منذ حضوره يوم عقد قرانها وهو يودها أكثر من ذي قبل.. ويسأل عنها في الهاتف يوميا وكأنه كما استشعرت رفيدة قلق من اختيارها ويطمئن نفسه يوميا أنها بخير ولم تندم .
علت الزغاريد .. وانضم ضيوف فيلا سعد الدين لحديقة الدار لاستقبال العروس .. بينما وقف الشيمي بحماس يرتدي حلة أنيقة تكاد أن تتمزق من عضلات أكتافه وذراعيه .. واضعا وردة صغيرة في جيب سترتها ويمسك بباقة ورد أنيقة قد أوصت عليها كارمن .
بخطوات متعثرة تتعلق بذراع أخيها كانت تودع سنين الوحدة وتهبط على دراجات السلم ..
درجة ..
درجة ..
ومرت الذكريات سريعة أمامها ..
يوم وفاة والدها ..
يوم تخرجها من الجامعة ..
أول يوم صعدت للطائرة وحدها في ساعة متأخرة من الليل ذاهبة لغربتها ..
سنين غربتها في غرفة تتشارك فيها مع عدد من الفتيات من مختلف الجنسيات كل منهن لها ركن تفترش أرضه ..
أول راتب تقاضته وفرحتها به ..
وأول غرفة مستقلة أجرتها لتستقل فيها ..
تذكرت سنوات الذهاب والعودة سنويا من وإلى الوطن..
تذكرت كل شيء ..
وتذكرت عمر طفلا صغيرا معلقا في رقبتها فرفعت رأسها تتطلع فيه بعد أن أضحى أطول منها تتأبط ذراعه.
لا تدري لم مر كل هذا أمامها بسرعة!.
ربما لرغبتها في أن تشعر باللحظة كاملة
لحظة أن تقترن برفيق ..
فمهما حصلت من شهادات وارتقت وظيفيا .. كانت تشعر بالخواء .. بالرغبة في الحصول على توأم لروحها ..
تبكي فيربت عليها ..
تسقط فيرفعها ..
تمرض فيحملها فوق ظهره ..
بقلب مراهق لم ينضج بعد ولا يريد ..
تخطت رفيدة أخر درجة من درجات السلم.. فظهرت أمام الشيمي المتلهف والذي تسمرت عيناه عليها في ثوبها الأبيض وقلبه يتضخم بالمشاعر..
رأى ثوبها كأثواب الملكات فلو بحث في ذاكرته لا يعتقد بأنه قد رآه على أنثى من قبل حتى في المجلات .
يلف جسدها الممشوق بقماش الدانتيل المخرم والمبطن ينسدل ببساطة ويبزر تفاصيل جسدها ورشاقته.. ليزداد اتساعا قليلا من فوق ركبتيها حتى الأرض كذيل سمكة .. يستطيل من الخلف ويفترش الأرض خلفها بذيل طويل ..
أما الجذع فكان يتشكل على صورة قلب بدايته من فوق الصدر ونهايته عند الخصر بدون أكمام للفستان .. لكنها كانت ترتدي تحته بطانه ناعمه من قماش الفيزون الأبيض برقبة عالية يغطي كتفيها وذراعيها ..
لكن عيناه تسمرتا أمام خصرها ببعض الانبهار .. كان يزينه حزام عريض من لون لا يعرف اسمه .. مزيجا من الرمادي والبنفسجي.. تتوسطه عدة وردات بارزة ما بين الكبيرة والمتوسطة والصغيرة كباقة ورد تتوسط خصرها البكر .
لم يكن سعيدا فحسب .. ولا منبهرا.. بل شعر بالغيرة عليها أيضا من جمالها .. لكنه تقدم بهدوء يناولها باقة الورد التي يتمازج فيها الورد الأبيض مع ورود تشبه في اللون الورود على خصرها .. فتناولت منه الباقة وهي مطرقة الرأس .
سلم الشيمي على عمر ومد يديه ورفع عنها الطرحة إلى فوق رأسها وتطلع في قمريها المضيئين رغم دكنتهما واللذان سرعان ما اسدل عليهما جفنيها برموشها الطويلة ليحجباهما عنه بخفر ..
كانت تلف حجابها للخلف على الطريقة الإسبانية بطيات من التل الناعم والذي تمازج مع رتوش خفيفة من تل أخر بلون حزام خصرها غريب اللون.
رغم انفجارات الأعياد التي تضرب في صدره لكنه سيطر على هيبته ومال يقبل جبينها بقبلة وضع فيها كل مشاعره التي أراد أن يبوح بها لكن وجود الناس حوله منعه .. قبل أن تبدأ موسيقى الزفة التي فاجأتها بينما أطفال الدار يصطفون على الجانبين يحملون سلال من أوراق الورد.
رفع الشيمي يدها التي ترتجف بشكل واضح إلى شفتيه مقبلا وعيناه تدققان في حسنها ..فحانت منها نظرة لأعلى أمام عينيه الضيقتين ثم أسرعت بإنزالها لكنه لم يترك يدها بل علقها في ذراعه يتحرك بها في الممر الذي شكله الأطفال يلقون بورقات الورد على العروسين على نغمات المزمار البلدي .. ليتوقفا في منتصف الحديقة .. ويبدأ عزف أغاني الطبلة والمزمار والرقصات التي افتتحها زغلول يحي صاحبه راقصا ..
وقف الجميع يتطلعون في العروسين والبهجة تأسر قلوبهم وترتفع أمنياتهم لهما بالسعادة إلى عنان السماء فهمس الشيمي لرفيدة في رغبة منه لإسعادها يخبرها بأن عمر هو من أصر على إحضار الزفة .
