رواية لا أصطفي بالحب غيرك الفصل الخامس عشر 15 بقلم فاطمة علي محمد
مضى يومان بعد عقد قران "يامن" و"ميان" كان قد أتما بهما باقي عملهما وأنهى تصوير ما تبقى من مشاهد بجدية تامة أو ربما جدية منقوصة فكان قد يتخللها بعض المشاكسة من نجمنا المشاكس وكذلك بعض الغزل العفيف لمن باتت تحمل اسمه وقلبه بين أضلعها.
توقف "يامن" بسيارته أمام البناية التي تقطنها "ميان" وهو يسحب نفسًا عميقًا قابضًا على عجلة القيادة بكلتا قبضتيه متنهدًا بحرارة قبل أن يلتفت نحوها مغمغمًا بحنق بعض الشيء :
- الوضع ده غريب بالنسبالي، ودماغي مش قادرة تستوعبه، إنك تكوني في بيت وأنا في بيت تاني ده مضايقيني جدًا يا "ميان".
تنهدت "ميان" بحنق هي الأخرى مرددة وهي تلتفت نحوه بنصف جسدها :
- "يامن".. أنت عارف ظروف جوازنا دي كانت إزاي، فمينفعش آجي بين يوم وليلة أقول لماما أنا رايحة بيت جوزي اللي هي ما تعرفش عنه حاجة أصلًا، فالموضوع محتاج شوية تمهيد، وبعدين تقدر تعتبر إننا لسه زي ما كنا عادي مطرب ومخرجة اشتغلت معاه في مشروع، أو حتى تقدر تعتبرنا أصدقاء.
تجهمت قسمات "يامن" وهو يردد بغضب شديد :
- يعني إيه اعتبر نفسنا زي ما كنا؟.. أعتقد إنك مراتي على سنة الله ورسوله، يعني شايلة اسمي، وأنا ماحبش اللي مني يبات بعيد عني.. أنا هطلع معاكي حالًا وهفهم طنط كل حاجة، وأشرح لها الوضع كامل .
واستدار بجسده متأهبًا لمغادرة السيارة ليجد راحتها الباردة تتعلق بساعده الحار فسرى تيارًا مشتعلًا بأوردته خاصة بعدما همس صوتها الدافيء :
- استنى يا "يامن" لو سمحت.. عشان خاطري استنى .
ترك "يامن" مقبض باب السيارة بهدوء ملتفتًا نحوها بعشق جارف وهو يطوف قسماتها بحنو شديد مغمغمًا :
- خاطرك عندي بالدنيا، بس حقيقي والله ما اتعودت إن اللي يخصني يبعد عني، وإن يجي عليا الليل وحتة مني تحت سقف بيت تاني.. التفكير في ده في حد ذاته ممكن يجنني.
وتنهد براحة شديد مغمغمًا باستسلام لها رافعًا جميع راياته :
- أنا مش هغصب عليكي حاجة، خدي وقتك واتكلمي مع مامتك، ولو حابة أكون موجود معاكي وإنتي بتتكلمي معاها أكيد مش هتأخر.. بس عشان خاطري أنا ما تتأخريش عليا كتير.
أومأت له برأسها باستسلام تام، ليلتقط هو كفها بين راحتيه دانيًا منه يطبع قبلة عاشقة براحته مغمغمًا بهدوء :
- انزلي يا "ميان"، لأني بالشكل ده هكون مش مسئول عن الجاي.
اشتعلت وجنتي "ميان" خجلًا وهي تسحب يدها من بين يديه بقوة فاتحة باب السيارة تركض نحو مدخل البناية غير منتبهة لحقيبة ثيابها التي تعمد "يامن" عدم تذكيرها بها وهو ينطلق مسرعًا بسيارته.
********
بشقة "ياسر"
كانت "سومية" تأكل الأرض ذهابًا وإيابًا وهي تضع جوالها أعلى أذنها تستمع لتلك الرسالة المسجلة بأن الرقم المطلوب ربما يكون مغلقًا، لتزفر بقوة وهي تُلقي الجوال أعلى طاولة الطعام صائحة بغضب شديد وهي تشدد على خصلات شعرها :
- لا.. ماهو مش معقول بقا تكون قافل موبايلك بقالك يومين يا "ياسر" بالشكل ده!.. دا أنا والعيال لو جرالنا حاجة مش هتغيثنا ولا هتلحقنا.
لتأتيها "چوليا" بدهشة واستنكار يرسما معالم وجهها وهي تردد بتعجب شديد:
- إنتِ بتكلمي نفسك يا مامي؟
التفتت نحوها بجم غضبها هاتفةً بضيق صدر :
- ما هو اللي يعيش في البيت ده لازم يكلم نفسه يا قلب مامي.
مطت "چوليا" فمها بدهشة كبيرة وهي تقترب منها تحاوط كفيها بذراعها مغمغمة:
- طب اهدي كده و فهميني فيه إيه؟
رمقتها "سومية" بنفاذ صبر وهي تغمغم بغيظ شديد:
- البيه أبوكي بقاله يومين مختفي وقافل تليفونه، بحاول أوصله بكل الطرق مفيش فايدة، حتى ما هانش عليه يعمل اتصال واحد يطمن على البني آدمين المرميين في البيت.
قطبت "چوليا" جبينها بتذكر مغمغمة :
- فعلًا.. بابي بقاله يومين ما اتصلش بيا، ولا حتى بعت لي ماسدج.. طب ما تتصلي بـ آنكل "يامن" أكيد معاه.
حركت "سومية" رأسها بنفي مغمغمة بحدة كبيرة :
- مش معاه، اتصل قبل اليومين دول وقالي إنه خلص كلام مع "يامن" وحلوا سوء التفاهم اللي بينهم وراجع على القاهرة، بس هيعدي على واحد صاحبه من أيام الجامعة الأول يشوفه لأنه تعبان وفي المستشفى، وبعدين هيرجع على هنا، وأهو بقاله يومين لا جه ولا اتصل.
بدأ القلق يتسرب إلى قلب "چوليا" التي رفعت يدها عن كتف والدتها وهي تستقيم بجسدها قُبالتها مرددة بصوت مرتجف :
- الموضوع ده كده مايطمنش يا مامي، ممكن بابي يكون عمل حادثة ولا حاجة وهو راجع في الطريق.. لازم نتصل بـعمو "يامن" حالًا، هو الوحيد اللي هيقدر يساعدنا.
انتفض فؤاد "سومية" بصدرها من مجرد التفكير بأمر الحادث لتدنو من طاولة الطعام ملتقطة جوالها بيدٍ مرتجفة تبحث عن رقم "يامن" تدقه قبل أن تنتظر للحظات حتى أتاها صوته فقاطعته بلهفة شديدة :
- أيوه يا "يامن".. ما تعرفش" ياسر" فين؟.. من يوم ما كان معاك في سيوة وتليفونه مقفول ومش عارفة أوصله، أنا خايفة جدًا ليكون عمل حادثة ولا حاجة.
زفر "يامن" زفرة قوية ينفض بها غضبه من شقيقه قبل أن يتحدث بنبرة حانية مطمئن زوجة شقيقه :
- ما تقلقيش يا "سومية"، أكيد هيرجع، ممكن يكون في مكان مفهوش تغطية، أو تليفونه قطع شحن، وبعدين "ياسر" مايتخافش عليه.
تنهدت "سومية" بقوة وهي تُجيبه بخوف لم ينجح هو في إزالته:
- مش عارفة يا "يامن"، بس أنا مش مطمنة، دي أول مرة يختفي من غير ما يتصل بينا ولا يعرفنا هو فين.
أتاها صوت "يامن" الدافئ مغمغمًا بتنهيدة حارة :
- خلاص.. سيبيلي الموضوع ده وأنا هحله، نص ساعة وأكون وصلت له واطمنك.
ما أن أنهى "يامن" حديثه حتى تعالى صراخ "چوليا" وتهليلها وهي تركض نحو باب الشقة هاتفة بلهفة كبيرة :
- بابي.. أنت كنت فين كل ده؟
فتح "ياسر" ذراعه بترحاب لأحضان ابنته ومعالم الإرهاق الشديد تكسو قسماته، لتقطب "سومية" جبينها باستنكار وهي تردد محدثة "يامن":
- خلاص يا "يامن".. "ياسر" جه، معلش أزعجتك معايا، هكلمك بعدين.
واتجهت نحو "ياسر" بلهفة هي الأخرى هاتفة:
- انت كويس؟
أماء لها برأسه بإجابة قبل أن يقبل رأسه ابنته تاركًا إياها ومتجهًا إلى غرفته دون الإفصاح عن أي شيء، ليشتعل غضب "سومية" وتتبعه هاتفة به بحدة بعدما أوصدت باب الغرفة خلفها:
- انت كنت فين بقالك يومين؟، وقافل تليفونك ليه؟
فتح "ياسر" خزانته يلتقط منها بعض الثياب النظيفة وهو يردد بلامبالاة تامة:
- مش عايز أتكلم في حاجة يا "سومية"، لو سمحتي سيبيني لوحدي، أنا جاي آخد شاور وأغير هدومي وخارج على طول.
