رواية زخات الحب والحصي الفصل الثاني عشر 12 بقلم شموسة
الفصل الثاني عشر
فجأة هتفت احدى المعلمات بجزع " براء اختفى مجددا .. بحثت عنه في كل مكان بالدار !!!! "
بعد قليل كان الجميع في حالة استنفار واعصاب مشدودة فوقفت رفيدة في منتصف الحديقة متماسكة بعد أن أبلغوها بالخبر في غرفتها .. ووجهت المعلمات والمربيات للبحث في الدار من جديد .. وتحرك يونس وكارمن للبحث معهم .. بينما وقف فارس يتابع الأخيرة بعينيه محافظا على هدوئه المعهود يفكر في احتمالية هروبه والطريقة التي يمكن أن يكون قد خرج بها من الدار رافضا تصديق الفكرة عمليا .
أما فريدة فجلست على أحد المقاعد تمسك بقلبها في قلق.
هتفت رفيدة بعصبية" أين الشيمي ؟!!"
دخل الشيمي من البوابة بملامح منزعجة بعد أن علم بالخبر رغم أنه لم يغيب لوقت طويل.. فأسرعت رفيدة نحوه تقول بجزع وكأنها تشكو إليه قلقها رغم أنها بدت أمام الجميع متماسكة في الدقائق الماضية " لم نجده يا شيمي!!"
اعتصر الألم قلبه وهو يلمح عينيها المحمرتين من أثر بكاء في وقت سابق .. لكنه قبض على مشاعره متوجها للحارسين فهيم ونبيه واللذان توقفا عن الأكل من اطباق الحلويات الخاصة بالحفل ليبادره أحدهما قائلا " لم يخرج من هنا يا باشا اقسم لك"
هدر الشيمي بصوت جهوري أخاف كل من سمعه " قسما بربي سأراجع الكاميرات ولو كان قد خرج من بينكما ستبكيان بدلا من الدموع دما"
وتحرك مبتعدا لداخل الحديقة يحرك عينيه في احداثياتها .. فقال فارس يراقبه" لا اعتقد بأنه قد خرج يا شيمي مؤكد هو في الدار"
قال الشيمي يوافقه وهو يتحرك نحو الباب الصغير بين الفيلا والدار " أو في الفيلا "
خرجت المربية حياة تقبض على ياقة براء الذي يقاومها بعنف وهي تقول بأنفاس لاهثة" وجدته الحمد لله "
تطلعت فيهما الوجوه .. وتم إعلان العثور عليه للجميع فتنفسوا الصعداء لتضيف المربية " كان يضع مقعدين فوق بعضهما ويحاول الصعود فوقهما لنافذة أحد الحمامات"
جز الشيمي على أسنانه بعصبية بينما ذهبت رفيدة لبراء تقول بلهجة حازمة موبخة " هذه المرة ستعاقب يا براء على ما فعلت"
اندفع يونس فجأة وقد أشفق على حالة فريدة التي غطت وجهها بكفيها تلملم أعصابها وقد نفذ صبره فهذه ليست المرة الأولى وعلى ما يبدو لن تكون الأخيرة .. ولم يعد قادرا على تحمل المزيد من القلق على فريدة فصرخ قائلا بانفعال" هذا الأمر لن يحل بهذا الشكل .. وهذا الولد لابد أن يقدِّر ما بين يديه"
رفعت فريدة وجهها تتابعه وقبل أن يفهم الجميع صاح يونس "افتحا بوابة الدار على مصرعيها"
ارتبك الحارسان ونظرا للشيمي فهدر يونس بعصبية" ألم أقل افتحا البوابة !!"
اشار لهما الشيمي برأسه فنفذا بينما سألته فريدة بذهول "ماذا تفعل يا يونس؟!!"