فتقابلت عيناها مع أخيها الذي يقف هادئا يطالعها بتأثر .. بينما تطلعت ايمان في رفيدة تعوج شفتيها مرددة بصوت لم يسمعه عمر" حتى سنها لم تحترمه .. تعتقد نفسها بنت السادسة عشر (وتحركت عينيها على الدار وفيلا سعد الدين تغمغم ) صبرت ثم نالت بنت عبد السلام"
وقفت عائلة وجدي تشاهد الزفة بسعادة .. رأفت يحيط ذراعه حول خصر ناهد ..وزياد بنفس الوقفة مع عهد التي لا تعرف لمَ استدارت لتتطلع في حماتها .. وما خطر على ذهنها لمحته في عيني ناهد رغم ابتسامتها الحنون وهي تتطلع في العروسين .. فتأثرت عهد من أجلها .. معترفة في قرارة نفسها أن هذه السيدة لا تزال تشعر بالجرح من زيجة ابنها فرفعت كفها بعفوية تمسد على ذراع حماتها بتعاطف لتنتبه ناهد وتربت على كفها بمحبة ثم عادت لتتابع الزفة.
أما يونس الذي يقف يشبك أصابعه في أصابع فريدة مال عليها قائلا بجوار أذنها " فريدة .. تعال للداخل لبضع دقائق"
احمر وجهها وتطلعت فيه تقول بارتباك" الداخل أين؟؟؟!!!"
صمت قليلا ترسم مقلتيه صفحة وجهها ثم مال على أذنها " إلى غرفتي لدقائق قليلة"
انكمشت بحياء تغمغم" يونس كيف وفارس والناس موجودين!!"
نكزها بسبابته في جانب خصرها فتدغدغت أعصابها ليقول بإلحاح ولد صغير" فريدة أرجوك .. بضع دقائق فقط .. سأسافر خلال ساعات"
لملمت ابتسامة خجلة وقالت " يونس لا تنس أنها حفلتنا نحن أيضا وسيلاحظون غيابنا"
بدت ملامح الاستعطاف على وجهه ونكزها مجددا بسبابته في جانب خصرها .. فابتعدت عنه قليلا في حرج تتطلع حولها لتجد بأن الجميع مشغولون بالزفة ورقصات الفرقة الشعبية بينما قال يونس داعيا على نفسه" فليموت يونس وتسقط به الطائرة إن لم تأتي خلال ثلاث دقائق لغرفته"
قالت بانزعاج" ماذا تقول يا يونس بعيد الشر عنك!!"
تركها مبتعدا بعد أن حدجها بنظرة متوعدة وهو يقول "دعوت على نفسي يا فريدة"
تطلعت في ظهره الذي يبتعد ويخرج من الباب الجانبي بين الحديقتين وعادت تتطلع بحرج وارتباك حولها .
أما كارمن فوقفت متعلقة بذراع فارس الذي يتابع أحداث الزفة يديه في جيبي بنطاله ترفع إليه أنظارها قائلة" ما رأيك في فستانها ؟.. أنا من ساعدتها في اختياره"
تطلع فيها غير مستوعب بعد مفاجأتها وفي الوقت نفسه مبتهج لرؤيتها في شكلها الجديد ثم قال "أعتقد أن حسك الفني عالي كارمن هانم.. فلا أنسى تلك الأشرطة التي صنعت منها ديكورات غرف الأطفال في الدار"
قالت له بصوت مختلط بصوت الموسيقى العالية" ألازلت تذكرها رغم أنها كانت بسيطة؟!"
مال بجوار أذنها يقول بعد أن رسم وجهها بعينيه الزرقاوين اللتان ازدادتا لمعانا وهي تناظرها في ضوء الشمس "أنا أذكر كل تفصيلة تخصك يا كارمن"
عادت تتطلع في عينيه وكفيها يشددان من التعلق بذراعه وقالت بصوت عال ليصله" أتعرف ماذا تمنيت الأن؟"
لاح الفضول على وجهه فأكملت" تمنيت أن نعيد حفل زفافنا من جديد .. وألبس فستانا من اختياري.. فيومها لم أكن أعبأ بشكل الفستان الذي سأرتديه "
غامت عيناه وقال متألما " ألهذه الدرجة كنتِ تبغضين الارتباط بي؟"
قالت " أأخبرك الصدق؟"
أومأ برأسه فأكملت" كنت أخاف منك بشدة لأن وجهك كان خاليا من أي تعبير.. لم تكن تطمئنني حتى.. كيف لا أخاف!"
قال شاعرا بالذنب" الحقيقة أنا لم أكن أعرف كيف أتعامل معك .. لن أدعي أني كنت جاهلا بمشاعرك الرافضة لي .. كنت أعرف هذا وكان ذلك يحفز كرامتي .. فكنت أضعها بيننا متحفظا في التعامل معك .. كما أنني كنت مشغولا جدا بمساعدة والدك .. كنا نسابق الزمن لنمنع قرار الإفلاس "
تذكرت أنها تزوجته كصفقة .. أو كما شعرت حينها .. فبلعت غصة مُرة لا تزال عالقة في فمها رغم حلاوة الأيام معه وباغتته بسؤالها "لماذا تزوجتني أنا بالذات فارس بك ؟.. أقصد كيف قررت أنك تريد كارمن بالذات"
بلع فارس ريقه فلم يكن مستعدا لهذا السؤال ..
بم يخبرها؟
هل يخبرها بأنه لم يكن ينوي على الزواج الفعلي بها وإنما إطالة عقد القران متوقعا أن يفترقا بعد أن يساعد والدها في محنته .. ومتوقعا أنها ستطلب منه إنهاء الزواج قبل أن يبدأ ؟!"
هل يخبرها بأنه لم يتوقع أبدا الاقتراب من قصر العسل وأنه أراد فقط حراسته من اللصوص؟!
هل يخبرها بأنها غيرت موازين حياته وجعلته متشبثا بالحياة بعدما كان يحمل روحه على كفه في انتظار انتقامه بكل رضا؟!
أم يخبرها بأنه لم يعتقد أبدا حتى في أحلامه أنه سيضمه يوما غرفة واحدة معها وليس فراش واحدا وحضنا واحدا وروحا واحدة!.
