اخر الروايات

رواية حكايات من قلب الصعيد الفصل السادس عشر 16 بقلم آية الشربيني

رواية حكايات من قلب الصعيد الفصل السادس عشر 16 بقلم آية الشربيني



                                              
حكايات من قلب الصعيد

+


بقلم أية علي الشربيني

+


الفصل السادس عشر

+


عيون بتراقب بمكر...
مسكت التليفون، واتكلمت همس ثواني قليلة،
صوتها واطي بس نبرته مليانة نية سودة...
قفلت المكالمة، وابتسامة خبيثة رسمت على شفايفها.
أما في مكان آخر... وبالتحديد في المشرحة...
خميس واقف جنب درج التلاجة،
قلبه بيرتعش كإنه هيطلع من صدره،
وعينه معلّقة على الجثة اللي ظهرت فجأة.
باقي الطقم واقفين على مسافة،
الدنيا عندهم عادية...
ولا كإن في أي حاجة غلط.
دكتور هاني لبس الجوانتي، وقال بهدوء مهني:
يلا نبدأ التشريح.

+


الدكتورة هالة وسمر وقفوا يراقبوا...
بس اللي بيحصل بعد كده
خميس هو الوحيد اللي شايفه.
الجثة...
إيدها اتحركت حركة خفيفة،
كإنها بتحاول تشير...
مش لأي حد...
له هو.
الضوء في المشرحة قطع وولّع،
بس حوالين خميس بس.
همسات واطية...
ضحك مكتوم...
أصوات قريبة من ودنه،
وهو عارف إن مفيش حد غيره سامع.
حاول يبلع ريقه،
وقال لنفسه: تماسك... تماسك...
سمر قربت منه وقالت باستغراب:
خميس؟
إنت واقف كده ليه؟
حاول يبتسم، بس إيده مسكت قلبه:
مفيش...
كله تمام...
بس... حاسس بحاجة غريبة شوية.
الدكتورة هالة بصّت حواليها، وقالت بجدية:
يلا يا جماعة نكمّل...
مفيش وقت.
بس خميس كان متأكد...
اللي بيحصل مش طبيعي،
وهو الوحيد اللي شايف الحقيقة...
والباقي لسه في الضلمة.
في مكان آخر...
وبالتحديد في قصر الخواجة...
عثمان قاعد لوحده،
سرحان...
بيحاول يقنع نفسه إن اللي شافه امبارح
مجرد خيال.
دخلت عليه مراته نبيلة وقالت بلطف:
مالك يا عثمان؟
سرحان ليه؟
رد وهو شارد:
القصر وحشني...
ريحة أبوي وأمي مالية المكان.
قبل ما أسيبه،
كنت بحب أقعد وسط الأراضي
وأتابع الشغل بنفسي.
قربت منه وقالت:
رجعت أهو يا حبيبي...
وكل حاجة ممكن ترجع زي الأول.
سكت...
وسرح في ذكريات من
خمستاشر سنة فاتوا،
عدّوا...
بس لسه تقال.
في مكان آخر...
وبالتحديد في جنينة بيت الهواري من الخلف...
واقفة ستة مستنية...
وشها متشدّد،
وعينيها نار.
بعد دقائق، دخلت بنت وقالت بعصبية:
مين هي اللي عاوزة تسرق جوزي؟
هدّتها بهية بسرعة:
اهدى يا مخبلة!
دماغك المجفلة دي
هي اللي مودّينا في داهية.
ردت عطر وهي بتغلي:
إنتِ خابرة زين
إن عيني كانت على مين،
وإنتِ اللي جوزتيني يونس!
يونس مش وحش...
بس قافل معايا،
وكل ده عشان بت سليم.
والله ما هتتجوزه...
وهتشوفي.
زعقت بهية بغضب:
اجفلي خاشمك!
ولاد سليم رجعوا،
وبناتهم كيف فلجة الجمر.
واني جولتلك
ترجعي جوزك ليكي
وتجيبي الحفيد وبس.
قالت عطر بغيظ:
أرجعه كيف؟
دماغه حجر!
ردت بهية بمكر:
سيبيه عليّا...
بس افتحي مخك الشين ده،
ويلا امشي...
أحسن حد يشوفنا.
أما في المشرحة...
انتهى التشريح.
وقف دكتور هاني،
وبصّ للجثة بصدمة واضحة وقال:
البنت دي اتعذّبت.
التقرير فيه بلاوي سودا...
لازم أروح لدكتور عاصم فورًا،
الوضع خطير.
في اللحظة دي...
خميس بصّ للجثة.
لقاها
قاعدة...
باصاله...
وعينها في عينه،
وإيدها بتشاور على بطنها.
اتجمّد مكانه.
التفت الكل ليه.
قال دكتور هاني:
خميس؟
مالك؟
بلع ريقه، وقال بصوت مهزوز:
مفيش يا دكتور...
بس متأثر اللي حصلها.
هز دكتور هاني راسه وقال:
أنا هطلع بالتقرير لدكتور عاصم.
إنتِ يا سمر...
وإنت يا خميس...
دخلوا الجثة التلاجة
لحد ما تتغسل وتتدفن.
مسك خميس الدرج...
وهو حاسس
إن اللي شافه لسه
ما خلصش.

