رواية حكمت وحسم الامر فهل من مفر الفصل الثالث عشر 13 بقلم الهام رفعت
الفصــل الثــالث عشــر
~~~~~~~~~~~
فتحت عينيها ببطء ورمشت عدة مرات لتستعيد أفاقتها الكاملة من نومها ، نظرت فريدة أمامها لبعض الوقت ليعود بذاكرتها ما حدث ، امتلأت الدموع في عينيها فما علمت به لن يتخيله أحد ، اقسمت من تلك اللحظة أن تتناساه وللأبد فقد عكر فكرها ناحيته ولن تعود كالسابق ، مسحت باناملها عبراتها الوشيكة على النزول لتحيل بكاءها عليه ، تنهدت بعمق وهي تلوم نفسها فقد شارفت أن تودي بحياة ابنتها الوحيدة من أجله ، حمدت الله بأن مشيئة القدر وقفت معها وإلا ما سامحت نفسها بقية عمرها ، اعتدلت فريدة لتنهض بتكاسل هي تتنهد باجهاد ، تصلبت فجأة حين وقعت عيناها عليهم ، تجمدت انظارها الشاردة عليهم وهم هكذا ، ابتسمت بمحبة وهي تطالعهم بنظرات راضية ، كانت ستخسر ابنتها وتحرمها ممن احبها واحبته بصدق ، هذا هو الحب الذي لم يزعزعة أي شيء مهما كان ، احبتهم فريدة وتمنت لهم الخير ، ابتسمت بسخرية فهي الآن تتمنى لهم السعادة الابدية فقد كانت قبل سويعات قليلة تفكر في قتلهم ، تنهد بهدوء ونهضت من على الفراش كي توقظها من نومها ..
تقدمت فريدة منهم ودنت من الارضية لتجثو على ركبتيها امامهم ، هزت ابنتها بهدوء وهمست:
- مارية ، اصحي يا بنتي .
لم تفيق هي بل افاق عمار فور سماعها ونظر لها ، انتفض حين رآها أمامهم وجذب مارية لأحضانه وهتف باضطراب :
- عاوزة ايه منها ؟ .
استحوذ الحزن على فريدة لظنه بأنها ستفتعل بها مكروه ما ، نعم هو محق فما فعلته بالأمس ليس بالهين ، نظرت له لتقول بطيبة تعجب منها :
- مش هعملها حاجة ، انا كنت بصحيها .
نظر لها بخزي من نفسه ، قال بأسف :
- سامحيني ، أنا بس خايف عليها و...
جذم جملته حين نظر لمارية وهي تفيق ، استيقظت مارية لتنظر له بابتسامة ناعمة ، قالت له بحب:
- صباح الخير يا حبيبي .
ابتسم لها ونظر لوالدتها بمعنى ، لاحظت مارية نظراته خلفها وادارت رأسها لتتفاجأ بوالدتها ، نهضت لتقول بتلهف شديد:
- ماما حبيبتي ، انتي كويسة؟ .
ابتسمت لها فريدة بحزن وردت بهدوء بعدما خطفت نظرة حزم لعمار:
- انا كويسة يا بنتي ، أنا جيت اصحيك علشان متتعبيش من نومتك دي .
اعتدلت مارية سريعًا وهمت بإحتضانها بقوة وهي تتنهد براحة مستطيرة ، اعتدل عمار هو الآخر ونهض ليقف ثم نظر لهم بابتسامة خفيفة ؛ مسحت فريدة على ظهر ابنتها بحنان كانت قد نسته ورسمت بدلاً منه القسوة ، قالت فريدة بنبرة حنونة :
- سامحيني يا مارية ، أنا كنت مخدوعة ومش عارفة الصح فين ، اوعي تزعلي مني يا بنتي .
ابتعدت مارية عنها قليلاً لتتمكن من رؤية وجهها ، عاتبتها :
- عمري ما ازعل منك يا ماما ، أنا بحبك قوي وخفت عليكي انتي ، لدرجة أني اترددت كتير أقولك ولا لأ .
ابتسمت فريدة برضى وقالت :
- الحمد لله أني عرفت الحقيقة في الوقت المناسب ، وإلا مكنتش هقدر اسامح نفسي طول عمري .
قالتها فريدة ليكتسح الحزن طلعتها ووجهها السمح ، ضمتها مارية مرة أخرى لتعبر عن حبها العظيم لها ، رددت بتمني:
- ربنا ما يحرمني منك يا ماما ويطولي في عمرك .
وقف عمار يتطلع عليهم ويستمع على حديثهم العفوي والذي لامس شيئًا ما بداخله يوحي بصدق الحب المتبادل بينهم ، تنهد بحبور ليخرج كل ضيق مر عليهم ويحل محله المحبة والهدوء بينهم ، تذكر عمار في فكره موضوع عمته وسأل نفسه ماذا أن علم والده بذلك؟ ، نظر لهم وتنحنح بخشونة لينتبهن لوجوده ، بالفعل انتبهن له وابتعدن لينظرن له ، نظر هو لفريدة وقال بنبرة متشددة :
- لو سمحتي موضوع عمتي اللي عرفتيه دا يفضل سر بينا ، اي حد مش مسموح يعرف ، المهم احنا بينا عرفنا الحقيقة .
اومأت فريدة رأسها بتفهم فهي لن تفضح حتى زوجها وستتكتم على الأمر هي الأخرى ، ردت بتأكيد شديد :
- أطمن ، محدش هيعرف باللي حصل دا غيرنا وبس .
نظرت لابنتها وابتسمت بلطف ، تنهدت لتعاود النظر إليه وتقول بتوسل بعض الشيء :
- خلي بالك من مارية ، حطها في عنيك ومتخليش اي حد يأذيها ، نظرت لابنتها التي تطالعها بنظرات حنون واكملت بحب:
- أصل مارية دي بنتي حبيبتي وعمري كله .....
