رواية لا أصطفي بالحب غيرك الفصل السابع عشر 17 والاخير بقلم فاطمة علي محمد
بعد مرور خمسة أعوام.
كانت "ميان" بغرفتها تحاول جاهدة أن تغلق سحاب فستانها الأبيض الفضفاض، إلا أن جميع مُحاولاتها قد باءت بالفشل الذريع، لتسحب نفسًا عميقًا وهي تنفض ذراعيها أمامها بتذمر قوي متأففة وصوت هتافها يعلو بعصبية مفرطة :
- "هيلدا".. "هيلدا".
لم يكن لندائها هذا أية إجابة، فزفرت زفرة حارة ساخطة وهي ترفع ساعديها ثانية خلف ظهرها ساحبة ذلك السحاب اللعين بمحاولات شبه مستحيلة ، لتجد يد تمسد يدها برفق وهي ترفع السحاب عاليًا حتى أغلقته تمام، لتصرخ بها باستياء محتد :
- بنادي عليكِ بقالي ساعة، لسه فاكرة تيجي؟
لم تأتيها إجابة صوتية، فقط أنفاس ملتهبة تقترب من عنقها وهو يضمها من الخلف محاوطًا خصرها بذراعيه، وممسدًا على بطنها المنتفخ بحنو مقبلًا ثنايا عنقها باشتياق عاشق هامسًا بعدما استنشق عبقها الذي اشتاقه كثيرًا :
- وحشتيني.
انتفض جسد "ميان" بين ذراعيه بقوة وهي تستدير نحوه بمشقة لأجل بطنها المنتفخ هذا، تعانقه بأشواق ولهة هامسة :
- "يامن"!.. وحشتني قوي .. انت مش عارف أنا كنت مفتقداك إزاي. أنا كنت هتجنن عليك.. أول مرة أحس بوحدة وغربة وانت بعيد عني بالشكل ده .
ابتعد عنها "يامن" بصدمة يرمقها وهو يرفع أحد حاجبيه هاتفًا باستنكار :
- وحشتك؟!.. أومال مين اللي ماكنتش طايقاني إمبارح؟!.. مين اللي اتخانقت معايا وقالتلي ابعد عني مش طايقاك؟! .
لم تكترث لسؤاله هذا ولا لحديثه بالأساس، بل ألقت رأسها نحو صدره تتوسده وهي تستنشق عبق عطره الآسر باشتياق أكثر مرددة :
-البرفيوم بتاعك ده يجنن، مخليني عايزة أبقى في حضنك طول اليوم ، وحشتني ريحتك قوي يا "يامن".
كست الصدمة قسمات وجه "يامن" وهو يضيق أعينيه بتوجس وحذر شديدين بانتظار العاصفة التي تلحق هذا السكون، ليردد بجدية مصطنعة :
- مش ده البرفيوم نفسه اللي ما كنتيش طايقاه إمبارح ولا أنا بيتهيألي؟.. دا أنا افتكرت وأنا بحضنك وكنت هجري بعيد عنك.
ليأتيه صوت ذكوري متهكم من خلفه :
- لا يا بابا .. ده بقا العادي بتاعها اليومين دول، وبعدين خُد من التقلبات دي كتير الفترة الجاية بقا.
استدار "يامن" نحو صاحب الصوت مرددًا باستنكار شديد :
- هرمونات برضه؟!
تعالت ضحكات الصغير تملأ أرجاء الغرفة حوله وهو يردد بإجابة صريحة لسؤال "يامن" :
- أكيد .. أومال لو كنت شفتها إمبارح وهي بتجري في البيت كله ورا "لي لي" عشان تاخد منها الصلصال بتاعها وتاكله، وطبعًا هسيب خيالك يرسملك شكل المعركة كانت عاملة إزاي!
اتسعت عينا "يامن" صدمة وهو يستدير نحوها بذهول نحت قسماته هاتفًا باستنكار:
- صلصال يا "ميان"؟! عايزة تاكلي صلصال؟.. لا ومش أي صلصال، ده صلصال "لي لي".. يعني عاملة دماغك بدماغ عيلة صغيرة.
زوت " ميان" ما بين حاجبيها بامتعاض شديد وهي تردد مستنكرة :
- ياي.. صلصال ايه ده يا "يامن" اللي أنا أكله؟ انت هتصدق برضه كلام ابنك وتكذبني أنا؟
انفرجت إبتسامة متهكمة من ثغر "يامن" وهو يحرك رأسه بسخرية مرددًا بتكهم شديد:
- لا طبعًا.. ودي تيجي يا حبيبتي؟ أكذبك أنتِ وأصدق ابني.. ده كلام برضه؟
حاوطت "ميان" خصره بذراعها وهي تتوسد صدره مرة ثانية مرددة بعشق جارف :
- أنا بحبك قوي يا "يامن"، ومقدرش أتخيل حياتي دي من غيرك.. إوعي تسيني في يوم عشان شكلي كعبر كده وأنا حامل.
شدد من ضمها إليه بعشق متيم وهو يقبل جبينها هامسًا بولهٍ شديذ :
- و "يامن" ما اختارش يحب حد في الدنيا غيرك، وإنتي في عيني أجمل ستات الدنيا كلها، ولو بعد ميت سنة هتفضلي أجمل ست في الكون.
ليجد من تركض نحوه قاطعةً تلك اللحظة العاطفية وهي تهتف بسعادة رافعة كلا يديها نحوه بدعوة صريحة منها بحملها :
- بابي.
ابتعد عن "ميان" قليلًا وهو يدنو بجذعه نحو أميرته الصغيرة بسعادة غامرة يحملها بين ذراعيه بعشق مرددًا :
- قلب بابي.