+


في المشرحة...
الهدوء كان تقيل، تقيل لدرجة إن صوت نفس خميس كان مسموع.
سمر قفلت درج التلاجة، ومسحت إيديها في الجونتي، وقالت بنبرة عادية:
«يلا يا خميس، نخلص ونطلع... المكان ده بيخنق.»
خميس ما ردّش.
عينه كانت معلّقة على بطن الجثة... نفس المكان اللي كانت بتشاور عليه.
قرب خطوة، قلبه بيدق بعنف.
مدّ إيده وهو بيبلع ريقه:
«سمر... استني ثانية.»
الدكتورة هالة التفتتله: «في إيه تاني يا خميس؟»
خميس بلع خوفه وقال: «مفيش... بس... أنا شاكك في حاجة.»
فتح الجونتي بهدوووء... وضغط بخفة على بطن الجثة.
وفجأة-
صوت طَقّة خفيفة
كأن حاجة جوه اتحركت.
سمر شهقت: «إيه ده؟!»
الدكتورة هالة قربت بسرعة: «ده غاز تحلل طبيعي.»
بس خميس هز راسه لا...
هو عارف.
اللي سمعه مش طبيعي.
بإيده المرتعشة، فتح شق صغير كان مخبي تحت الجلد، ماكانش واضح في التشريح الأول.
وأخرج-
كيس قماش أسود صغير... مربوط بخيط أحمر.
سمر صرخت: «يا نهار أبيض! ده إيه ده؟!»
الدكتورة هالة اتجمدت: «مين اللي يزرع حاجة زي دي جوه جثة؟!»
خميس مسك الكيس...
وفجأة حسّ ببرودة غريبة تسري في صوابعه.
اتفتح الكيس لوحده.
جواه:
حلقة فضة محفور عليها رمز غريب
قصاصة ورق متكرمشة
مكتوب عليها بخط مهزوز:
"اللي شاف... مايسلمش"
وفي اللحظة دي- الأنوار قطعت.
الهواء بقى تقيل.
والجثة... ابتسمت.
خميس وقع الكيس من إيده وهو بيصرخ: «هي مش ميتة... دي كانت شايلة السر... والسر لسه عايش!»
الأنوار رجعت فجأة.
الجثة رجعت ثابتة...
ولا كأن أي حاجة حصلت.
سمر بصّت حوالين نفسها: «إنت بتزعق ليه يا خميس؟»
الدكتورة هالة باستغراب: «إيه اللي وقع من إيدك؟»
خميس بص للأرض...
مفيش كيس.
مفيش ورقة.
مفيش حلقة.
بس الرمز...
كان محفور دلوقتي على بطن الجثة.
وخميس فهم الحقيقة المرعبة: الجثة ما كانتش الضحية...
كانت الرسالة.

✦ بقلم: آية علي الشربيني
من قلب الصعيد... تولد الحكاية

تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close