اخر الروايات

رواية لا أصطفي بالحب غيرك الفصل الرابع عشر 14 بقلم فاطمة علي محمد

رواية لا أصطفي بالحب غيرك الفصل الرابع عشر 14 بقلم فاطمة علي محمد


شدد "يامن" من احتضان يدها بدفء عجيب سرت رجفته بكامل جسدها، وصرخ لأجله قلبها عشقًا ، لتتبع خطواته الشامخة إلى الخارج بخطواتها المطمئنة حتى وصلا إلى ساحة الفندق الواسعة فتوقفا تمامًا يتنفسا الهواء الطلق براحة كبيرة، مزجت خلجاتهما وهما يلتفتا لبعضهما البعض بنظرات منتصرة ذات مغزى واضح أخذتهما إلى الليلة السابقة.

تركها "يامن" متجهًا صوب تلك الحافلة التي تنتظره ونيران الغضب تعصف بأحشائه وهو يزفر أبخرتها بقوة مستقلًا الحافلة الخاصة به ، محتلًا المقعد الخلفي للسائق تمامًا بجسدٍ منتصبٍ ومتحفزٍ كمن ينتظر هدف الفوز لفريقه المفضل، ظل هكذا لدقائق قليلة والسائق ينتظر الإذن بالتحرك، ليغمغم بهدوء :
- هنستنى الأستاذة ولا نتحرك يا أستاذ "يامن"؟

زفر "يامن" زفرة قوية مرددًا بجدية تامة :
- اتحرك يا ريس، الأستاذة هتركب مع التيم بتاعها.

واستند بذراعه على طرف نافذة الحافلة
شاردًا بالفضاء حوله.

تحركت حافلة فريق العمل هي الأخرى بعدما ظن "شريف" أن "ميان" تصاحب "يامن" بسيارته، وتبعتها حافلة "يامن" التي ما أن تقدمت بضعة أمتار قليلة حتى هتف "يامن" بقوة مُطالبًا السائق بالتوقف بعدما رمق "ميان" تتوارى خلف أبنية ذلك الموقع. توقف السائق مُلبيًا الأمر بلا تردد ، لينهض "يامن" من مقعده متجهًا صوبه ينحني بجذعه قليلًا وهو يردد بجدية :
- استناني قدام شوية، في حتة محدش يقدر يشوفك منها ، وخالي تليفونك متاح على اتصال أو رسالة مني في أي وقت ..أوك.

أومأ له السائق برأسه بتأييد وهو يطوف "يامن" الذي تحرك مترجلًا عن الحافلة، ليتحرك هو الآخر متجهًا إلى مقصده،ترجل "يامن" عن الحافلة بهدوء شديد ودهشة أشد ليقتفي أثر "ميان" بحذر تام حتى تسلل إلى مسامعه صوتها الخافت، توقف متواريًا خلف أحد الحواجز الرملية مسترقًا السمع إلي حديثها الذي كان :
- ما تقلقيش خالص، وزي ما اتفاقنا تقدري تجي بكرا في ميعادك عادي جدًا.

وتنهدت ببطيء شديد وهي تردد بنبرة تشبعت بكثير من الجدية والتحذير :
- أنا وافقت بس إني أساعدك عشان خاطر ابنك، وكمان لما اتأكدت إن العقار اللي اديتهوني ده مهدئ هيساعدك إنتِ و "يامن" تتكلموا مع بعض بهدوء وتوصلوا لحل وسط.

واستطردت بنبرة أكثر شجن متذكرة صغيرها :
- ياريت أنا كمان ألاقي اللي يساعدني إني أرجع ابني لحضني تاني.

وأنهت الاتصال مطبقة أجفانها بقوة تأسر تلك الدمعة اللعينة التي قد أوشكت على التمرد بوقت أقسمت به أن تقوى وتستقوى بغيابه عنها

استشعر "يامن" حركتها تجاهه ، ليركض متسللًا بحذر شديد خلف تلك الأبنية وهو يلتقط هاتفه مدونًا رسالة نصية إلى السائق أن يرحل مغادرًا.

ما أن انتهى من إرسال رسالته حتى بدأ يحرك جواله بين أنامله بلامبالاة شاردًا في حديثها هذا، وهو يتمتم بتساؤل مستنكرًا :
-إيه اللي يخالي "ميان" تساعد "صافي"؟! وعقار إيه ده اللي بتحطهولي في القهوة؟! وإزاي ده أصلًا والقهوة طعمها ما اختلفش ولا اتغير ولا حتى أنا حسيت بأي عرض جانبي؟!

وسحب نفسًا قويًا زفره بقوة مستطردًا بإصرار قوي:
- أنا لازم أفهم كل حاجة وأعرف أصل الحكاية دي إيه.

طوف "يامن" المكان حوله بتمعن شديد ، لتستوقفه تلك النيران المنخفضة بتمايل هادئ من بعيد بعدما شدد تركيزه كثيرًا، فالتفت نحو "ميان" التي كانت تصرخ بقارعة الطريق متوسلة انتظار "شريف" لها ، ليستغل هو هذه الفرصة السائغة ويركض مهرولًا نحو تلك النقطة المضيئة، بضعة دقائق قضاها "يامن" ركضًا حتى باتت الرؤية واضحة له تمامًا، فكان هناك مجموعة من الفتية والفتيات تحاوط هذه النيران التي تتوسطهم ، ليتوقف" يامن" قليلًا بعيدًا عنهم وهو يلتقط أنفاسه منظمًا إياها بهدوء شديد قبل أن يقترب منهم مرددًا بإبتسامة واسعة :
- مساء الخير يا شباب.