أم يخبرها بأنها كانت حبا يائسا لم يسعى إليه وإنما علق به فظل يسحبه ويسحبه إليها مشتتا انتباهه عما هو عاقد العزم على تنفيذه !
أم يخبرها بأنها باتت معضلة كبيرة في سبيل الهدف الذي كرس حياته له .
والأهم كيف ستتلقى هي كل هذه الحقائق منه؟!!
غمغم مراوغا " هذا موضوع غير مناسب لوقفة كهذه.. لا نسمع فيها لنصف ما نقوله من صوت الموسيقى .. دعينا نؤجل الحديث لوقت أخر"
لماذا شعرت بأنه احتار في الإجابة ؟!
أهي محيرة إلى هذه الدرجة !
قالت وهي تشدد من تطويقها لذراعه" لا بأس.. لكن عليك أن تعرف فارس بك أني لن أتركك تفر من يدي دون أن تخبرني بالتفاصيل كلها"
لاحت ابتسامة جانبية على زاوية فمه وسألها" أي تفاصيل؟"
ثم غرق في عينيها الواسعتين متطلعا لشفتيها المغويتين المطليتين بالأحمر الداكن وهي تجيب " تفاصيل متى رأيتني .. وكيف .. وبم شعرت .. أريد أن أعرف كل شيء (ورفعت سبابتها تهدده ) لن تفلت مني"
ربت فارس على يدها المتعلقة بذراعه وغمغم في سره وهو يعود لمشاهدة فقرات فرقة الزفة " لا أعرف هل أدعو الله بألا أفلت منك .. أم أدعوه بالعكس يا كارمن "
تحركت فريدة وقد نغزها قلبها من كلام يونس فأمسكت بتنورة فستانها ترفعها قليلا عن الأرض وتقطع حديقة الفيلا الخالية بعد انتقال الجميع للحديقة الأخرى لمشاهدة الزفة .. ثم تسللت بسرعة إلى الفيلا الخالية تماما ووقفت أمام غرفته تنظم أنفاسها شاعرة بالارتباك الشديد لكن دعوته على نفسه لا تزال تؤلم قلبها فسحبت نفسا عميقا وفتحت الباب تقول باندفاع " يونس .. إياك أن تدعو على نفسك مجددا ..هذا مكروه "
كان يقف متخصرا موليا لها ظهره يحاول التحكم في مشاعره التي انفرط عقدها منذ قليل بعد أن منحه المأذون ورقة زواجهما .. فاستدار إليها يتطلع فيها بصمت يداري به انفعالاته وتلك البراكين التي تغلي في أعصابه ليحمر وجهها وتقول بارتباك واضح " جئت فقط بسبب الدعاء.. لكننا يجب أن نعود فورا قبل أن يلاحظوا اختفاءنا"
تحرك نحوها وعيناه العسليتان المتوهجتان تطالعانها فتدحض أي مقاومة منها .. وسحبها بهدوء فدخلت وأغلق الباب ثم لف ذراعيه حول خصرها وألصقها بجسده في الحائط بعنفوان ذكوري مشتاق .. فشهقت بإجفال وقد سيطر عليها خجل شديد وهي تشعر فجأة باشتعال كل شيء حولها حتى فستانها الذي ترتديه .
اختضاض جسدها بين ذراعيه جعله يلوم نفسه على مفاجأتها بجرأته فحاول السيطرة على أعصابه وضمها إليه بقوة مشفقا عليها من الحاح وجموح مشاعره كرجل أمام مشاعرها البكر .. ثم دفن وجهه بين طيات حجابها مشددا ذراعيه حولها يغمغم بصوت مبحوح " أخييييييييرا يا فريدااااااااا أنت في حضن يونس "
أحاطت ذراعيها حول جذعه .. وبكفين خجولين تلمست عضلات ظهره ووجهها مدفون في عنقه يلامس جلده .. فشدد يونس من حضنها أكثر يتمنى لو يحبسها بين ضلوعه فلا ينفصل عنها بعد هذه اللحظة أبدا .
بعد دقائق أبعدها عنه قليلا وهمس بأنفاسه العطرة التي تلفح وجهها "هل تعلمين كم مرة تمنيتها على مدى سنين عمري؟ .. ملايين المرات "
غمغمت بصوت هارب منها " ماذا تقصد ؟"
تطلع في شفتيها الشهيتين أمامه يحاول التماسك لتمهيدها للقادم وهمس" تقبيلك .. "
اسبلت أهدابها بخفر ثم عادت لتطالع طلته المبهرة لعينيها فأضاف بصوت أجش" وتمنيت أيضا أن أكون حبيبك في مراهقتك.. وأن أكتب لك القصائد في الأوراق المطوية وأدسها في كل مكان حولك .. وتمنيت أن أهرب أنا وأنت من المنزل خلسة ويكون لنا مكانا سريا لنتقابل فيه .. تمنيت أن آخذك أمامي على الدراجة الهوائية ونتنزه .. وخلفي على الدراجة النارية وأذهب بك إلى شاطئ البحر في ساعات مسروقة بدون علم أهلنا.. ليس لشيء سوى لمتعة المغامرة .. (ورفع كفه يحضن جانب وجهها مقربا عينيه من عينيها يضيف ) تمنيت أن أحضنك يا فريدة.. وأن أختبر معك أول قبلة لي ولك .. وأن أخبر أصدقائي بأن هذه الصغيرة هي حبيبتي .. تمنيت أيضا أن آخذك معي إلى ألمانيا فكم كانت الحياة هناك صعبة بدونك "
ناظرته بانشداه بينما وضع يونس كفيه يتلمس كتفيها وذراعيها نزولا بلمسات متلهفة مشتاقة رغم بطئها وأضاف "كنتِ دوما كالفاكهة المحرمة .. (وازداد همسه ارتجافا وهو يضيف )وأنا محروم بشدة.."