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
حملت والدتها افطارًا شهيًا لابنتها وزوجها وولجت لداخل المنزل بعدما فتح لها فؤاد ، قابلها فؤاد بوجه بشوش وحدثها وهو يأخذ ما بيدها ليضعه على الطاولة :
- صباح الخير يا حماتي ، تاعبة نفسك ليه ؟.
ابتسمت بحياء وردت بحرج :
- دي الاصول ، اومال يعني هسيبكم تعملوا لنفسكوا ، انتوا عرسان يعني لكام يوم هعملكوا الأكل واجيبه .
ابتسم لها بامتنان وكاد أن يرد ولكن خروج اسماء من الغرفة وهي تحكم روب النوم عليها منعه ، اغذت اسماء في السير نحو والدتها التي فتحت ذراعيها لإستقبالها ، ارتمت اسماء في احضانها لتضمها سوسن بمحبة جلية ، هتفت سوسن بحنان:
- صباح الخير يا اسماء ، عاملة ايه يا حبيبتي؟ .
ابتعدت اسماء وقالت باستحياء وهي تخطف النظرات لفؤاد:
- كويسة طبعًا يا ماما ، دا سؤال تسأليه .
ضحكت والدتها بخفوت وقالت بتمني جارف وهي تمرر انظارها الحنون على كليهما:
- ربنا يسعدكم يا رب واشوف عيالكم بيلعبوا حواليكم .
نكست اسماء راسها بخجل ، بينما رد فؤاد بمكر وهو ينظر لأسماء:
- دعواتك يا حماتي واحنا نملالك البيت عيال .
اتسعت ابتسامة فريدة الفرحة وتنهدت بارتياح لرؤية ابنتها متزوجة من رجل مثله ، جاء على ذهنها بما تسمعت عليه بالأمس وقالت رافعة حاجبيها بعدم فهم :
- عرفتوا باللي حصل .
انصت الإثنان إليها باهتمام ، فاستطردت سوسن حديثها وهي تنظر لهما بنبرة غير مصدقة إلى الآن :
- بعد ما خدت اسماء ومشيت الست فريدة كانت حابسة الست مارية في اوضتها وبعتت للداية علشان تسقطها .
شهقت اسماء بصدمة وشحب وجهها ، كما انصدم فؤاد وسأل بقلق:
- وايه اللي حصل ، مارية كويسة ؟ .
ردت بنفي وهي توضح ما رأته بعينيها :
- لأ محصلهاش حاجة ، بس باين في حد بلغ عمار بيه باللي حصل ووصل في الوقت المناسب وخلى الستات اللي كانوا عايزين يسقطوها يهربوا ، دا كانوا بيجروا من الفيلا مرعوبين .
اغمضت اسماء عينها وتنفست براحة ، هتفت بامتنان :
- الحمد لله ، والله الست مارية ما تستاهل كدة .
قتل الفضول فكر فؤاد ليسألها بمعنى :
- وعمتي عملت اية لما شافت عمار؟ .
حركت رأسها بحيرة وردت بنبرة شغوفة :
- مش هتصدقوا اللي شوفته بعنيا قبل ما أجيلكم هنا .
كان الإثنان على اعصابهم وهي تسرد ما رأته ونظروا لها بترقب ، اكملت سوسن بذهول:
- عمار بيه والست مارية كانوا بايتين مع الست فريدة امبارح ، اصلها تعبت مش عارفة من ايه ، ولما كانوا ماشين الست فريدة كانت بتدعيلهم وبتقولهم هتبقى تروح عندهم .
هتف فؤاد باستنكار :
- ايه الكلام ده ، عمتي سامحته بالسهولة دي ؟! .
ردت سوسن بجهل وهي تنظر إليه مقلصة المسافة بين حاجبيها:
- مش عارفة ايه اللي حصل بالظبط ، اصل كان موجود امبارح لما وصل عمار بيه والدك ومعاه مكرم بيه ، باين الموضوع كان كبير ومعرفتش كانوا بيعملوا ايه لانهم كانوا لوحدهم ، ولما صحيت الصبح شفت كدة بعيني لما كانت بتودعهم .
فرك فؤاد اسفل ذقنه بتفكير ليستنبط سبب تغيير عمته المفاجئ ووجود والده وارتباطه بالموضوع ، فشل في كشف ذلك والتزم انتظار مجيئ والده ومعرفة ما حدث بالتفصيل ، فكيف ترتضي عمته بالصلح بتلك السهولة فأين محاربتها لهم ، تأرجحت الافكار في رأسه وتصارعت ولن يجيب على تساؤلاته سواه .....
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
انتظر والده قدومه بعدما علم بغيابه ووجوده في فيلة هذا الحقير ، امتعض سلطان واستنكر عصيان ابنه له فكيف يذهب إلى هناك ، جلست راوية بجانبه على الاريكة في ردهة الفيلا حيث ينتظر مجيئ عمار بشغف ممزوج بالإنزعاج وظهرت الصلابة والقسوة في عينيه ، توجست راوية من ردة فعل زوجها فما فعله ابنها غير مقبول وانتظرت باعصاب مشدودة ما سيحدث ..
وعن سلطان أكثر ما خشاه هو فضح أمر اخته وكشف السر ، لن يسامح عمار مطلقًا إذا فعلها فقد نبه عليه العديد من المرات للتكتم على الأمر ، خشي سلطان كسره لتلك الثقة واخبار الجميع بما ضمره عن من حوله كي لا يتسبب في تدنيس شرف اخته ، لوقت مر عليهم زادهم ترقب وتلهف لمعرفة سبب مبيتهم هناك ؛ التفتوا ناحية باب الخروج حين تسمعوا على صوته المالوف لهم وهو يضحك من قلبه ، حيث ولج عمار ومعه مارية يتبادلان الحديث بسلاسة والضحكة على وجوههما، نهض سلطان من مكانه وكذلك خلفته راوية لتتابع ما سيزمع له زوجها معه ابنهم ، انتبه عمار لوالده وتحرك ناحيته ليتوقف عن الضحك ويبتسم بعذوبة ، وقف قبالته هو وزوجته مارية التي تنظر لهم بحرج ، قال عمار باحترام :
- صباح الخير يا بابا .