التفت الجميع نحوه بدهشة تضاعفت ما أن تحققوا من هويته لتهب الفتيات راكضة نحوه بصراخ قوي :
- "يامن دويدار "... إحنا بنحبك قوي... هو أنت بجد؟!

ابتسم "يامن" ابتسامة خفيفة وهو يهز رأسه بتأكيد مغمغمًا :
- أه بجد.

اقتربت منه إحدى الفتيات تقفز أمامه بسعادة كبيرة وهي تردد بجنون:
- أنا بعشقك وبعشق كل أغانيك، بشوف كل أفلامك وكل لقاء بتعمله، كل أغنية بتغنيها بحس إنك بتغنيها ليا أنا بس.. أنا بحبك قوي قوي.

ابتسم "يامن" بود شديد فهو كثيرًا ما قابل مثل هذا الهوس من قبل، ليردد بمحبة ودودة :
- وأنا كمان بحبك.

والتفت نحو الجميع مسترسلًا :
- وبحبكم كلكوا.

اقترب منه الشباب هذه المرة مرددين بسعادة أكبر :
- ممكن نتصور معاك؟

فتح "يامن" ذراعيه مرحبًا وهو يردد بحفاوة كبيرة :
- آه طبعًا.. يلا بينا.

التف الجميع حوله بسعادة وبدأوا بالتقاط الصور التذكارية معه، ليهتف أحدهم بسعادة أكبر :
- ممكن تغنيلنا؟

ابتسم "يامن" ابتسامة ظاهرية ونيران القلق على تلك الحمقاء تعصف بكيانه، ليلتفت برأسه نحو مكانها بلا جدوى فالرؤية شبه معدومة من هذه المسافة، ليُعيد الالتفات نحوهم ثانية وهو يبدأ بغناء مقطعًا من إحدى أغنياته وسط تصفيق وتفاعل الجميع، لينهني الأغنية مرددًا بإبتسامة واسعة :
- ممكن أنا بقا أطلب منكم طلب؟

أماء له الجميع برؤوسهم مرددين معًا :
- أكيد.. إنت تؤمر.

تنهد "يامن" بهدوء وهو يلتفت نحو بقعة النار مرددًا :
- محتاج شوية خشب، وبنزين وولاعة.. ممكن.

لم ينتهي بعد من استكمال جملته حتى وجد أحدهم يتجه نحو كومة كبيرة من الأخشاب يعبئها بصندوق ورقي مقوى ويناوله إياه ، وآخر يناوله عبوة من الوقود، وثالث يناوله قداحه، تناول منهم "يامن" كل هذه الأشياء بإبتسامة شاكرة مرددًا بحماسة كبيرة :
- ألف شكر يا شباب.. أنا سعيد قوي بيكم، وسعيد أكتر إني قابلتكم واتعرفت عليكم.. بس لازم أستأذن حالًا عشان معايا ناس.

غادر "يامن" وودعته الفتيات بنظرات هائمة، كما ودعه الشباب بتلويحات إعجاب وسعادة كبيرين.

ما أن ابتعد "يامن" عن مرمى رؤيتهم حتى بدأ بالعدو سريعًا متسابقًا مع تخيلاته بمصير "ميان" التي ما أن لمح طيفها حتى بدأ يتهادى بخطواته الرزينة محدقًا جسدها المتواري خلف ذلك المقعد بنظرات متهكمة بعض الشيء وهو يُلقي ما بيده أرضًا جالسًا إلى جوارها قرفصاء، ليبدأ بحفر موقد شبه عميق بقطعة من الحطب، ورصّ الباقي حولها حتى صنع كومة كبيرة من الأخشاب والأحطاب. نهض منتصبًا بجسده وهو يلتقط زجاجة الوقود مُزيلًا غطائها قبل يسكب بعضها على الأحطاب بهدوء شديد وهو يلتقط القداحة من جيب سرواله ، ليدنو بجذعه من الأخشاب ثانية شاعلًا نيران الموقد الذي ما أن توهجت نيرانه حتى استدار بكامل بجسده تجاهها بثبات شديد وهو يستقيم بوقفته نافضًا كلتا يديه بالهواء ، ليجدها مندفعة نحوه قاصدة صدره بقوة، تسكنه باطمئنان لم ينجح في محو فزعها وهي تحاوط خصره بذراعيها بتشبث شديد دافنة رأسها بين ثنايا صدره تبكي بنحيب قوي تعالت له شهقاتها، وهي تردد بامتنان :
- الحمد لله إنك هنا أنا كنت هموت من الرعب.

دقات قلبها الهلعة كانت تصرخ لأجلها دقاته الثائرة حتى تلاحمتا سويا وأصبحا قلبًا واحدًا ينبض بجسدين ، فلم يكن منه إلا أنه حاوط كتفيها بذراعيه بقوة ودفء ، ممسدًا على خصلاتها بحنو عاشق وله، هامسًا بخفوت جوارها :
- اهدي.. أنا هنا جنبك.. اهدي.

تضاعفت شهقاتها كما تضاعفت عبراتها الممزقة لنياط قلبه ، ليمسد على خصلاتها بعشق جارف هامسًا بصوت بث به الكثير الأمان لها :
- "ميان".. اهدي لو سمحتِ.. أنا معاكِ.