أسكنها أعلى ساعده نحو قلبه يحملها، لتقترب من وجنته تجذب لحيته الخفيفة فتقربها منها كثيرًا، دامغة قبلة هادئة بها برقة شديدة، ليتمسك "يامن" بموضع قلبه مرددًا بسعادة غامرة وهو يغمض عينيه :
- قلبي..أنا مش قد البوسة دي يا "ليا" ، ولا قد الرقة دي كلها.
لكمة قوية من "ميان" بصدره جعلته يفتح عينيه بصدمة متأوهًا، لتهتف به متذمرة:
- أنا بغير على فكرة، وبعدين بلاش وصلة الرومانسية دي، مش عارفة البنت دي طلعة كده لمين؟!
ضيق" يامن" أحداقه بمكر مرددًا بخبث شديد:
- أقولك طلعة لمين.
رمقته "ميان" بنظرة حانقة وهي تزفر بقوة، بينما كان هناك من يركض نحوها ويحتضنها بحنو شديد وهو يردد برجولة:
- خليكِ معايا أنا يا ماما وخالي بابا بقا ياخد البنات الزنانة دي.
رفع "يامن" أحد حاجبيه مستنكرًا وهو يردد متهكمًا :
- يا راجل!.. بنات زنانة؟!..طب و "لي لي"؟ .
قطب الصغير جبينه بتذمر شديد وهو يردد حانقًا بتأفف:
- ما تفكرنيش بقا يا بابا، دي كل ما تشوف وشي تقولي هات يا "چاد"، ودي يا "چاد" كأنها اشترتني من السوبر ماركت مخصوص عشان أنفذ كل طلباتها، أو كأني جني المصباح اللي هيحقق لها كل أحلامها.
لم يُنهي" چاد" حديثه حتى علا صوتها المغناچ بالأرجاء يردد اسمه برقة بالغة :
- "چاد".
لوح الصغير بيده في الهواء وهي يهرول مبتعدًا عن والدته مغمغمًا باستياء قوي :
- شوف بقا بناتك دي يا سي بابا لأنهم طول ما حضرتك مسافر وهما بيشتغلوني كأن مفيش غيري في البيت.
ودنا بأنظاره من بطن والدته المنتفخ مستطردًا بتذمره الشديد هذا:
- وبعدين سي "آدم" هيشرف إمتى بقا عشان يتحمل معايا مسئولية إخواتنا دول؟ .. أنا مش هفضل في الوضع ده كده لوحدي كتير.
انفرجت ابتسامة خفيفة بثغر "يامن" وهو يمسد على بطن معشوقته بحنين دام لأعوام هامسًا باشتياق جارف لهذا الطفل الذي يتمنى من المولى أن يكون عوضًا له عن ابنه الذي فقده منذ خمسة أعوام، والذي عوضه عن غيابه هذا بعض الشيء وجود "چاد" بحياته بعدما استرده بواسطة علاقاته الدبلوماسية بسفير ما ، ليردد بنبرة شجنة:
- كلها شهرين بالظبط وينور حياتنا بالسلامة.
والتفت بأنظاره نحو "چاد" مستطردًا بعطف قوي ومحبة صادقة :
- و انت يا "چاد" لازم تاخد بالك منه زي ما بتاخد بالك من إخواتك البنات ومامتك وأنا مسافر، إنت راجل البيت في غيابي، وحتى لما "آدم" يوصل بالسلامة أنت أخوه الكبير اللي يحافظ عليه ويحميه من أي أذى ممكن يمسه.
وبسط يده تجاهه وتجاه شقيقته "لي لي" التي حملها "چاد" منضمًا إليهم جوار والدته التي توسطتهم جميعًا، فكان "يامن" و "ليا" بيمينها، و"چاد" و "لي لي" على يسارها، لتأتيها ركلة قوية من قدم "آدم" منوهًا عن قرب قدومه وانضمامه لعائلته الجميلة، العائلة التي احتضنها "يامن" بنظراته المتيمة وهو يتنهد بقوة متضرعًا إلى الله أن يرعاها بعينه التي لاتنام وأن يزرع حبهم لبعضهم البعض بقلوبهم ويحفظهم من كيد كل كائد ، لتقتحم عليهم لحظتهم الخاصة هذه "چوليا" بأناقتها ورشاقتها اللافتة، والتي ما أن ولجت من باب الغرفة ورمقتهم هكذا حتى اتسعت عيناها صدمة مصطنعة وهي تركض نحوهم مهللة بتذمر واستياء :
- خيانة! متجمعين هنا من غيري؟ ولا كأني واحدة من العيلة، ماكانش ده العشم يا عمو.
وركضت إلى أحضان عمها مندفعة بقوة، ليضمها هو نحو صدره بحنو أبوي مرددًا بتهكم:
-وده كلام يا "چولي" دا انتي أميرة العيلة دي، وبعدين مين اللي يبوظ علينا اللحظات الحلوة يعني؟!
- أنا.
انطلق بها صوت "يامن" يدوي بأرجاء الغرفة برجولة رخيمة، فقد أصبح الآن شابًا وسيمًا تتهافت عليه جميع الفتيات خاطبين وده، إلا أنه غير مبالي بكل هذه التوددات الكاذبة، فقلبه معلق بفتاة واحدة فقط، ليركض نحو "چاد" محاوطًا إياه بذراعه بإيخاء شديد، مستطردًا بسعادة:
-دأنا تخصص إفساد اللحظات الحلوة يا فنان، ولا نسيت.
- لو سمحت.. كلمة فنان دي بتاعتي أنا.