كاد قلبها أن يتفتت من قوة دقاته وهي تنصت لما يقول بغير تصديق بينما نزلت يده تتحسس جذعها بجرأة وهو يكمل اعترافه قائلا " تمنيت أن ألمسك .. وأن أقبّلك وأن .... (وتعلقت الكلمات على شفتيه وهو يصوب بأسهم نظراته في قلب عينيها ثم أكمل ) وأن أمارس احلامي الذكورية كلها معك .. أنت فقط يا فريدة .. مهما حاولت أن اشتت نفسي نحو هذه وتلك .. ملكتِ القلب بين يديك الصغيرتين وتشبثت به بعناد .. فباءت كل محاولاتي لطردك من قلبي بالفشل يا بنت سعد الدين"
همست بارتجاف " يونس !"
ضمها من جديد إلى حضنه ويداه تستكشفان عظام ظهرها بشوق مغمغا " نعم يا حليلة يونس "
ترقرقت الدموع في عينيها واضحت فاقدة للنطق فأبعدها قليلا ليحضن وجهها بين كفيه قائلا " أأخبرك سرا ؟.. في مراهقتي كما تعلمين كنت متمردا غاضبا .. وكنت أحيانا أتعمد إثارة المشاكل وتخطي الحدود .. لكن الشيء الوحيد الذي التزمت به هو عدم تخطي الخطوط الحمراء مع الفتيات .. ليس لأسباب دينية ففي هذه الفترة أنا كنت متمردا على كل شيء .. ولكن لأنني كنت خائفا .. بل.. مرتعبا من العبارة التي كانت أمي دوما تقولها لي أنا وفارس (كل ما ستفعله في بنات الناس سيرده الله إليك في فريدة ) هذه الجملة كانت ترعبني ..كانت تفرمل جموحي ورغباتي مهما كانت ملحة مع أي فتاة أخرى "
ساد الصمت لبرهة وكلاهما يغوص في عيني الآخر لتتمكن فريدة أخيرا من النطق وتهمس بغير تصديق " كل هذا الكلام لي أنا يا يونس ؟؟!!"
بذل مجهودا أكبر للتمهل أكثر ورد " ومن غيرك تحتلني احتلالا أبديا لم استطع الفكاك منه يا كحيلة العينين ؟!"
غمغمت بعشق عذب صاحبته لسنوات " أن كنتُ كحيلة العينين فأنا اكحلهما برؤياك يا يونس "
كلماتها أفقدته آخر ذره من صبره فهجم على شفتيها بلهفة محروم قد تمالك نفسه دهرا حتى سقم قلبه..
فتقبضت يديها في الهواء لثانية قبل أن ترتخي أعصابها وتلف ذراعيها حول جذعه .. وبدون أن تشعر ضمته إليها بقوة مشاعرها التي تسبقها إليه .. فأطلق يونس أنينا من حنجرته وهو يثبت رأسها بكلتا يديه طالبا للمزيد منها .. كعطشان سُمح له أخيرا بأن يرتشف رشفة من الماء العذب .
بعد دقائق تركها لالتقاط الأنفاس .. فدفنت فريدة وجهها في عنقه بحرج متشبثة بصدر قميصه فحاول يونس أن يرفع وجهها وهو يشعر باختضاضها بين ذراعيه لكنها قاومت بخفر فأغمض عينيه لثوان يسترجع طعم تجربته الأولى في تقبيلها وأعصابه تزداد سخونة.
تساءلت فريدة في سرها
كيف ستنجو من بين ذراعيه .
وهي محاصرة بمقلتيه المتحكمتين في دقات قلبها .. وصدره العضلي الذي يسحقها به.. وعطره الرجولي الذي يدير رأسها .
وكيف ستنجو ..من وسامته وغزو شفتيه الحارقتين.
أبعد رأسها المدفونة في عنقه بحزم وتواجهت أعينهما لتتسع ابتسامته بخليط من الشقاوة والحرج بينما لملمت هي ابتسامة خجلة ليرفع ذراعيها فوق كتفيه ويطوق جسدها بذراعيه يعانقها بقوة ثم أبعدها يقول " يا بنت قولي أي شيء .. لمَ تأكل القطة لسانك أمامي.. هل تعلمت مني الجحشنة !"
قاومت خجلها وغمغمت وهي تمسد بحركة عفوية على مؤخرة رأسه دون أن تعلم بأنها تأجج النار في أعصابه وتزيده اشتعالا وهو بالكاد يحتفظ بجزء من عقله " ماذا تريدني أن أقول .. يا ويل قلبي المسكين منك يا يونس .. كيف سيتحمل كل هذا .. وهو الذي يسقط بنظرة من عينيك .. فما بال وأنت بهذا القرب وكل شيء فيك يحبس الأنفاس .. صوتك ..عطرك.. ابتسامتك .. كل حرف يخرج من فمك .. وأنا التي لم أطمع إلا أن أكون حرفا تنطقه شفتيك فإذا بي أتلقى كل هذا منك .. كل هذا تخصني به أنا وحدي"
لمعت الدموع في عينيه وهمس بارتجاف" يا الله ! .. إذن ستقتلين بالعشق بين ذراعاي يا بنت سعد الدين "
ثم أطبق على شفتيها من جديد يسحقها بين ذراعيه فاحتضنته بقوة ترفع ذراعا فوق كتفه والآخر من تحت إبطه الأخر وكأنها لا تريده أن يبتعد أبدا .. تتلقى منه ما يمنحها إياه .. ما يجود به .. بامتنان ولهفة .