تلاقطت أنفاسها المتقطعة وهي تشدد من احتضانه للحظات طويلة حتى هدأت قليلًا وبدأت تدرك أنها ترسو بين ذراعيه وتتخذهما بر الأمان لفزعها ، لتتسع عيناها صدمة، وتبتعد عنه بهدوء محمحمة بخجل وهي تدلك عنقها هامسة :
- أسفة.

تدارك "يامن" هو الآخر الموقف بثبات شديد ، وهو يبتعد عنها خطوة واسعة مرددًا بجدية رخيمة :
- مفيش حاجة.

واستدار نحو كومة من فراش الأرض دانيًا منها يلتقط إحداها وأخذ يبسطه بالقرب من النيران التي أشعلها، وجلس أعلاه محاذيًا ساقيه مع صدره، ومحاوطًا إياهما بيديه وهو يحدق بشظايا الأخشاب المتطايرة مع لهب النيران بشرود قوي لم يُخل تركيزه مع كل نظرة وإيماءة منها.

تنهدت "ميان" براحة شديدة وهي تطوف المكان حولها بأنظار ساكنة، استقرت بها أخيرًا نحو "يامن" الشارد وهي تضيق عينيها بتذكر هاتفةً باستنكار :
- إنت إزاي لسه هنا؟!

أجابها "يامن" بهدوء دون أن يرفع أنظاره نحوها :
- أنا اللي المفروض أسألك السؤال ده.. المفروض إنك ركبتي الباص مع فريقك.

تنهدت "ميان" بقوة وهي تهتف بعصبية بعض الشيء:
- أنا روحت أعمل تليفون مهم رجعت لقيتكوا مشيتوا، فضلت أنادي كتير بس للأسف محدش سمعني، وكمان وحاولت أتصل بيك لقيت تليفوني قطع شحن.

- وأنا حبيت أستجم شوية في المكان ده لوحدي.. عشان كده خليت السواق يمشي وقولتله يعدي عليا بعد الشروق عشان يوصلني الأوتيل.

صرح بها "يامن" وهو مازال يضم ساقيه شاردًا بلون النار البرتقالي، لتهتف "ميان" بصدمة كبرى وهي تقترب منه كثيرًا محركة يديها بالهواء :
- يعني أنا هفضل في المكان ده لبعد الشروق؟ لا لا.. اتصل بيه دلوقتي خليه يجي ياخدني، وإنت كمل استجمامك ده براحتك.

مط "يامن" فمه بلامبالاة مرددًا :
- مش هينفع، لأني سيبت موبايلي معاه.. ما كنتش حابب أي حاجة تزعجني وتخرجني من الهدوء ده.

ضيقت "ميان" عينيها بغبطة وهي تردد بتذمر طفولي:
- يعني أنا اللي هزعجك وهخرجك من هدوءك.

تجاهل "يامن" سؤالها هذا وأماء برأسه نحو كومة الفراش مرددًا بهدوء :
- خُدي فرش من دول واقعدي عليه جنب النار.. وياريت بهدوء شديد لو سمحتِ.

تضاعف حنق "ميان" وقررت أن تغادر وتتركه وحده بهذا العراء حتى تأكله الضباع ، إلا أنها تذكرت رعبها وفزعها ذلك، لتسري بجسدها قشعريرة خفيفة جعلتها تركض نحو الفراش ملتقطة أحدهم، تبسطه مقابل "يامن" وتجلس أعلاه محدقة ذلك اللهب هي الأخرى بشرود أقوى .

أمضا الليل سويًا في ذكريات أليمة لكل منهما حتى أطبق الصمت على المكان سوى من شهقات متفاوتة من جوف "ميان" التي عقدت جبينها بدهشة متذكرة اتفاقها مع "صافي"، وكيف أقنعتها بأنها الزوجة المقهورة، والأم المكلومة، لتهتف بدهشة مستنكرة :
-طب إزاي بعد كل اللي "صافي" عملته ده هتتجنن وتشوف ابنها.. هتتجنن وترجعه لحضنها تاني؟

تنهد "يامن" براحة كبيرة وهو يبتسم ابتسامة نصر هادئة، فرهانه كان على صدقها وأمانتها ، كما كان على مروءتها، فقلبه كان يُقسم أنها تملك من الخصال أنبلها، ومن المزايا أجملها.. وعقله كان يقسم أنها أنثى كأي أنثى، الخيانة تجري بشريانها مجرى الدم، فكلهن عنده سواء، كلهن "صافي"، ليتحد ضميره أخيرًا مع صوت قلبه مُنحيًا صوت هذا العقل البغيض جانبًا، تصنع "يامن" عدم الفهم وهو يحرك رأسه بعدم اكتراث مرددًا :
- مش فاهم.

اعتدلت "ميان" بجلستها تربع ساقيها سويًا وهي تستند عليهما بكفوفها متسائلة بجدية:
-فاكر اليوم اللي شوفتها عندك في المكتب؟

أماء لها "يامن" برأسه أن نعم، فأكملت هي حديثها مسترسلة:
- يومها انت سيبتنا ومشيت، وهي انهارت تمامًا وأنا حاولت كتير إني أهديها، لحد فعلًا ما هديت شوية ولقيتها بتحكيلي إنك قد إيه ظالم، وقاسي، وعصبي، وإنك كنت بتعذبها، وبتضربها أحيانًا، و إزاي شيلتها ذنب تعب ابنك.. عشان كده طلقتها، وهي كل حلمها في الحياة إنك تخليها تشوف ابنها مرة واحدة بس.