لم يرد .. فساد صمت مذهول .. لتتحرك كارمن بحركة عفوية وتلتصق بفارس الذي احاط كتفيها بذراعه مراقبا بهدوء .. بينما أجهشت ريتا في البكاء وهي تشيح بوجهه عن الجميع وقد توترت أعصابها فهمس عاصم بقلق " ريتا هل أنت بخير؟"
قطع يونس الصمت المترقب حين توجه لبراء يشير بيده قائلا " هيا .. أليس هذا ما تسعى إليه طوال الوقت ؟؟ .. هيا ارحل إلى حيث تريد "
تطلع فيه براء متفاجئا بينما انخرس الجميع في محاولة لاستيعاب الفكرة فهتفت فريدة بجزع
" يونس!!!!!"
لم يرد عليها فقد كان في إحدى نوبات غضبه التي يصبح فيها يونس آخر .. يونس صارم .. قاطع كحد السيف .. قليل الصبر .. فوجه كلامه لبراء قائلا بصرامة في الوقت الذي وقفت فيه رفيدة تقلب الأمر بسرعة في رأسها وقد التقطت ما يحاول أن يفعله يونس" هيا .. البوابة مفتوحة فلن تحتاج لأن تهرب أو تقفز من النافذة مرة أخرى تفضل "
نظر براء في الوجوه من حوله وتحرك ببطء يلتقط سيارة صغيرة من أرض الحديقة تخصه ... ثم تحرك بعدها نحو البوابة .. فأستدار يونس لرفيدة متخصرا يطالعها بنظرة متحفزة لأي اعتراض .. لكن الأخيرة كانت قد حسمت أمرها وقررت التمادي مع خطته ولم تقل شيئا .. فلاح شبح ابتسامة قاسية على وجه الأخير وتوجه بنظرات ذات معنى للشيمي الذي أشار له بحركة من عينيه مطمئنا.
عند البوابة استدار براء ينظر لفريدة .. فدفنت وجهها بين كفيها .. ليرفع انظاره نحو رفيدة التي تقبضت وصدّرت له وجها لا مباليا تقول بصوت خرج مرتعشا " هيا بنا نعود لحفلنا نحن نحب بعضنا ومتمسكون ببعضنا وسنبقى معا للأبد "
استدار براء وتحرك يخرج من البوابة بخطوات مترددة في البداية ليزداد حماسة وثقة بعد ثوان ويمشي في الشارع.. بينما تحرك الشيمي خلفه بخفة بعد أن رد على نظرات رفيدة القلقة بنظرات مطمئنة.. ليقف الجميع في حالة وجوم.. فتهتف ريتا بصوت قلق بعد أن جففت دموعها " يونس حبي .. هل أنت متأكد مما تفعل؟"
غمغم بتوتر وهو يختلس النظرات لفريدة " لا تقلقي يا ريتا الشيمي لن يتركه لثانية واحدة "
بخطوات معاندة تحرك براء يخرج من الشارع بعد أن التفت خلفه فلم يجد أحدا .. بينما خرج خلفه الشيمي من أحد الشوارع الخلفية وظل يتتبعه بخفة.
