اخر الروايات

رواية حكايات من قلب الصعيد الفصل الخامس عشر 15 بقلم آية الشربيني

رواية حكايات من قلب الصعيد الفصل الخامس عشر 15 بقلم آية الشربيني



                                              
"حكايات من قلب الصعيد "
بقلم أية علي الشربيني

+


البارت الخامس عشر

+


مليكة كانت نايمة…
بس قلبها مش هادي.
الجو كان ساكت زيادة عن اللزوم،
وفجأة لقت نفسها واقفة في مكان ضيق…
أرضه تراب،
وسقفه واطي كإنه قبر مفتوح.

+
 

                              
حاولت تتحرك…
رجليها تقيلة.
سمعت صوت نفس قريب من ودنها: "إنتِ شوفتي اللي ما كانش لازم يتشاف…"
لفّت بسرعة.
ملقتش حد…
بس قدامها كان في باب خشب قديم،
وعليه علامة محفورة…
نفس العلامة اللي شافتها قبل كده على الطريق.
مدّت إيدها تلمسه…
وفجأة الباب اتفتح،
وطلع منه هوا أسود،

+


                              

                              
وفي وسطه وشّ ست…
ملامحه بتتغير…
مرة بدرة…
ومرة واحدة مش باينة الملامح.
صرخت مليكة: إنتِ مين؟!
الوش قرب… وصوتها طلع متداخل: "إحنا اللي اتسجّلنا ضد مجهول…"
صحيت مليكة مفزوعة،
عرقانة،
وقلبها بيخبط.
بصّت حواليها…
أوضتها زي ما هي.
بس على كف إيدها…
كان في أثر تراب أسود.
همست وهي مرعوبة: ده مش حلم…

+


في المشرحة… سمر كانت لسه فاقدة الوعي، وخميس واقف جنبها، ويده مرتعشة من الرعب اللي شافه قبل كده.
دكتورة هالة خدت نفس عميق، وقالت بصوت حازم:
"هيا نهدّي الوضع شوية… سمر، فوقي؟ ركزي… إحنا هنا معاكي."
سمر فتحت عيونها بشوية صعوبة، ونظرت حواليها وملقتش حد… بس الرعب لسه باين في الممر الطويل والمظلم.

+


خميس قال وهو بيهز راسه:
"والله يا دكتورة… الجو هنا تقيل… المكان مش عادي خالص."

+


دكتورة هالة قالت:
"ماشي، خميس، خليك جنبي… ونروح للموضوع اللي مستنيين عليه."

+


فتحت درج ثلاجة الجثث الرجالة… الأضواء بتتراقص بسبب الكهربا اللي بترتعش…
وفجأة…
عينها وقعت على جثة الفتاة اللي اتقتلت.

+


خميس بقلق سأل:
"دكتورة… إنتِ شايفة حاجة؟… أنا حاسس إن فيه حاجة… حاجة غريبة بتحوم حوالينا."
دكتورة هالة ردّت بصوت هادي لكنها متوترة:
"مش شايفة حاجة… بس… في إحساس… كأن الجثة اللي احنا هنشرّحها… مش في مكانها بالظبط… كأنها… مش موجودة دلوقتي."
سمر رفعت عينها ونظرت حواليها:
"يعني… يعني هي مش في التلاجة؟!"
دكتورة هالة هزّت راسها:
"أيوه… بالظبط… أنا متأكدة إنها كانت هنا… واللحظة دي… إنتو كلكم حاسين باللي بحس بيه… حاجة غريبة… حاجة خفية."

+


دقيقة صمت في المشرحة … وفجأة دخل الدكتور عاصم، نظراته مركزة على الطقم كله وحكو لي كل إلا حصل وقال بصوت هادي:
"مالوش لازمة تتوترو… هنا جثث كتير… طبيعي تحسوا بحاجة غريبة… إحساسكم طبيعي."
خميس وسمر ودكتورة هالة شاوروا لبعض، بس قلبهم كان بيرتعش.
عاصم كمل:
"الموضوع ده طبيعي… بس عايزين نعمل التشريح رسمي… ونحدد الحالة بدقة."
دكتورة هالة ارتاحت شوية، قالت:
"تمام… هنبدا دلوقتي."
سمر خدت نفس عميق وفتحت درج الثلاجة… فجأة، الجثة ظهرت قدامهم بالكامل.
صرخ خميس بخوف:
"إيه ده؟!!"
دكتورة هالة اتفجأت، وسمرت في مكانها… حتى الدكتور هاني دخل بسرعة وبدأ في التشريح…
الهواء بقى تقيل، الضوء يتقطع ويشتعل… وأصوات غريبة خافتة تتردد حوالين المكان…
بس الغريب… إن الحاجات الغريبة دي ما شافهاش غير شخص واحد بس… حد من الطقم حاسس إن الجثة بتحرك نفسها، كأنها بتحاول تقول حاجة، أو تحذر…
من حاجة كانوا مش شايفين أي حاجة… بس الشخص ده… كان بيبص بعين مفتوحة وبيحس بحاجة غريبة بتتحرك حوالينه، وكل حاجة حواليه كانت ساكتة… كأن المكان كله مركز على إحساسه بس.
دكتور هاني بدأ التشريح، والأحداث بدأت تتغير…
الجثة تدي رجفة غريبة فجأة.
أدوات التشريح تتحرك لوحدها خفيف…
ظل يمر من الممرات الضيقة… لكن محدش شايفه… غير الشخص ده…
هو الوحيد اللي حاسس باللي بيحصل… وده زود التوتر والخوف… واللي باقي الطقم شافوه مجرد صمت، ضوء خافت، وضحك خافت من مكان غير معروف…