هتف "يامن" بتعجب مستنكرًا:
- وصدقتيها؟!

ابتسمت بتهكم وهي تردد بثبات وعناد قويين :
- إزاي ما صدقهاش وأنا عيشت نفس ظروفها وأسوأ منها كمان وبكتير قوي ، زوج كان الضرب و الخيانة عنده زي الهوا والمايه .. زوج حرمني من ابني لما استخدمت حقي في الاعتراض على أفعاله لأول مرة.. زوج رماني في المطار من غير جنيه واحد في جيبي.

لتشتعل مُقلها بنيران الغضب، والكراهية وهي تضغط على كل حرف تفوهت به مع تذكرها لكل شيء كأنه يحدث الآن :
- حيوان طلق مراته طلاق بائن في محكمة وكان بيتعامل معاها كزوج وزوجة طول الفترة دي.. سابها على عماها لحد آخر يوم في عدتها، وبعدين بعتلها ورقة طلاقها بكل وقاحة.. عارف ده في الشرع والدين اسمه إيه؟

أطبق "يامن" عينيه بقوة وهو يُحكم قبضته على حفنة من الرمال الخشنة التي اخترقت نسيج بشرته دون أن يشعر بها، فنيران قلبه تتلظى، وخلايا جسده تفور لتفقده الإحساس بأي وجع سوى وجع انكسارها، ليهب من مجلسه خاطيًا بخطوات واسعة، أصبحت أكثر هرولة، لتكون أكثر ركضًا.

ركض قربها بدائرة مفرغة بسرعة جنونية، سرعة إن استغلها جيدًا لتُوج بلقب بطل العالم.
دناءته معها، قذارته تلك، ممارسته لها دون زواج شرعي؛ كل هذا يدور برأسه ليكون وقود تروس سرعته، بينما هي كانت تحتضن جسدها بانكسار باكية بألم مزق نياط قلبه، وملأ حجراته مرارة وأسى، لتتذكر لمسته المقززة لها، وتتذكر نزواته الدائمة والتي كانت على مرأى ومسمع منها بالسنة الأخيرة.. ضاق صدرها بكل هذا لترفع رأسها نحو ربها فاغرة فاهها علّها تستجلب به بعض الهواء البارد الذي يتوفر حولها وبكثرة، إلا أنه كان معها بخيل شحيح .

شهقات متتالية، متلاحقة حتى أصبحت صرخات مدوية، صرخات مريرة، صرخات انتفض لها جسده، واحترق لها قلبه، ليستدير نحوها بكامل جسده وهو يرمقها بقلة حيلة وانكسار، فتعالت صرخاته هو الآخر ممتزجة مع صرخاتها التي اهتزت لها أركان الجبل الشامخ، كما ثارت لأجلها أمواج البحر الهادئة.

ساعات طويلة وهو يرمقها من بعيد، بعدما فقد قدرته على مواجهتها.. كيف كل هذا وهو حديث العهد بها؟! أيُحمل نفسه ذنبًا لم يكن له يومًا؟! فعلاقته بها لم تتجاوز أيام قليلة، فلما كل هذا الشعور نحوها؟! ، ولما كل هذا الانكسار لأجلها؟!

أفكار تعصف بعقله وقلبه ليحسم أمره أخيرًا هو يقترب منها بخطى واسعة هاتفًا بصرامة وحزم :
- تتجوزيني.

رفعت أنظارها نحوه بصدمة مستنكرة وهي تحرك رأسها بنفي مرددة بعناد قوي :
- لأ.

أجابها مباشرة، وبتحدٍ سافر :
- ده قرار مش اختيار، يعني مابخدش رأيك.

هبت من مجلسها تصرخ به بغضبٍ نُزع فتيله:
- وأنا مش موافقة، لا بقرار ولا باختيار.. شوف هتقدر تغصبني إزاي .

وأولته ظهرها مغادرة نحو الطريق ونيران الغضب تُشعل ذراتها، أيشفق عليها هذا الـ "يامن"؟!.. لما يتحمل عبء هو بغنى عنه تمامًا؟.. لما يحمل نفسه طاقة ومسئولية ليست له؟
ليستوقفها صوته الهادر بجدية وثبات ويخرجها من أفكارها هذه:
- هجيبلك ابنك.. تمانية وأربعين ساعة بالظبط وهيكون في حضنك.

انتعش قلبها أملًا بأكسير حياتها الوحيد ، ليتراقص فرحًا وهي تستدير نحوه هاتفة بدمعات سعادة لم تعد تتذكر مذاقها :
- انت بتتكلم جد يا "يامن"؟ يعني تقدر تجيبلي ابني وتخليه ما يفارقش حضني طول الحياة.. بالله عليك إوعي تكون بتضحك عليا وتعيشني الأمل وبعدين أفوق منه على صدمة تكسرني، لا دي تموتني، أنا عايشة عشان الأمل ده بس ومش بحاول أقرب منه عشان ما افقدوش نهائي.. بالله عليك بتتكلم بجد؟

اختزل "يامن" المسافة الفاصلة بينهما لخطوة واحدة وهو يردد بثبات وكبرياء رجولي :
- مش محتاج اضحك عليكي ولا العب بمشاعرك.. كل اللي هقولهولك إن ده وعدي ليكِ، وأنا عمري ما خلفت وعد ولو على رقبتي.. اتصال واحد بس وابنك يكون عندك وفي حضنك وللأبد.. جربي.

