اخر الروايات

رواية لا أصطفي بالحب غيرك الفصل السادس عشر 16 بقلم فاطمة علي محمد

رواية لا أصطفي بالحب غيرك الفصل السادس عشر 16 بقلم فاطمة علي محمد

كانت" ميرڨت" تجلس أعلى الأريكة تقرأ وردها اليومي من القرآن الكريم بتدبر وإمعان شديدين وبسعادة قلما داهمت قلبها، ليعلو رنين ناقوس الباب برتابة، فرفعت أنظارها نحوه وهي تطوي صفحات المصحف الشريف واضعة إياه أعلى الطاولة أمامها، ناهضة نحو باب الشقة تفتحه، لتجد "سومية" تقف أمامها للحظات قبل أن تندفع إلى أحضانه وقد تعالت شهقاتها تدريجيًا وهي تردد بصوت مختنق :
- ماكنتش عارفة أروح فين ولا لمين، بس لقيت رجليا جايباني لحد هنا.. أنا محتاجاكِ قوي.

ربتت "ميرڨت" على كتفها بحنان شديد وهي تشدد من احتضانها مرددة بعطف :
- وأنا جنبك يا "سومية" يا بنتي.. إدخلي واهدي.

ابتعدت عنها "سومية" قليلًا تمسح عبراتها التي تكسو وجنتاها وهي تلج إلى الداخل بينما أوصدت "ميرڨت" الباب متجهة صوب المطبخ تسكب لها كأس من العصير الطازج وأحضرته إليها مرددة بود كبير :
- اشربي يا "سوما".. ودوقي عمايل طنطك "ميرڨت".

رفعت "سومية" أنظارها نحو "ميرڨت" بدهشة ترمقها وهي تردد بإبتسامة باهتة:
- "سوما"! .. تعرفي إن محدش كان بيقولي الاسم ده غير بابا الله يرحمه.

احتلت "ميرڨت" مجلسها جوار "سومية" وهي تربت على كتفها مرددة بإبتسامة واسعة :
- مفيش حد حب "سوما" غير ما نادى باسمها لحبايبه اللي واخدين منها لو حتى الاسم، وإنتي واخدة منها كتير قوي، واخدة حنانها، وشموخها، وقوتها، واخدة طيبتها، وأصلها الطيب وجدعنتها.

انفرجت إبتسامة مريرة بثغر "سومية" وهي تردد بحرقة :
- قوتي ضعفت، لما اللي كنت بستقوى بيه سابني وضهري للحيط، تخيلي يقولي سايبلك المسئولية وشيلي بقا.. ما يعرفش إني كنت بتقاوى بيه وبحسه جنبي حتى لو بعيد عني... "ياسر" اتغير قوي، بقا بني آدم تاني ما اعرفوش.. بني آدم غير اللي عرفته وحبيته.. أه فيه عيوب زي كل البني آدمين، بس عمره ما كان قاسي علينا بالشكل ده، كان بيته وعياله عنده في المقام الأول.. دلوقتي قدر يبعد وما يسألش عن أي حاجة، ولا فارق معاه أي حد.. عايشين زي ميتين.

ربتت "ميرڨت" على فخذها برفق مرددة :
- ماتقوليش كده يا بنتي.. أكيد فيه حاجة مضيقاه ومنغصة عليه حياته عشان كده مقدرش يكون موجود وسطكم بحالته دي، مش عايز الولاد يشوفوه عصبي أو متضايق، وأكيد هو مطمن أنك موجودة في البيت مع الولاد.

تعالى بكاء "سومية" وهي تضرب صدرها برفق مغمغمة بحرقة شديدة :
- وأنا مين يطمني؟.. مين ياخد بايدي ويطبطب عليا؟.. مين يقولي اجمدي أنا جنبك وفي ضهرك؟.. أنا حياتي كلها بتدور حواليه وحوالين ولاده، لا عندي شغل ولا عندي فلوس خاصة ولا عندي حاجة، وراضية.. أقسم بالله العظيم راضية، فلوسه فلوسي وعمره ما حرمني ولا حرم الولاد من حاجة، دايمًا كان بيقول أنا بتعب في الشغل عشان إنتوا ترتاحوا.. كان بيغيب علينا بالاسابيع بس كنت مطمنة إنه راجع.. المرة دي غاب يومين بس قلبي بيقولي إنه مش راجع تاني.. وباختياره.. البعد المرة دي باختياره يا طنط.