ابعد يونس شفتيه عنها بعد قليل قائلا من بين أنفاسه العالية وقد بدأت حركة يده على فستانها تزداد لهفة " كيف لي أن أتحمل البعد عنك بعد الآن ؟ .. كيف أصبر على بضع رشفات من الماء وأنا ظمآن وسأموت من العطش ؟.. كيف سأكتفي بأن أبلل شفتاي وجوفي كجمرة نار يتـألم ؟؟؟.. "
وحاول بقلة صبر إيجاد منفذ في ملابسها ليفتحه وهو يغمغم بانفلات أعصاب " فريدة أنا أريدك الآن .. حالا .. فورا .. "
لم يجد سوى حجابها الذي ارتفع في يده يكشف عن عنقها وجزء من كتفها فمال يطبع قبلات محمومة ملهوفة على كل ما يصل إليه بينما يده قد كبلت يدها التي حاولت إبعاده برفق خلف ظهرها فغمغمت فريدة تحاول بيدها الأخرى إبعاده في توسل " يونس بالله عليك عد لعقلك "
رفع انظاره المتأججتين بالرغبة يقول " ألا تحبينني .. إمنحي زوجك ما يتمنى "
حضنت صدغه تحاول إعادته لرشده وقالت " يا يونس أنا لا أملك في فريدة شيئا فأنت ملكتها منذ سنين .. لكن فكر في حرج فارس بالخارج الآن إذا ما اكتشف اختفاءنا"
وكأن اسم ( فارس ) كان منبها لأعصابه فترك يدها المكبلة وقال بحنق طفولي " ماذا لو مت أنا في سفري ولم أعد .. سأموت وفي قلبي أمنية لم تتحقق لي وسيكون ذنبي في رقبتكم جميعا"
انقلاب حالته من قمة الإغواء الرجولي لصبي صغير حانق يثير مشاعر الأمومة والشفقة فيها كاد أن يضحكها لولا كلامه المؤثر فحضنته مغمغمة " بعيد الشر عنك يا حبيب فريدة .. يا عمر فريدة .. أسأل الله أن تكون ساعتي قبل ساعتك ولا أرى فيك مكروها أبدا "
أبعدها مستمرا في صبيانيته " تعالي معي إلى إيطاليا .. سأتدبر لك مقعدا في الطائرة .. ولو تأخرنا لبضع ساعات عن السفر وغيرنا الرحلة لنكون معا لن يحدث شيء .. (وابتعد عنها يهم بتنفيذ ما يقول ) سأخبر فارس الآن "
أمسكت به توقفه قائلة " يا مجنون .. يا مجنون كيف سأدخل هولاندا بدون الـتأشيرة ! "
بكل مشاعر الإحباط ضرب بقبضته على الحائط بغيظ فأسرعت فريدة تمسك بقبضته تدلكها ليحضنها يونس من جديد غير راغب في الابتعاد فغمغمت "يونس علينا بالخروج فورا تأخرنا جدا "
ابتعد عنها يهدر بحنق مبرطما " حاضر حاضر حاضر .. يونس المنحوس .. يونس المعذب .. يونس الذي ستتحملون ذنبه كلكم .. كلكم "
تركها يحاول إعادة السيطرة على ما انفرط من عقده .. وعدل من ملابسه يقول بحشرجة "سأخرج الآن .. وأنت عدلي هيئتك والحقي بي .. ( ونظر لشفتيها وقال ) اغلقي الباب عليك من الداخل بعد أن أخرج ( وأكمل بصوت باك ) وإلا سأسبب لهذا البيت فضيحة علنية "
سحبت فريدة المنديل الصغير من جيب سترته الجانبي وقالت" امسح فمك أولا فهو ملطخ بطلاء شفتاي"
تطلع في شفتيها بنظرة مشتعلة وكاد أن يضعف من جديد لكنه تماسك يسحب نفسا إلى صدره بقوة ثم رحل وهو يمسح وجهه بالمنديل ويبرطم مغلقا الباب خلفه .. لتلصق فريدة جبينها بالباب بعد رحيله تلتقط أنفاسها متمنية لو تتشبث بظهره تتوسله ألا يرحل أبدا..
ألا يفترق عنها أبدا ..
ألا يبعدها عن صدره أبدا أبدا ..
لكنها تماسكت واسرعت نحو المرآة لتنقذ ما يمكن إنقاذه في هيئتها التي ترك ابن سعد الدين بصماته عليها .
خرج يونس بعد قليل بعد أن غسل وجهه ورطب مشاعره المتجمرة فوجد المدعوين متحلّّقين في حديقة الفيلا حول الشيمي ورفيدة بعد أن رحلت فرقة الزفة بينما العروسين يبدلان أماكن المحابس من اليد اليمنى لليد اليسرى .. فاندمج بسرعة مع الحاضرين يتطلع حوله إن كان قد لمحه أحد .. بعد أن اطمأن أن فارس يولي ظهره لباب الفيلا .
في رحلة عينيه الاستكشافية القلقة تلاقت عينيه مع عيني الحاجة نفيسة الجالسة على مقعد جانبي تستند على عصاها والتي ادعت أنها لم تلاحظ شيء .. لكن يونس اقترب منها يداري حرجه قائلا باستهبال "هل رأيت فريدة يا أمي أبحث عنها؟"
أشارت له الحاجة بيدها ليقترب أكثر .. فمال نحوها لتلتقط أذنه بين اصبعيها تشدها وهي تقول بلهجة موبخة" أنا تغاضيت على جرأتك وقلة أدبك وكنت أدعو الله ألا يلحظ أحد اختفاءكما .. لكن تعاملني كمغفلة لن أمررها يا يونس"
توجع يونس ضاحكا وهو يقول بحرج "نفيسة أذني يا نفيسة .. آاااااه .. أذني يا أمي نحن أمام الناس"
تركت أذنه فاستقام يدلكها بينما ضربته على ذراعه تقول" هل أدركت الآن أن هناك أناس سيلاحظون !"
مسد يونس على ذراعه يلملم في ابتسامة ملحة فسألته الحاجة "أين ابنتي؟"
وضع يديه في جيبي بنطاله وأجابها مغيظا" وما أدراني أنا "
بدأ يعلو صوت الـ DJ بأغاني راقصة .. فاستدار يونس يتركها بعد أن لعب لها حاجبيه وتحرك راقصا نحو الشباب المتحلقين للرقص في ركن من الحديقة .. فاتسعت ابتسامة الحاجة وهي تدرك بعيني قلبها قبل عينيها أنه سيطير من السعادة.. فقبّلت ظاهر كفها وباطنه وعيناها تنظران للسماء بامتنان .