هتفت بها "سومية" بابتسامة واسعة وهي تقف بباب الغرفة متخصرة بكلتا يديها بتذمر طفولي قبل أن تتنهد بقوة والجة إليهم بسعادة غامرة، احتضنت "ميان" بحنو وحب بالغين فقد أصبحت لها الآن أكثر من شقيقة وصديقة وكاتمة أسرار ، استقرت جوار "ميان" تمد يدها نحو "يامن" مصافحة إياه بحرارة فرحة وهي تهنئه بفخر كبير مرددةً :
- مبروك الجايزة يا فنان، أيوه كده رفعت راسنا وسط العالم كله.
اتسعت عينا "ميان" دهشة وهي ترمقها متسائلة بسعادة :
- أخدها يا "سوما"؟
أومأت لها برأسها مرددة بسعادة غامرة :
- الخبر وصلنا الجريدة من ساعة بالظبط، ما تعرفيش مدى الفخر اللي كنت حاسة بيه وسط زمايلي ورئيس التحرير بيبلغني الخبر وبيهنيني .
ضيقت "ميان" أحداقها بحنق شديد وهي تستدير نحوه بكامل جسدها مرددة بتساؤل مستنكر:
- انت كنت عارف الموضوع ده ؟!
تنهد "يامن" براحة وهو يومأ لها برأسه مرددًا بابتسامة واسعة :
- اتصلوا بيّا إمبارح بليل وبلغوني الخبر، وعلى آخر الشهر فيه حفلة في أمريكا لازم أحضرها عشان اتكرم واستلم الجايزة.
تدلى فكها صدمة وهي ترمقه بغضب شديد هاتفةً باستنكار قوى :
- وسايبنا على عمانا من إمبارح يا "يامن".. إنت بتهزر صح؟!.. دي أهم جايزة في العالم في مجالك يا أستاذ، يعني المفروض تتنطط من الفرحة لما تاخدها وخصوصاً لما تكون جايزة بالقوة والسمعة دي، يعني مفيهاش أي شبهة، لا حد يقدر يقول شاريها بفلوسه، ولا حد يقدر يقول دي كوسة.. انت مستوعب الفكرة؟
ابتسم يامن" ابتسامة حانية وهو يطوف عائلته بأنظار ممتنة مرددًا برضا تام :
- انتوا اللي أهم جايزة في حياتي يا" ميان".. لمتكوا دي ودفا الحضن ده بمليون جايزة، وبمليون فرحة.. إنتوا أهم حاجة في حياتي كلها
لتنضما إليهم "هيلدا" و "أفيا" متسمرين بباب الغرفة وعلامات الحزن والشجن تكسو ملامحهن كما أصواتهن :
- ونحن سيدي؟.. ألم نصبح فردًا من أفراد عائلتكم بعد؟
انفرجت ابتسامة "يامن" الودودة وهو يُشير لهن بيده أن تنضما إليهم مرددًا بابتسامة واسعة:
- وأنتن يا فتيات.. لقد أصبحتن بالفعل فردًا أساسيًا من أفراد عائلة "دويدار".. تقدمن.
ركضت الفتاتان نحوهم بسعادة غامرة قد سكنت قلوبهم جميعًا، وتعالت الضحكات المدوية بأرجاء الغرفة، ليظهر طيف "ميرڨت" المبتسم بسعادة حولهم، طيف اتسعت لأجله ابتسامة "ميان" وهي ترى والدتها التي دائمًا ما تزورها بأحلامها لتطمئن عليها وعلى أبنائها، بينما شردت "سومية" في زوجها التي جهلت أخباره طوال تلك السنوات الخمس الماضية، أو هذا ما اعتقده هو فهي تراقب كل تحركاته بعزلته التي اختار واحة سيوة لتكون مستقرًا له، فقد بات ابنًا بارًا لها، يعمل بتلقيح النخيل وتهذيبه.
بينما ضم "يامن" معشوقته إلى صدره بعشق جارف متنهدًا براحة سرعان ما تبددت ما أن علا صوت صراخها بأرجاء الغرفة وهي تتمسك بموضع جنينها صارخة بألم شديد :
- آه.. الحقني يا "يامن".. شكلي بولد.
اتسعت عينا "يامن" صدمة وظهر الهلع والخوف عليه جليًا وهو يمسد بطنها بيد مرتجفة مرددًا باستنكار شديد:
- تولدي إزاي وانتي لسه في السابع؟!
قضمت شفاهها بألم شديد وهي تستند عليه صارخة به بتوبيخ شديد :
- ده وقت أسئلة.. وديني المستشفى حالًا.
حاوطتها "سومية" بذراعها هاتفة به وهي تنظر بركة المياه أسفلها:
-بسرعة يا "يامن" شكلها ولادة فعلًا.
ابعد "يامن" صغاره بهلع شديد وهو يدنو من معشوقته يحملها بين ذراعيه صارخًا بـ "هيلدا" و "آفيا" :
- خُدوا بالكوا من الولاد.
وركض بـزوجته مغادرًا تتبعه "سومية" بعدما رددت بصرامة :
- "چوليا" حضري شنطة البيبي وحصلينا انتي و "يامن".. خالي "هيلدا" تساعدك أكيد هي عارفة مكان كل حاجة.
أماءت لها "چوليا" برأسها بتوتر شديد وهي تركض نحو خزانة "ميان" تُحضر ما طلبته "سومية" منها.