- كنت فين؟ .
قالها سلطان بنبرة صلبة جعلت عمار يرتبك ونظرات الأخير تحتد بقسوة عليه ليظهر ضيقه ، خطف عمار نظرة متوترة لزوجته ورد بتردد :
- أصل مارية لما راحت امبارح عند والدتها تعبت ، فأنا روحت اشوفها ومقدرتش اسيبها هناك وفضلت جمبها .
صدح سلطان بعدم رضى :
- أزاي الكلام ده ، نمت في بيت الراجل اللي قتل عمتك .
ابتلعت مارية ريقها وشعرت بالحرج الشديد ، نكست رأسها بهدوء ولم تعلق ، فما فعله والدها لا يستحق الشفقة من أحدهم ، أحس بها عمار ونظر لوالده وقال باستياء بعض الشيء:
- أنا كنت مع مراتي يا بابا ، وخفت اسيبها لوحدها ، حضرتك عارف انها حامل .
كبت سلطان انزعاجه حين ضغط على شفتيه بقوة ، نظر لمارية وحدثها بنبرة قوية جعلتها ترتعد وتنظر له بارتباك:
- وانتي لسة بتفكري تنتقمي من جوزك ولا ...
قاطعته نافية بشدة حين نظرت له بثبات :
- لأ ، عمار جوزي وابو ابني اللي جاي ، عمري ما هأذيه أبدًا .
اتسعت ابتسامة راوية من خلف زوجها لأن الله استمع لدعاءها حين ناجاته بأن يمر الأمر بسلام وبينت اعجابها برد مارية حين طالعتها بنظرات مادحة ، اثبتت مارية ولاءها لهم حين انحنت لتمسك بيد سلطان وقربتها من فمها ، قبلتها باحترام وقالت بجدية:
- كل اللي عوزاه أنك ترضى عني .
ارتسمت ابتسامة اعجاب صغيره على زاوية فمه وهو ينظر لها ، اعتدلت مارية ونظرت له راسمه الطاعة لكسب ارتضاءه عليها وهذا ما ظهر حين حرك رأسه ليتقبلها ، أما عمار فلم يصف كم الفرحة التي ملأت قلبه تجاه ما تفعله زوجته ، استشعر من تلك اللحظة أن حياته معها تغيرت ليغدو الحب سيدها والفرحة مفتاحها ...
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
في الأعلى وقفت شيماء تتابع ما يحدث وتعابير الإندهاش ظهرت عليها ، ملأ الحقد والكره قلبها في تلك اللحظة حين رأتها امامها بكامل صحتها ، كما أنها لم تخسر طفلها ، تعجبت بشدة وهي تحاول فهم ما حدث فهي لابد أن تكون الآن في عداد الموتى ، كيف نفدت من انتقام والدتها ، احتارت وساورتها الافكار والتساؤلات في رأسها تكاد تفتك بها ، صرت اسنانها بغضب وهي تراه يضمها إليه وتكسب هي ثقة من حولها ، لم يعد لها محل اليوم هنا ، وجدت أن عليها اغتنام الفرصة لتنتقم هي ، نعم ستنتقم هي وستفعل المستحيل كي لا تترك هذا المكان ، تحركت للخلف ذاهبة لغرفتها التي تلازمها حتى لا ينفر أحد من وجودها ويستدعي الأمر طردها ، سارت شيماء لغرفتها وهي تفكر كيف تتخلص منها ، وجدت ضرورة الإسراع في التنفيذ فمكوثها هنا اصبح معدود ، ولجت الغرفة وأوصدت الباب خلفها لتفكر بتأني في خطوتها القادمة ...
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
وصل لباب غرفتهم واستوقفها ليقول بغموض :
- استني متدخليش .
نظرت له مارية بعدم فهم ، تنبهت له ينحني ويهم بحملها ، شهقت مارية وتطلعت عليه مبتسمة بحب ، غمز بمكر وقال:
- لو مش بابا قاعد تحت كنت شيلتك يا حبي الوحيد .
طوقت مارية عنقه وهي تضحك بسعادة ، ولج عمار بها غرفتهم ولم ينزلها سوى على الفراش ، وضعها بهدوء ولم يبتعد عنها ، قال بعشق:
- بحبك وهفضل احبك طول عمري ، لو خيروني تختار حياتك ولا مارية ، هقولهم حياتي هي مارية ، قلبي ملك مارية ، عقلي وكلي ملك مارية .
اغرورقت الدموع في عينيها وهي تستشعر صدق حديثه ، طوقت عنقه بذراعيها بتملك لترد عليه معلنة الأشد :
- ومارية من غير عمار ولا حاجة ، لو حصلك حاجة بعد الشر ، انا كمان مش هقدر اعيش بعدها ، احنا لبعض وبس .
فطنت مارية أن البعض يحسدها على هكذا حب وليس من أي شخص ، هو عمار من تتمنى الفتيات نظرة واحدة منه ويرغبن به ، احبته منذ رأته ليضحى حبهم محفورًا بداخلهم ، ضمها إليه كأنها صارت ادمانًا له ، قبلها بوله غير معهود، لم تنكر سعادتها بحبه نحوها وتمنيه الدائم ، ابتعد عمار عنها ليقول وهو يسند جبهته على جبهتها، قال بنبرة مضحكة:
- شوفتيني وأنا حنين.
ضحكت مارية ونظرت له لتقول بغناج اندهش منه:
- كل حاجة منك حلوة .......