أومأت برأسها بتأييد وهي تردد ببكاء :
- وأنا موافقة على الجواز، بس.. بس..

تنهد "يامن" بقوة غاضبة بعدما فهم ما ترمي إليه، ليردد بحزم صارم:
- ما تخافيش مش هلمسك قبل تلت شهور لحد ما عدتك تخلص وتتطمني ، أو لحد ما انتِ بنفسك تقرري حاجة زي دي حتى لو بعد سنين، أنا مش حيوان يا "ميان" عشان أخد حاجة غصب.

أطبقت "ميان" عينيها بأسى وهي تردد بامتنان للمولي لنجاتها:
- أنا مش بتكلم عشان موضوع الحمل يا "يامن"، لأني متأكدة إنه مفيش حاجة .. أنا اللي مش مستعدة نفسيًا لحاجة زي دي دلوقتي.

حرك "يامن" رأسه بتأييد ظاهري، وهو يتقرب لله بالحمد أنها لم تحمل بأحشائها طفلًا من ذلك الخسيس، ليردد بثبات قوي :
- اتفقنا.. اوعدك إنك هتعيشي في بيتي بأمان واطمئنان ولو قصرت معاكي في حاجة أكيد هيكون غصب عني.. بس ليا رجاء عندك قبل ما نعمل كده.

حركت رأسها بتساؤل تستهمه للاسترسال بحديثه الذي أفصح عنه بجدية :
- محتاجك تساعديني في حاجة كمان.

- إيه هي؟
هتفت بها "ميان" بفضول وهي تهز رأسها بهدوء، ليجاوبها هو بجمود تجلد به :
- "ياسر".

ضيقت "ميان" عينيها بتعجب مرددة باستنكار :
- ماله "ياسر"؟

تنهد "يامن" بهدوء وهو يردد بعدم اكتراث :
- حاجة بسيطة كده شاكك فيها وحابب أتأكد منها ومحتاجك تساعديني في كده.

أومأت له برأسها مرددةً بحماس قوي :
- معاك طبعًا.. شوف المطلوب مني إيه بالظبط وأنا هعمله وبدون أي تردد.

ردد "يامن" بشرود قوي بالفضاء أمامه :
- مفيش حاجة محددة، هو بس لو اللي في دماغي حصل و"ياسر" جه الصبح، كل اللي هتعمليه إنك تكوني في صفه حتى لو ضدي ولو طلب منك تقنعيني بحاجة..أي حاجة.. ياريت تساعديه وتعملي كده.

مطت "ميان" فمها بتذمر مرددة :
- مش فاهمة حاجة.

- كمان كام ساعة هتفهمي كل حاجة، بس جهزي نفسك لكتب الكتاب الصبح وده هيكون سري بشكل مؤقت، وطبعًا قبلها هتصل بوالدتك اعتذر لها وأطلب إيدك منها ونتخطب قدامها لحد ما نقدر نفهمها الحقيقة كاملة، بس وإحنا جنبها عشان صدمتها، أو لو مش حابه كده ممكن تفضلي في بيت والدتك ٣ شهور.. هنشوف وقتها الحل المناسب لينا، بس الأكيد بإذن الله إن مجرد وصولنا القاهرة ابنك هيكون عندك وفي حضنك .. اتفقنا؟ .

قدمت "ميان" يدها نحوه بمصافحة وهي تردد بحماس قوي :
- اتفقنا.

صافحها "يامن" بحفاوة مرددًا بابتسامة هو الآخر :
- اتفقنا.

جذبتها ضغطة خفيفة من يده الحانية ليدها المرتجفة إلى أرض الواقع، لتلتفت نحوه بإبتسامة راحة شديدة بادلها هو بإبتسامة عشق غامض قبل أن يلتفتا حولهما ويرمقا المكان بسعادة كبيرة مغادرين إلى عالم ربما قد حان أن يكون الحب هو دستوره الوحيد وربما يتبقى على هذا خطوة واحدة أو بضعة خطوات قليلة، إلا أن المؤكد في هذه اللحظة أن تلك الواحة كانت شاهدة على ميلاد عشقهما المتيم، وإعلانه برباطه المقدس مدى الحياة

********
قبل ساعة من الآن.
تبعت "ميان" "يامن" إلى غرفته في هيئة أنها تحاول تحسين العلاقات بينه و بين شقيقه وفض هذا النزاع الظاهري من ناحية "يامن" على الأقل ، لتطرق بابها بخفوت هامسة :
- أنا يا "يامن"، ممكن تفتح لو سمحت، محتاجة أتكلم معاك ضروري.

فتح الباب بعصبية مصطنعة تكسو جميع قسماته وتتحفز لأجلها عروقه النافرة ببذخ شديد وهو يتنحى بجسده قليلًا سامحًا لها بالمرور ، لتلج هي موصدة الباب خلفها بحرص وهي تستند عليه بكامل جسدها زافرة زفرة راحة قوية تنفض بها هذه الشخصية المصطنعة قبل أن تعود لشخصيتها الحقيقية مرددة بفضول حقيقي :
- هنعمل إيه دلوقتي؟

عقد "يامن" ساعديه أمام صدره بقوة وهو يتنهد بأسي وخذلان أحرق فؤاده ، فشكوكه بأخيه تيقنت وباتت واضحة كوضوح شمس نهار صيفي، فهو من كان يقدم يد العون دائمًا لتلك الأفعى السامة، ليردد بصرامة وثبات :
- هتفهمي كل حاجة دلوقتي.