وتركها متجهًا صوب المرحاض، لتتشبث بساعده بقوة صارخة به :
- ماتسيبنيش وتمشي وإحنا بنتكلم يا "ياسر"، وبعدين ده مش أوتيل تدخله وقت ماتحب ومن غير ما حد يسألك، ده بيت والمفروض انك رب البيت ده، يعني مسئول عنه وعن كل تفاصيله وعن البني آدمين اللي فيه.
زفر "ياسر" زفرة قوية مرددًا دون أن يلتفت لها :
- وأنا سيبتلك مسئولية البيت واللي فيه، شيلي بقا، ولو سمحتي سيبيني دلوقتي أنا مش عايز اتكلم من مخلوق.
كلمات جمدتها صدمة، وألجمتها بأرضها للحظات قبل أن تلتف حوله حتى أصبحت مقابلة له تمامًا ترمق أعينه بنظرات متحدية:
- ايه الجنان اللي انت بتقوله ده؟.. أشيل إيه؟.. فهمني انت بيك ايه؟، وكنت فين اليومين دول؟.. وإيه اللي مغيرك بالشكل ده خصوصًا بعد ما اتصالحت مع أخوك على حد قولك يعني.
طوف "ياسر" معالمها بنظرة غامضة قبل أن يتنهد تنهيدة حارة متخطيًا إياها بخطوات هادئة والجًا إلى المرحاض ليترك الأفكار الخبيثة تعصف بذهنها وتأخذها لمنحنيات بعيدة كليًا.
************
بشقة "يامن".
ولج إلى شقته بقلب يتراقص طربًا بين أضلعه ساحبًا حقيبة ثيابه بيد وبالأخرى حقيبة ثياب معشوقته وهو يتنغم بأغنيات عشق حالمة، ليجد "هيليدا" تأتيه بإبتسامة واسعة مرددة بود كبير:
- مرحبًا بك سيدي.. كيف حالك؟
ترك "يامن" الحقائب جانبًا وهو يتجه نحوها بسعادة بالغة مرددًا :
- أنا كويس قوي، انت اخبارك ايه؟ ، و"آدم" عامل ايه دلوقتي؟
أماءت له "هيليدا" برأسها مغمغمة برضا :
- أنا بخير، كذلك " آدم" وضعه مستقر تمامًا، لم يحظى بهذا الاستقرار منذ فترة طويلة.
تضاعفت ابتسامة "يامن" وهو يخطو نحو غرفة صغيرة مرددًا بامتنان شديد :
- الحمد لله.. ياريت تحضريلي الحمام على ما اطمن عليه واقعد معاه شوية لأنه وحشني قوي.
حركت "هيليدا" رأسها بموافقة وهي تخطو نحو الدرج تتسلقه إلى الطابق العلوي، بينما اتجه "يامن" إلى غرفة صغيره ملهوفًا يلجها متجهًا نحو تخته يطوف ملامحه المتوارية خلف الأجهزة والأنابيب البلاستيكية بحب شديد قبل أن يدنو من جبينه يدمغه بقبلة حانية مرددًا باشتياق قوي:
- وحشتني قوي يا روح قلبي.
وابتعد عنه قليلًا يحتل مقعده الدائم جوار فراشه وهو يمسد خصلات شعره بأنامل حانية مغمغمًا بسعادة توهج بريقها بأحداقه:
- وحشتني ووحشني الكلام معاك، وحشني أحكيلك وتسمعني، عندي كلام كتير قوي عايز احكيهولك، قلبي بيرقص وأنا بكلمك دلوقتي، لأول مرة في حياتي أحس بطعم الدنيا وأستلذ معنى أغنية بغنيها.. أنا اتجوزت يا "آدم".
ولمعت عيناه بعشق جارف وهو يسترسل بحديثه في ذات الوقت الذي يتخيلها أمامه بكامل حيويتها وجاذبيتها باسمًا:
- اتجوزت! .. حتى الكلمة ليها معنى مختلف، يمكن عشان "ميان" مختلفة، أو يمكن عشان شبهي، أو عشان بتكملني، أو عشان أول مرة قلبي يتنفض بين ضلوعي بالشكل ده، حاسس إني رجعت مراهق تاني، حاسس إني عايز أخدها في حضني وماخرجهاش منه أبدًا.. إنت عارف، من أول يوم قابلتها فيه حسيت إن هيكون بينا حكاية مختلفة، حسيت إني مش عايزها تمشي.. أنا لقيت روحي يا "آدم".. لقيت اللي تنفع تكون أم ليك ولولادي..
وحاد بأنظاره قليلًا يطوف أرجاء الغرفة مرددًا بإبتسامة واسعة :
- لقيت اللي تملى البيت ده سعادة وراحة واستقرار، اللي تكون حصن للبيت ده، اللي تكون روح وفرحة ليه.
هبط بأنظاره ثانية نحو صغيره مغمغمًا بوله شديد:
- قلبي بيدق باسمها يا "آدم".
للمرة الأولى منذ أن ولج هذا الصغير لغيبوبته تظهر على معالمه أي استجابة للعالم حوله، فقد ارتسمت إبتسامة صغيرة تزين ثغر "آدم"، لينتفض "يامن" بمجلسه ويهب منه دانيًا نحو فراش صغيرة بفرحة عارمة مغمغمًا بلهفة شديد :
- "آدم" إنت سامعني؟.. انت بتضحك يا قلب أبوك ، طب اضحك تاني وفرح قلبي.. اضحك يا نور عيوني.. "آدم".
انفرجت إبتسامة الصغير قليلًا للحظات أخرى قبل أن تسترخي معالمه ثانية وتتخذ قسماته وضع الثبات مرة أخرى، لينتعش الأمل بقلب "يامن" وهو يلتقط جواله يتواصل مع الطبيب ويخبره بآخر تطورات حالة ابنه وقلبه يتراقص فرحًا يحياه للمرة الثانية بعد مولد صغيره.
*********
كانت "ميان" بغرفتها تقف أمام طاولة زينتها تمشط شعرها بشرود تام وتلك الابتسامة العاشقة تزين ثغرها وهي تتذكر قبلته الأخيرة لراحة يدها فتسري ارتجافة عشق قوية بأوردتها وتشتعل وجنتيها احمرارًا لاحظته والدتها التي ولجت إليها مغمغمة بسعادة كبيرة :
- حمد الله على سلامتك يا حبيبة ماما، البيت كان وحش قوي من غيرك يا "ميان".
استيقظت "ميان" من شرودها وهي تحيد بأنظارها نحو انعكاس صورة والدتها بالمرآة مغمغمة بإبتسامة واسعة:
- الله يسلمك يا ماما.
والتفتت نحوها تُلقي بجسدها بين ذراعيها باشتياق مشددة من احتضانها بقوة مرددة :
- وحشتيني قوي يا ماما، ووحشني حضنك، وكلامك.
ربتت "ميرڨت" على ظهر ابنتها بحنو شديد مرددة بعطف أقوى:
- انتِ اللي وحشتيني يا قلبي.
وابتعدت عنها قليلًا تستطرد بإبتسامة واسعة رغم مكرها:
- يلا الأكل جهز، ناكل وتحكيلي كل حاجة حصلت معاكي في السفرية دي، وتقوليلي ايه سر لمعة عنيكي وخدودك الموردة دي.
اشتعلت وجنتي" ميان" خجلًا واستشعرت لهيبهما بيدها التي مسده بها أعلاهما مرددة بارتباك جلي:
- خدودي موردة!.. ده بس من الماسك اللي عملته وأنا باخد شاور يا ست الكل.
أماءت "ميرڨت" برأسها بلاتصديق مرددة باستنكار كبير:
- الماسك!.. طب ولمعة عنيكي! .. ماسك برضه؟
احتضنت "ميان" والدتها بقوة تدفن رأسها بين ثنايا عنقها مرددة بسعادة كبيرة:
- خلاص بقا يا ماما، هحكيلك كل حاجة، ما إنتي اللي حافظاني.
أبعدتها "ميرڨت" عنها قليلًا وهي تطوف معالمها بعيون دافئة مرددة بحب شديد:
- ما أنتِ بنتي.. اللي كبرتي على أيدي، وحافظة كل تفاصيلك.
تنهدت "ميان" بقوة وهي تردد بخجل شديد:
- "يامن" عايز يتجوزني.
فغر فاه "ميرڨت" للحظات قبل أن تضع يدها أعلاه تواريه بصدمة سرعان ما انقشعت وحل محلها سعادة جامحة تقافزت لأجلها "ميرڨت" التي صرخت فرحًا :
- والله كنت عارفة، أصل ربنا بيبعت لنا العوض في عز محنتنا بيطبطب علينا.. بس عارفة نظراته اللي كانت بتهرب منك كانت بتقول فيه موضوع كبير هيحصل.. فيه حب بدأ ينبت ومحتاج يتروي عشان يكبر.
قطبت "ميان" جبينها بدهشة مغمغمة بحيرة كبيرة:
- بجد يا ماما؟.. يعني "يامن" باين في عنيه إنه بيحبني؟
أماءت لها والدتها برأسها بتأكيد كبير مرددة :
- أه طبعًا يا بنتي، كان باين قوي كمان.