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
في اليوم التالي، جلست منى برفقة والدتها على طاولة صغيرة منتصف المطبخ حيث تقوم راوية بتعليمها طريقة الطهي ، بدأت منى في تقشير ثمار البطاطس بحرفية كما علمتها والدتها ، توقفن الخادمات من حولهن يتطلعن على ما تقوم به بعدم تصديق فهي ابنة سيدهم ، كان من شروط مكرم العيش بعيدًا في منزل بمفردهم ، لم تجد منى ولا الجميع مانعًا في ذلك بل سعدت اكثر كون أنه سيغدو لها بيتًا هي سيدته وستملك زمام أموره ، من شروطه التي استصعبتها هي تعلمها للطهي ، ولذلك استغلت فترة عدتها لتتعلم فيها ما كانت تجهله وابتدت ذلك من اليوم ؛ حدقت فيها والدتها باعجاب ، مدحتها راوية :
- شاطرة يا منى ، بتتعلمي بسرعة .
اتسعت ابتسامة منى وهي تكمل ما بيدها ، اظلمت راوية عينيها نحوها فقد كانت تتوسلها قبل ذلك لتتعلم شيء وكانت ترفض ، تنهدت بمغزى وقالت بخبث :
- الحب يعمل اكتر من كدة .
نظرت لها منى وتوقفت عما تفعل ، قالت بارتباك :
- تقصدي ايه يا ماما ؟.
ردت راوية بمكر ونظراتها تربك منى أكثر :
- يعني كنت بتحايل عليكي قبل كدة تتعلمي حاجة ومكنتيش بترضي ، دلوقتي علميني يا ماما .
ازدردت منى ريقها بتوتر وبررت مختلقة سبب ما :
- مش لازم أتعلم الطبيخ علشان أأكل عيالي .
زمت راوية شفتيها بعدما اقتناع ، قالت بمغزى :
- عيالك طول عمرهم بياكلوا من ايد الخدامين ، إلا ما شوفتك عملتي لحد فيهم كوباية لبن .
ارتبكت منى لا تعرف ماذا ترد ، بينما ابتسمت راوية لتقول مهدئة إياها :
- هو عيب يا بنتي لما تحبي جوزك وتكوني عاوزة تتعلمي علشانه ، ما أنا بعد العمر دا كله بحب ابوكي وبدخل مع الخدامين واطبخ علشان اعمله اللي هو بيحبه .
ابتسمت منى بخجل ، قالت محركة رأسها بنعم :
- اول مرة احس بالحب يا ماما ، مكرم اول ما قالي أنه بيحبني وانا مش بنام وبفكر فيه ، حبيته يا ماما ومستعدة اعمل علشانة اي حاجة ، اول راجل يحسسني أني عايشة بجد وحاسة أن حياتي معاه هتبقى احلى واحلى .
نظرت لها راوية بحنان ، قالت بدعاء :
- ربنا يفرحك يا بنتي ويعوضك عن اللي شوفتيه قبل كدة .
ابتسمت منى ورددت فى نفسها "يا رب" ، تذكرت بعدها تعب مارية ، انتفضت لتقول وهي تنهض :
- دا أنا نسيت مارية ، عمار موصيني عليها قبل ما يخرج ، بيقول من الصبح بترجع وتعبانة قوي .
هتفت راوية بتلهف :
- روحيلها يا حبيبتي ، بس خديلها معاكي شوية فاكهة يغذوها .
اومأت منى برأسها وامرت بعض الخادمات من حولها بتحضير طبقًا من الفاكهة المختلفة لتصعد به إليها ....
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
لم تتحمل مارية هذا الغثيان الدائب لها منذ الصباح ، اخبرتها والدتها حين هاتفتها أنه بالأمر الطبيعي وهذة فترة الوحم وستلازمها لفترة لا بأس بها ، نفرت مارية من نفسها وبدا عليها الإجهاد ناهيك عن تعرق بشرتها فهي متعبة ؛ تنهدت بملل وقررت الخروج للحديقة لتتنشق بعض الهواء النقي ليزيح حدة الغثيان المتملك منها ، تحركت نحو الباب متهيأة للخروج وبدأت تتحرك ببطء شديد ....
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
لازمت مراقبتها لتنتظر خروجها بين لحظة وأخرى ، فركت شيماء اصابع يديها بتوتر وهي تراقب باب غرفتها ، لم يعد هناك الوقت فسوف ترحل اليوم فقد اعطاها مهلة يومين ، وجدت أنه عليها سرعة التنفيذ فهذة آخر فرصة لها ، جحظت عيناها وانفرجت شفتها بفرحة حين وجدتها تفتح باب غرفتها ، توارت شيماء خلف طاولة ما بجانب الحائط كي لا تراها ، في حين بدأت تتحرك مارية في الرواق بتقاعس وقد ظهر التعب عليها كما أن رؤيتها ليست بجيدة ؛ استغلت شيماء ذلك فقد ادركت تعبها وتحركت بخطوات مريبة حذرة خلفها ، اتسعت ابتسامتها الفرحة حين سهلت عليها الأخيرة مهمتها حيث استندت مارية على الداربزين في الرواق لتتمكن من السير ، كان تفكيرها الشيطاني يسول لها فكرة القاءها من الأعلى ، بدأت تخطو نحوها وعيناها لم تفارقها للحظة ، اقتربت المسافة لتبتسم بشر مستطير ، لم تشعر مارية بها فقد شل تفكيرها لينصب فقط فيما تشعر به ، وقفت شيماء خلفها ولم يفصل بينهما سوى خطوة واحدة ، زادت وسوسات الشيطان في رأسها لتستحوذ فكرها ، ادركت بأنهم لن يشكوا في امرها كونها صغيرة وبالتأكيد سترتدي قناع البراءة ببراعة ، علمتها مرارة الزمن ما يجعلها تفعل الكثير لتتذوق طعم السعادة والراحة التي وجدتها هنا منء جاءت ؛ وجدت نفسها ترفع يدها متهيأة لدفعها من الأعلى لينتهي امرها هنا ..
صعدت منى على الدرج حاملة بيدها طبقًا مليئ بالفاكهة المختلفة لتأخذه لها ، تصعد هي الدرج في حين تتهيأ الأخيرة لدفعها ، وصلت منى لتلمح ما تفعله هذة الفتاة حيث بعنف قامت شيماء بدفعها ، صرخت منى ليدوي صوتها المرتعب ليملأ القصر محدثًا صدى لصوتها العنيف في لحظتها :
- مــاريـــة...............................................!!