تنهدت "ميرڨت" بأسى لأجلها ومازالت يدها الحانية تربت عليها وهي تردد بمحبة:
- هيرجع يا بنتي.. بإذن الله هيرجع.. عشانك وعشان ولاده، وعشان البيت اللي تعب فيه، وكمان هيرجع عشان أخوه اللي بيحبه ومايقدرش يستغنى عنه.

انفرجت ابتسامة تهكمية بشفاه "سومية" وهي تردد بغصة علقت بحلقها :
- أخوه!.. ياريت اللي بتقوليه ده يكون حقيقي يا طنط.. ياريت فعلًا يكون ما يقدرش يستغنى عنه.. ياريت يرجع عشانه، والله هكون راضية ومبسوطة.. "يامن" ده
أخويا اللي كان دايمًا في ضهرنا كلنا وعمره ما قصر معانا، في الوقت اللي كلنا قصرنا معاه فيه.. عمره ما قال أنا عملت عشانكم في الوقت اللي اتجرح واتوجع مننا فيه.

وسحبت "سومية" نفسًا عميقًا زفرته بقوة وهي ترسم معالم القوة والجمود مطوفة قسمات "ميرڨت" بإبتسامة عرفان ودودة مرددة :
- أنا مش عارفة أشكر حضرتك إزاي يا طنط.. كنت فعلًا محتاجة أتكلم وأنهار قدام حد ستر، وماكنش فيه حد غيرك ينفع اتعرى قدامه كده من غير مايجرحني بنظراته أو لومه وعتابه.. بس أوعدك إني هكون قوية واللي استغنى هكون عنه أغنى حتى لو كانت روحي بايده، وهيجي اليوم اللي هيرجع فيه لعقله بس يومها هيلاقي "سومية" تانية خالص غير اللي هو عرفها واتجوزها.

وربتت على يد "ميرڨت" الموضوعة أعلى فخذها بحنان مرددة بأسف :
- معلش دوشتك معايا.. بس نصيبك بقا، ما هو مش هحبك كده ببلاش.

جذبتها "ميرڨت" إلى أحضانها بسعادة مرددة باستنكار :
- ومين قالك إنه ببلاش؟! ده حضنك ده بالدنيا يا "سوما"..

وتمتمت بتضرع للمولى عزوجل:
- ربنا يقويكي ويسندك ويردلك الغايب يا بنتي يارب.

*********
بالمشفى بولاية نيوچيرسي.

كان تأثير المخدر قد بدأ يزول تدريجيًا، ليتململ "مهاب" بفراشه بأنين مكتوم وهو يفتح أحداقه ببطيء مطوفًا المكان حوله بارهاق شديد قبل أن تستقر أنامله أعلى زر الجرس بجوار يده، ليضغطه مستدعيًا فتاة التمريض التي أتته راكضة يتبعها أحد رجال "كيڨين" الذي التقط هاتفه وقام بالاتصال بسيده كما أمره، بينما دنت الممرضة من "مهاب" تفحصه جيدًا وهي تردد بجدية :
- من فضلك اهدأ سيدي، جرحك مازال حيًا.

أجابها "مهاب" بنبرة عصبية بعض الشيء:
- أريد الخروج حالَا.. لن أمكث هنا دقيقة أخرى.

حركت الفتاة رأسها بموافقة وهي تُجيبه بهدوء :
- الطبيب من يقرر هذا، دقائق قليلة وسأستدعيه إليك.. أرجوك أن تتحلى بالصبر حتى ذلك الحين.

واستدارت مغادرة الغرفة بينما وجه الحارس جواله ناحية "مهاب" مرددًا بصرامة :
- سيد "كيڨين" يُريد محادثتك.

