اخر الروايات

رواية في قبضة اللعنات الفصل الثامن عشر 18 بقلم مريم غريب

رواية في قبضة اللعنات الفصل الثامن عشر 18 بقلم مريم غريب


( 18 )

_ خسارة ! _

إنتابها الفزع حين أفصح لها عن نيته، فسحبت ذراعها من يده بعنف و دفعته عنها بكل قوتها و هي تصيح بذعر :

-إووووعى. إبعد عني مش عايزة أروحله. مش عايزة. مش عآآآيزة !!

و إنهارت منخرطة في بكاء هستيري، و كأنه سلب إرادتها و وعيها بالضغط عليها بهذه الطريقة... يا له من داهية، حقاً شيطان !

إبتسم "سفيان" نصف إبتسامة، إقترب منها و هو يقول بصوت آجش :

-عيبك إنك عايزة تستقوي قدامي بأي شكل. عايزة تبينيلي إنك مش ضعيفة زي زمان و إني فقدت سيطرتي عليكي لمجرد إنك عيشتي شوية منغيري و طبقتي دروسي عملي على إللي حواليكي. إفتكرتي إنك ممكن تبقي زيي !!

أفلتت شهقة قوية من فمها، عندما شدها إليه بقسوة مكملاً بصوت كالفحيح :

-كان لازم تعرفي إن أنا إللي خليتك كده. أنا إللي شكلتك. أنا إللي صممت الـsystem بتاعك يعني. و أنا بس إللي أقدر أتحكم فيه. عمرك شوفتي تصميم إتمرد على مُصممه ؟ يارا. عمرك ما هاتخرجي عن سيطرتي. مهما عملتي. إوعي تتحديني تاني. دماغك دي أنا إللي مكلفها.. سامعاني ؟

و تركها ...

بقيت متخشبة تماماً و بصرها جامداً كالحديد، حتى سمعت باب الغرفة يُصفق بعنف، فأدركت أنه رحل

و هنا فقط، دبت فيها الحياة مرة أخرى،.. لكنها لم تكن بخير !

مشت نحو السرير بخطوات غير متزنة، مددت جسمها فوقه ببطء و تركت دموعها تسيل في صمت و هدوء شديدين... لم يكن هذا سوى تصريحاً عن عجزها المتجدد، إنه محق، و هي الآن تنعي قوتها الواهية، كل ما فعلته كان محض أوهام

لم تكن أبداً تلك المرآة القوية، المتجبرة، بل هي أضعف مما تتصور !!!

•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••

قرابة الساعة تقريباً، و لم تزل الجدة تمضي في الشجار الحاد مع حفيدتها... بدا غضبها بلا نهاية

فحاولت "يسرا" تهدئتها من جديد :

-يا تيتة بليز إهدي شوية. قولتلك ماحصلش حاجة لكل ده !

ميرفت بصياح جهوري :

-يعني إيه ماحصلش حاجة ؟ لما تكدبي عليا عشان تروحي لأمك دي مش حاجة كبيرة ؟ أثق فيكي إزاي بعد كده ؟ عايزاني أتصرف معاكي إزاي من هنا و رايح ؟ عايزاني أحبسك في البيت يعني ؟؟

يسرا بضيق شديد :

-على فكرة إنتي مكبرة الموضوع أوي. أنا زهقت من التبرير. هو أنا كنت فين يعني ؟ أنا روحت أشوف أمي. وحشتني الله !

-و بالنسبة لخروجك مع الزفت ده تسميه إيه يا يسرا ؟!!

كانت هذه "يمنى".. خرجت عن صمتها أخيراً، و شاركت في المشادة هي الأخرى ...

نظرت "يسرا" إليها و قالت بحدة :

-بقولك إيه يابت إنتي. محدش فينا هنا واصي على حد. ماتنطقيش معايا بكلمة إنتي فاهمة ؟ لا إنتي أكبر مني و لا باخد منك المصروف. و ماتدخليش في إللي مالكيش فيه أصلاً

لم ترد "يمنى" عليها، آثرت الصمت لعدم رغبتها في تضخيم الأمور أكثر.. لكن الجدة أبت إلا أن تزيد التقريع القاس على حفيدتها :

-و صوتك بقى بيعلى في وجودي كمان ! ده إحنا إتطورنا أوي يا ست هانم. واضح فعلاً إن بنتي ماعرفتش تربي بس أنا بقى هاصلح غلطتها دي. و حياة أمك يا يسرا لأربيكي من أول و جديدوو مافيش خروج من البيت ده تاني لحد ما ترجع يارا

يسرا بسخرية : مش لو رجعت أصلاً !

تجهمت "ميرفت" في هذه اللحظة، و قالت بقلق :

-قصدك إيه يابت ؟!!!