هزت "ميان" رأسها بشرود مغمغمة :
- أومال أنا ما خدتش بالي ليه؟
ربتت" ميرڨت" على كتف ابنتها بعطف كبير مرددة بحنو :
- عشان كل المشاكل اللي انتي فيها عامية عنيكي عن الدنيا كلها، وعشان كمان جوه الصورة، لكن لو براها هتشوفي تفاصيل محدش بياخد باله منها، هتفهمي معنى كل حركة وكلمة بتتقال، والمعنى الحقيقي كمان مش المعنى اللي بنخبي وراه حبنا، أو ضعفنا، أو احتياجنا.
همست "ميان" بعشق جارف :
- يعني بيحبني بجد، وكلامه ليِّا حقيقي؟.. يعني احساسي بيه حقيقي؟
دمغت "ميرڨت" ابتسامة حانية على وجنة ابنتها هامسة جوارها بحنان قوي:
- الحب تيار من اتجاهين، مستحيل يكون اتجاه واحد، يعني اللي قلبك حاسس بيه ده نتيجة إشارة جاتله من قلب "يامن".. صدقي قلبك وامشي وراه، هتلاقي فرج ربنا وعوضه أكيد.
واستدارت مغادرة الغرفة، تاركة خلفها كلماتها تدوي بمسامع ابنتها بقوة.
******
ولاية نيوچيرسي بالولايات المتحدة الأمريكية.
كان "مهاب" يخطو بين أزقة أحد الأحياء الضيقة قاصدًا أحد عملاءه الذي يعمل على إحدى قضاياه، ليُثير هذا المكان وطبيعته قلق "مهاب" للحظات قبل أن يغمغم بلامبالاة :
- عادي يعني، حتى لو كان وكر عصابات، فيه أكتر من اني اشتعلت مع المافيا.. اجمد كده يا "مهاب" وخليك واثق في نفسك، وبعدين اللي عايز يطولك هيطولك حتى لو في سريرك.
وانتصب بجسده بهمة وهو يشدد من طرفي معطفه خاطيًا نحو الطريق المقصود، ليجد تجمع صغير يقطع عليه طريقه، فتنحى جانبًا سامحًا لهم بالمرور قبل أن يصطدم به أحدهم طاعنًا إياه بآله حادة اخترقت جانبه، ليتعلق هو بذلك النصل المخترق لجسده والذي تركه صاحبه وركض مغادرًا قبل أن يسقط جسد "مهاب" أرضًا غارقًا بدماءه.
********
غرفة العمليات بأخد المشافي الحكومية بولاية نيوچيرسي الأمريكية.
كان طاقم كبير العديد من أطباء المشفى ومساعديهم يلتفون حول طاولة العمليات أمامهم جسد "مهاب" يقطبون ما مزقه هذا النصل الغاشم بخلاياه و أعضائه الداخلية، مراقبين لتلك المؤشرات الحيوية التي تنبأ عن استقرار حالته إلى حد كبير رغم عن كمية الدماء الغزيرة التي فقدها وقد حاولوا تعويضها بدماء جديدة تتسرب إلى أوردته عبر ذلك الأنبوب البلاستيكي الرفيع ، ليتنهد الطبيب بعدما أنهى عمله بمهارة وإتقان وهو يوجه حديثه لأحد مساعديه في الوقت الذي ينزع عن يده قفازاته الطبية كذلك معطف العمليات الطبي :
- الحالة مستقرة الآن ، دقائق وتنقله بحرص إلي غرفة الإفاقة، لاتنسى وضع المسكن بالمحلول كل ست ساعات.
أماء له مساعده بموافقة وهو ينزع عن يده قفازاته الطبية الملوثة بدماء "مهاب" ، بينما غادر الطبيب إلى الخارج كان "كيڨين" بانتظاره صحبة بضع من رجاله الأشداء ، ليتجه مسرعًا نحو الطبيب مرددًا بهدوء ينافي حركة جسده العنيفة:
- كيف حاله يا طبيب؟
تنهد الطبيب براحة وهو يردد بلامبالاة كبيرة :
- الوضع مستقر حاليًا، قطبنا الجرح جيدًا فهو لم يكن غائرًا بشكل كافٍ ليشكل خطورة على وظائفه الحيوية، سيطرنا على النزيف بشكل كامل ونعوضه الآن بدماء جديدة، من الجيد أنك لم تنتزع النصل من جسده، ساعد هذا على تخثر الدماء حوله رغم النزيف.
مط "كيڨين" فمه بلامبالاة وهو يغمغم بعدما غادر الطبيب :
- لو الأمر متروك لي لطعنت هذا النصل بقلبه مباشرة، لكني لم استخرج تأشيرة سفره إلى الجحيم بعد، وذلك الوغد يعلم هذا جيدًا لذلك اتصل بي بكل ثقة وأريحية كي أسعفه دونًا عن جميع معارفه بالولاية.
والتفت نحو أحد رجاله مرددًا بصرامة شديد :
- رابض أمام غرفته، لا تسمح بدخول ذبابة أو خروجها دون تفتيش وإذن مباشر مني ، الطبيب فقط هو المسموح له بالولوج إلي غرفته ، كذلك فتيات التمريض لكن يجب عليك مرافقتهن إلى الداخل، ابق يقظًا.
أماء له الشاب برأسه وهو يعقد كفيه أمام جسده بقوة منتصبًا بصدره المحاصر بحزام جلدي يحوي داخله سلاحًا ناريًا مخبئًا أسفل بذلته السوداء.
*******
مكتب "يامن دويدار"
ولجت "ميان" من باب المكتب بإبتسامة هادئة وهي ترتدي فستانًا قصيرًا من اللون الأبيض مطلقةً العنان لخصلاتها التي تغطى ما كُشف من عنقها الطويل محتضنة حاسوبها النقال إلى صدرها لتجد أحد العمال بالمكتب يخطو نحوها مرددًا بإبتسامة واسعة :
- أهلًا بيكي يا أستاذة نورتي المكتب.
وأشار نحو غرفة مكتب "يامن" الخاصة مسترسلًا :
- اتفضلي في مكتب أستاذ "يامن"، حضرته ساب تعليمات إن حضرتك مجرد ما توصلي تدخلي على طول.
ضيقت "ميان" عيناها بدهشة وهي تردد مستنكرة :
- هو "يامن" مش موجود؟
حرك الشاب رأسه بنفي مرددًا بإبتسامة خفيفة :
- حضرته اتصل ادانا التعليمات وقال ربع ساعة بالكتير وهيكون هنا ، ياريت تتفضلي تستنيه جوه عشان ما اتجزاش لأنه أكد عليا بكده.
انفرجت إبتسامة خفيفة تزين ثغر "ميان" لما تسلل إلى قلبها من شعور أسعدها كثيرًا، فاليوم أصبحت معها كامل الصلاحيات الولوج إلى مكتب "يامن" الخاص كما قلبه وحياته، لتهز رأسها برفق وهي تخطو نحو مكتبه تلجه بعدما دفعت الباب برفق لتتسع عيناها صدمة حينما وجدت الغرفة بأكملها مزينة ببتلات التوليب الأبيض الذي تعشقه، كما وجدت "يامن" يتوسط الغرفة بكامل أناقته وجاذبيته يحمل بين يديه باقة كبيرة من ورودها المفضلة مطوفًا إياها بنظرات عشق ولعة وهو يقترب منها بهدوء مُقدمًا الباقة نحوها بإبتسامة عذبة، لتتناولها منه بعبرات سعادة هاربة من أحداقه الواسعة، ليلتقط يدها يتقدم بها إلى الداخل واصدًا الباب خلفها برفق وهو يضغط زر التشغيل لأغنية حديثة تحمل اسمها هي، قد صُنعت خصيصًا لأجلها وعمل عليها الليل بأكمله ليستقبلها بها أول مرة كزوجة له. التقط منها "يامن" باقة الزهور مرة أخرى يضعها أعلى طاولة مكتبه ومازالت يده تحتضن يدها، بينما يده الأخرى حاوطت خصرها بتملك شديد مقربًا إياها من صدره متمايلًا معها على أنغام أغنيتها الخاصة.
تمايلت معه "ميان" بصمت تام قادتها إليه صدمتها التي مازالت تفرض سطوتها على جميع خلاياها بخدر ممتع لها، فكانت تتبع جميع خطوات بلا أدنى مقاومة له، تسبح في بحر أعينه الهادر بعشقها، لترفع كفها تضعه أعلى فؤاده الصارخة نبضاته بأحرف اسمها، صرخات تنافس صوته العذب الذي يترنم به بأنشودة عشق خالدة، تمايلت وتحركت لتجد رأسها تتحرك ذاتيًا نحو صدره تتخذه مستقرًا لها ومكانًا، تتسمع إلى دقاته النابضة التي تراقصت عليها دقاتها بمهارة وحرفية، ظلت هكذا لدقائق جهلت قدرها وهو يحاوطها بذراعيها بعشق تام مستنشقًا عبقها الذي يأسره بمحاريب العشق السرمدي، ليهمس إلى جوارها بوله:
- بحبك.. وعمري ما حبيت ولا هحب غيرك.. إنت أول ست قدرت تدخل قلبي وتفرض سيطرتها عليه، أول ست قلبي يدق لها ويسلم لها من غير أي مقاومة .