~~~~~~~~~~~
فتحت عينيها ببطء ورمشت عدة مرات لتستعيد أفاقتها الكاملة من نومها ، نظرت فريدة أمامها لبعض الوقت ليعود بذاكرتها ما حدث ، امتلأت الدموع في عينيها فما علمت به لن يتخيله أحد ، اقسمت من تلك اللحظة أن تتناساه وللأبد فقد عكر فكرها ناحيته ولن تعود كالسابق ، مسحت باناملها عبراتها الوشيكة على النزول لتحيل بكاءها عليه ، تنهدت بعمق وهي تلوم نفسها فقد شارفت أن تودي بحياة ابنتها الوحيدة من أجله ، حمدت الله بأن مشيئة القدر وقفت معها وإلا ما سامحت نفسها بقية عمرها ، اعتدلت فريدة لتنهض بتكاسل هي تتنهد باجهاد ، تصلبت فجأة حين وقعت عيناها عليهم ، تجمدت انظارها الشاردة عليهم وهم هكذا ، ابتسمت بمحبة وهي تطالعهم بنظرات راضية ، كانت ستخسر ابنتها وتحرمها ممن احبها واحبته بصدق ، هذا هو الحب الذي لم يزعزعة أي شيء مهما كان ، احبتهم فريدة وتمنت لهم الخير ، ابتسمت بسخرية فهي الآن تتمنى لهم السعادة الابدية فقد كانت قبل سويعات قليلة تفكر في قتلهم ، تنهد بهدوء ونهضت من على الفراش كي توقظها من نومها ..
تقدمت فريدة منهم ودنت من الارضية لتجثو على ركبتيها امامهم ، هزت ابنتها بهدوء وهمست:
- مارية ، اصحي يا بنتي .
لم تفيق هي بل افاق عمار فور سماعها ونظر لها ، انتفض حين رآها أمامهم وجذب مارية لأحضانه وهتف باضطراب :
- عاوزة ايه منها ؟ .
استحوذ الحزن على فريدة لظنه بأنها ستفتعل بها مكروه ما ، نعم هو محق فما فعلته بالأمس ليس بالهين ، نظرت له لتقول بطيبة تعجب منها :
- مش هعملها حاجة ، انا كنت بصحيها .
نظر لها بخزي من نفسه ، قال بأسف :
- سامحيني ، أنا بس خايف عليها و...
جذم جملته حين نظر لمارية وهي تفيق ، استيقظت مارية لتنظر له بابتسامة ناعمة ، قالت له بحب:
- صباح الخير يا حبيبي .
ابتسم لها ونظر لوالدتها بمعنى ، لاحظت مارية نظراته خلفها وادارت رأسها لتتفاجأ بوالدتها ، نهضت لتقول بتلهف شديد:
- ماما حبيبتي ، انتي كويسة؟ .
ابتسمت لها فريدة بحزن وردت بهدوء بعدما خطفت نظرة حزم لعمار:
- انا كويسة يا بنتي ، أنا جيت اصحيك علشان متتعبيش من نومتك دي .
اعتدلت مارية سريعًا وهمت بإحتضانها بقوة وهي تتنهد براحة مستطيرة ، اعتدل عمار هو الآخر ونهض ليقف ثم نظر لهم بابتسامة خفيفة ؛ مسحت فريدة على ظهر ابنتها بحنان كانت قد نسته ورسمت بدلاً منه القسوة ، قالت فريدة بنبرة حنونة :
- سامحيني يا مارية ، أنا كنت مخدوعة ومش عارفة الصح فين ، اوعي تزعلي مني يا بنتي .
ابتعدت مارية عنها قليلاً لتتمكن من رؤية وجهها ، عاتبتها :
- عمري ما ازعل منك يا ماما ، أنا بحبك قوي وخفت عليكي انتي ، لدرجة أني اترددت كتير أقولك ولا لأ .
ابتسمت فريدة برضى وقالت :
- الحمد لله أني عرفت الحقيقة في الوقت المناسب ، وإلا مكنتش هقدر اسامح نفسي طول عمري .
قالتها فريدة ليكتسح الحزن طلعتها ووجهها السمح ، ضمتها مارية مرة أخرى لتعبر عن حبها العظيم لها ، رددت بتمني:
- ربنا ما يحرمني منك يا ماما ويطولي في عمرك .
وقف عمار يتطلع عليهم ويستمع على حديثهم العفوي والذي لامس شيئًا ما بداخله يوحي بصدق الحب المتبادل بينهم ، تنهد بحبور ليخرج كل ضيق مر عليهم ويحل محله المحبة والهدوء بينهم ، تذكر عمار في فكره موضوع عمته وسأل نفسه ماذا أن علم والده بذلك؟ ، نظر لهم وتنحنح بخشونة لينتبهن لوجوده ، بالفعل انتبهن له وابتعدن لينظرن له ، نظر هو لفريدة وقال بنبرة متشددة :
- لو سمحتي موضوع عمتي اللي عرفتيه دا يفضل سر بينا ، اي حد مش مسموح يعرف ، المهم احنا بينا عرفنا الحقيقة .
اومأت فريدة رأسها بتفهم فهي لن تفضح حتى زوجها وستتكتم على الأمر هي الأخرى ، ردت بتأكيد شديد :
- أطمن ، محدش هيعرف باللي حصل دا غيرنا وبس .
نظرت لابنتها وابتسمت بلطف ، تنهدت لتعاود النظر إليه وتقول بتوسل بعض الشيء :
- خلي بالك من مارية ، حطها في عنيك ومتخليش اي حد يأذيها ، نظرت لابنتها التي تطالعها بنظرات حنون واكملت بحب:
- أصل مارية دي بنتي حبيبتي وعمري كله .....
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
حملت والدتها افطارًا شهيًا لابنتها وزوجها وولجت لداخل المنزل بعدما فتح لها فؤاد ، قابلها فؤاد بوجه بشوش وحدثها وهو يأخذ ما بيدها ليضعه على الطاولة :
- صباح الخير يا حماتي ، تاعبة نفسك ليه ؟.