تناول "مهاب" الهاتف بلهفة غريق تعلق بقشة وهو يردد بخفوت من أثر الألم :
- سيد "كيڨين".. أشكرك على مساعدتك لي ونجدتي، وأتوسلك أن تساعدني بمغادرة المشفى الآن، فأنا هنا بخطر شديد وربما كانت سيدة "ميشيل" هي هذا الخطر.. أتوسل إليك ساعدني.

أتاه صوت "كيڨين" الاجرامي الصارم :
- سيد "مهاب" لقد استنزفت كل حقوقك عندي وأصبحت عبئًا على كاهلي.. سأساعدك هذه المرة، لكن إن قابلتك مرة أخرى بالطريق ولو صدفة سيكون هذا من حظك العسر لأني لن أتوانى في تصويب رصاص مسدسي نحو قلبك.. ناول الهاتف إلى "رو".

حرك "مهاب" رأسه بوهن شديد مغمغمًا بعرفان :
- أشكرك جزيلًا سيد "كيڨين"، أنا مدين لك بحياتي.

ووجه الهاتف نحو "رو" الذي بدأ ينصت للتعليمات الجديدة من سيده تحت أنظار "مهاب" الزائغة مع تعابير وجه "رو" وتحركاته بالغرفة.

********
ترجلت "ميان" عن سيارة الأجرة التي كانت تستقلها وتوقفت أمام البناية التي تسكنها بإبتسامة واسعة ونظرات عاشقة للحياة، وقلب تتراقص دقاته طربًا لأصداء صوته التي مازالت تدوي بمسامعها، لتتنحى جانبًا فاتحة الطريق للسائق الذي انطلق بسيارته مغادرًا، لتتنهد هي براحة كبيرة وهي تعبر الطريق المقابل للبناية بقفزات قلبٍ يتمايل، ليجذب انتباهها صوت قوي لعجلات سيارة مسرعة انطلقت نحو هدفها وباصرار شديد، اتسعت عينا "ميان" صدمة للحظات قبل أن يتطاير جسدها بالهواء بعدما صدمتها تلك السيارة وبقوة مغادرة بسرعة صاروخية قبل أن يستقر جسد "ميان" أرضًا وتسقط فاقدة لكل معاني الحياة.

*********
قبضة قوية اعتصرت قلب "ميرڨت" وهي تقف أمام باب شقتها تودع "سومية" ليختل توازنها وهي تسحب أنفاسها بقوة متعلقة بعنقها بمشهد أسرى الرعب والفزع بقلب "سومية" التي اقتربت منها تحركها بذعر صارخة :
- مالك يا طنط؟.. فيه إيه؟.. بالله عليكي فيه إيه؟

اشرأبت "ميرڨت" بعنقها لأعلى تتلاقط ذرات هواء باردة إلى صدرها المحترق وسط بكاء "سومية" الشديد وهي تفتح حقيبة يديها ملتقطة قنينة مياهها الخاصة تفتح غطائها ساكبة بعض ذرات مياهها في يدها تنثرها أعلى وجهها هاتفة بتوتر شديد:
- أرجوكي.. طب دي أزمة تنفس ولا إيه؟.. طب أعمل إيه دلوقتي طيب؟

والتقطت جوالها تطلب رقم "ميان" وهي تحرك يدها الحرة أمام وجه" ميرڨت" هاتفة :
- طب فيه دوا أو بخاخة أو أي حاجة؟

واتجهت بحديثها نحو هاتفها صارخة:
- ردي يا "ميان".. أرجوكي.. ردي عليا، هي أكيد مع "يامن".. هتصل بيه.

وطلبت رقم "يامن" الذي أجابها سريعًا، لتهتف به باستغاثة :
- "ميان" معاك يا "يامن"؟

لم يُجيبها بعد فقد توقف المصعد أمامهم تمامًا وغادره "سيد" بعلامات الهلع التي سيطرت عليه كمن يهرب من موت محقق، ليردد بهذيان شديد:
- ست "ميان" عربية خبطتها وجريت.