رفعت أنظارها بعشق نحوه ومازالت رأسها تسكن صدره، ليسترسل هو :
- من أول مرة شفتك فيها في المكان ده وأنا حسيت إنك حتة مني.. كنت عايز أفضل شايفك أطول وقت ممكن، وقت ما تعبتي قلبي اتخلع من مكانه، يومها هو اللي كان بينزف مش جرحك إنتي.. وقتها كنت عايز أحضنك وأخبيكي جوا حضني، لما "سومية" خادتك ومشيت كنت عايز أجرى وراها وأقولها سيبيها دي روحي اللي كانت ضايعة مني وما صدقت لقيتها.
كانت كلماته تنافس أعظم سيمفونيات العشق العالمية، لتسحقها ببراعة رافعة رايات النصر عليها، لما لا وهو من عشق الجميع على كلماته الولهة؟! ، من اشعلت تنهيداته الحارة نيران أشواقهم!.. لكن كيف تصدق من كان دستوره بالحياة مخالف لهذا تمامًا، من كان يكتب ببطاقة تعريفه بالنساء هذه الكلمات الحادة
(لا تغرنكِ أغنيات العشق التي أشدو بألحانها، فأنا ممثل محترف يحيا قصص عشقه ببراعة أقسم الناس بها، إن ذُكر اسمي في جلساتهن انطلقت تنهيدات العشق المُولعة، فقد بتُّ لأحلامهن عمادها، أما أنا فقلبي مازال بكر لم يصطفي أنثاه ، وبركان حُبه مازال خامدًا بنيران شوقه وشظاياه)
هل قلبه حقًا اصطفاها هي كي تكون عشقه المتيم؟ ، أم مازال بركان حبه خامدًا لم ينفجر بعد؟
كانت كل هذه الأفكار تعصف برأسها التي ابتعدت عن صدره أخيرًا وهي تغوص في أعماق أحداقه بنظراتها القلقة، ليهمس هو بدهشة خافتة:
- مالك؟.. قلقانة كده ليه؟
أخيرًا أطلقت سراح أحرفها التي حُررت مرتجفة بعض الشيء وهي تردد :
- خايفة.
أردف "يامن" مستنكرًا وهو يقطب جبينه بصدمة كبرى:
- مني؟!
أسبلت أجفانها بيأس وهي تتنهد بقوة قبل أن تفتحهما ثانية مغمغمة بنبرة منكسرة:
- من كل حاجة، وعلى كل حاجة.. الدنيا عمرها ما اديتني، دايمًا بتخذلني وتاخد مني، يوم ما اديتني زوج خذلني وطلع حقير، ويوم ما فرحت بابني خذلتني وبعدتني عنه.. عايزني أأمن لها تاني إزاي؟
أصدق ضحكتها إزاي؟..
حرك "يامن" رأسه برفق مرددًا بود كبير ووعد أكبر :
- بس أنا عمري ما هخذلك ولا هسيبك.
جاوبته بقلب يئن :
- وده اللي مخوفني، هفضل طول الوقت مستنية غدر الدنيا.. مستنية طعنتها ليا، بس المرة دي مش هتحمل منها أي غدر.. لو سلمتك قلبي ووجعتني يا " يامن " هموت.. لو بعدت عني هموت.
وضع "يامن" يده أعلى شفاهها يستوقفها بعتاب شديد مرددًا بنبرة شجنة:
- إوعي تجيبي سيرة الموت دي تاني يا "ميان".. دي الحاجة الوحيدة اللي بتعيشني في رعب طول الطول، دي الحاجة الوحيدة اللي بقف عاجز قدامها وبفقد كل قوتي وطاقتي.
وأبعد يده عنها قليلًا يستقبل بها تلك العلبة المخملية السوداء التي تقرب منها بيده الأخرى ويفتحها مقدمًا إياها نحو معشوقته مرددًا بسعادة :
- تتجوزيني؟ .. بطلب أيديك تاني وبدون أي ضغوط ولا مساوامات، ودي شبكتك.
هبطت بأنظارها نحو تلك العلبة الصغيرة التي تحوى بين جنباتها خاتمًا من الماس الخالص، لترفع أعينها نحوه ثانية وهي تومأ له برأسها موافقة، ليلتقط هو الخاتم ويضعه حول بنصرها الأيسر قبل أن يدنو منها دامغًا قبلة عاشقة أعلاه، لتطوفه هي بأعين لمعت بدمعات برَّاقة، ليرفع رأسه نحوها ثانية فتندفع هي بكامل جسدها نحو صدره محاوطة عنقه بكلا ذراعيها بتملك شديد، ليتراقص قلبه طربًا لهذا التصريح الرسمي منها بتسليمه مقاليد قلبها وعرشه، ويشدد من احتضانها هو الآخر بقوة متوجًا إياها ملكة فوق عرش فؤاده.
********
بمطعم أحد الفنادق الكبرى .
كان "ياسر" يحتل مقعده حول طاولة مستديرة صغيرة بشرود تام وهو ينفث أدخنة سيجارته بالهواء وعلامات الوجوم تشكل قسمات وجهه الشاحبة، ليجد من تجذب المقعد المقابل له بعصبية تامة وتحتله بغيظ شديد وهي تهتف به بحدة :
- بقالك يومين مختفي وماعرفش عنك حاجة.. كنت فين ؟
سحب "ياسر" نفسًا عميقًا من سيجارته وزفره كاملًا بوجهها وهو يدهس بقية السيجارة بالمنفضة أمامه وعلامات الغضب الشديد قد احتلت كامل معالمه كما كلماته التي هتف بها :
- اسمعيني كويس.. إنتي مش مراتي عشان اديكي خط سيري، ولا اديكي تقرير يومي عن تحركاتي.. أنا اديتك العنوان هنا ووافقت أقابلك من كتر زنك في التليفون، لكن أنا لا طايق أشوفك ولا أشوف غيرك.. إنتي فاهمة؟
زفرت "صافي" زفرة قوية وهي تهتف بيه بجم غضبها غير مبالية بما حولها من رواد للمطعم :
- واللي كان بينا يا "ياسر"؟
دوت أصداء كلماتها بأرجاء المكان مستدعية أنظار الجميع نحو مصدرها، ليشتعل غضب "ياسر" الذي طوف وجوه الجميع بحدة، ليلتفت كل منهم بعيدًا عنه صابًا كامل تركيزه بما أمامه ، ليلتفت هو الآخر نحوها مغمغمًا من بين أسنانه المصتكة :
- ايه اللي كان بينا؟.. ها؟.. كان بينا خطة فاشلة زيك ومانجحتش.. كان بينها أخويا وخسرته للأبد.. كان بينا اتفاق وخلاص فضيناه.. إيه اللي كان بينا تاني بقا؟
اقتربت منه "صافي" بشدة وهي تغمغم بغيظ شاهرة سبابتها بوجهه:
- الاتفاق اللي بينا لسه ما اتفضتش، ولو كنا خسرنا جولة في المعركة فده مش معناه إننا خسرنا الحرب، ولو كانت واحدة زبالة زي "ميان" قدرت تاخد مكاني في حياة "يامن" فأنا أقدر كويس قوي أخد مكانها من الحياة كلها.
اشتعل الغضب بقسمات "ياسر" الذي قبض على يدها بقوة وهو يغمغم بتحذير شديد اللهجة :
- انتي مجنونة.. لو فكرتي بس تقربلها أو تنفذي القذارة اللي في دماغك دي أنا اللي هبلغ عنك، وهسلمك للشرطة بنفسي.. إنتي فاهمة.
نفضت "صافي" يده بعيدًا عنها بقوة وهي تردد مستنكرة بنبرة تهكمية :
- واللي كنا هنعمله مع "يامن" كان ايه؟.. ما كله قتل يا بيبي.
طوف "ياسر" المكان حوله بأعين تتقد بنيران الغضب وهو يقترب منها مستقرًا بأنظاره نحوها مغمغمًا:
- لو كنت طمعت في فلوس أخويا فده تعبي وشقايا معاه طول السنين دي ومن حقي، لكن عمري ما فكرت أشكه حتى بسن إبرة، وإلا كنت عملت كده من زمان وكان قدامي بدل الفرصة مليون، لكن هدفي كان غير كده خالص، إنما "ميان" إحنا اللي دخلناها في لعبتنا دي من غير أي ذنب ليها، كونها إنها اتحالفت مع "يامن" وصدقته فده عشان ممثل شاطر وقدر يقنعها كويس مش زيك ممثلة فاشلة ووديتينا في داهية.
استوقفت كلمة "ياسر" تلك "صافي" لتغمغم بتعجب واستنكار :
- ممثل شاطر!.. يعني "يامن" بيمثل عليها وعلينا وجوازهم ده كله عبارة عن تمثيلية؟
استرخى "ياسر" بمقعده قليلًا مبتسمًا ابتسامة جانبية متهكمة وهو يردد بتأكيد :
- طبعًا.. لأنك ببساطة قدرتي تخليه يكره جنس حوا كله، ومفيش واحدة بس طول السنين اللي فاتت دي قدرت تهز رمش واحد منه، أميرات كتير و ثريات المجتمع كلهم عرضوا عليه الجواز والنسب وهو رفض، هتيجي واحدة بين يوم وليلة وتهز عرشه وتحرك قلبه!.. لا طبعًا.. هو عمل تمثيلية الجواز ده عشان يوقعنا، لكن استني الطلاق بين يوم وليلة برضه، وبكرا تقولي ياسر" قال كده.