ابتسمت بحياء وردت بحرج :
- دي الاصول ، اومال يعني هسيبكم تعملوا لنفسكوا ، انتوا عرسان يعني لكام يوم هعملكوا الأكل واجيبه .
ابتسم لها بامتنان وكاد أن يرد ولكن خروج اسماء من الغرفة وهي تحكم روب النوم عليها منعه ، اغذت اسماء في السير نحو والدتها التي فتحت ذراعيها لإستقبالها ، ارتمت اسماء في احضانها لتضمها سوسن بمحبة جلية ، هتفت سوسن بحنان:
- صباح الخير يا اسماء ، عاملة ايه يا حبيبتي؟ .
ابتعدت اسماء وقالت باستحياء وهي تخطف النظرات لفؤاد:
- كويسة طبعًا يا ماما ، دا سؤال تسأليه .
ضحكت والدتها بخفوت وقالت بتمني جارف وهي تمرر انظارها الحنون على كليهما:
- ربنا يسعدكم يا رب واشوف عيالكم بيلعبوا حواليكم .
نكست اسماء راسها بخجل ، بينما رد فؤاد بمكر وهو ينظر لأسماء:
- دعواتك يا حماتي واحنا نملالك البيت عيال .
اتسعت ابتسامة فريدة الفرحة وتنهدت بارتياح لرؤية ابنتها متزوجة من رجل مثله ، جاء على ذهنها بما تسمعت عليه بالأمس وقالت رافعة حاجبيها بعدم فهم :
- عرفتوا باللي حصل .
انصت الإثنان إليها باهتمام ، فاستطردت سوسن حديثها وهي تنظر لهما بنبرة غير مصدقة إلى الآن :
- بعد ما خدت اسماء ومشيت الست فريدة كانت حابسة الست مارية في اوضتها وبعتت للداية علشان تسقطها .
شهقت اسماء بصدمة وشحب وجهها ، كما انصدم فؤاد وسأل بقلق:
- وايه اللي حصل ، مارية كويسة ؟ .
ردت بنفي وهي توضح ما رأته بعينيها :
- لأ محصلهاش حاجة ، بس باين في حد بلغ عمار بيه باللي حصل ووصل في الوقت المناسب وخلى الستات اللي كانوا عايزين يسقطوها يهربوا ، دا كانوا بيجروا من الفيلا مرعوبين .
اغمضت اسماء عينها وتنفست براحة ، هتفت بامتنان :
- الحمد لله ، والله الست مارية ما تستاهل كدة .
قتل الفضول فكر فؤاد ليسألها بمعنى :
- وعمتي عملت اية لما شافت عمار؟ .
حركت رأسها بحيرة وردت بنبرة شغوفة :
- مش هتصدقوا اللي شوفته بعنيا قبل ما أجيلكم هنا .
كان الإثنان على اعصابهم وهي تسرد ما رأته ونظروا لها بترقب ، اكملت سوسن بذهول:
- عمار بيه والست مارية كانوا بايتين مع الست فريدة امبارح ، اصلها تعبت مش عارفة من ايه ، ولما كانوا ماشين الست فريدة كانت بتدعيلهم وبتقولهم هتبقى تروح عندهم .
هتف فؤاد باستنكار :
- ايه الكلام ده ، عمتي سامحته بالسهولة دي ؟! .
ردت سوسن بجهل وهي تنظر إليه مقلصة المسافة بين حاجبيها:
- مش عارفة ايه اللي حصل بالظبط ، اصل كان موجود امبارح لما وصل عمار بيه والدك ومعاه مكرم بيه ، باين الموضوع كان كبير ومعرفتش كانوا بيعملوا ايه لانهم كانوا لوحدهم ، ولما صحيت الصبح شفت كدة بعيني لما كانت بتودعهم .
فرك فؤاد اسفل ذقنه بتفكير ليستنبط سبب تغيير عمته المفاجئ ووجود والده وارتباطه بالموضوع ، فشل في كشف ذلك والتزم انتظار مجيئ والده ومعرفة ما حدث بالتفصيل ، فكيف ترتضي عمته بالصلح بتلك السهولة فأين محاربتها لهم ، تأرجحت الافكار في رأسه وتصارعت ولن يجيب على تساؤلاته سواه .....
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
انتظر والده قدومه بعدما علم بغيابه ووجوده في فيلة هذا الحقير ، امتعض سلطان واستنكر عصيان ابنه له فكيف يذهب إلى هناك ، جلست راوية بجانبه على الاريكة في ردهة الفيلا حيث ينتظر مجيئ عمار بشغف ممزوج بالإنزعاج وظهرت الصلابة والقسوة في عينيه ، توجست راوية من ردة فعل زوجها فما فعله ابنها غير مقبول وانتظرت باعصاب مشدودة ما سيحدث ..
وعن سلطان أكثر ما خشاه هو فضح أمر اخته وكشف السر ، لن يسامح عمار مطلقًا إذا فعلها فقد نبه عليه العديد من المرات للتكتم على الأمر ، خشي سلطان كسره لتلك الثقة واخبار الجميع بما ضمره عن من حوله كي لا يتسبب في تدنيس شرف اخته ، لوقت مر عليهم زادهم ترقب وتلهف لمعرفة سبب مبيتهم هناك ؛ التفتوا ناحية باب الخروج حين تسمعوا على صوته المالوف لهم وهو يضحك من قلبه ، حيث ولج عمار ومعه مارية يتبادلان الحديث بسلاسة والضحكة على وجوههما، نهض سلطان من مكانه وكذلك خلفته راوية لتتابع ما سيزمع له زوجها معه ابنهم ، انتبه عمار لوالده وتحرك ناحيته ليتوقف عن الضحك ويبتسم بعذوبة ، وقف قبالته هو وزوجته مارية التي تنظر لهم بحرج ، قال عمار باحترام :
- صباح الخير يا بابا .