سقط جوال "سومية" من يدها أرضًا ، كما سقطت "ميرڨت" هي الأخرى فاقدة لوعيها، لتشهق" سومية" شهقة قوية كتمتها بيدها وهي تطوف الوجوه حولها بصدمة كبيرة لا تقل قساوة عن صدمة "يامن" الذي اخترقت كلمات "سيد" مسامعه كصاروخ نووي سحقه دون رحمة أو شفقة منه.

*****
دقائق لم يعد يعلم مداها، تصادمات لا يعلم كيف تفاداها، صورة ضبابية تداهمه وبقوة تسحبه داخلها بتسيد تام للموقف، يركض في الممر المؤدي إلى غرفة العمليات التي تضم بين جدرانها من نبض الفؤاد لأجلها، لا يعلم كيف وصل ومتى، فهو فاقد لجميع حواسه الادراكية، قلبه فقط من يصرخ فزعًا وهلعًا لأجلها، كم أخبرها أنه يكره سيرة الموت ورائحته، لما اقتربت منه وناولته سلاح تلم يجتث به عنقه، ويزهق به روحه، أنفاس لاهثة تخرج من صدره مشتعلة، ودقات صارخة تقسم على الفتك بها إن تركته وحيدًا يواجه مصيره، صراعات وحروب ضارية تعصف بعقله وقلبه حتى توقف تمامًا أمام غرفة العمليات بحالة يرثى لها تحت أنظار "سومية" التي كانت تقف جوار "ميرڨت" الجالسة أعلى الأريكة وبيدها أنبوب بلاستيكي موصول بمحلول دوائي، تراقب باب غرفة العمليات بأنظار ثابتة ولسان رطب بالدعاء لفلذة كبدها.

انطلق "يامن" نحو الباب يدفعه بقوة ليستوقفه أحد الأطباء الذي كان يتجه نحو بنك الدم بالمشفى وهو يردد بود كبير بعدما اكتشف هوية "يامن":
- ممنوع يا أستاذ "يامن"، دي غرفة عمليات، والحالة معقدة جدًا.. ما ينفعش.

لم يكن يسمعه بل كان يقرأ شفاهه فقط، ليدفعه بيديه بقوة محررًا أحرفه المتحشرجة أخيرًا :
- محدش على وجه الأرض يقدر يمنعني أدخل اشوف مراتي وأكون جنبها.. أنت فاهم.

اتسعت عينا "سومية" صدمة فكيف لـ "يامن" أن يتزوج من سيدة متزوجة بالأصل، بينما "ميرڨت" لم يظهر عليها أية ردة فعل فكل تركيزها كان مع ابنتها فقط فهي لا ترى ولا تسمع فقط تدعو الله باللطف بها وبابنتها.

رأف الطبيب بحالة "يامن" المزرية وتنهد باستسلام شديد مغمغمًا :
- تمام.. اتفضل معايا للتعقيم.

تبعه "يامن" بلا ردة فعل فقط هلعه وفزعه لأجلها، ليلج إليها بعد دقائق قليلة من التعقيم وارتداء معطف وقبعة وقفازات وقناع طبي معقم وأحداقه معلقة بجسدها المستسلم تمامًا والملوث بدماءها والمغطى بكدمات كثيرة، لينخلع قلبه من صدره ويتسمر بأرضه مرتجفًا للحظات يتأمل فيها قسماتها المرتخية وأعينها المسبلة تمامًا متذكرًا صغيره وحالته المشابهة لما تُعانيه معشوقته الآن فاهتز كامل كيانه وجسده مترنحًا للخلف بقوة لولا استناده على ذلك الحائط البارد، التصق به وبقوة يستمد منه قوة وصلابة كتلك البرودة التي حاول امتصاصها منه علها تثلج صدره وجسده الذي اشتعلت نيرانه وهو يتمتم بخفوت شديد هاذيًا:
- هتسيبني.. هتسيبني.. زي ما "آدم" سابني.. أنا نذير شؤم على كل اللي بيدخلوا حياتي.. أنا السبب.. أنا السبب.. لازم أبعد عنها.. عشان تعيش.. لازم أبعد.. فوقي يا "ميان".. بالله عليكي ما تروحي عالم "آدم".. مش هتحمل أكتر من كده.. أنا روحي بتتسحب مني بعد ما رديتي فيّا الروح .. أنا السبب.. أنا نذير شؤم.. أنا هبعد.. لازم أبعد.