صرخات "ميان" المتألمة اربكت "يامن" وأرهبته طوال الطريق إلى المشفى، إلا أنه تفادى أكثر من حادثٍ مؤكد حتى توقف أمام المشفى مترجلًا عن سيارته يتجه نحو المقعد الخلفي للسيارة يفتح بابه ويحملها بين ذراعيه راكضًا إلى الداخل نحو غرفة العمليات التي جهزها الطبيب بعدما تواصلت معه "سومية" وأخبرته بتفاصيل الحالة وعلامات الولادة المبكرة.
استقبل طاقم التمريض "يامن" بممر غرفة العمليات بسرير نقال يدفعونه أمامهم، ليضع أعلاه "ميان" بهلع شديد وهو يتمسك بيدها بقوة، لتهتف به باستجداء باكٍ:
- الحقني يا "يامن".. "آدم" يا "يامن".. خليهم ياخدوا بالهم منه ويحافظوا عليه.. هو أهم مني يا "يامن".. إوعى تدخل معايا أوضة العمليات، بالله عليك أنا مش متحملة أشوفك منهار زي المرة اللي فاتت.. إوعى يا "يامن".
تسمرت أقدام "يامن" بأرضية الممر بهلع شديد وأصداء صوتها تعلو بمسامعه وهو يراقب إغلاق باب غرفة العمليات وتواريها عن أعينه تمامًا.
اقتربت منه" سومية" تطمئنه وهي تأخذ بيده نحو أحد المقاعد مرددة بود شديد :
- اهدى يا "يامن" هي و"آدم" هيكونوا كويسين بإذن الله.. ارتاح وادعيلهم يخرجولنا بالسلامة وكل حاجة هتكون بخير
بإذن الله.
لم يستمع لحرف واحد تفوهت به "سومية" فكامل تركيزه متجهًا صوب تلك الغرفة التي تضم أحلام عمره كلها، معشوقته وزوجته وكل دنياه، وعوضه الذي طال انتظاره لخمس أعوامٍ كاملة، ليخرج إليه الطبيب بعد دقائق طويلة وعلامات الحزن تكسو ملامحه، ليركض نحوه "يامن" هاتفًا باستجداء :
- طمني يا دكتور.
حرك الطبيب رأسه بأسف مرددًا :
- للأسف الولادة متعثرة ولازم تدخل جراحي، ولادة طبيعي مش هتنفع معاها، لازم الولادة قيصرية.
حرك "يامن" رأسه بقوة مرددًا بثبات شديد ينافي غليان قلبه :
- مش مهم نوع الولادة، المهم يكونوا كويسين.
أماء له الطبيب براحة مرددًا :
- بإذن الله.. قول يارب.
و استدار متجهًا نحو غرفة العمليات ليستوقفه صوت "يامن" الشجن :
- أهم حاجة "ميان" وسلامتها يا دكتور حتى لو..
وابتلع غصة مريرة بحلقه، ليردد الطبيب مطمئنًا وهو يستدير نحوه :
- بإذن الله الإتنين هيخرجوا بألف سلامة.. ماتقلقش.
ولج الطبيب وتقهقر "يامن" للخلف حتى اصطدمت ساقيه بطرف المقعد فانزلق أعلاه سامحًا لجسده بالتهاوي وهو يتوقع أسوأ الأحداث وقلبه يحترق بنار الفراق مرة أخرى، لتقرب منه "سومية" مرددة بمؤازرة شديدة :
- والله هيخرجوا لنا بالسلامة، وهتشيل "آدم" بين ايديك وهتحضنه وتكبر في ودانه بصوتك الحلو ده.. وشوية وهتقول "سومية" قالت.
تنهد "يامن" بقوة وهو يسبل أجفانه مرددًا بتضرع شديد للمولى عزوجل:
- يارب.. يارب ألطف بيهم يارب.
*****
بعد مرور ساعة كاملة، كانت "ميان" ترقد بفراش كلون السماء الصافية، ممتلئة بجميع البالونات الزرقاء والبيضاء واسم "آدم" يزين الحائط المقابل لها هي وصغيرها الذي احتضنه "يامن" بقوة يستنشق رائحته التي باتت أقوى هرمونات السعادة بالعالم، ليبدا برفع صوت الآذان بالقرب من أذنه.
لحظات أخرى وكانت الغرفة تعج بالجميع حولهم، فـ "چاد" وشقيقاته رفضوا البقاء بالمنزل وقرروا مرافقة "چوليا" و "يامن" ليكونوا في استقبال شقيقهم المشاغب الذي قرر الانضمام لهم مبكرًا عن موعده الأصلي بشهرين كاملين، كما رافقتهم "هيلدا" و "آفيا" للاطمئنان علي صحة سيدتهم.
ركض الجميع نحو "يامن" مهللين وهم يطوفون ملامح الصغير بحب كبير وسعادة بالغة سطعت على قسماتهم وبرقت بأحداقهم، لتردد "چوليا" بإعجاب شديد :
- so cute.
وهتف "يامن" بحب كبير :
- ده شبهي قوي.
هتف "چاد" بغيرة طفيفة :
- لا.. ده شبهي أنا بقا.
وهتفت الفتيات كذلك، ليقدم "يامن" "آدم" إلى "سومية" و يستدير متجهًا صوب سرير معشوقته التي كانت تتابع كل هذا بوهن شديد، ليجلس بطرف الفراش إلى جوارها محتضنًا إياها بسعادة مرددًا :
- حمد الله على سلامتك يا حبيبتي.
أماءت له برأسها بضعف، ليشدد من احتضانها بحنو شديد وهو يهمس إلى جوارها بولهٍ متيم :
-أحبك.. ولا أصطفي بالحب غيرك، فكلهن عندي هباء، والعالم دونك فناء، أنتِ الشريان النابض بقلبي، أنتِ نبض حياتي، ومقود أيامي.