لم يُكمل "يامن" جملته إلا وكانت تلك الطرقات الرجولية تدوي بباب الغرفة بدوي جادي ، ليخطو "يامن" نحوه بخطى واسعة ويفتحه بإبتسامة حافية سامحًا لمدير الفندق بالولوج ومن ثم أعاد إغلاقه ثانية.

أردف المدير بابتسامة واسعة وهو يحدق بـ "يامن" و "ميان":
- تحت أمرك يا أستاذ "يامن"، أقدر أساعدك في إيه؟

أجابه "يامن" بجدية وهو يرسم ابتسامة واسعة على ثغره :
- الأمر لله وحده يا فندم.. أولًا بعتذر عن ازعاجك، بس حقيقي مفيش غيرك يقدر يساعدنا، أنا محتاج تجيب لي مأذون مأذون.

ضيق الرجل عينيه بدهشة مرددة :
- مأذون!.. مأذون حقيقي يعني ولا واحد يمثل معاكم إنه مأذون؟

انفرجت إبتسامة خفيفة بثغر "يامن" وهو يحرك رأسها بنفي مغمغمًا :
- لا مأذون حقيقي طبعًا.

وتنهد بهدوء مسترسلًا بنبرة حانية رغم جديتها:
-أنا وأستاذة "ميان" قررنا نتجوز هنا، المكان الصراحة تحفة ، بس هستأذنك في مساعدة تانية كمان، أنا عارف إني بتعبك وبزعجك بس ده حظك بقا.

تهللت أسارير الرجل وهو يهتف بسعادة مباركًا لهما عاتبًا علي بقية حديث "يامن" :
-يا ألف نهار أبيض، يا ألف نهار مبروك، ربنا يتم فرحتكم على خير يارب، قولي أنا أقدر أساعد بإيه غير المأذون طبعًا ومن غير كلامك اللي يزعل ده.

بينما كانت "ميان" تتابع هذا الحديث بمشاعر متضاربة، ونبضات متسارعة لم تعد تفهم سببها، فكل ما يحدث أمامها حلم خيالي، أهي حقًا ستتزوج مرة أخرى، أستأتمن رجل آخر على حياتها بعدما أضاع "مهاب" ما فات منها في ذل وتعنيف، أحقًا تُريد هذا وتستكمل طريقها معه أم أنها خطة بزمن محدد طال أو قصر وبعدها ستعود لحياتها الحُرة؟... هل سيكون أمين معها كما وعدها أم سيغتصب حقوقه عُنوة؟، هل سيصدق معها بوعده في استرجاع صغيرها إلى أحضانها ثانية أم كان كلام ووعود لحظية لتحقيق أهدافه وغايته؟ .. كل هذه الأفكار كانت تعصف بعقلها وتداهمها بقوة بتلك اللحظة التي تنهد "يامن" بقوة مرددًا بثبات شديد:
- حضرتك هتشوف لنا مأذون وكمان هستأذنك تكون وكيل العروسة لأنها للأسف ما لهاش غير مامتها بس وهي حاليًا في القاهرة، ده غير إنها تعبانة مش هتقدر تسافر المسافة دي عشان تحضر الفرح، وكمان إحنا حابين نعملها لها مفاجأة ونفرحها.

انفرجت ابتسامة الرجل وهو يردد بسعادة أكبر لهذه الثقة الكبيرة :
- ده شيء يشرفني طبعًا إني أكون وكيل عروستك يا ابني، واعتبر الفرح فرحنا وهنقوم بالواجب معاك وعلى أصوله.

-الشرف لينا يافندم، أنا متأكد من كده
أردف بها "يامن" بابتسامة قبل أن يستطرد بجدية :
-طبعًا هنكتب الكتاب عند حضرتك في المكتب، هنخلص كل الإجراءات الأول بينا أنا وأنت والمأذون وياريت لو اتنين شهود من عند حضرتك لأن زي ما أنت عارف.

أجابه الرجل بجدية هو الآخر :
- من غير مبرر يا ابني، الشهود موجودين وتحت أمرك .. ولادي الاثنين هيكونوا شهودك، ولو عايزة الواحة كلها تحضر وتشهد من غير ما تفكر هيكونوا عندك وجنبك وبيفرحوا بيك .

أومأ "يامن" برأسه مؤيدًا بسعادة :
- ربنا يبارك لك يارب، هو تمام قوي كده .. بس فيه حاجة كمان صغيرة، ياريت لما المأذون يوصل الساحة برة واحدة تبعك تقابله بالزغاريط طبعًا والتهليلات، أكيد فاهمني ومش محتاج توصية في الموضوع ده.

أشار الرجل بسبابته نحو عينيه مرددًا بصدق وود حقيقين :
-عنينا ليك يا ابني ده أنا هخليها تعمله أحلى زفة في واحة سيوة كلها.. أي أوامر تانية قبل ما أروح أجهز كل حاجة.