شردت" صافي" بحديثه هذا بعدم تصديق وهي تتمتم في ذاتها :
- حتى لو الجواز ده تمثيلية، فهي هتكون وريثة ليه برضه، وهتشارك ابني في ورثه.. ده غير انه ممكن يحبها بجد.. أنا لازم اتصرف قبل ما يحبها والتمثيلية دي تقلب حقيقة.
توقف "يامن" بسيارته أمام البناية التي تقطنها "ميان" وهو يسحب نفسًا عميقًا قابضًا على عجلة القيادة بكلتا قبضتيه متنهدًا بحرارة قبل أن يلتفت نحوها مغمغمًا بحنق بعض الشيء :
- الوضع ده غريب بالنسبالي، ودماغي مش قادرة تستوعبه، إنك تكوني في بيت وأنا في بيت تاني ده مضايقيني جدًا يا "ميان".
تنهدت "ميان" بحنق هي الأخرى مرددة وهي تلتفت نحوه بنصف جسدها :
- "يامن".. أنت عارف ظروف جوازنا دي كانت إزاي، فمينفعش آجي بين يوم وليلة أقول لماما أنا رايحة بيت جوزي اللي هي ما تعرفش عنه حاجة أصلًا، فالموضوع محتاج شوية تمهيد، وبعدين تقدر تعتبر إننا لسه زي ما كنا عادي مطرب ومخرجة اشتغلت معاه في مشروع، أو حتى تقدر تعتبرنا أصدقاء.
تجهمت قسمات "يامن" وهو يردد بغضب شديد :
- يعني إيه اعتبر نفسنا زي ما كنا؟.. أعتقد إنك مراتي على سنة الله ورسوله، يعني شايلة اسمي، وأنا ماحبش اللي مني يبات بعيد عني.. أنا هطلع معاكي حالًا وهفهم طنط كل حاجة، وأشرح لها الوضع كامل .
واستدار بجسده متأهبًا لمغادرة السيارة ليجد راحتها الباردة تتعلق بساعده الحار فسرى تيارًا مشتعلًا بأوردته خاصة بعدما همس صوتها الدافيء :
- استنى يا "يامن" لو سمحت.. عشان خاطري استنى .
ترك "يامن" مقبض باب السيارة بهدوء ملتفتًا نحوها بعشق جارف وهو يطوف قسماتها بحنو شديد مغمغمًا :
- خاطرك عندي بالدنيا، بس حقيقي والله ما اتعودت إن اللي يخصني يبعد عني، وإن يجي عليا الليل وحتة مني تحت سقف بيت تاني.. التفكير في ده في حد ذاته ممكن يجنني.
وتنهد براحة شديد مغمغمًا باستسلام لها رافعًا جميع راياته :
- أنا مش هغصب عليكي حاجة، خدي وقتك واتكلمي مع مامتك، ولو حابة أكون موجود معاكي وإنتي بتتكلمي معاها أكيد مش هتأخر.. بس عشان خاطري أنا ما تتأخريش عليا كتير.
أومأت له برأسها باستسلام تام، ليلتقط هو كفها بين راحتيه دانيًا منه يطبع قبلة عاشقة براحته مغمغمًا بهدوء :
- انزلي يا "ميان"، لأني بالشكل ده هكون مش مسئول عن الجاي.
اشتعلت وجنتي "ميان" خجلًا وهي تسحب يدها من بين يديه بقوة فاتحة باب السيارة تركض نحو مدخل البناية غير منتبهة لحقيبة ثيابها التي تعمد "يامن" عدم تذكيرها بها وهو ينطلق مسرعًا بسيارته.
********
بشقة "ياسر"
كانت "سومية" تأكل الأرض ذهابًا وإيابًا وهي تضع جوالها أعلى أذنها تستمع لتلك الرسالة المسجلة بأن الرقم المطلوب ربما يكون مغلقًا، لتزفر بقوة وهي تُلقي الجوال أعلى طاولة الطعام صائحة بغضب شديد وهي تشدد على خصلات شعرها :
- لا.. ماهو مش معقول بقا تكون قافل موبايلك بقالك يومين يا "ياسر" بالشكل ده!.. دا أنا والعيال لو جرالنا حاجة مش هتغيثنا ولا هتلحقنا.
لتأتيها "چوليا" بدهشة واستنكار يرسما معالم وجهها وهي تردد بتعجب شديد:
- إنتِ بتكلمي نفسك يا مامي؟
التفتت نحوها بجم غضبها هاتفةً بضيق صدر :
- ما هو اللي يعيش في البيت ده لازم يكلم نفسه يا قلب مامي.
مطت "چوليا" فمها بدهشة كبيرة وهي تقترب منها تحاوط كفيها بذراعها مغمغمة:
- طب اهدي كده و فهميني فيه إيه؟
رمقتها "سومية" بنفاذ صبر وهي تغمغم بغيظ شديد:
- البيه أبوكي بقاله يومين مختفي وقافل تليفونه، بحاول أوصله بكل الطرق مفيش فايدة، حتى ما هانش عليه يعمل اتصال واحد يطمن على البني آدمين المرميين في البيت.
قطبت "چوليا" جبينها بتذكر مغمغمة :
- فعلًا.. بابي بقاله يومين ما اتصلش بيا، ولا حتى بعت لي ماسدج.. طب ما تتصلي بـ آنكل "يامن" أكيد معاه.
حركت "سومية" رأسها بنفي مغمغمة بحدة كبيرة :
- مش معاه، اتصل قبل اليومين دول وقالي إنه خلص كلام مع "يامن" وحلوا سوء التفاهم اللي بينهم وراجع على القاهرة، بس هيعدي على واحد صاحبه من أيام الجامعة الأول يشوفه لأنه تعبان وفي المستشفى، وبعدين هيرجع على هنا، وأهو بقاله يومين لا جه ولا اتصل.
بدأ القلق يتسرب إلى قلب "چوليا" التي رفعت يدها عن كتف والدتها وهي تستقيم بجسدها قُبالتها مرددة بصوت مرتجف :
- الموضوع ده كده مايطمنش يا مامي، ممكن بابي يكون عمل حادثة ولا حاجة وهو راجع في الطريق.. لازم نتصل بـعمو "يامن" حالًا، هو الوحيد اللي هيقدر يساعدنا.
انتفض فؤاد "سومية" بصدرها من مجرد التفكير بأمر الحادث لتدنو من طاولة الطعام ملتقطة جوالها بيدٍ مرتجفة تبحث عن رقم "يامن" تدقه قبل أن تنتظر للحظات حتى أتاها صوته فقاطعته بلهفة شديدة :
- أيوه يا "يامن".. ما تعرفش" ياسر" فين؟.. من يوم ما كان معاك في سيوة وتليفونه مقفول ومش عارفة أوصله، أنا خايفة جدًا ليكون عمل حادثة ولا حاجة.
زفر "يامن" زفرة قوية ينفض بها غضبه من شقيقه قبل أن يتحدث بنبرة حانية مطمئن زوجة شقيقه :
- ما تقلقيش يا "سومية"، أكيد هيرجع، ممكن يكون في مكان مفهوش تغطية، أو تليفونه قطع شحن، وبعدين "ياسر" مايتخافش عليه.
تنهدت "سومية" بقوة وهي تُجيبه بخوف لم ينجح هو في إزالته:
- مش عارفة يا "يامن"، بس أنا مش مطمنة، دي أول مرة يختفي من غير ما يتصل بينا ولا يعرفنا هو فين.
أتاها صوت "يامن" الدافئ مغمغمًا بتنهيدة حارة :
- خلاص.. سيبيلي الموضوع ده وأنا هحله، نص ساعة وأكون وصلت له واطمنك.
ما أن أنهى "يامن" حديثه حتى تعالى صراخ "چوليا" وتهليلها وهي تركض نحو باب الشقة هاتفة بلهفة كبيرة :
- بابي.. أنت كنت فين كل ده؟
فتح "ياسر" ذراعه بترحاب لأحضان ابنته ومعالم الإرهاق الشديد تكسو قسماته، لتقطب "سومية" جبينها باستنكار وهي تردد محدثة "يامن":
- خلاص يا "يامن".. "ياسر" جه، معلش أزعجتك معايا، هكلمك بعدين.
واتجهت نحو "ياسر" بلهفة هي الأخرى هاتفة:
- انت كويس؟
أماء لها برأسه بإجابة قبل أن يقبل رأسه ابنته تاركًا إياها ومتجهًا إلى غرفته دون الإفصاح عن أي شيء، ليشتعل غضب "سومية" وتتبعه هاتفة به بحدة بعدما أوصدت باب الغرفة خلفها:
- انت كنت فين بقالك يومين؟، وقافل تليفونك ليه؟
فتح "ياسر" خزانته يلتقط منها بعض الثياب النظيفة وهو يردد بلامبالاة تامة:
- مش عايز أتكلم في حاجة يا "سومية"، لو سمحتي سيبيني لوحدي، أنا جاي آخد شاور وأغير هدومي وخارج على طول.
وتركها متجهًا صوب المرحاض، لتتشبث بساعده بقوة صارخة به :
- ماتسيبنيش وتمشي وإحنا بنتكلم يا "ياسر"، وبعدين ده مش أوتيل تدخله وقت ماتحب ومن غير ما حد يسألك، ده بيت والمفروض انك رب البيت ده، يعني مسئول عنه وعن كل تفاصيله وعن البني آدمين اللي فيه.
