اخر الروايات

رواية في قبضة اللعنات الفصل الرابع عشر 14 بقلم مريم غريب

رواية في قبضة اللعنات الفصل الرابع عشر 14 بقلم مريم غريب


 14 )

_ دماء ! _

كان الجناح الذي أودع فيه منذ فترة قصيرة هادئاً، كل شيء يعمه السكون، حتى هو، لم يعد ينتابه الإنفعال أو العصبية، لم يعد يهتاج على نفسه و يطوف هنا و هناك محطماً كل شيء تمسكه يده، لم يعد يتصايح بغضب محتجاً على إحتجازه هنا قسراً عنه

أصبح مسالماً، أو لعله ليس كذلك، عسى أن يكون هذا الهدوء مجرد مقدمة.. تمهيد... لأمر يفكر فيه !

كان جالساً فوق الكرسي الهزاز، يضع سماعتي الرأس، مغمضاً عيناه في إسترخاء و هو يستمع لإحدى المقطوعات الموسيقية المعقدة... و فجأة شعر بتوقف وتيرة إهتزاز الكرسي الرتيبة، فتح عيناه دفعة واحدة، كان رأسه ملقى للخلف، ظل ساكناً للحظة، عندما شاهد هذا الوجه الذي حفرت تفاصيله كليةً بعقله منذ اللقاء الأول !!!

أطفأ الموسيقى، ثم إعتدل قائماً من مكانه ..

إستدار في مواجهة أبيه المزعوم !!!

يا له من تشابه !

ليس بينهما، لا.. بل بينه و بين إبنته... "ميرا"، أمه المزيفة، و أخته فعلياً بنفس الوقت

نفس الملامح تقريباً، و العينين الحادتين، و الشفاه الدقيقة، و النظرة المتنمرة، رغم أنها لا تجيدها مئة بالمئة مثله، فقط نسبة صغيرة ...

-بتشبه عليا و لا إيه ؟! .. كان هذا "سفيان"... الأب

أول من تحدث، و كانت تعابيره الفاترة منفرجة الأسارير بشكل يوحي أنه يبتسم، إلا إنه لم يكن كذلك !

-أنا أعرفك عشان أشبه عليك ؟

و ظل سؤال الإبن الجاف معلقاً لبرهة، بينما يناور الأب مبتسماً بحبور، قبل أن يقول بخبث :

-إنت فعلاً إبني !

•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••

إستقبل "يوسف" إمرأته الجامحة... "ميرا" عند باب منزلهما السري، أدخلها و هو يعتقلها بين أحضانه و أغلق الباب مسرعاً

كانت تجر حقيبة ملابسها و هي تسير معه متعثرة و موشكة على السقوط أكثر من مرة لولا ذراعيه المحكمتين حولها، أخذت تضحك منه و تحاول إبعاده قليلاً و هي تقول :

-چو ! حبيبي. على مهلك شوية هانقع

و بصعوبة إبتعد عنها، نظر في وجهها مبتسماً بحب جارف و قال مدهوشاً :

-أنا مش مصدق إنك جيتي بالسرعة دي.. عملتيها إزاي ؟ إحنا مش كنا متواعدين على بكره ؟!!

تركت "ميرا" مقبض الحقيبة من يدها، ثم طوقت عنقه بذراعيها و قالت بدلال :

-حبيبي أنا عشانك أعمل المستحيل. بس عشان أبقى جمبك. أنا بحبك أووي يا چو. مقدرش أتخيل حياتي منغيرك أصلاً !

رد على كلماتها الرومانسية بقبلة سطحية على فمها و قال بلطف :

-أنا كمان بعشقك يا عمري. بس فهميني بردو إزاي أقنعتي جوزك بالخروج دلوقتي ؟ و أبوكي. مش كان عندك إنهاردة ؟

تلاشت إبتسامتها شيئاً فشيء و هي تطلق نهدة عميقة، عبس "يوسف" بقلق لمرآى ذلك التعبير على وجهها فقال :

-في إيه يا ميرا ؟ حصل حاجة ؟؟!!

نظرت بعينيه بادئ الأمر، ثم أجابته :

-بص عمرو ده أمره سهل و دايماً بيصدقني. عمره ما يشك فيا أبداً أنا واثقة من ده.. المشكلة بس في دادي !

يوسف بتوتر شديد :

-أبوكي ! ماله يا ميرا ؟؟؟

-إنهاردة كلمني على إنفراد. و سألني Directly إذا كنت بقابلك أو بشوفك !