بعد دقائق خرجت فريدة تحمل تنورة فستانها وتطلعت في الحاضرين بحرج وقلق شديدين فأشاحت الحاجة نفيسة بعينيها بعيدا .. لتتنفس فريدة الصعداء بينما اقتربت احدى صديقاتها تقول "أين كنت يا فريدة!"
غمغمت فريدة" كنت .. كنت في الحمام اصلح زينة وجهي "
قبل أن ترد صديقتها كان يونس قد اندفع من بين الواقفين واسرع إليها يسحبها من يدها بسرعة ليأخذها إلى ركن الرقص ووقف يصفق ويرقص أمامها سعيدا على أنغام الموسيقى .
أما العروسين فكانا متحرجان من المشاركة في الرقص خصوصا رفيدة التي رفضت محاولات البنات لسحبها للرقص ووقفا يتلقيان التهنئة بجوار المقعدين المخصصين للعروسين .. فقال فارس مهنئا الشيمي وهو يشدد على يده الغليظة "مبارك لك يا شيمي"
تمتم الشيمي بلهجة متأثرة رغم جمود ملامحه " أعزك الله يا فارس باشا .. أفضالك علينا كثيرة"
ربت فارس على ذراعه يقول " لا تتحدث بهذا الشكل يا شيمي نحن عشرة عمر"
عادت كارمن إلى فارس بعد أن حضنت رفيدة بقوة وهنأتها مقدمة لها هدية عرس من الذهب وتعلقت بذراعه مبتعدين .. بينما دخلت إيمان تهنئ العروس قائلة" مبارك لك يا أبلة .. أنا سعيدة من أجلك جدا.. لأنني أؤمن بأن المرأة مهما حصلت على شهادات وتدرجت وظيفيا لن تلقى السعادة إلا في بيتها مع رجلها"
بلعت رفيدة التهكم الضمني الذي استشعرته منها وردت بلهجة قاصفة "صدقت يا ايمان .. والفرحة تتضاعف حينما تؤمنين أن عوض الله جميلا فيرسل لك من تشعرين بأنك قد امتلكت الدنيا معه"
تسمرت إيمان لثانية تحاول استيعاب معنى الكلام ثم غمغمت بعد أن حانت منها نظرة للشيمي الذي يقهقه وهو يحمل كريم ويمسك به رأسا على عقب بينما الأخير يكركر وباقي أولاد الدار يتقافزون حوله يطلبون أن يفعل معهم مثله " آه بالطبع عوض الله جميل"
ربتت رفيدة على كتفها تقول بلهجة غامضة" والأهم يا إيمان .. أن تحافظ المرأة على زوجها وتكون مصدرا لراحته"
اندفعت إيمان تسألها بعصبية" هل اشتكى لك عمر مني؟"
سألتها رفيدة ببرود "لماذا ؟.. هل يعاني أخي معك؟"
رمشت بعينيها عدة مرات تقول" لا لا طبعا .. أنا كنت أسأل لربما كان هناك شيء لا أعرفه (وتطلعت في فستان رفيدة تضيف بابتسامة بلاستيكية) رائع فستانك يبدو غالي الثمن ويليق بك"
ردت رفيدة تحاول تمالك أعصابها" الحمد لله فكارمن السيوفي هي من ساعدتني في اختياره والحقيقة سواء الشيمي أو عمر لم يبخلا عليّ أبدا"
بلعت إيمان ريقها تنظر حولها وتتطلع في الفيلا ثم قالت بفضول" وهل ستسكنين في هذه الفيلا؟"
ردت رفيدة وقد بدأ صبرها ينفذ" كلا في الملحق إنه خلف الفيلا.. شقة صغيرة في الطابق الأرضي لكنها مريحة"
تمتمت إيمان وهي تتطلع في مبنى الفيلا "لا بأس حتى لو كانت صغيرة .. يكفي أنها في مدينة كهذه لا يعيش فيها إلا الطبقة المخملية وأنك تجاورين عائلة كعائلة سعد الدين"
تمتمت رفيدة في سرها بأدعية التحصين من الحسد وقالت بضيق " تفضلي يا إيمان الطعام من هنا على الطاولات الكبيرة هناك .. تفضلي وكوني على راحتك"
ابتسمت إيمان ابتسامة صفراء وتحركت تتركها وهي تصرخ في ابنها بحدة " كفى يا كريم وتعال "
تجاهلها كريم واستمر في اللعب مع الأولاد حول الشيمي فجلست رفيدة في مقعدها تتطلع فيه مبتسمة وهي ترى تعامله الرقيق مع الأطفال .. وتلك الضحكة الطفولية التي تزين شفتيه والتي تشبههم .. وتساءلت هل من الممكن أن تنجب طفلا للشيمي؟
أم فات الوقت ؟!
بعد قليل لمست كارمن ذراع فارس المندمج في الحديث مع رأفت وجدي وعاصم السيوفي واستأذنتهما تقول "أعتذر هل من الممكن أن أخذ فارس قليلا"
ابتسم لها والدها بحنان وهو يتطلع في هيئتها الجديدة التي اسعدته شخصيا .. خاصة أنه قرارها وحدها دون تدخل من أحد .. بينما اعتذر فارس مستسلما ليد كارمن التي تسحبه لتقف معه بعيدا تقول" اسمع فارس بك .. اليوم لا يوجد عمل .. ولا يوجد حديث مع أي أحد سواي"
زينت ابتسامة زاوية فمه ورد" كنا نتحدث في أمر هام يا كارمن .. اعطني ربع ساعة"
ردت مهددة وهي ترفع أمامه سبابتها "ولا ربع دقيقة حتى.. هل ستتكلم في الحفل عن العمل أيضا يا فارس!"
قال باعتراض "أنا كنت معك منذ أن بدأ الحفل"
ردت بغيظ "معظم الوقت كان الهاتف على أذنك "
وضع يديه في جيبيه وقال " انضمي إلينا وشاركينا الحديث"
هتفت بإحباط "فارس!"