تمت بحمد الله وتوفيقه.
فاطمة علي محمد.
كانت "ميان" بغرفتها تحاول جاهدة أن تغلق سحاب فستانها الأبيض الفضفاض، إلا أن جميع مُحاولاتها قد باءت بالفشل الذريع، لتسحب نفسًا عميقًا وهي تنفض ذراعيها أمامها بتذمر قوي متأففة وصوت هتافها يعلو بعصبية مفرطة :
- "هيلدا".. "هيلدا".
لم يكن لندائها هذا أية إجابة، فزفرت زفرة حارة ساخطة وهي ترفع ساعديها ثانية خلف ظهرها ساحبة ذلك السحاب اللعين بمحاولات شبه مستحيلة ، لتجد يد تمسد يدها برفق وهي ترفع السحاب عاليًا حتى أغلقته تمام، لتصرخ بها باستياء محتد :
- بنادي عليكِ بقالي ساعة، لسه فاكرة تيجي؟
لم تأتيها إجابة صوتية، فقط أنفاس ملتهبة تقترب من عنقها وهو يضمها من الخلف محاوطًا خصرها بذراعيه، وممسدًا على بطنها المنتفخ بحنو مقبلًا ثنايا عنقها باشتياق عاشق هامسًا بعدما استنشق عبقها الذي اشتاقه كثيرًا :
- وحشتيني.
انتفض جسد "ميان" بين ذراعيه بقوة وهي تستدير نحوه بمشقة لأجل بطنها المنتفخ هذا، تعانقه بأشواق ولهة هامسة :
- "يامن"!.. وحشتني قوي .. انت مش عارف أنا كنت مفتقداك إزاي. أنا كنت هتجنن عليك.. أول مرة أحس بوحدة وغربة وانت بعيد عني بالشكل ده .
ابتعد عنها "يامن" بصدمة يرمقها وهو يرفع أحد حاجبيه هاتفًا باستنكار :
- وحشتك؟!.. أومال مين اللي ماكنتش طايقاني إمبارح؟!.. مين اللي اتخانقت معايا وقالتلي ابعد عني مش طايقاك؟! .
لم تكترث لسؤاله هذا ولا لحديثه بالأساس، بل ألقت رأسها نحو صدره تتوسده وهي تستنشق عبق عطره الآسر باشتياق أكثر مرددة :
-البرفيوم بتاعك ده يجنن، مخليني عايزة أبقى في حضنك طول اليوم ، وحشتني ريحتك قوي يا "يامن".
كست الصدمة قسمات وجه "يامن" وهو يضيق أعينيه بتوجس وحذر شديدين بانتظار العاصفة التي تلحق هذا السكون، ليردد بجدية مصطنعة :
- مش ده البرفيوم نفسه اللي ما كنتيش طايقاه إمبارح ولا أنا بيتهيألي؟.. دا أنا افتكرت وأنا بحضنك وكنت هجري بعيد عنك.
ليأتيه صوت ذكوري متهكم من خلفه :
- لا يا بابا .. ده بقا العادي بتاعها اليومين دول، وبعدين خُد من التقلبات دي كتير الفترة الجاية بقا.
استدار "يامن" نحو صاحب الصوت مرددًا باستنكار شديد :
- هرمونات برضه؟!
تعالت ضحكات الصغير تملأ أرجاء الغرفة حوله وهو يردد بإجابة صريحة لسؤال "يامن" :
- أكيد .. أومال لو كنت شفتها إمبارح وهي بتجري في البيت كله ورا "لي لي" عشان تاخد منها الصلصال بتاعها وتاكله، وطبعًا هسيب خيالك يرسملك شكل المعركة كانت عاملة إزاي!
اتسعت عينا "يامن" صدمة وهو يستدير نحوها بذهول نحت قسماته هاتفًا باستنكار:
- صلصال يا "ميان"؟! عايزة تاكلي صلصال؟.. لا ومش أي صلصال، ده صلصال "لي لي".. يعني عاملة دماغك بدماغ عيلة صغيرة.
زوت " ميان" ما بين حاجبيها بامتعاض شديد وهي تردد مستنكرة :
- ياي.. صلصال ايه ده يا "يامن" اللي أنا أكله؟ انت هتصدق برضه كلام ابنك وتكذبني أنا؟
انفرجت إبتسامة متهكمة من ثغر "يامن" وهو يحرك رأسه بسخرية مرددًا بتكهم شديد:
- لا طبعًا.. ودي تيجي يا حبيبتي؟ أكذبك أنتِ وأصدق ابني.. ده كلام برضه؟
حاوطت "ميان" خصره بذراعها وهي تتوسد صدره مرة ثانية مرددة بعشق جارف :
- أنا بحبك قوي يا "يامن"، ومقدرش أتخيل حياتي دي من غيرك.. إوعي تسيني في يوم عشان شكلي كعبر كده وأنا حامل.
شدد من ضمها إليه بعشق متيم وهو يقبل جبينها هامسًا بولهٍ شديذ :
- و "يامن" ما اختارش يحب حد في الدنيا غيرك، وإنتي في عيني أجمل ستات الدنيا كلها، ولو بعد ميت سنة هتفضلي أجمل ست في الكون.
ليجد من تركض نحوه قاطعةً تلك اللحظة العاطفية وهي تهتف بسعادة رافعة كلا يديها نحوه بدعوة صريحة منها بحملها :
- بابي.
ابتعد عن "ميان" قليلًا وهو يدنو بجذعه نحو أميرته الصغيرة بسعادة غامرة يحملها بين ذراعيه بعشق مرددًا :
- قلب بابي.