تململت "يسرا" قائلة :

-قصدي إن مامي قاعدة في بيت الرعب. محدش شاف هناك إللي أنا شوفته. حراسة في كل مكان و كلاب متوحشة و أشكال إجرامية مقرفة. زي ما يكون قصر ملكي أو متحف خايفين حد يهجم عليه.. plus جوزها السابق. الحيوان ده إللي إسمه سفيان الداغر. من نظرة واحدة إتأكدلي إن رجوعه مش مسألة طبيعية. و إنه عمره ما هايسيب مامي تاني بالسهولة دي زي ما حصل زمان. الحظ مش هايقف معاها مرتين يا تيتة. ده أنا مش مصدقة إني خرجت من عندهم. متهيألي لولا إصرارها كان زماني محبوسة معاها هناك.. هو فعلاً ماكنش عايزني أمشي. ده كان واضح جداً !

تسلل الخوف إلى قلب "ميرفت" بعد إستماعها لهذا، لم تستطع إخفائه أبداً و هي تقول :

-ليه هو بيعمل إيه في أمك ؟ شوفتيه عملها إيه ؟ هي كويسة و لا لأ إنطقي ؟؟؟

تنهدت "يسرا" و قالت بفتور :

-إطمني ياتيتة. مامي كويسة لحد دلوقتي

ميرفت بإنفعال : يعني إيه لحد دلوقتي ؟ ماتقوليلي إيه إللي بيحصل هناك بالظبط !!

إبتسمت "يسرا" و قالت بإنتصار :

-شوفتي بقى إن مرواحي هناك مفيد إزاي ! مهما حاولت مامي تطمنك من بعيد مش هاتقدر توصلك الصورة الحقيقية لحالتها. زي ما حصل زمان. لما كانت بتتبهدل و كانت هاتموت أكتر من مرة. ماكنتيش تعرفي عنها أي حاجة.. لازم أكون جمبها يا تيتة. لازم !

تعالت الحشرجة في صدر الجدة مجدداً و خرج صوتها يزخر بالغلظة و الغضب :

-إسمعي يابت إنتي. مافيش روحة على البيت ده تاني إنتي فاهمة ؟ و ماسمعكيش تقولي عايزة أخرج. مش هاتخرجي من هنا يا يسرا إللي لما أمك ترجع. و مش عايزة كلمة زيادة !

و كأنها واثقة من عودة إبنتها !!

لم يكن لديها ذرة ثقة، و آمنت على كلام حفيدتها، يبدو أنها على وشك خسارة إبنتها مجدداً، و هذه المرة الخسارة حتمية و نهائية.. لكنها بالطبع لن تسمح بإيذاء الفتاتين، لن تسمح ....

•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••

تفاجأت "ميرا".. لا بل صُدمت، عندما خرجت من بوابات المطار و وجدت أبيها ينتظرها بالخارج !!!

لحسن حظها أن "يوسف" قد سبقها في رحلة مبكرة، تفصل بينهما ساعة واحدة فقط ...

-حمدلله على السلامة يا غالية ! .. قالها "سفيان" و هو يتلقفها بين أحضانه و يطبق عليها بقوة

إحتضنته "ميرا" بدورها و هي تقول بلهجة غير واثقة :

-الله يسلمك. وحشتني يا دادي.. إنت عرفت إزاي إني راجعة إنهاردة ؟!

أبعدها "سفيان" عنه قليلاً و قال :

-أي حاجة تخصك بعرفها يا روحي. و لازم أعرفها !

إبتلعت ريقها بصعوبة و هي تقسر نفسها على الإبتسام ...

و سرعان ما إستقلا السيارة، سيارته الخاصة، بعد أن وضع حقيبتها بالخلف... إنطلق في طريقه، إجتاز عدة مناطق رئيسية، حتى توغل في عمق المدينة

مما أثار ريبة "ميرا".. فهي لا تسكن بالمدينة أصلاً !!

-دادي إحنا رايحين فين ؟! .. قالتها "ميرا" بتساؤل

أجابها "سفيان" دون أن يزيح ناظريه عن الطريق :

-رايحين مشوار صغير يا حبيبتي. ماتقلقيش مش هاياخد أكتر من نص ساعة !

ميرا بإستغراب : مشوار إيه ده ؟ مهم أوي يعني ؟!

رمقها بنظرة جانبية و قال :

-مهم جداً. دلوقتي تشوفي !

ثمة شيء في نبرة صوته لا يطمئن، و هي لا تريد أن تصدق حدسها، لا تريد ...

و أخيراً، بعد مدة قصيرة توقفت السيارة هنا، أمام بناية قديمة، لكنها راقية، في حي سكني منظم و نظيف

ترجل "سفيان" أولاً و دعى إبنته للحاق به، أطاعته فوراً فأقفل السيارة بضغطة زر... ولج إلي الداخل تتبعه "ميرا" و هي تقدم ساق و تؤخر الأخرى

أخذا المصعد، ليصلا في غضون ثوان إلى الطابق الرابع.. كان مقسماً لأكثر من جهة، و لم تحتار "ميرا'' في وجود أبيها، فقد إتجه نحو اليسار مرشداً إياها و بالكاد كانت تواطئ خطواته الواسعة... و ها هما أمام شقة معنونة

رباه !