اتسعت ابتسامته لبرطمتها .. فأشارت كارمن على الركن الذي يضم الشباب بصخبهم ورقصهم وقالت "الشباب يرقصون .. وأنت تقول أشارككم في الحديث عن العمل !"
تطلع فارس في الشباب .. فوجد يونس وفريدة في وسطهم يرقصون أمام بعضهما .. هي تحرك كتفيها وذراعيها وتتمايل .. بينما يونس لا يتوقف عن الرقص ومعهم زياد وباقي المدعوين من الشباب .. أما عهد فتجلس في ركن قريب منهم تثرثر مع حماتها .. فقال فارس باستنكار " وهل سأرقص أنا أيضا يا كارمن !!"
قلدت نطقه لاسمها تقول " كارمِن بميم مكسورة بمبالغة .. لا فارس بك لكن على الأقل كن معي"
قال باستسلام" حاضر"
تعلقت بذراعه تتساءل في سرها إذا كانت حامل بالفعل .. هل سيولد ابنها بعينين زرقاوين كوالده؟!
ثم ابتسمت بسعادة تقول "هل تعرف أنني الآن أتمنى لو كنت رقصت معك في حفل عرسي كأي عروس"
رفع كتفيه وانزلهما قائلا" لكني لا أعرف في هذه الأشياء يا كارمِن بميم مكسورة بمبالغة .. ولن اسمح لك بالرقص أمام الناس "
بدأت أغنية جديدة فصرخت كارمن بسعادة فجأة فأجفلته "أحب هذه الأغنية يا فارس اسمعها جيدا"
اتسعت ابتسامته قائلا" تبدين اليوم حماسية أكثر من العادي يا كارمن .. هل هذا بسبب الحجاب أم ( ومال عليها يقول بجوار أذنها مغيظا ) بسبب الاثنين كليو جرام ؟!"
راقب وجهها الذي وجم فجأة فقهقه ضاحكا لتمسك كارمن بسترته تهزه قائلة بحنق " شرير أنت شرير يا فارس "
بدأت كلمات الأغنية فقالت آمرة " أسمع وركز في كل كلمة"
مالي حاسة بارتباك
وبحالة مش عادية
عقلي أتجنن معاك
مش عارفة اللي فيا
قوم فض الاشتباك
أو خبي عنيك شوية
ده أنا واقعة فيك بجد
وقفت كارمن تتمايل على الأغنية أمامه فحدجها بنظرة موبخة لكنها كانت في حالة من حالات الطفو .. سعيدة .. سعيدة جدا .. فكرة حملها كان لها وقعا رائعا عليها ..رغم أنها لم تطرأ لذهنها من قبل .. ربما لعمر زواجهما القصير وغرابة بدايته .. بالإضافة لما تعيشه معه هذه الأيام من مشاعر لم تختبرها من قبل .. كل هذا جعلها تنطلق ككارمن أخرى ..
حتى عاصم لاحظ ذلك وهو يتأملها من بعيد خلال حديثه مع رأفت وجدي .. لاحظ بأنها بدت كارمن أخرى .. كارمن سعيدة .. مزقت عنها خيوط الماريونت وبدأت تتحرك منطلقة كفراشة تحررت من شرنقتها..
من كلمتين يادوب
بلاقيني في حتة تانية
مابشوفش فيك عيوب
وبراقبك ثانية ثانية
إزعل هتقوم حروب
مش واحدة لأ تمانية
هو أنت أي حد !
هو أنت أي حد !
شعر فارس أنها على غير عادتها المتزنة الهادئة وبدت أمامه شقية شهية تدغدغ مشاعره .. فتحرك يقف الناحية المقابلة يولي للحاضرين ظهره ويداريها عن النظر بطوله .. تاركا لها مجالا في هذا الركن القريب من باب الفيلا الداخلي أن تمارس القليل من شقاوتها على أنغام تلك الأغنية التي تحبها.. بينما أمسكت كارمن طرفي سترته الأنيقة وهو يطالعها برزانة واضعا يديه في جيبي بنطاله ترفع نظراتها إليه وتتمايل على كلمات الأغنية بدلال.
أنا نفسي أطير
فرحانة جدا .. ودايبة .. وبغير
حاسة بسعادة وده احساس خطير
مجنونة بيك
نفسي أفضل قصادك وأقولك بحبك كتير
وده مش كلام
ده أنا جيه أغرق عنيك اهتمام
ده وعد عليا وقرار والتزام
لو كنت أطول
كنت امسح حياتي ونبدأ من الليلة قوام
شعر بالتأثر فمد يده يلمس خدها بحنان وعينيه تأكلانها حتى انتهت الأغنية .. فوضع يده على رأسها يقول متهكما ليتحكم في رغبة ملحة لعناقها " هل الحجاب أصاب رأسك بالسخونة ؟"
عضت على شفتها السفلى بغيظ فاتسعت ابتسامته بينما صاح يونس في الراقصين مستغلا سكوت صوت الموسيقى "فليبتعد الجميع هذه الفقرة لي أنا وفريدة فقط .. ولمن يريد أن ينضم إلينا من الثنائيات "
استدار فارس يشاهد ما يحدث ليقوم يونس بالذهاب لمسئول الـ DJ ويهمس له باسم أغنية .. فامتقع وجه فريدة .. ليتدخل زياد قائلا " يا بقلظ أفندي كان الحفل جميلا .. نحن نسمع ونرقص على أغاني راقية لماذا ستفسده باختياراتك"
حدجه يونس بامتعاض وقال بلهجة مستخفة "اخرس يا بني اخرس "
في الوقت الذي بدأ اصحابهما بالتفكه والقاء النكات حول أغاني يونس المفضلة .. فغطت فريدة وجهها بكفيها تدعو ألا يسبب لهما حرجا .