زفر "ياسر" زفرة قوية مرددًا دون أن يلتفت لها :
- وأنا سيبتلك مسئولية البيت واللي فيه، شيلي بقا، ولو سمحتي سيبيني دلوقتي أنا مش عايز اتكلم من مخلوق.
كلمات جمدتها صدمة، وألجمتها بأرضها للحظات قبل أن تلتف حوله حتى أصبحت مقابلة له تمامًا ترمق أعينه بنظرات متحدية:
- ايه الجنان اللي انت بتقوله ده؟.. أشيل إيه؟.. فهمني انت بيك ايه؟، وكنت فين اليومين دول؟.. وإيه اللي مغيرك بالشكل ده خصوصًا بعد ما اتصالحت مع أخوك على حد قولك يعني.
طوف "ياسر" معالمها بنظرة غامضة قبل أن يتنهد تنهيدة حارة متخطيًا إياها بخطوات هادئة والجًا إلى المرحاض ليترك الأفكار الخبيثة تعصف بذهنها وتأخذها لمنحنيات بعيدة كليًا.
************
بشقة "يامن".
ولج إلى شقته بقلب يتراقص طربًا بين أضلعه ساحبًا حقيبة ثيابه بيد وبالأخرى حقيبة ثياب معشوقته وهو يتنغم بأغنيات عشق حالمة، ليجد "هيليدا" تأتيه بإبتسامة واسعة مرددة بود كبير:
- مرحبًا بك سيدي.. كيف حالك؟
ترك "يامن" الحقائب جانبًا وهو يتجه نحوها بسعادة بالغة مرددًا :
- أنا كويس قوي، انت اخبارك ايه؟ ، و"آدم" عامل ايه دلوقتي؟
أماءت له "هيليدا" برأسها مغمغمة برضا :
- أنا بخير، كذلك " آدم" وضعه مستقر تمامًا، لم يحظى بهذا الاستقرار منذ فترة طويلة.
تضاعفت ابتسامة "يامن" وهو يخطو نحو غرفة صغيرة مرددًا بامتنان شديد :
- الحمد لله.. ياريت تحضريلي الحمام على ما اطمن عليه واقعد معاه شوية لأنه وحشني قوي.
حركت "هيليدا" رأسها بموافقة وهي تخطو نحو الدرج تتسلقه إلى الطابق العلوي، بينما اتجه "يامن" إلى غرفة صغيره ملهوفًا يلجها متجهًا نحو تخته يطوف ملامحه المتوارية خلف الأجهزة والأنابيب البلاستيكية بحب شديد قبل أن يدنو من جبينه يدمغه بقبلة حانية مرددًا باشتياق قوي:
- وحشتني قوي يا روح قلبي.
وابتعد عنه قليلًا يحتل مقعده الدائم جوار فراشه وهو يمسد خصلات شعره بأنامل حانية مغمغمًا بسعادة توهج بريقها بأحداقه:
- وحشتني ووحشني الكلام معاك، وحشني أحكيلك وتسمعني، عندي كلام كتير قوي عايز احكيهولك، قلبي بيرقص وأنا بكلمك دلوقتي، لأول مرة في حياتي أحس بطعم الدنيا وأستلذ معنى أغنية بغنيها.. أنا اتجوزت يا "آدم".
ولمعت عيناه بعشق جارف وهو يسترسل بحديثه في ذات الوقت الذي يتخيلها أمامه بكامل حيويتها وجاذبيتها باسمًا:
- اتجوزت! .. حتى الكلمة ليها معنى مختلف، يمكن عشان "ميان" مختلفة، أو يمكن عشان شبهي، أو عشان بتكملني، أو عشان أول مرة قلبي يتنفض بين ضلوعي بالشكل ده، حاسس إني رجعت مراهق تاني، حاسس إني عايز أخدها في حضني وماخرجهاش منه أبدًا.. إنت عارف، من أول يوم قابلتها فيه حسيت إن هيكون بينا حكاية مختلفة، حسيت إني مش عايزها تمشي.. أنا لقيت روحي يا "آدم".. لقيت اللي تنفع تكون أم ليك ولولادي..
وحاد بأنظاره قليلًا يطوف أرجاء الغرفة مرددًا بإبتسامة واسعة :
- لقيت اللي تملى البيت ده سعادة وراحة واستقرار، اللي تكون حصن للبيت ده، اللي تكون روح وفرحة ليه.
هبط بأنظاره ثانية نحو صغيره مغمغمًا بوله شديد:
- قلبي بيدق باسمها يا "آدم".
للمرة الأولى منذ أن ولج هذا الصغير لغيبوبته تظهر على معالمه أي استجابة للعالم حوله، فقد ارتسمت إبتسامة صغيرة تزين ثغر "آدم"، لينتفض "يامن" بمجلسه ويهب منه دانيًا نحو فراش صغيرة بفرحة عارمة مغمغمًا بلهفة شديد :
- "آدم" إنت سامعني؟.. انت بتضحك يا قلب أبوك ، طب اضحك تاني وفرح قلبي.. اضحك يا نور عيوني.. "آدم".
انفرجت إبتسامة الصغير قليلًا للحظات أخرى قبل أن تسترخي معالمه ثانية وتتخذ قسماته وضع الثبات مرة أخرى، لينتعش الأمل بقلب "يامن" وهو يلتقط جواله يتواصل مع الطبيب ويخبره بآخر تطورات حالة ابنه وقلبه يتراقص فرحًا يحياه للمرة الثانية بعد مولد صغيره.
*********
كانت "ميان" بغرفتها تقف أمام طاولة زينتها تمشط شعرها بشرود تام وتلك الابتسامة العاشقة تزين ثغرها وهي تتذكر قبلته الأخيرة لراحة يدها فتسري ارتجافة عشق قوية بأوردتها وتشتعل وجنتيها احمرارًا لاحظته والدتها التي ولجت إليها مغمغمة بسعادة كبيرة :
- حمد الله على سلامتك يا حبيبة ماما، البيت كان وحش قوي من غيرك يا "ميان".
استيقظت "ميان" من شرودها وهي تحيد بأنظارها نحو انعكاس صورة والدتها بالمرآة مغمغمة بإبتسامة واسعة:
- الله يسلمك يا ماما.
والتفتت نحوها تُلقي بجسدها بين ذراعيها باشتياق مشددة من احتضانها بقوة مرددة :
- وحشتيني قوي يا ماما، ووحشني حضنك، وكلامك.
ربتت "ميرڨت" على ظهر ابنتها بحنو شديد مرددة بعطف أقوى:
- انتِ اللي وحشتيني يا قلبي.
وابتعدت عنها قليلًا تستطرد بإبتسامة واسعة رغم مكرها:
- يلا الأكل جهز، ناكل وتحكيلي كل حاجة حصلت معاكي في السفرية دي، وتقوليلي ايه سر لمعة عنيكي وخدودك الموردة دي.
اشتعلت وجنتي" ميان" خجلًا واستشعرت لهيبهما بيدها التي مسده بها أعلاهما مرددة بارتباك جلي:
- خدودي موردة!.. ده بس من الماسك اللي عملته وأنا باخد شاور يا ست الكل.
أماءت "ميرڨت" برأسها بلاتصديق مرددة باستنكار كبير:
- الماسك!.. طب ولمعة عنيكي! .. ماسك برضه؟
احتضنت "ميان" والدتها بقوة تدفن رأسها بين ثنايا عنقها مرددة بسعادة كبيرة:
- خلاص بقا يا ماما، هحكيلك كل حاجة، ما إنتي اللي حافظاني.
أبعدتها "ميرڨت" عنها قليلًا وهي تطوف معالمها بعيون دافئة مرددة بحب شديد:
- ما أنتِ بنتي.. اللي كبرتي على أيدي، وحافظة كل تفاصيلك.
تنهدت "ميان" بقوة وهي تردد بخجل شديد:
- "يامن" عايز يتجوزني.
فغر فاه "ميرڨت" للحظات قبل أن تضع يدها أعلاه تواريه بصدمة سرعان ما انقشعت وحل محلها سعادة جامحة تقافزت لأجلها "ميرڨت" التي صرخت فرحًا :
- والله كنت عارفة، أصل ربنا بيبعت لنا العوض في عز محنتنا بيطبطب علينا.. بس عارفة نظراته اللي كانت بتهرب منك كانت بتقول فيه موضوع كبير هيحصل.. فيه حب بدأ ينبت ومحتاج يتروي عشان يكبر.
قطبت "ميان" جبينها بدهشة مغمغمة بحيرة كبيرة:
- بجد يا ماما؟.. يعني "يامن" باين في عنيه إنه بيحبني؟
أماءت لها والدتها برأسها بتأكيد كبير مرددة :
- أه طبعًا يا بنتي، كان باين قوي كمان.
هزت "ميان" رأسها بشرود مغمغمة :
- أومال أنا ما خدتش بالي ليه؟
ربتت" ميرڨت" على كتف ابنتها بعطف كبير مرددة بحنو :
- عشان كل المشاكل اللي انتي فيها عامية عنيكي عن الدنيا كلها، وعشان كمان جوه الصورة، لكن لو براها هتشوفي تفاصيل محدش بياخد باله منها، هتفهمي معنى كل حركة وكلمة بتتقال، والمعنى الحقيقي كمان مش المعنى اللي بنخبي وراه حبنا، أو ضعفنا، أو احتياجنا.