أسكنها أعلى ساعده نحو قلبه يحملها، لتقترب من وجنته تجذب لحيته الخفيفة فتقربها منها كثيرًا، دامغة قبلة هادئة بها برقة شديدة، ليتمسك "يامن" بموضع قلبه مرددًا بسعادة غامرة وهو يغمض عينيه :
- قلبي..أنا مش قد البوسة دي يا "ليا" ، ولا قد الرقة دي كلها.
لكمة قوية من "ميان" بصدره جعلته يفتح عينيه بصدمة متأوهًا، لتهتف به متذمرة:
- أنا بغير على فكرة، وبعدين بلاش وصلة الرومانسية دي، مش عارفة البنت دي طلعة كده لمين؟!
ضيق" يامن" أحداقه بمكر مرددًا بخبث شديد:
- أقولك طلعة لمين.
رمقته "ميان" بنظرة حانقة وهي تزفر بقوة، بينما كان هناك من يركض نحوها ويحتضنها بحنو شديد وهو يردد برجولة:
- خليكِ معايا أنا يا ماما وخالي بابا بقا ياخد البنات الزنانة دي.
رفع "يامن" أحد حاجبيه مستنكرًا وهو يردد متهكمًا :
- يا راجل!.. بنات زنانة؟!..طب و "لي لي"؟ .
قطب الصغير جبينه بتذمر شديد وهو يردد حانقًا بتأفف:
- ما تفكرنيش بقا يا بابا، دي كل ما تشوف وشي تقولي هات يا "چاد"، ودي يا "چاد" كأنها اشترتني من السوبر ماركت مخصوص عشان أنفذ كل طلباتها، أو كأني جني المصباح اللي هيحقق لها كل أحلامها.
لم يُنهي" چاد" حديثه حتى علا صوتها المغناچ بالأرجاء يردد اسمه برقة بالغة :
- "چاد".
لوح الصغير بيده في الهواء وهي يهرول مبتعدًا عن والدته مغمغمًا باستياء قوي :
- شوف بقا بناتك دي يا سي بابا لأنهم طول ما حضرتك مسافر وهما بيشتغلوني كأن مفيش غيري في البيت.
ودنا بأنظاره من بطن والدته المنتفخ مستطردًا بتذمره الشديد هذا:
- وبعدين سي "آدم" هيشرف إمتى بقا عشان يتحمل معايا مسئولية إخواتنا دول؟ .. أنا مش هفضل في الوضع ده كده لوحدي كتير.
انفرجت ابتسامة خفيفة بثغر "يامن" وهو يمسد على بطن معشوقته بحنين دام لأعوام هامسًا باشتياق جارف لهذا الطفل الذي يتمنى من المولى أن يكون عوضًا له عن ابنه الذي فقده منذ خمسة أعوام، والذي عوضه عن غيابه هذا بعض الشيء وجود "چاد" بحياته بعدما استرده بواسطة علاقاته الدبلوماسية بسفير ما ، ليردد بنبرة شجنة:
- كلها شهرين بالظبط وينور حياتنا بالسلامة.
والتفت بأنظاره نحو "چاد" مستطردًا بعطف قوي ومحبة صادقة :
- و انت يا "چاد" لازم تاخد بالك منه زي ما بتاخد بالك من إخواتك البنات ومامتك وأنا مسافر، إنت راجل البيت في غيابي، وحتى لما "آدم" يوصل بالسلامة أنت أخوه الكبير اللي يحافظ عليه ويحميه من أي أذى ممكن يمسه.
وبسط يده تجاهه وتجاه شقيقته "لي لي" التي حملها "چاد" منضمًا إليهم جوار والدته التي توسطتهم جميعًا، فكان "يامن" و "ليا" بيمينها، و"چاد" و "لي لي" على يسارها، لتأتيها ركلة قوية من قدم "آدم" منوهًا عن قرب قدومه وانضمامه لعائلته الجميلة، العائلة التي احتضنها "يامن" بنظراته المتيمة وهو يتنهد بقوة متضرعًا إلى الله أن يرعاها بعينه التي لاتنام وأن يزرع حبهم لبعضهم البعض بقلوبهم ويحفظهم من كيد كل كائد ، لتقتحم عليهم لحظتهم الخاصة هذه "چوليا" بأناقتها ورشاقتها اللافتة، والتي ما أن ولجت من باب الغرفة ورمقتهم هكذا حتى اتسعت عيناها صدمة مصطنعة وهي تركض نحوهم مهللة بتذمر واستياء :
- خيانة! متجمعين هنا من غيري؟ ولا كأني واحدة من العيلة، ماكانش ده العشم يا عمو.
وركضت إلى أحضان عمها مندفعة بقوة، ليضمها هو نحو صدره بحنو أبوي مرددًا بتهكم:
-وده كلام يا "چولي" دا انتي أميرة العيلة دي، وبعدين مين اللي يبوظ علينا اللحظات الحلوة يعني؟!
- أنا.
انطلق بها صوت "يامن" يدوي بأرجاء الغرفة برجولة رخيمة، فقد أصبح الآن شابًا وسيمًا تتهافت عليه جميع الفتيات خاطبين وده، إلا أنه غير مبالي بكل هذه التوددات الكاذبة، فقلبه معلق بفتاة واحدة فقط، ليركض نحو "چاد" محاوطًا إياه بذراعه بإيخاء شديد، مستطردًا بسعادة:
-دأنا تخصص إفساد اللحظات الحلوة يا فنان، ولا نسيت.
- لو سمحت.. كلمة فنان دي بتاعتي أنا.