كانت حالته النفسية تزداد سوءًا وتتدهور بشكل ملحوظ للجميع في ذات الوقت الذي كانت مؤشرات "ميان" الحيوية تنهار أيضًا فصورة صغيرها أمامها تتلاشى تدريجيًا وتبتعد عنها، صوتها حبيس حلقها لايطاوعها في نداءها، أنفاسها تثقل وتقل وهي تراه يتحول لنقطة سوداء بعيدة عنها، كانت تلهث مشيرة نحوه بيدها تستدعيه بلا أي استجابة منه، اختنقت أنفاسها بحلقها للحظات وكاد قلبها أن يتوقف لتجد صورة ابنها المتلاشية تزداد وضوحًا وسطوعًا وهو يقترب منها بقوة وبابتسامة واسعة بعدما فقدت الأمل في ذلك، لينتعش قلبها مرة أخرى وهي تبادله ابتسامة أكثر اشتياقًا متنهدة براحة شديدة منظمة أنفاسها الهادرة، اقترب "چاد" منها كثيرًا، ليركض نحوها بسعادة دافعًا كامل جسده نحو صدرها يحتضنها وبقوة، تعلقت هي بجسده تستمد منه الطمأنينة والسكينة لروحها وقلبها وهي تشدد من احتضانه، لتلمح خلفه ظلًا يقترب منهما، رفعت أنظارها الهلعة نحوه، لتتضح صورة "يامن" المبتسمة ابتسامة حانية وهو يومأ لها برأسه بعشق متيم، بادلته هي بإبتسامة شكر وعرفان وهي تسبل أجفانها مستنشقة رائحة صغيرها التي كانت لها إكسير الحياة.

استقرت وظائفها الحيوية في تلك اللحظة التي أنهى فيها الأطباء جراحتهم الحرجة، لتُطفأ المصابيح أعلى جسدها ويلتفت الطبيب نحو "يامن" الملتصق بالحائط يراقب كل شيء، ليقترب منها مربتًا على كتفه بحنو تام مرددًا :
- إن شاء الله هتكون كويسة، هي عندها إرادة وعزيمة من حديد وده كلنا حسيناها.. خالي عندك ثقة في ربنا واطمن وادعيلها.

صمت مهيب يُطبق على كل حواس "يامن" سوى من أنفاس مشتعلة تُزفر وتُشهق بمرارة، ليتنهد الطبيب بأسى وهو يربت على كتفه مغادرًا الغرفة ليُطمئن من كانت تنتظر رحمة الله في قضائه، خرج إليهم الطبيب لتركض نحوه "سومية" هاتفة بلهفة شديد:
- طمني يا دكتور "ميان" عاملة إية؟.. وحالتها إيه دلوقتي؟

أماء لها الطبيب بهدوء وهو يطوف معالم والدتها المتعلقة بأنظاره مرددًا بإبتسامة حانية :
- الحمد لله.. الحالة مستقرة.. مدام "ميان" قوية وهتعدي منها بإذن الله.. بس للأسف حالة أستاذ "يامن" النفسية متدمرة تقريبًا، لازم تدعموه وتقفوا جنبه في الوقت ده.

وتنهد مغادرًا، لتزفر "سومية" زفرة قوية وهي تلتفت نحو "ميرڨت" متكأة أمامها تلتقط يدها الحرة بين يدها مربتة عليها بحنان شديد وهي تطبع قبلة ودودة أعلاها مرددة بإبتسامة خفيفة :
- اطمني يا حبيبتي.. الدكتور طمنا وقالنا إن بنتنا قوية وبتعافر عشان تعيش، ما ينفعش تفوق من البنج تلاقيكي تعبانة بالشكل ده.. أنتي ست مؤمنة وعارفة إنه اختبار وابتلاء من ربنا وهنعدي منه بإذن الله.

رفعت "ميرڨت" يدها المعلقة بالأنبوب الطبي تمسد خصلات شعر "سومية" محررة أولى كلماتها منذ هذه الصدمة :
- بإذن الله يا بنتي.. بإذن الله.