- كنت فين؟ .
قالها سلطان بنبرة صلبة جعلت عمار يرتبك ونظرات الأخير تحتد بقسوة عليه ليظهر ضيقه ، خطف عمار نظرة متوترة لزوجته ورد بتردد :
- أصل مارية لما راحت امبارح عند والدتها تعبت ، فأنا روحت اشوفها ومقدرتش اسيبها هناك وفضلت جمبها .
صدح سلطان بعدم رضى :
- أزاي الكلام ده ، نمت في بيت الراجل اللي قتل عمتك .
ابتلعت مارية ريقها وشعرت بالحرج الشديد ، نكست رأسها بهدوء ولم تعلق ، فما فعله والدها لا يستحق الشفقة من أحدهم ، أحس بها عمار ونظر لوالده وقال باستياء بعض الشيء:
- أنا كنت مع مراتي يا بابا ، وخفت اسيبها لوحدها ، حضرتك عارف انها حامل .
كبت سلطان انزعاجه حين ضغط على شفتيه بقوة ، نظر لمارية وحدثها بنبرة قوية جعلتها ترتعد وتنظر له بارتباك:
- وانتي لسة بتفكري تنتقمي من جوزك ولا ...
قاطعته نافية بشدة حين نظرت له بثبات :
- لأ ، عمار جوزي وابو ابني اللي جاي ، عمري ما هأذيه أبدًا .
اتسعت ابتسامة راوية من خلف زوجها لأن الله استمع لدعاءها حين ناجاته بأن يمر الأمر بسلام وبينت اعجابها برد مارية حين طالعتها بنظرات مادحة ، اثبتت مارية ولاءها لهم حين انحنت لتمسك بيد سلطان وقربتها من فمها ، قبلتها باحترام وقالت بجدية:
- كل اللي عوزاه أنك ترضى عني .
ارتسمت ابتسامة اعجاب صغيره على زاوية فمه وهو ينظر لها ، اعتدلت مارية ونظرت له راسمه الطاعة لكسب ارتضاءه عليها وهذا ما ظهر حين حرك رأسه ليتقبلها ، أما عمار فلم يصف كم الفرحة التي ملأت قلبه تجاه ما تفعله زوجته ، استشعر من تلك اللحظة أن حياته معها تغيرت ليغدو الحب سيدها والفرحة مفتاحها ...
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
في الأعلى وقفت شيماء تتابع ما يحدث وتعابير الإندهاش ظهرت عليها ، ملأ الحقد والكره قلبها في تلك اللحظة حين رأتها امامها بكامل صحتها ، كما أنها لم تخسر طفلها ، تعجبت بشدة وهي تحاول فهم ما حدث فهي لابد أن تكون الآن في عداد الموتى ، كيف نفدت من انتقام والدتها ، احتارت وساورتها الافكار والتساؤلات في رأسها تكاد تفتك بها ، صرت اسنانها بغضب وهي تراه يضمها إليه وتكسب هي ثقة من حولها ، لم يعد لها محل اليوم هنا ، وجدت أن عليها اغتنام الفرصة لتنتقم هي ، نعم ستنتقم هي وستفعل المستحيل كي لا تترك هذا المكان ، تحركت للخلف ذاهبة لغرفتها التي تلازمها حتى لا ينفر أحد من وجودها ويستدعي الأمر طردها ، سارت شيماء لغرفتها وهي تفكر كيف تتخلص منها ، وجدت ضرورة الإسراع في التنفيذ فمكوثها هنا اصبح معدود ، ولجت الغرفة وأوصدت الباب خلفها لتفكر بتأني في خطوتها القادمة ...
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
وصل لباب غرفتهم واستوقفها ليقول بغموض :
- استني متدخليش .
نظرت له مارية بعدم فهم ، تنبهت له ينحني ويهم بحملها ، شهقت مارية وتطلعت عليه مبتسمة بحب ، غمز بمكر وقال:
- لو مش بابا قاعد تحت كنت شيلتك يا حبي الوحيد .
طوقت مارية عنقه وهي تضحك بسعادة ، ولج عمار بها غرفتهم ولم ينزلها سوى على الفراش ، وضعها بهدوء ولم يبتعد عنها ، قال بعشق:
- بحبك وهفضل احبك طول عمري ، لو خيروني تختار حياتك ولا مارية ، هقولهم حياتي هي مارية ، قلبي ملك مارية ، عقلي وكلي ملك مارية .
اغرورقت الدموع في عينيها وهي تستشعر صدق حديثه ، طوقت عنقه بذراعيها بتملك لترد عليه معلنة الأشد :
- ومارية من غير عمار ولا حاجة ، لو حصلك حاجة بعد الشر ، انا كمان مش هقدر اعيش بعدها ، احنا لبعض وبس .
فطنت مارية أن البعض يحسدها على هكذا حب وليس من أي شخص ، هو عمار من تتمنى الفتيات نظرة واحدة منه ويرغبن به ، احبته منذ رأته ليضحى حبهم محفورًا بداخلهم ، ضمها إليه كأنها صارت ادمانًا له ، قبلها بوله غير معهود، لم تنكر سعادتها بحبه نحوها وتمنيه الدائم ، ابتعد عمار عنها ليقول وهو يسند جبهته على جبهتها، قال بنبرة مضحكة:
- شوفتيني وأنا حنين.
ضحكت مارية ونظرت له لتقول بغناج اندهش منه:
- كل حاجة منك حلوة .......
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
في اليوم التالي، جلست منى برفقة والدتها على طاولة صغيرة منتصف المطبخ حيث تقوم راوية بتعليمها طريقة الطهي ، بدأت منى في تقشير ثمار البطاطس بحرفية كما علمتها والدتها ، توقفن الخادمات من حولهن يتطلعن على ما تقوم به بعدم تصديق فهي ابنة سيدهم ، كان من شروط مكرم العيش بعيدًا في منزل بمفردهم ، لم تجد منى ولا الجميع مانعًا في ذلك بل سعدت اكثر كون أنه سيغدو لها بيتًا هي سيدته وستملك زمام أموره ، من شروطه التي استصعبتها هي تعلمها للطهي ، ولذلك استغلت فترة عدتها لتتعلم فيها ما كانت تجهله وابتدت ذلك من اليوم ؛ حدقت فيها والدتها باعجاب ، مدحتها راوية :
- شاطرة يا منى ، بتتعلمي بسرعة .