هتفت بها "سومية" بابتسامة واسعة وهي تقف بباب الغرفة متخصرة بكلتا يديها بتذمر طفولي قبل أن تتنهد بقوة والجة إليهم بسعادة غامرة، احتضنت "ميان" بحنو وحب بالغين فقد أصبحت لها الآن أكثر من شقيقة وصديقة وكاتمة أسرار ، استقرت جوار "ميان" تمد يدها نحو "يامن" مصافحة إياه بحرارة فرحة وهي تهنئه بفخر كبير مرددةً :
- مبروك الجايزة يا فنان، أيوه كده رفعت راسنا وسط العالم كله.
اتسعت عينا "ميان" دهشة وهي ترمقها متسائلة بسعادة :
- أخدها يا "سوما"؟
أومأت لها برأسها مرددة بسعادة غامرة :
- الخبر وصلنا الجريدة من ساعة بالظبط، ما تعرفيش مدى الفخر اللي كنت حاسة بيه وسط زمايلي ورئيس التحرير بيبلغني الخبر وبيهنيني .
ضيقت "ميان" أحداقها بحنق شديد وهي تستدير نحوه بكامل جسدها مرددة بتساؤل مستنكر:
- انت كنت عارف الموضوع ده ؟!
تنهد "يامن" براحة وهو يومأ لها برأسه مرددًا بابتسامة واسعة :
- اتصلوا بيّا إمبارح بليل وبلغوني الخبر، وعلى آخر الشهر فيه حفلة في أمريكا لازم أحضرها عشان اتكرم واستلم الجايزة.
تدلى فكها صدمة وهي ترمقه بغضب شديد هاتفةً باستنكار قوى :
- وسايبنا على عمانا من إمبارح يا "يامن".. إنت بتهزر صح؟!.. دي أهم جايزة في العالم في مجالك يا أستاذ، يعني المفروض تتنطط من الفرحة لما تاخدها وخصوصاً لما تكون جايزة بالقوة والسمعة دي، يعني مفيهاش أي شبهة، لا حد يقدر يقول شاريها بفلوسه، ولا حد يقدر يقول دي كوسة.. انت مستوعب الفكرة؟
ابتسم يامن" ابتسامة حانية وهو يطوف عائلته بأنظار ممتنة مرددًا برضا تام :
- انتوا اللي أهم جايزة في حياتي يا" ميان".. لمتكوا دي ودفا الحضن ده بمليون جايزة، وبمليون فرحة.. إنتوا أهم حاجة في حياتي كلها
لتنضما إليهم "هيلدا" و "أفيا" متسمرين بباب الغرفة وعلامات الحزن والشجن تكسو ملامحهن كما أصواتهن :
- ونحن سيدي؟.. ألم نصبح فردًا من أفراد عائلتكم بعد؟
انفرجت ابتسامة "يامن" الودودة وهو يُشير لهن بيده أن تنضما إليهم مرددًا بابتسامة واسعة:
- وأنتن يا فتيات.. لقد أصبحتن بالفعل فردًا أساسيًا من أفراد عائلة "دويدار".. تقدمن.
ركضت الفتاتان نحوهم بسعادة غامرة قد سكنت قلوبهم جميعًا، وتعالت الضحكات المدوية بأرجاء الغرفة، ليظهر طيف "ميرڨت" المبتسم بسعادة حولهم، طيف اتسعت لأجله ابتسامة "ميان" وهي ترى والدتها التي دائمًا ما تزورها بأحلامها لتطمئن عليها وعلى أبنائها، بينما شردت "سومية" في زوجها التي جهلت أخباره طوال تلك السنوات الخمس الماضية، أو هذا ما اعتقده هو فهي تراقب كل تحركاته بعزلته التي اختار واحة سيوة لتكون مستقرًا له، فقد بات ابنًا بارًا لها، يعمل بتلقيح النخيل وتهذيبه.
بينما ضم "يامن" معشوقته إلى صدره بعشق جارف متنهدًا براحة سرعان ما تبددت ما أن علا صوت صراخها بأرجاء الغرفة وهي تتمسك بموضع جنينها صارخة بألم شديد :
- آه.. الحقني يا "يامن".. شكلي بولد.
اتسعت عينا "يامن" صدمة وظهر الهلع والخوف عليه جليًا وهو يمسد بطنها بيد مرتجفة مرددًا باستنكار شديد:
- تولدي إزاي وانتي لسه في السابع؟!
قضمت شفاهها بألم شديد وهي تستند عليه صارخة به بتوبيخ شديد :
- ده وقت أسئلة.. وديني المستشفى حالًا.
حاوطتها "سومية" بذراعها هاتفة به وهي تنظر بركة المياه أسفلها:
-بسرعة يا "يامن" شكلها ولادة فعلًا.
ابعد "يامن" صغاره بهلع شديد وهو يدنو من معشوقته يحملها بين ذراعيه صارخًا بـ "هيلدا" و "آفيا" :
- خُدوا بالكوا من الولاد.
وركض بـزوجته مغادرًا تتبعه "سومية" بعدما رددت بصرامة :
- "چوليا" حضري شنطة البيبي وحصلينا انتي و "يامن".. خالي "هيلدا" تساعدك أكيد هي عارفة مكان كل حاجة.
أماءت لها "چوليا" برأسها بتوتر شديد وهي تركض نحو خزانة "ميان" تُحضر ما طلبته "سومية" منها.
صرخات "ميان" المتألمة اربكت "يامن" وأرهبته طوال الطريق إلى المشفى، إلا أنه تفادى أكثر من حادثٍ مؤكد حتى توقف أمام المشفى مترجلًا عن سيارته يتجه نحو المقعد الخلفي للسيارة يفتح بابه ويحملها بين ذراعيه راكضًا إلى الداخل نحو غرفة العمليات التي جهزها الطبيب بعدما تواصلت معه "سومية" وأخبرته بتفاصيل الحالة وعلامات الولادة المبكرة.