تنهدت "سومية" تنهيدة راحة قوية وهي تغدقها بإبتسامة عذبة، قبل أن تنهض من مجلسها مبتعدة كثيرًا تلتقط جوالها تفتحه مرسلة رسالة صوتية لزوجها فحواها:
- "ياسر".. "ميان" عملت حادثة، و دلوقتي خرجت من أوضة العمليات، لكن "يامن" حالته ما تطمنش لازم تكون جنبه دلوقتي، إحنا في المستشفى العسكري.

وتنهدت بقوة وهي تضع جوالها داخل حقيبة يدها ملتفتة نحو غرفة العمليات، لتجد "يامن" مغادرًا إياها بثبات تام متجهًا صوب "ميرڨت" يجلس جوارها متشجنة جمع أعصابه وعضلاته وهو يدنو بأنظاره أرضًا مرددًا بألم شديد :
- "ميان" تبقى مراتي.. أنا وهي اتجوزنا في سيوة، كنت عايز اتكلم معاكي بس هي اللي كانت حابة تفاتحك في الموضوع لوحدها، عشان..

وأطبق أجفانه بقوة متنهدًا بحرقة قوية، ليجد يد "ميرڨت" المرتعشة تربت على ساعده بعطف كبير مغمغمة بألم شديد:
- أنا عارفة يا ابني كل حاجة.. شوفت ورقة طلاقها وأخدت بالي من التاريخ.. أنا أم حست بوجع بنتها وكانت متأكدة إن الموضوع أكبر من كده بكتير .. ربنا يرجعها لنا بس بالسلامة ونطمن عليها.. وبعدين أنا متأكدة إنك هتكون رزقها الله ربنا شاله لها من سنين.. "ميان" أمانة في رقبتك حافظ عليها، إوعى في يوم تكسرها أو توجعها لأنها آست كتير قوي في حياتها، من أبوها ومن طليقها ومن حرمانها من ابنها ومن قسوة الأيام عليها.. خليك إنت أمانها وسعادتها يا "يامن".. مش هوصيك يا ابني.

وقفت الكلمات بحلق "يامن" الذي رفع أنظاره الهلعة نحوها يغوض في أعماق عيناها الصافية يستمد منها أمان عجيب لم يحياه من زمن طويل، ليجد جسده يلتفت نحوها تدريجيًا ساكنًا بين زراعيها براحة كبيرة مستندًا برأسه أعلى كتفها وهو يزفر حملًا كبيرًا كان يثقل كاهله.

دقائق طويلة وكان "ياسر" يركض نحوهم بلهفة كبيرة متجهًا صوب شقيقه الذي كان يقف مستندًا بجذعه على حائط الممر، ليتوقف أمامه تمامًا وهو يردد بقلق حقيقي :
- "ميان" عاملة إيه دلوقتي يا "يامن"؟

ما أن تسلل صوته إلى مسامع "يامن" حتى اشتعلت نيران الغضب بأوردته فارضة سطوتها على كل قسماته وتعابير وجهه وهو يلتفت نحوه قابضًا بقبضة من فولاذ على تلابيبه مرددًا من بين أسنانه المصتكة:
- جاي ليه يا "ياسر"؟.. جاي تتطمن إنها ماتت؟.. جاي تطمن على خطتكم القذرة إنها نجحت ولا لأ ؟.. جاي ليه يا "ياسر"؟

اتسعت عينا "ياسر" هلعًا وهو يحرك رأسه بنفي، ليسترسل "يامن" بنبرة تحذيرية صارمة :
- قسمًا بالله العلي العظيم لو اتأكدت إنك السبب ورا الحادثة دي لأدفنك بايدي و حي ولا يرمشلي جفن.. إنت فاهم.

ابتلع "ياسر" ريقه بصعوبة وهو يردد بخوف شديد :
- أقسم بالله العلي العظيم ما أنا.. أنا عمري ما أئذي أخويا أو مراته بالشكل ده.