يوسف بشحوب تام :

-يا نهار إسود ! أبوكي عرف حاجة عن علاقتنا ؟!!

طمأنته على الفور :

-لالا إطمن. أنا أنكرت طبعاً. هو شاكك بس .. و أكملت بلهجة مستوحشة :

-كله من الزفتة يارا. هي إللي راحت قالتله

-و صدقها ؟؟

ميرا بصرامة : صدقها ماصدقهاش مش مشكلة بالنسبة لي. أنا كده كده مركزة و مش هخلي فرصة لحد يمسك علينا حاجة. بدليل إني جيتلك دلوقتي و ماستنتش للصبح. قلت لعمرو هقضي الليلة في بيت داليا صاحبتي و هانمشي سوا الصبح. أما دادي فأنا متأكدة إنه هايراقبني. عشان كده سبقته و مشبت قبل ما يبعت حد ورايا

يوسف بتململ : أيوه يا ميرا. بس كده مش خطر ؟ يارا دي بوظتلنا الدنيا خالص !

ضيّقت "ميرا" عينيها و هي تسأله :

-يوسف إنت خايف عليا و لا على نفسك ؟

عقد "يوسف" حاجبيه قائلاً بجدية :

-خايف عليكي إنتي طبعاً. أنا آه جربت غضب أبوكي كذا مرة قبل كده. بس دلوقتي غير زمان. أنا بقيت راجل سياسي معروف و مهم. مايقدرش يمسني. إنما إنتي ممكن تتئذي. لو مش منه من جوزك

و لانت تعابيرها هنا، إبتسمت و هي تريح رأسها على صدره متمتمة :

-أنا مايهمنيش كل ده. كل إللي يهمني إنت. و حياتي معاك. إنت حبيبي. أنا إختارتك إنت يا چو و من زمان أوي !

-خلاص.. يبقى تطلقي !

حبست أنفاسها في هذه اللحظة،، تطلعت إليه من جديد و قالت :

-قلت إيه ؟!!

يوسف بحزم : قلت تطلقي. و بعدين نتجوز. مافيش حل تاني

ميرا بإرتباك : آ أيوه بس. بس عمرو هاقوله إيه !!

-قوليله الصراحة. قوليله إن عمرك ما حبتيه. قوليله إن حياتكوا مع بعض كانت لازم تنتهي من زمان

ميرا و هي تهز رأسها برفض قاطع :

-لالالأ. لأ يا يوسف. مقدرش أقول كده لعمرو. مقدرش. ده له أفضال كتير عليا. مش ممكن أجرح مشاعره بالطريقة دي.. و أردفت بسخرية مريرة :

-كفاية إنه قبلني على عيبي. إتجوزني و إستمر معايا لحد إنهاردة و هو عارف حقيقة إللي حصلي على إيد سامح. عمره ما عايرني أو فكرني بالمصيبة دي. بعكسك إنت إللي سيبتني وقت ما كنت محتاجة وجودك جمبي !

رمقها بنظرة غاضبة و قال :

-خلاص يا ميرا. طالما شايفة كده مافيش داعي تعملي أي حاجة. تقدري ترجعي و تحافظي على جوزك و بيتك. و أنا مش هاتعرضلك تاني و مش هاتشوفي وشي أبداً بعد كده

ميرا بحدة : إيه إللي إنت بتقوله ده ؟ إنت إتجننت ؟

إبتعد عنها صائحاً بإنفعال :

-عايزاني أعملك إيه ؟ و إنتي بتدافعي أوي عن البيه جوزك. خليكي فاكرة كويس إنه ماكنش يعرف أي حاجة إلا بعد ما إتجوزتوا. لو كان يعرف من البداية ماكنش هايقبل و أحلفلك على كده. أما بالنسبة لي دي غلطتك إنتي من الأول. كدبتي عليا. ماقولتيش الحقيقة. 100 مرة فهمتك. لو كنتي صارحتيني بكل حاجة ماكناش وصلنا لكده !

و فرغ محدقاً فيها بوجه لاهث محتقن بدماء الغضب ...

أجفلت "ميرا" و هي تنظر إليه صاغرة، تآففت بضيق و مشت نحوه، شبت على أطراف أصابعها و إحتضنته، ضمته إليها بقوة و هي تقول :

-أنا آسفة. Sorry يا چو. ماكنش قصدي أضايقك.. خلاص هاعمل إللي إنت عايزه. هاسيب عمرو. هاطلب الطلاق أول ما نرجع من السفر !