استقبل طاقم التمريض "يامن" بممر غرفة العمليات بسرير نقال يدفعونه أمامهم، ليضع أعلاه "ميان" بهلع شديد وهو يتمسك بيدها بقوة، لتهتف به باستجداء باكٍ:
- الحقني يا "يامن".. "آدم" يا "يامن".. خليهم ياخدوا بالهم منه ويحافظوا عليه.. هو أهم مني يا "يامن".. إوعى تدخل معايا أوضة العمليات، بالله عليك أنا مش متحملة أشوفك منهار زي المرة اللي فاتت.. إوعى يا "يامن".
تسمرت أقدام "يامن" بأرضية الممر بهلع شديد وأصداء صوتها تعلو بمسامعه وهو يراقب إغلاق باب غرفة العمليات وتواريها عن أعينه تمامًا.
اقتربت منه" سومية" تطمئنه وهي تأخذ بيده نحو أحد المقاعد مرددة بود شديد :
- اهدى يا "يامن" هي و"آدم" هيكونوا كويسين بإذن الله.. ارتاح وادعيلهم يخرجولنا بالسلامة وكل حاجة هتكون بخير
بإذن الله.
لم يستمع لحرف واحد تفوهت به "سومية" فكامل تركيزه متجهًا صوب تلك الغرفة التي تضم أحلام عمره كلها، معشوقته وزوجته وكل دنياه، وعوضه الذي طال انتظاره لخمس أعوامٍ كاملة، ليخرج إليه الطبيب بعد دقائق طويلة وعلامات الحزن تكسو ملامحه، ليركض نحوه "يامن" هاتفًا باستجداء :
- طمني يا دكتور.
حرك الطبيب رأسه بأسف مرددًا :
- للأسف الولادة متعثرة ولازم تدخل جراحي، ولادة طبيعي مش هتنفع معاها، لازم الولادة قيصرية.
حرك "يامن" رأسه بقوة مرددًا بثبات شديد ينافي غليان قلبه :
- مش مهم نوع الولادة، المهم يكونوا كويسين.
أماء له الطبيب براحة مرددًا :
- بإذن الله.. قول يارب.
و استدار متجهًا نحو غرفة العمليات ليستوقفه صوت "يامن" الشجن :
- أهم حاجة "ميان" وسلامتها يا دكتور حتى لو..
وابتلع غصة مريرة بحلقه، ليردد الطبيب مطمئنًا وهو يستدير نحوه :
- بإذن الله الإتنين هيخرجوا بألف سلامة.. ماتقلقش.
ولج الطبيب وتقهقر "يامن" للخلف حتى اصطدمت ساقيه بطرف المقعد فانزلق أعلاه سامحًا لجسده بالتهاوي وهو يتوقع أسوأ الأحداث وقلبه يحترق بنار الفراق مرة أخرى، لتقرب منه "سومية" مرددة بمؤازرة شديدة :
- والله هيخرجوا لنا بالسلامة، وهتشيل "آدم" بين ايديك وهتحضنه وتكبر في ودانه بصوتك الحلو ده.. وشوية وهتقول "سومية" قالت.
تنهد "يامن" بقوة وهو يسبل أجفانه مرددًا بتضرع شديد للمولى عزوجل:
- يارب.. يارب ألطف بيهم يارب.
*****
بعد مرور ساعة كاملة، كانت "ميان" ترقد بفراش كلون السماء الصافية، ممتلئة بجميع البالونات الزرقاء والبيضاء واسم "آدم" يزين الحائط المقابل لها هي وصغيرها الذي احتضنه "يامن" بقوة يستنشق رائحته التي باتت أقوى هرمونات السعادة بالعالم، ليبدا برفع صوت الآذان بالقرب من أذنه.
لحظات أخرى وكانت الغرفة تعج بالجميع حولهم، فـ "چاد" وشقيقاته رفضوا البقاء بالمنزل وقرروا مرافقة "چوليا" و "يامن" ليكونوا في استقبال شقيقهم المشاغب الذي قرر الانضمام لهم مبكرًا عن موعده الأصلي بشهرين كاملين، كما رافقتهم "هيلدا" و "آفيا" للاطمئنان علي صحة سيدتهم.
ركض الجميع نحو "يامن" مهللين وهم يطوفون ملامح الصغير بحب كبير وسعادة بالغة سطعت على قسماتهم وبرقت بأحداقهم، لتردد "چوليا" بإعجاب شديد :
- so cute.
وهتف "يامن" بحب كبير :
- ده شبهي قوي.
هتف "چاد" بغيرة طفيفة :
- لا.. ده شبهي أنا بقا.
وهتفت الفتيات كذلك، ليقدم "يامن" "آدم" إلى "سومية" و يستدير متجهًا صوب سرير معشوقته التي كانت تتابع كل هذا بوهن شديد، ليجلس بطرف الفراش إلى جوارها محتضنًا إياها بسعادة مرددًا :
- حمد الله على سلامتك يا حبيبتي.
أماءت له برأسها بضعف، ليشدد من احتضانها بحنو شديد وهو يهمس إلى جوارها بولهٍ متيم :
-أحبك.. ولا أصطفي بالحب غيرك، فكلهن عندي هباء، والعالم دونك فناء، أنتِ الشريان النابض بقلبي، أنتِ نبض حياتي، ومقود أيامي.
تمت بحمد الله وتوفيقه.
فاطمة علي محمد.