ابتسم "يامن" ابتسامة تهكمية وهو يردف بسخرية كبيرة :
- يا راجل قول كلام تاني.. د أنا ما اتاذيتش غير منك إنت.. بس ممكن أسامح في كل ده، لكن أذى "ميان" ده اللي أهد العالم عشانه ومن غير ما أفكر مين خصمي اللي قدامي.

استوطن الخوف والرعب قلب "ياسر" فتلك هي المرة الأولى التي يرى بها تلك النظرات الانتقامية بأحداق شقيقه، ليزدرد ريقه بارتباك جلي مقررًا تبرأة نفسه أمام شقيقه وأمام زوجته التي كانت تتابع كل هذا الحديث بصدمة كبرى، ليردد :
- دي أكيد "صافي".. كانت معايا الصبح وقالت إنها هتخلص من "ميان" عشان أخدت مكانها في حياتك، وأنا أقنعتها تنسى الموضوع ده وهي قالتلي تمام، بس ماعرفش إنها كانت بتسكتني بس، وإنها هتنفذ اللي في دماغها.

نفث "يامن" نيران غضبه كتنين ثائر وهو يرمق جوال شقيقه بجيب بنطاله مرددًا بعصبية مفرطة :
- اتصل بيها حالًا وكلمها كأنك عرفت اللي عملته وفرحان بيه، وقولها على الخطة الجاية عشان تدخل حياتي، قولها إن الكلام مش هينفع في التليفون لازم تقابلها.. فاهم.

أماءَ "ياسر" برأسه براحة كبيرة وهو يلتقط جواله مرردًا بموافقة تامة :
- حاضر.. هعمل كل اللي تقولي عليه، وهجيبلك "صافي" تحت رجلك.

وطلب رقمها فاتحًا مكبر الصوت منتظرًا للحظات حتى أتاها صوتها الهلع، ليردد هو بصوت مبتسم تشجيعي :
- الله عليكي يا "صافي".. نفذتي اللي في دماغك، أستاذة.. كده السكة فضيت وتقدري تدخلي حياة "يامن" من جديد.. يعني كده كل ثروة "يامن دويدار" بقت ليكي ولابنك.

أتاه صوت "صافي" المذعور مرددًا :
- أنا ماكنش قصدي.. والله ما كان قصدي يا "ياسر".. أنا كنت بس براقبها، ولما لقيتها نازلة من أوبر فرحانة وطايرة من الفرحة نار الغيرة ولعت في قلبي، مالقيتش نفسي غير بدوس بنزين بجنون وبخبطها بالعربية.. والله ما كان قصدي يا "ياسر".

كان" يامن" يتابع هذا الحديث بنيران تأكل أحشائه وهو يضغط على شفاهه السفلية يأكلها، ليُشير لها "ياسر" أن يهدأ وهو
يتنهد بأسى مصطنع لأجلها مرددًا بتضامن معها :
- إهدي يا "صافي".. إهدي.. إنتي فين أنا جايلك.

صرخت به "صافي" بجنون رافضة:
- مش عايزة حد.. أنا هسافر بره البلد، معايا فيزا للامارات ومن هناك هسافر أوروبا.

اشتعل غضب "يامن" وهو يحرك رأسه بنفي، ليرمقه "ياسر" مطمئنًا وهو يهتف بها بجدية كبيرة :
- بالشكل ده هتتكشفي في المطار، وهيشكوا فيكي.. لازم تهدي عن كده، قوليلي انتي فين بس وأنا هساعدك تخرجي بره البلد، أنا علاقاتي كتير وأنتي عارفة كده كويس.

أخيرًا استسلمت لضغطه "صافي" وأملت عليه العنوان، لينهي "ياسر" الاتصال رافعًا أنظاره نحو "يامن" مرددًا :
- يلا بينا يا "يامن".. أنا عارف المكان ده كويس.

أماء له "يامن" بموافقة وهو يلتفت بأنظاره نحو "سومية" مرددًا برجاء :
- "سومية".. خُدي بالك منها.. إوعي عينك تغفل عنها لحظة واحدة.. ولو حصل أي حاجة اتصلي بيا على طول.

أماءت لها "سومية" بود كبير لينطلق هو نحو الجهة المقصودة صحبة شقيقه.