+


في مكان آخر…
وبالتحديد في منزل همّام الهواري…
كانت مليكة قاعدة في جنينة الدار،
قدّامها الورد، بس عينيها سرحانة بعيد…
كإن عقلها في حتة تانية خالص.
دخل عليها كارم، وقف شوية يراقبها، وبعدين قال بنبرة خفيفة:
إيه اللي واخد عقلك يا صغيرة؟
رفعت عينيها وبصّتله، وقالت بهدوء:
حاجات كتير… حاجات نفسي أفهمها ومش لاقية لها تفسير.
بصّ لها كارم بنظرة فاهم، وصوته اتغيّر شوية:
مليكة… ابعدي عن حكايات الصعيد.
ده بحر… وكلّه خوف،
بلاش تجربي تغوطي فيه واصل يا بنت عمي.
قربت منه شوية، وقالت برجاء واضح:
بس غصب عني دخلت…
يا كارم، في حاجات بتحصل معايا مش بإيدي،
وأنا لازم أفهم.
اتشدّ، وقال باستغراب:
كيف يعني؟
قالت بحذر، وصوتها واطي:
بحلم…
وبشوف حاجات غريبة،
واحدة وشها متغطي ومفيش ليها ملامح،
وواحدة تانية ملامحها باينة… بس تخوّف.
حلم مفهمتوش… بس حسّيته مش حلم وخلاص.
تنفّس كارم بعمق، وقال وهو يحاول يهديها:
ده كوابيس يا مليكة،
عشان شاغلة دماغك بكل اللي بيحصل.
سكتت، ما ردّتش.
قال وهو بيبص لها بتحذير:
بلاش تدوّري في دفاتر جديمة…
في حكايات لو اتفتحت،
مبتتقفلش تاني.
وسابها ومشي…
وهي فضلت مكانها،
بس قلبها ما هداش.
أما في الإسطبل…
كانت ملك واقفة جنب رعد،
بتمسح على رقبته بحنان،
وعينيها مليانة دفء.
جالها صوت من وراها:
عتحبيه؟
لفّت، لقت يونس واقف،
بصّتله وابتسمت بهدوء:
بحبه أوي.
ابتسم يونس، وقال بإعجاب:
يا بختك يا رعد.
اتكسفت ملك شوية، وبعدين قالت:
على فكرة…
سمعت إنك متجوز.
الابتسامة اختفت، وقال بخنقة:
آه…
حست بتغيّره، وقالت بسرعة:
أنا آسفة لو دايقتك.
هز راسه:
لا…
بس الجوازة دي أكبر همّ على قلبي.
سكتت شوية، وبعدين قالت بهدوء:
لو حابب تحكي…
أنا سامعاك.
بصّ لها، وابتسم ابتسامة مكسورة:
إني اتجوزت جوازة صالونات…
بت أخو مرات عمي بهية،
فضلوا ورا أمي لحد ما دبسوني فيها.
ماكنتش راضي،
بس الزنّ خلاني أستسلم.
تنهد وكمل:
طلعت عكس كل اللي قالوه…
حدة،
شايفة نفسها ست الدار من أول يوم،
جشعة،
غيرتها وحشة،
وعمرها ما شبعت… فلوس ودهب وبس.
ومن ساعة الجواز وهي مرمية عند أبوها،
والكل عاوزني أرجّعها،
بس إني…
مرتّاح كده.
سكت لحظة، وبعدين قال بصوت أوطى:
وكلام بيني وبينك…
ناوي أطلّجها.
نظرت له ملك بحزن صادق:
زعلت عليك قوي…
بس يمكن لو حاولتوا تفهموا بعض؟
هز راسه بضيق:
حاولت…
بس مفيش منها صلاح يا بنت عمي.
وفي آخر الإسطبل…
كانت عيون بتراقب…

+
تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close