استدار يونس عائدا ووقف أمام فريدة التي غمغمت وهي تتطلع حولها "يونس أرجو ألا يكون مقلبا"
لم يرد وإنما وقف أمامها بحلته الأنيقة وبدأت موسيقى الأغنية .. فاقترب وكلمات الأغنية تنعكس على وجهه فلف ذراعه حول خصرها ليستقر ساعدها على كتفه في الوقت الذي أمسك هو بكفها الأخر يلصقها بصدره.. ويراقصها برشاقة .. وعيناه تأسران عينيها ..فتعانقت انفاسهما في ذكرى لدقائق متوهجة بالعاطفة كانت تشتعل بينهما منذ قليل.
دانتى بيتى ومطرحى..
معرفش لو تعرفى
إن انتى سكنى إللى بسكن ليه وبرتاح
دة قلبى الي صحى
بابه هو قلبك ..
وعنيكى شبابيك ..
بتخلينى أشوف النور الى أنا محتاج ليه
اقترب الشيمي من رفيدة تاركا الاطفال يلعبون وقال معتذرا "لا أعرف هذا الرقص ولا أحبه .."
اتسعت ابتسامتها وردت هامسة "و أنا لا أعرفه لكني أحبه"
فتحرك مبتسما يقف خلفها ويطوق ذراعيه حولها ليقفا يشاهدان الشباب بسعادة .
أما زياد فمد كفه لعهد التي استجابت لطلبه بتشجيع من حماتها فحضن خصرها يراقصها لتطوق عهد عنقه بذراعيها تقول وهي تلصق خدها بكتفه " زياد .. أنا سعيدة جدا .. وأحبك جدا جدا "
شدد زياد من التصاقه بها وهمس" وأنا شاكر لرب العالمين لفضله علينا"
غمغمت عهد بخفوت "وأنا أيضا"
ساد الصمت لبعض الوقت لتبعد عهد رأسها عن كتفه تقول "أشعر بالقلق الشديد من هذا الحفل الذي سيقيمه والديك"
ابتسم لها ثم قال مطمئنا وهو يعيدها لحضنه "لا تقلقي سيمر على خير .. (وصمت لبرهة ثم أضاف ) أعتقد أن علينا في الفترة القادمة أن نحدد سويا حياتنا ومستقبلنا (ثم أبعد رأسه عنها يتطلع في وجهها قائلا) بالمناسبة (وأشار للبناية التي يقطن فيها عاصم السيوفي وأكمل ) أخبرتك من قبل أني أملك شقة هنا في المدينة .. هذه هي الشقة التي كنت سأتزوج فيها.. ما رأيك أن نمر عليها اليوم لترينها ونقرر إن كنا سننتقل إليها أم لا؟"
كانت سعيدة بالفكرة .. لكنها تحفظت عن اظهار فرحتها لعدم إثارة حساسيته .. شاعرة بأنها لا تزال تمشي على خيط رفيع في علاقتها معه .. فقالت بهدوء "أنا لا مانع عندي .. لكن أنت من كنت مترددا في التنفيذ"
سحب زياد نفسا عميقا وتطلع في ملامحها قليلا قبل أن يقول "سأبذل قصارى جهدي لتخطي هذا الأمر يا عهد كما وعدتك إن شاء الله "
قالت بابتسامة شاعرة بأنها تحلق فوق السحاب بين ذراعيه" وأنا سأبذل قصارى جهدي لعدم اثارة حساسيتك يا حبيب عهد"
عاد لعناقها قائلا بعد أن طبع قبلة على عنقها" إذن اتفقا يا عهدي الجميل"
وانتى حياتى ودنيتى ..
ودة أملى وفرحتى ..
وانتى سندى وقوتى
ودة زادى فى رحلتى
وتعالى احنا بقينا لبعضنا
كنا اتنين وهنبقى واحد طول عمرنا
نظرت كارمن لفارس بعد أن تأملت ركن الحديقة الذي تحول لساحة رقص للثنائيات على أنغام الأغنية الرومانسية فبادرها بالقول رافعا حاجبا " إياك أن تفكري حتى يا كارمِن بكسر الميم بمبالغة .. فأنا لا أعرف الرقص .. وحتى لو أعرف فمن رابع المستحيلات أن أفعلها وأراقصك والناس تشاهدنا "
قالت متكتفة بتحدي" ما رأيك أني سأعطيك دروس في الـ Slow Dance يا فارس؟ "
ابتسم ورد " لا بأس بدروسك الخاصة .. أنت تعرفين بأنني طالب نجيب .. لكن كل هذا يتم بيني وبينك فقط ولن يكون يوما ما أمام الناس أبدا"
ضيقت عينيها وسألته "بيني وبينك أين؟"
رد بعفوية "في مكتبي"
رفعت حاجبيها وهتفت باستنكار" المكتب مجددا يا فارس؟!!..حتى دروس الرقص سنقوم بها في المكتب !!!.. (وسألته ساخرة ) ما رأيك أن تنقل سريرك إلى المكتب أيضا؟"
قهقه فارس وقال مناغشا "سيكون ذلك من دواعي سروري أن أعمل وأمامي ميس سويتي تتمرغ في الفراش كالقطة الناعمة .. المشكلة الوحيدة التي سأقابلها أنني لن أجد أي وقت للتركيز في العمل"
حدجته بعينيها الواسعتين المكحلتين تزم شفتيها المطليتين بالأحمر الداكن .. فتمنى لو يعانق شفتيها بشفتيه لكنه تنحنح يقول مداعبا "حسنا أعدك أني يوما ما سأؤجر مطعما وأخليه من الزبائن ليكون خصيصا لنا لأراقصك فيه حين أتقن الرقص"
راقت لها الفكرة لكنها استمرت في زم شفتيها فمال عليها قائلا أمام عينيها" هل رضيت عنا مس سويتي الشهيرة بكارمِن بكسر الميم بمبالغة؟"
تعلقت بذراعه تقول بدلال" لا بأس يا طالبي النجيب"
سألها بشقاوة "علام سأحصل على اجتهادي في طلب العلم إذن؟"
قهقهت برقة ثم قالت بغموض" أعتقد أني أحضر لك مفاجأة .. لكني سأنتظر حتى أتأكد من شيء ما"
يتبع