و إرتدت للخلف لتنظر في وجهه، كان لا يزال عابساً، فإستخدمت سبابتها في فك العبسة عن جبينه و هي تستطرد :

-خلاص بقى فك التكشيرة دي. أنا جاية عشان أفرح و أتبسط معاك. معقول إنت كمان هاتزعلني زيهم ؟ بليززز يا چو. Smile. عشان خاطري !

لم يستجيب لها فوراً، لكنه إبتسم بالنهاية، إبتسامة بسيطة للغاية ...

إبتسمت بدورها قائلة :

-حبيبي.. ياريت تفضل كده علطول !

و لم يضيعا الوقت بعد ذلك، فإنتقلا إلى مسرح غرامهما مباشرةً، غرفتهما المخصوصة ...

•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••

-أنا ماعرفكش ! .. قالها "سفيان"... الإبن، بلهجة متصلبة

ليرد أبيه متعاطياً مع سلوكه العدواني الواضح :

-من الناحية دي مش هعارضك. إنت فعلاً ماتعرفنيش.. بس ماتحبش تعرفني ؟

الإبن بخشونة :

-لأ ماحبش. وفر التعارف أنا مش عايزه لا دلوقتي و لا بعدين

الأب ببروده المعهود :

-للأسف مش بمزاجك يابني. دمي بيجري في عروقك. و مسيرك كنت هاتعرف الحقيقة. و أدي الأوان جه. و عرفت مين هو أبوك. و مين تكون أمك.. بالمناسبة أمك معايا برا. عايزة تشوفك !

-و أنا مش عايز أشوف حد ! .. صاح الإبن غاضباً

-و بالذات ال××××× دي. ما تبعدوا عني بقى. عايزين إيه تاني ؟ جايبني هنا ليه ؟

الأب بهدوء : أوعدك هاتخرج في أقرب وقت. يومين بالكتير و هاجي أطلعك. هانرجع نعيش سوا تاني. كلنا. أنا و إنت و أختك. ميرا. و يارا. أمك !

صمت الإبن محملقاً في أبيه بنظرات مشتعلة، عجز عن الرد من شدة الغضب الذي يجيش بصدره، تفهم والده الوضع جيداً.. إقترب منه بتوأدة، وقف مقابله تماماً، وقريباً كان مقاس الطول واحداً لكلاهما... إبتسم له، و ربت على ذراعه قائلاً :

-أنا فاهم إنت بتمر بإيه.. و عارف إن المفاجآت كانت قاسية أوي الفترة الأخيرة. بس أنا مش هاسيبك كده. أنا لما جبتك هنا كان غرضي تريح أعصابك و تبعد عن كل حاجة. تفصل شوية. مش سجنك يعني زي ما إنت فاهم.. أنا عمري ما كنت هاملك. كنت دايماً تحت عنيا. لو فكرت كويس هاتلاقي إن الأمور ماتعقدتش أوي. بالعكس. لو ماكنتش لحقتك. كانت هاتبقى النهاية و الطريق المسدود فعلاً. نهايتك إنت الأول. و نهاية أمك. و مش نهاية عادية. كانت هاتبقى نهاية على إيدي أنا يابني.. فإحمد ربنا إني رجعت في الوقت المناسب قبل ما كل إللي بنيته كان إدمّر !

و إبتعد خطوة للخلف مكملاً :

-لما ترجع هانقعد و هانتكلم. هاشرحلك كل حاجة. و كل الأسئلة هاجوبك عليها بنفسي.. ماتقلقش خالص يا سفيان !

إزداد إحمرار وجهه حين دعاه بهذا الإسم الذي بات يمقته مقتاً شديداً، بينما إتسعت إبتسامة الأخير و هو يستدير راحلاً و ملوّحاً له مودعاً ...

كانت "يارا" تقف بالخارج كما تركها، بجوار الغرفة، و كأنها صنم.. كانت حالة من الخرس و اللاوعي مسيطرة عليها، فتنفس "سفيان" بعمق و إقترب منها

أحاط كتفيها بذراعه و حركها للأمام معه و هو يقول بلطف :

-هاياخد وقته و هاينسى. قولتلك أصلاً إنه محتاج يبقى لوحده شوية.. معلش. أنا هاتصرف. ماتقلقيش يا حبيبتي !

و لكن مشاعرها كانت تفوق حد القلق أصلاً، كان ذعرها من حديث إبنها أكبر من أي مشاعر عنيفة إختبرتها طيلة حياتها، فعلياً ! ............. !!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!

يتب


تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close