همست "ميان" بعشق جارف :
- يعني بيحبني بجد، وكلامه ليِّا حقيقي؟.. يعني احساسي بيه حقيقي؟
دمغت "ميرڨت" ابتسامة حانية على وجنة ابنتها هامسة جوارها بحنان قوي:
- الحب تيار من اتجاهين، مستحيل يكون اتجاه واحد، يعني اللي قلبك حاسس بيه ده نتيجة إشارة جاتله من قلب "يامن".. صدقي قلبك وامشي وراه، هتلاقي فرج ربنا وعوضه أكيد.
واستدارت مغادرة الغرفة، تاركة خلفها كلماتها تدوي بمسامع ابنتها بقوة.
******
ولاية نيوچيرسي بالولايات المتحدة الأمريكية.
كان "مهاب" يخطو بين أزقة أحد الأحياء الضيقة قاصدًا أحد عملاءه الذي يعمل على إحدى قضاياه، ليُثير هذا المكان وطبيعته قلق "مهاب" للحظات قبل أن يغمغم بلامبالاة :
- عادي يعني، حتى لو كان وكر عصابات، فيه أكتر من اني اشتعلت مع المافيا.. اجمد كده يا "مهاب" وخليك واثق في نفسك، وبعدين اللي عايز يطولك هيطولك حتى لو في سريرك.
وانتصب بجسده بهمة وهو يشدد من طرفي معطفه خاطيًا نحو الطريق المقصود، ليجد تجمع صغير يقطع عليه طريقه، فتنحى جانبًا سامحًا لهم بالمرور قبل أن يصطدم به أحدهم طاعنًا إياه بآله حادة اخترقت جانبه، ليتعلق هو بذلك النصل المخترق لجسده والذي تركه صاحبه وركض مغادرًا قبل أن يسقط جسد "مهاب" أرضًا غارقًا بدماءه.
********
غرفة العمليات بأخد المشافي الحكومية بولاية نيوچيرسي الأمريكية.
كان طاقم كبير العديد من أطباء المشفى ومساعديهم يلتفون حول طاولة العمليات أمامهم جسد "مهاب" يقطبون ما مزقه هذا النصل الغاشم بخلاياه و أعضائه الداخلية، مراقبين لتلك المؤشرات الحيوية التي تنبأ عن استقرار حالته إلى حد كبير رغم عن كمية الدماء الغزيرة التي فقدها وقد حاولوا تعويضها بدماء جديدة تتسرب إلى أوردته عبر ذلك الأنبوب البلاستيكي الرفيع ، ليتنهد الطبيب بعدما أنهى عمله بمهارة وإتقان وهو يوجه حديثه لأحد مساعديه في الوقت الذي ينزع عن يده قفازاته الطبية كذلك معطف العمليات الطبي :
- الحالة مستقرة الآن ، دقائق وتنقله بحرص إلي غرفة الإفاقة، لاتنسى وضع المسكن بالمحلول كل ست ساعات.
أماء له مساعده بموافقة وهو ينزع عن يده قفازاته الطبية الملوثة بدماء "مهاب" ، بينما غادر الطبيب إلى الخارج كان "كيڨين" بانتظاره صحبة بضع من رجاله الأشداء ، ليتجه مسرعًا نحو الطبيب مرددًا بهدوء ينافي حركة جسده العنيفة:
- كيف حاله يا طبيب؟
تنهد الطبيب براحة وهو يردد بلامبالاة كبيرة :
- الوضع مستقر حاليًا، قطبنا الجرح جيدًا فهو لم يكن غائرًا بشكل كافٍ ليشكل خطورة على وظائفه الحيوية، سيطرنا على النزيف بشكل كامل ونعوضه الآن بدماء جديدة، من الجيد أنك لم تنتزع النصل من جسده، ساعد هذا على تخثر الدماء حوله رغم النزيف.
مط "كيڨين" فمه بلامبالاة وهو يغمغم بعدما غادر الطبيب :
- لو الأمر متروك لي لطعنت هذا النصل بقلبه مباشرة، لكني لم استخرج تأشيرة سفره إلى الجحيم بعد، وذلك الوغد يعلم هذا جيدًا لذلك اتصل بي بكل ثقة وأريحية كي أسعفه دونًا عن جميع معارفه بالولاية.
والتفت نحو أحد رجاله مرددًا بصرامة شديد :
- رابض أمام غرفته، لا تسمح بدخول ذبابة أو خروجها دون تفتيش وإذن مباشر مني ، الطبيب فقط هو المسموح له بالولوج إلي غرفته ، كذلك فتيات التمريض لكن يجب عليك مرافقتهن إلى الداخل، ابق يقظًا.
أماء له الشاب برأسه وهو يعقد كفيه أمام جسده بقوة منتصبًا بصدره المحاصر بحزام جلدي يحوي داخله سلاحًا ناريًا مخبئًا أسفل بذلته السوداء.
*******
مكتب "يامن دويدار"
ولجت "ميان" من باب المكتب بإبتسامة هادئة وهي ترتدي فستانًا قصيرًا من اللون الأبيض مطلقةً العنان لخصلاتها التي تغطى ما كُشف من عنقها الطويل محتضنة حاسوبها النقال إلى صدرها لتجد أحد العمال بالمكتب يخطو نحوها مرددًا بإبتسامة واسعة :
- أهلًا بيكي يا أستاذة نورتي المكتب.
وأشار نحو غرفة مكتب "يامن" الخاصة مسترسلًا :
- اتفضلي في مكتب أستاذ "يامن"، حضرته ساب تعليمات إن حضرتك مجرد ما توصلي تدخلي على طول.
ضيقت "ميان" عيناها بدهشة وهي تردد مستنكرة :
- هو "يامن" مش موجود؟
حرك الشاب رأسه بنفي مرددًا بإبتسامة خفيفة :
- حضرته اتصل ادانا التعليمات وقال ربع ساعة بالكتير وهيكون هنا ، ياريت تتفضلي تستنيه جوه عشان ما اتجزاش لأنه أكد عليا بكده.
انفرجت إبتسامة خفيفة تزين ثغر "ميان" لما تسلل إلى قلبها من شعور أسعدها كثيرًا، فاليوم أصبحت معها كامل الصلاحيات الولوج إلى مكتب "يامن" الخاص كما قلبه وحياته، لتهز رأسها برفق وهي تخطو نحو مكتبه تلجه بعدما دفعت الباب برفق لتتسع عيناها صدمة حينما وجدت الغرفة بأكملها مزينة ببتلات التوليب الأبيض الذي تعشقه، كما وجدت "يامن" يتوسط الغرفة بكامل أناقته وجاذبيته يحمل بين يديه باقة كبيرة من ورودها المفضلة مطوفًا إياها بنظرات عشق ولعة وهو يقترب منها بهدوء مُقدمًا الباقة نحوها بإبتسامة عذبة، لتتناولها منه بعبرات سعادة هاربة من أحداقه الواسعة، ليلتقط يدها يتقدم بها إلى الداخل واصدًا الباب خلفها برفق وهو يضغط زر التشغيل لأغنية حديثة تحمل اسمها هي، قد صُنعت خصيصًا لأجلها وعمل عليها الليل بأكمله ليستقبلها بها أول مرة كزوجة له. التقط منها "يامن" باقة الزهور مرة أخرى يضعها أعلى طاولة مكتبه ومازالت يده تحتضن يدها، بينما يده الأخرى حاوطت خصرها بتملك شديد مقربًا إياها من صدره متمايلًا معها على أنغام أغنيتها الخاصة.
تمايلت معه "ميان" بصمت تام قادتها إليه صدمتها التي مازالت تفرض سطوتها على جميع خلاياها بخدر ممتع لها، فكانت تتبع جميع خطوات بلا أدنى مقاومة له، تسبح في بحر أعينه الهادر بعشقها، لترفع كفها تضعه أعلى فؤاده الصارخة نبضاته بأحرف اسمها، صرخات تنافس صوته العذب الذي يترنم به بأنشودة عشق خالدة، تمايلت وتحركت لتجد رأسها تتحرك ذاتيًا نحو صدره تتخذه مستقرًا لها ومكانًا، تتسمع إلى دقاته النابضة التي تراقصت عليها دقاتها بمهارة وحرفية، ظلت هكذا لدقائق جهلت قدرها وهو يحاوطها بذراعيها بعشق تام مستنشقًا عبقها الذي يأسره بمحاريب العشق السرمدي، ليهمس إلى جوارها بوله:
- بحبك.. وعمري ما حبيت ولا هحب غيرك.. إنت أول ست قدرت تدخل قلبي وتفرض سيطرتها عليه، أول ست قلبي يدق لها ويسلم لها من غير أي مقاومة .
رفعت أنظارها بعشق نحوه ومازالت رأسها تسكن صدره، ليسترسل هو :
- من أول مرة شفتك فيها في المكان ده وأنا حسيت إنك حتة مني.. كنت عايز أفضل شايفك أطول وقت ممكن، وقت ما تعبتي قلبي اتخلع من مكانه، يومها هو اللي كان بينزف مش جرحك إنتي.. وقتها كنت عايز أحضنك وأخبيكي جوا حضني، لما "سومية" خادتك ومشيت كنت عايز أجرى وراها وأقولها سيبيها دي روحي اللي كانت ضايعة مني وما صدقت لقيتها.