اتسعت ابتسامة منى وهي تكمل ما بيدها ، اظلمت راوية عينيها نحوها فقد كانت تتوسلها قبل ذلك لتتعلم شيء وكانت ترفض ، تنهدت بمغزى وقالت بخبث :
- الحب يعمل اكتر من كدة .
نظرت لها منى وتوقفت عما تفعل ، قالت بارتباك :
- تقصدي ايه يا ماما ؟.
ردت راوية بمكر ونظراتها تربك منى أكثر :
- يعني كنت بتحايل عليكي قبل كدة تتعلمي حاجة ومكنتيش بترضي ، دلوقتي علميني يا ماما .
ازدردت منى ريقها بتوتر وبررت مختلقة سبب ما :
- مش لازم أتعلم الطبيخ علشان أأكل عيالي .
زمت راوية شفتيها بعدما اقتناع ، قالت بمغزى :
- عيالك طول عمرهم بياكلوا من ايد الخدامين ، إلا ما شوفتك عملتي لحد فيهم كوباية لبن .
ارتبكت منى لا تعرف ماذا ترد ، بينما ابتسمت راوية لتقول مهدئة إياها :
- هو عيب يا بنتي لما تحبي جوزك وتكوني عاوزة تتعلمي علشانه ، ما أنا بعد العمر دا كله بحب ابوكي وبدخل مع الخدامين واطبخ علشان اعمله اللي هو بيحبه .
ابتسمت منى بخجل ، قالت محركة رأسها بنعم :
- اول مرة احس بالحب يا ماما ، مكرم اول ما قالي أنه بيحبني وانا مش بنام وبفكر فيه ، حبيته يا ماما ومستعدة اعمل علشانة اي حاجة ، اول راجل يحسسني أني عايشة بجد وحاسة أن حياتي معاه هتبقى احلى واحلى .
نظرت لها راوية بحنان ، قالت بدعاء :
- ربنا يفرحك يا بنتي ويعوضك عن اللي شوفتيه قبل كدة .
ابتسمت منى ورددت فى نفسها "يا رب" ، تذكرت بعدها تعب مارية ، انتفضت لتقول وهي تنهض :
- دا أنا نسيت مارية ، عمار موصيني عليها قبل ما يخرج ، بيقول من الصبح بترجع وتعبانة قوي .
هتفت راوية بتلهف :
- روحيلها يا حبيبتي ، بس خديلها معاكي شوية فاكهة يغذوها .
اومأت منى برأسها وامرت بعض الخادمات من حولها بتحضير طبقًا من الفاكهة المختلفة لتصعد به إليها ....
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
لم تتحمل مارية هذا الغثيان الدائب لها منذ الصباح ، اخبرتها والدتها حين هاتفتها أنه بالأمر الطبيعي وهذة فترة الوحم وستلازمها لفترة لا بأس بها ، نفرت مارية من نفسها وبدا عليها الإجهاد ناهيك عن تعرق بشرتها فهي متعبة ؛ تنهدت بملل وقررت الخروج للحديقة لتتنشق بعض الهواء النقي ليزيح حدة الغثيان المتملك منها ، تحركت نحو الباب متهيأة للخروج وبدأت تتحرك ببطء شديد ....
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
لازمت مراقبتها لتنتظر خروجها بين لحظة وأخرى ، فركت شيماء اصابع يديها بتوتر وهي تراقب باب غرفتها ، لم يعد هناك الوقت فسوف ترحل اليوم فقد اعطاها مهلة يومين ، وجدت أنه عليها سرعة التنفيذ فهذة آخر فرصة لها ، جحظت عيناها وانفرجت شفتها بفرحة حين وجدتها تفتح باب غرفتها ، توارت شيماء خلف طاولة ما بجانب الحائط كي لا تراها ، في حين بدأت تتحرك مارية في الرواق بتقاعس وقد ظهر التعب عليها كما أن رؤيتها ليست بجيدة ؛ استغلت شيماء ذلك فقد ادركت تعبها وتحركت بخطوات مريبة حذرة خلفها ، اتسعت ابتسامتها الفرحة حين سهلت عليها الأخيرة مهمتها حيث استندت مارية على الداربزين في الرواق لتتمكن من السير ، كان تفكيرها الشيطاني يسول لها فكرة القاءها من الأعلى ، بدأت تخطو نحوها وعيناها لم تفارقها للحظة ، اقتربت المسافة لتبتسم بشر مستطير ، لم تشعر مارية بها فقد شل تفكيرها لينصب فقط فيما تشعر به ، وقفت شيماء خلفها ولم يفصل بينهما سوى خطوة واحدة ، زادت وسوسات الشيطان في رأسها لتستحوذ فكرها ، ادركت بأنهم لن يشكوا في امرها كونها صغيرة وبالتأكيد سترتدي قناع البراءة ببراعة ، علمتها مرارة الزمن ما يجعلها تفعل الكثير لتتذوق طعم السعادة والراحة التي وجدتها هنا منء جاءت ؛ وجدت نفسها ترفع يدها متهيأة لدفعها من الأعلى لينتهي امرها هنا ..
صعدت منى على الدرج حاملة بيدها طبقًا مليئ بالفاكهة المختلفة لتأخذه لها ، تصعد هي الدرج في حين تتهيأ الأخيرة لدفعها ، وصلت منى لتلمح ما تفعله هذة الفتاة حيث بعنف قامت شيماء بدفعها ، صرخت منى ليدوي صوتها المرتعب ليملأ القصر محدثًا صدى لصوتها العنيف في لحظتها :
- مــاريـــة...............................................!!