*****
كانت صافي بغرفتها تجمع ثيابها بهلع شديد وجسد مرتجف وهي تضعها بحقيبة سفرها حتى دق باب شقتها فركضت تنظر من عدسته الكاشفة بذعر شديد، لتجد أمامها "ياسر"، فتحت الباب بلهفة وهي تردد باستجداء كبير :
- الحقني يا " ياسر".. أنا مش عارفة أنا عملت كده إزاي.

تنحى "ياسر" جانبًا ليظهر من خلفه "يامن" الذي أجابها بصفعة قوية من يده رافقت كلماته الغاضبة:
- عشانك بني آدمة زبالة وقذرة.. عشان شيطانك استسلم لشرك ورفعلك القبعة.

اختل توازن "صافي" للحظات وتراجعت للخلف، ليلج "يامن" يتبعه "ياسر"، لتهتف به موبخة :
- إنت ضحكت عليا وسلمتني لأخوك.. أنا وثقت فيك.. بس إنت طلعت زبالة زيه.

صفعة أخرى استقرت على وجنتها، ليشتعل غضبها وهي تدفعه بصدره بقوة صارخة به :
- انت اتجننت.. إزاي تمد إيدك عليا يا زبالة.

دفعها "يامن" للخلف صارخًا بها بجم غضبه:
- الزبالة اللي تخبط إنسانة بريئة بالعربية وتسيبها مرمية في الشارع وتجري، الزبالة اللي الغل والحقد ملا قلبها لدرجة القتل.. الزبالة اللي ترخص نفسها وترميها على إنسان رافض وكاره وجودها أصلًا.

اشتعل غضب "صافي" وتأجج وهي تصرخ به بجنون صائحة :
- أيوه خبطها بالعربية وكنت عايزة اقتلها، ولو عاشت هقتلها تاني وتالت، ولو قربت أي واحدة تانية منك يا "يامن يا دويدار" هقتلها وهشرب من دمها.. لأنك ببساطة حقي أنا.. وكل أملاكك ملكي أنا مفيش مخلوق على وش الأرض ليه حق فيها وفيك غيري.. أنت فاهم.

ولج رجال الشرطة إلى الداخل مرددًا قائدهم بجدية تامة :
- كفاية كده يا أستاذ "يامن".. الاعتراف ده كفيل يخليها تقضي باقي حياتها في السجن.

اتسعت عينا "صافي" صدمة وهي تتراجع للخلف بهذيان صارخة :
- أنا ما عملتش حاجة.. "ياسر" اللي اتفق معايا على كل حاجة.. أنا بريئة.. أنا ما عملتش حاجة.

حاوطها رجال الشرطة مكبلين أيديها بالأصفاد المعدنية يدفعوها نحو الخارج تحت أنظار "يامن" المشتعلة غيظًا وكرهًا لها وللحظات حياته معها، ليتجه نحوه شقيقه بنظرات نادمة كان "يامن" غير مبالي بها وهو يردد بصرامة شديد :
- معتش عايز أشوفك في حياتي ولو صدفة.. إنسى إن ليك أخ موجود على وش الدنيا.. وأنا نسيتك ومسحتك من ذاكرتي.

وتركه "يامن" مغادرًا إلى المشفى مطمئنًا على من ملكت الفؤاد وتوجت على عرشه.

***********
بشقة "مُهاب" بولاية نيوچيرسي ، كانت قوات الشرطة تطوق الغرفة بشريط من البلاستيك الأصفر، ورجال الطب الشرعي منكبة لأسفل تفحص الجثة المفصولة رأسها، والمُمثل بباقي جسدها بوحشية تامة حتى صار أشلاءً متفرقة،أشلاء استحال معها التحقق من هويتها لولا ملامح تلك الرأس المُلقاة إلى جوارها. جمع رجال الطب الشرعي أشلاءه في كيس بلاستيكي أسود ليحملوه مغادرين الشقة، بينما ذم رجل الشرطة فاهه بأسى مردد:
- القضايا مثل هذه دائمًا ما تُقيد ضد مجهول.


تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close