اتسعت ابتسامة "يامن" بعرفان كبير مرددًا :
- الأمر لله وحده.. أنا مش عارف أشكر حضرتك إزاي على وقفتك جنبنا دي.

ابتسم الرجل بطيبة وود وهو يشير نحو "ميان" بيده مرددًا :
- تشكرني بأنك تحافظ عليها، انت بتقول إنها ما لهاش إلا والدتها، وأنا بقولك إني مكان أبوها، وولادي إخواتها.. ده لو هي وافقت يعني.

التمعت عينا "ميان" بدموع الفرح وهو تطوفه بسعادة كبيرة، فتلك هي المرة الأولى التي تستشعر بها حلاوة هذا اللقب، لتهتف بسعادة غامرة :
-يا خبر حضرتك.. ده شرف ليا طبعًا.

-ربنا يسعدك يا بنتي..أستأذن أنا عشان أشوف شغلي.

صاحبه "يامن" إلى الباب وهو يردد بعرفان خالط نبرته :
- اتفضل، ألف شكر تاني.

وأوصد الباب خلفه بهدوء ثانية، ليخطو نحو "ميان" التي بدأت تبكي بتأثر شديد وهي تتبع أثره بالفضاء، ليتنهد "يامن" بهدوء مقررًا أن يُخرجها من هذا، فردد متسائلًا :
- ممكن أسألك سؤال.

أزالت" ميان" ما علق بأهدابها من عبرات وهي تُجيبه بجدية :
- أكيد طبعًا.. اتفضل.

خطى "يامن" نحو أحد المقعدين يحتله بثبات مرددًا بتعجب شديد:
- انتِ ليه ما سمعتيش كلام "صافي" وحطيتِ الـ(xanax ) في قهوتي؟.. يعني كان قدامك كل الفرص لكده وماكنتش هشك فيكي أبدًا.

عقدت ساعديها أمام صدرها بتنهيدة قوية مرددة بجدية تامة :
- لأني ببساطة كنت شايفاك بني أدم سوي وهادي أغلب الوقت.. ملاحظتش أي عصبية مفرطة أو نوبات هياج مثلًا تخليك تكون صعب التفاهم معاك، فليه أتسبب في أذى لجهازك العصبي أو تدميره ؟ واللي بالتأكيد هيأثر على شغلك اللي عندك في المقام الأول، وبعدين مش ممكن تكون هي فعلًا مبدلة الأقراص دي بأقراص تانية ومادة فعالة تانية تسبب لا قدر الله الوفاة.

تنهد "يامن" بقوة وهو يسبل أجفانه بهدوء متذكرًا شقيقه ومؤامراته التي لم تنتهي بعد رغم طيبته وصدقه معه ، ليفتح عينيه مستطردًا بتساؤل حقيقي:
- طب افرضي "صافي" جت هنا وأنا اتعصبت عليها زي يوم المكتب، كنتِ هتعملي إيه؟

ذمت "ميان" فمها بطفولية مرددة :
- كنت هحاول اتكلم معاك وأهديك على قد ما أقدر، وبعدين إحنا ناس كبار وفاهمين وكمان ناس متحضرة وعارفين إن النقاش عمره ما كان بالعصبية والعناد اللي أكيد عمرهم ما بيحلوا مشاكل، ولا إيه؟

اتسعت ابتسامة "يامن" لبراءتها هذه _فلم يرغب أن يُسميها سذاجة_ وهو يرفع ساعة يده أمام أنظاره مرددًا برفق :
- الجزء الثاني من الخطة هيبتدي دلوقتي، عايزك تباني طبيعية جدًا وأنا كمان هضطر أجاريهم وأمثل قدامهم إن خطتهم ماشية مظبوط، وإن العقار بدأ يعمل مفعول وأكتر مما كانوا يتصوروا كمان.. يعني همارس مهام وظيفتي وهمثل عليهم الدور اللي مستنينه مني، وببراعة ، وده هيكون أهم دور في حياتي، بس قبل ده كله لازم أتصل بمامتك واطلب ايدك منها.

فركت "ميان" يدها بتوتر وهي تردد بتلعثم طفيف :
-ممكن نأجل موضوع ماما ده لحد ما اتكلم معاها أنا بنفسي، لأن كل اللي هي تعرفه إني مطلقة من كام يوم بس حتى ورقة الطلاق بشيلها معايا في شنطتي دايمًا ومش بقدر أسيبها في البيت عشان ما توقعش في ايدها وتعرف الحقيقة.

تنهد" يامن" بقوة وهو ينهض من مجلسه مادًا يده نحوها مرددًا بحماس مصطنع :
- أوك .. يلا بينا.

واتجه نحو شقيقه لاستكمال بقية المسرحية الهزلية التي حولها "يامن" لمسرحية استعراضية كبيرة.

بعد مرور نصف ساعة ، بمكتب المدير.
كان "يامن" يجلس مقابلًا لـ "ميان" أمام المأذون الذي طلب بطاقة هوية العروسين، وقسيمة الطلاق وبطاقات هوية الشهود والوكيل، ليبدأ بإتمام مراسم عقد القران.

بينما كانت "ميان" تجلس أمامهم وهي تفرك كلتا يديها ببعضها البعض بخجل شديد أشعل وجنيتها حمرة زادتها جمالًا وجاذبية، كان "يامن" يراقب توترها هذا بسعادة رقص لها قلبه وبقوة، فلأول مرة يشعر بتلك المشاعر الجياشة ، ليستفيق من مراقبته لها على صوت المأذون الذي طلب منه التوقيع على عقد الزواج.