هذه عيادة طبيب أمراض نساء و توليد !!!!!!

-خشي ! .. تمتم "سفيان" و هو يدفع بجسد إبنته الذي جمد فجأة إلى الداخل

كان الباب مفتوح أصلاً، و كانت هناك إمرآة تنتظر وصولهما بقاعة الإستقبال ...

-أهلاً أهلاً يا باشا.. نورتنا !

شكرها "سفيان" بإقتضاب :

-شكراً يا مدام غادة. دكتورة نادين وصلت ؟

ردت تلك الـ"غادة" و هي تقيس "ميرا" بنظرات فاحصة :

-طبعاً يا باشا وصلت. و مروة و صفاء المساعدين كمان. كلهم موجودين من بدري و في إنتظارك.. و أشارت له نحو عرفة معينة و قالت :

-حضرتك هاتتفضل في الأوضة لحد ما أبلغهم بس. و تكون جهزت المدام

أومأ "سفيان" قائلاً :

-أوك ! .. و أحاط كتفي إبنته بذراعه

-يلا يا ميرا

و سحبها سحباً نحو تلك الغرفة، بينما كان قلبها يدق بصخب شديد في صدرها، و مع كل خطوة يزداد يقينها، رغم أنها لا تزال تأمل أن يخيب ظنها... حتى أصبحت معه بالداخل

وقفت تتأمل المكان ...

كانت غرفة عادية، عادية بالفعل، بها سرير صغير و مقعدين و شرفة جانبية و حاجب لإرتداء الملابس ...

إستمرت محاولاتها في الظهور بمظهر الهادئة الواثقة، قدر الإمكان، فإستدارت نحو والدها.. لتُفاجأ بوجود إمرآتين تقفان خلفه و قد كان يتحدث معهما بصوت خافت ...

-إحنا فين يا دادي ؟! .. سألته بتوجس

كانت تحوم بنظراتها في وجوه هؤلاء الأغراب

ليلتفت أبيها نحوها باللحظة التالية ...

-إقلعي ! .. هتف "سفيان" بغلظة

ميرا بصدمة : أقلع يعني إيه ؟ إيه إللي بتقوله ده يا دادي ؟!!!

سفيان مستهجناً : أقولهالك بطريقتك يا قلب أبوكي عشان تفهمي. Take off your clothes.. ثم صاح بغضب :

-يلا إقلعي زفت هدومك دي !

تنفست بذعر و هي تقول :

-في إيه بس قولي إيه إللي حصل ؟ أنا عملت إيه ؟ إنت زعلان مني في حاجة ؟؟!!

قطع المسافة بينهما في خطوة و قبض على شعرها مغمغماً من بين أسنانه :

-الخوف إللي في عنيكي مني ده فات آوانه. إنتي مابقتيش تخافي مني يا ميرا. إنتي واثقة إني بحبك. واثقة إنك أهم حاجة في حياتي. و إني إستحالة آذيكي. ثقتك في محلها.. إنتي صحيح كل حياتي. عشان كده لو في سبب مهما كان تافه بس إحتمال يقضي على حياتي يبقى لازم أخلص منه بدون تفكير !

تآوهت "ميرا" و هي تقول متألمة :

-دادي.. أنا مش فاهمة حاجة. بليز قولي في إيه ؟!!

رمقها "سفيان" بخيبة أمل و قال بقساوة :

-إنتي خونتي ثقتي فيكي. بعد ما إفتكرت إنك عقلتي و بقيتي بني آدمة. واحدة ست محترمة. طلعتي زي أمك و عمتك. و***. يا خسارة يا ميرا ! .. و تابع بصرامة أرعبتها :

-إللي في بطنك ده هاينزل. و إنهاردة. و بعدين هانتحاسب ! ..و أفلت شعرها

هكذا صرّح عن معرفته بالحقيقة في لحظة ...

لتصرخ "ميرا" من هول العبارة، و تركع تحت قدميه باكية بحرقة و هي تقول :

-لاااااااا. لأ يا دادي بلييز.. مش ممكن ينزل. أنا عايزة البيبي ده. عشان خاطري سيبهولي. بابـييييييي. بلييييز أنا عايزااااه. دي أخر فرصة ليا عشان يكون عندي بيبي. ماتعملش فيا كده بليييز سيبهولي. أو موتني. لكن بلاش هو. بلاش هو !!!

كانت دموعها المنهمرة بشدة تكاد تغسل نعليه تقريباً، و مع كل ذلك بدا أنه لم يتأثر ببكائها أو عويلها.. رأته و هو يتراجع للخلف قائلاً بلهجة آمرة لا مجال للنقاش بعدها :

-قومي إقلعي هدومك دي. و إلبسي هدوم العمليات. الدكتورة مستنياكي.. يلا ! ............ !!!!!!!!!!!!!!!!!!!!

يتبع ...


تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close