كانت كلماته تنافس أعظم سيمفونيات العشق العالمية، لتسحقها ببراعة رافعة رايات النصر عليها، لما لا وهو من عشق الجميع على كلماته الولهة؟! ، من اشعلت تنهيداته الحارة نيران أشواقهم!.. لكن كيف تصدق من كان دستوره بالحياة مخالف لهذا تمامًا، من كان يكتب ببطاقة تعريفه بالنساء هذه الكلمات الحادة
(لا تغرنكِ أغنيات العشق التي أشدو بألحانها، فأنا ممثل محترف يحيا قصص عشقه ببراعة أقسم الناس بها، إن ذُكر اسمي في جلساتهن انطلقت تنهيدات العشق المُولعة، فقد بتُّ لأحلامهن عمادها، أما أنا فقلبي مازال بكر لم يصطفي أنثاه ، وبركان حُبه مازال خامدًا بنيران شوقه وشظاياه)
هل قلبه حقًا اصطفاها هي كي تكون عشقه المتيم؟ ، أم مازال بركان حبه خامدًا لم ينفجر بعد؟
كانت كل هذه الأفكار تعصف برأسها التي ابتعدت عن صدره أخيرًا وهي تغوص في أعماق أحداقه بنظراتها القلقة، ليهمس هو بدهشة خافتة:
- مالك؟.. قلقانة كده ليه؟
أخيرًا أطلقت سراح أحرفها التي حُررت مرتجفة بعض الشيء وهي تردد :
- خايفة.
أردف "يامن" مستنكرًا وهو يقطب جبينه بصدمة كبرى:
- مني؟!
أسبلت أجفانها بيأس وهي تتنهد بقوة قبل أن تفتحهما ثانية مغمغمة بنبرة منكسرة:
- من كل حاجة، وعلى كل حاجة.. الدنيا عمرها ما اديتني، دايمًا بتخذلني وتاخد مني، يوم ما اديتني زوج خذلني وطلع حقير، ويوم ما فرحت بابني خذلتني وبعدتني عنه.. عايزني أأمن لها تاني إزاي؟
أصدق ضحكتها إزاي؟..
حرك "يامن" رأسه برفق مرددًا بود كبير ووعد أكبر :
- بس أنا عمري ما هخذلك ولا هسيبك.
جاوبته بقلب يئن :
- وده اللي مخوفني، هفضل طول الوقت مستنية غدر الدنيا.. مستنية طعنتها ليا، بس المرة دي مش هتحمل منها أي غدر.. لو سلمتك قلبي ووجعتني يا " يامن " هموت.. لو بعدت عني هموت.
وضع "يامن" يده أعلى شفاهها يستوقفها بعتاب شديد مرددًا بنبرة شجنة:
- إوعي تجيبي سيرة الموت دي تاني يا "ميان".. دي الحاجة الوحيدة اللي بتعيشني في رعب طول الطول، دي الحاجة الوحيدة اللي بقف عاجز قدامها وبفقد كل قوتي وطاقتي.
وأبعد يده عنها قليلًا يستقبل بها تلك العلبة المخملية السوداء التي تقرب منها بيده الأخرى ويفتحها مقدمًا إياها نحو معشوقته مرددًا بسعادة :
- تتجوزيني؟ .. بطلب أيديك تاني وبدون أي ضغوط ولا مساوامات، ودي شبكتك.
هبطت بأنظارها نحو تلك العلبة الصغيرة التي تحوى بين جنباتها خاتمًا من الماس الخالص، لترفع أعينها نحوه ثانية وهي تومأ له برأسها موافقة، ليلتقط هو الخاتم ويضعه حول بنصرها الأيسر قبل أن يدنو منها دامغًا قبلة عاشقة أعلاه، لتطوفه هي بأعين لمعت بدمعات برَّاقة، ليرفع رأسه نحوها ثانية فتندفع هي بكامل جسدها نحو صدره محاوطة عنقه بكلا ذراعيها بتملك شديد، ليتراقص قلبه طربًا لهذا التصريح الرسمي منها بتسليمه مقاليد قلبها وعرشه، ويشدد من احتضانها هو الآخر بقوة متوجًا إياها ملكة فوق عرش فؤاده.
********
بمطعم أحد الفنادق الكبرى .
كان "ياسر" يحتل مقعده حول طاولة مستديرة صغيرة بشرود تام وهو ينفث أدخنة سيجارته بالهواء وعلامات الوجوم تشكل قسمات وجهه الشاحبة، ليجد من تجذب المقعد المقابل له بعصبية تامة وتحتله بغيظ شديد وهي تهتف به بحدة :
- بقالك يومين مختفي وماعرفش عنك حاجة.. كنت فين ؟
سحب "ياسر" نفسًا عميقًا من سيجارته وزفره كاملًا بوجهها وهو يدهس بقية السيجارة بالمنفضة أمامه وعلامات الغضب الشديد قد احتلت كامل معالمه كما كلماته التي هتف بها :
- اسمعيني كويس.. إنتي مش مراتي عشان اديكي خط سيري، ولا اديكي تقرير يومي عن تحركاتي.. أنا اديتك العنوان هنا ووافقت أقابلك من كتر زنك في التليفون، لكن أنا لا طايق أشوفك ولا أشوف غيرك.. إنتي فاهمة؟
زفرت "صافي" زفرة قوية وهي تهتف بيه بجم غضبها غير مبالية بما حولها من رواد للمطعم :
- واللي كان بينا يا "ياسر"؟
دوت أصداء كلماتها بأرجاء المكان مستدعية أنظار الجميع نحو مصدرها، ليشتعل غضب "ياسر" الذي طوف وجوه الجميع بحدة، ليلتفت كل منهم بعيدًا عنه صابًا كامل تركيزه بما أمامه ، ليلتفت هو الآخر نحوها مغمغمًا من بين أسنانه المصتكة :
- ايه اللي كان بينا؟.. ها؟.. كان بينا خطة فاشلة زيك ومانجحتش.. كان بينها أخويا وخسرته للأبد.. كان بينا اتفاق وخلاص فضيناه.. إيه اللي كان بينا تاني بقا؟
اقتربت منه "صافي" بشدة وهي تغمغم بغيظ شاهرة سبابتها بوجهه:
- الاتفاق اللي بينا لسه ما اتفضتش، ولو كنا خسرنا جولة في المعركة فده مش معناه إننا خسرنا الحرب، ولو كانت واحدة زبالة زي "ميان" قدرت تاخد مكاني في حياة "يامن" فأنا أقدر كويس قوي أخد مكانها من الحياة كلها.
اشتعل الغضب بقسمات "ياسر" الذي قبض على يدها بقوة وهو يغمغم بتحذير شديد اللهجة :
- انتي مجنونة.. لو فكرتي بس تقربلها أو تنفذي القذارة اللي في دماغك دي أنا اللي هبلغ عنك، وهسلمك للشرطة بنفسي.. إنتي فاهمة.
نفضت "صافي" يده بعيدًا عنها بقوة وهي تردد مستنكرة بنبرة تهكمية :
- واللي كنا هنعمله مع "يامن" كان ايه؟.. ما كله قتل يا بيبي.
طوف "ياسر" المكان حوله بأعين تتقد بنيران الغضب وهو يقترب منها مستقرًا بأنظاره نحوها مغمغمًا:
- لو كنت طمعت في فلوس أخويا فده تعبي وشقايا معاه طول السنين دي ومن حقي، لكن عمري ما فكرت أشكه حتى بسن إبرة، وإلا كنت عملت كده من زمان وكان قدامي بدل الفرصة مليون، لكن هدفي كان غير كده خالص، إنما "ميان" إحنا اللي دخلناها في لعبتنا دي من غير أي ذنب ليها، كونها إنها اتحالفت مع "يامن" وصدقته فده عشان ممثل شاطر وقدر يقنعها كويس مش زيك ممثلة فاشلة ووديتينا في داهية.
استوقفت كلمة "ياسر" تلك "صافي" لتغمغم بتعجب واستنكار :
- ممثل شاطر!.. يعني "يامن" بيمثل عليها وعلينا وجوازهم ده كله عبارة عن تمثيلية؟
استرخى "ياسر" بمقعده قليلًا مبتسمًا ابتسامة جانبية متهكمة وهو يردد بتأكيد :
- طبعًا.. لأنك ببساطة قدرتي تخليه يكره جنس حوا كله، ومفيش واحدة بس طول السنين اللي فاتت دي قدرت تهز رمش واحد منه، أميرات كتير و ثريات المجتمع كلهم عرضوا عليه الجواز والنسب وهو رفض، هتيجي واحدة بين يوم وليلة وتهز عرشه وتحرك قلبه!.. لا طبعًا.. هو عمل تمثيلية الجواز ده عشان يوقعنا، لكن استني الطلاق بين يوم وليلة برضه، وبكرا تقولي ياسر" قال كده.
شردت" صافي" بحديثه هذا بعدم تصديق وهي تتمتم في ذاتها :
- حتى لو الجواز ده تمثيلية، فهي هتكون وريثة ليه برضه، وهتشارك ابني في ورثه.. ده غير انه ممكن يحبها بجد.. أنا لازم اتصرف قبل ما يحبها والتمثيلية دي تقلب حقيقة.