نهض "يامن" من مقعده متجهًا نحو دفتر المأذون يلتقط منه القلم مذيلًا وثيقة الزواج بتوقيع يده قبل أن يناوله إياها لتوقع هي الأخرى، ليوجه الشيخ محبرته نحوهم مرددًا بإبتسامة واسعة :
- نبصم كمان على الصور، نص البصمة على الصورة والنص التاني على الوثيقة، وكمان نبصم هناك.

اتسعت ابتسامة "يامن" وهو يرمق صورة "ميان" المتجهمة الملامح بها كمن كانت تلتقطها تحت تهديد السلاح، ليلتفت نحوها ثانية وهو يطوفها بنظرات غامضة، لتنهي هي الآخرى مهمتها ويسلما الدفتر للمأذون الذي سلمه بدوره إلى شهود العروسين ووكيلها يوقعا هم الأخرون.

مال "يامن" نحوها بخبث شديد مرددًا بمشاكسة :
- هما كانوا مرفعينك بسلاح وانتي بتصوري الصورة دي ولا ايه؟

رفعت أنظارها نحوه ببراءة مرددة بتجهم شديد :
- دي كانت صور الباسبور وأنا كنت كارهه الرحلة أصلًا.

لتتذكر نبرته الخبيثة فتضيق أحداقها قليلًا مغمغمة بغيظ شديد :
- وبعدين أنت مالك أصلًا مش تحمد ربنا إن الصور دي كنت دفناها معايا في المحفظة ومحرقتهاش.

مط "يامن" فمه بهدوء مغمغمًا بمشاكسة أكبر :
- ياريتك ما دفنتيها.

اشتعل الغيظ بقلب "ميان" التي زفرت زفرة قوية بوجهه وهي تصك أسنانها بقوة مغمغمة من بينهما :
- ولا أي حاجة، اعتبرهم اتدفنوا ويلا نفض الموال ده وكل واحد يروح لحاله.

مال "يامن" نحوها أكثر وهو يهمس جوارها بعشق كبير أربكها وبقوة :
- ده بعدك.. ده أنا ما صدقت إنك تكوني على اسمي، وكنت متأكد إن اليوم ده جاي جاي من اول لحظة شفتك فيها، إنتي اتخلقتي في الدنيا دي عشاني يا "ميان"، إنتي رزقي اللي ربنا كان شايلهولي.

تعالى صدرها وهبط بقوة بفعل هذا الثائر داخله، واشتعلت وجنتيها خجلًا مرتفعة ألسنة نيرانها الملتهبة تلفح وجهه بسعادة غامرة جعلته يرغب في تدنيس وعده لها واقتناص شفاهها هذه وضم كامل جسدها إلى أحضانه يستمد منه قوته وطاقته لما هو آت، ليسحب نفسًا عميقًا ويزفره بعيدًا عنها وهو يهرب منها بنظراته الفاضحة لرغبته هذه مستقيمًا بجذعه نحو المأذون الذي أنهى كامل إجراءاته مرددًا بإبتسامة واسعة :
- بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير.

طوفه "يامن" بسعادة متسائلًا :
- كده كتبنا الكتاب فضيلتك؟.

أومأ المأذون مرددًا ببشاشة :
- بأمر الله يا ولدي.

تنهد "يامن" بسعادة وهو يلتفت نحو زوجته بأعين تشتعل عشقًا وظمأً، ليدنو منها بجذعه مقبلًا رأسها بحنو هامسًا :
- الف مبروك يا "ميان".. احمدي ربنا إننا مش لوحدنا وإلا كنت حضنتك.

ارتجف جسد "ميان" بقوة من لمسة شفاهه هذه، وتصارعت دقات قلبها من تصريحه هذا، لتطوف أنظار الجميع حولهما قبل أن تطرق رأسها خجلًا وهي تلهو بأناملها مرددة بخفوت :
- الله يبارك فيك.

ابتسم "يامن" برضا تام وهو يلتفت نحو المأذون مرددًا بجدية :
- كده لسه الإعلان فضيلتك وطبعًا زي ما فهمنا حضرتك، هستأذنك تنتظرني خمس دقايق بس.

أماءَ له المأذون برأسه وهو يلتقط كوب العصير الخاص به يرتشفه بانتظار عودة "يامن".

كانت كل هذه الذكريات تعصف بعقل "ميان" و"يامن" الذي كان يطوفها بنظرات عشق وشوق وامتنان، وتقابله هي بنظرات أكثر خجلًا، ليخرجها من خجلها هذا صوت المزمار والزغاريد التي ارتفعت بساحة الفندق، ليلتفت نحوها فيجدا جمع كبير من أهل الواحة نساء ورجال، لتركض نحوها مجموعة من الفتيات تأخذ بيدها إلى الداخل مرددين بسعادة غامرة :
- يلا عشان نجهزك يا عروسة.

بينما حاوط "يامن" مجموعة من الشباب يتمايلون حوله برقصات رجولية وهم يصكون عصيانهم الخشبية ببعضها البعض مدويًا صوت تصادمها بالارجاء، ليعلو الفرح بأنحاء المكان ويسكن قلوب من به، عدا قلب واحد أقسم على الانتقام.


تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close