في الحديقة استقام عاصم وريتا يهمان بالرحيل والأول يقول " سأوصل ريتا لسيارتها وأصعد لشقتي .. وسنتابع الموقف بالهاتف أرجو أن تطمئنونا "
فسلم عليهما فارس بينما حدجت كارمن ريتا بنظرة غير ودودة استشعرتها الأخيرة جيدا لكنها تحركت تغادر مع عاصم متأبطة لذراعه بينما انكمشت كارمن بجوار فارس تهمس له وهي تعيد النظر ليونس الذي يتحدث مع الشيمي على الهاتف "فارس ماذا يحدث؟"
لم يرد عليها بل تبادل النظرات مع يونس الذي أسرع بخفض نظراته في الأرض بحرج وكلاهما قد استعاد ذلك الموقف القديم بينهما من الذاكرة بتأثر ودفء متبادل .. فتحرك يونس نحو فريدة ليواسيها بعد أن أغلق الهاتف مع الشيمي بينما رد فارس على كارمن شاردا" إنه يفعل ما فعلته معه يوما"
منذ خمسة عشر عاما
صرخ يونس في منتصف الصالة في الشقة القديمة " أنا أكرهكم .. أكرهكم جميعا.. ولا أريد أن يتحكم أحد في دخولي وخروجي وفيما أفعل .. أنا حر أفعل ما أريد وما أريده هو ألا أعيش معكم"
هدرت نفيسة بصرامة تحاول أن تداري رعبها من تنفيذه لتهديده " تأدب وأنت تتحدث معي .. هل تعتقد لأن خط لك شاربا واستطالت قامتك أنك تستطيع أن تتبجح أمامي بهذه الطريقة ؟! .. أو تهددنا كل يوم بأنك ستغادر المنزل .. قلت لك لا أحب أن اسمع هذا الكلام السخيف أبدا فلا أحد يترك عائلته"
"اتركيه يفعلها يا أمي "
قالها فارس وهو يدخل من باب الشقة عائدا من عمله بعد أن سهر ليلتين متواصلتين لينتهي من تركيب رخام لأحد المنازل .. فلاح بعض الانكماش على يونس عند دخوله قاومه بأن استدار يحدق فيه بنظرة متحدية متقبضا بقوة ..
أكمل فارس بعصبية وهو يقترب من أخيه المراهق ذي الثلاثة عشر عاما ويسحبه من ياقة قميصه يدفعه نحو باب الشقة " هيا تفضل الباب مفتوح .. ما دمت لا تقدر وجودنا سويا فتفضل لن نمنعك "
ربطت نفيسة على قلبها وقالت بترجي " لن يفعلها يا فارس مجددا.. فسامحه "
استدار إليها يونس يرمقها بعينين ناريتين وهو يقول غاضبا " من قال لك بأني أريد مسامحة من أحد "
وحرك كتفه بعنف ليخلص ملابسه من يد فارس واندفع مغادرا ... فصرخت فريدة " يونس .. إلى أين أنت ذاهب ؟!!"
توقف يونس عند الباب لثوان يوليهم ظهره متقبضا ثم تحرك مغادرا.
أسرع فارس نحو الشرفة يتابع خروجه من بوابة البيت وإلى أي شارع انعطف .. ثم تحرك يخرج خلفه بينما نفيسة تتمتم بآيات من القرآن في رعب.
عاد فارس من ذكرياته التي قصها على كارمن فسألته وهما يتحركان نحو الحاجة نفيسة ليساعداها لتعود للفيلا " وماذا فعل ؟؟ .. وكم بقي في الشارع "
رد فارس بهدوء "ظل ثلاثة أيام وكنت قد تتبعته وعلمت أين ذهب .. وكلفت أحدهم بمراقبته حتى عاد نادما بعدها للبيت ولم يفعلها بعد ذلك"
فكرت كارمن قليلا ثم قالت " لكنك غامرت وقتها فليست كل الحالات قد تندم وتعود"
أجاب معترفا "لا أنكر ذلك لكن وقتها لم يكن هناك مفراً من المغامرة .. والحمد لله كان الله رؤوف بنا"
مد فارس يده لنفيسة يقول " هيا يا أمي الجو باردا عليك "
تمسكت الحاجة بذراعه واستقامت تتكئ عليه وتتحرك شاردة مستعيدة لشريط حياتها أمامها بحلوه ومره .. وأدارت وجهها تتطلع في يونس وفريدة من بعيد .. ثم عادت ترفع أنظارها لفارس الذي لا يزال يتبادل الحوار مع كارمن ولذراعه القوي الذي تتأبطه وهو يمشي على مهل ليجاري خطواتها الواهنة .. فحمدت ربها على نعمه .. وأقرت بأنه برغم ما مر عليها من أهوال في الماضي .. إلا أن رؤية أبنائها الثلاثة أمامها أصحاء .. أشداء .. سالمين .. هو أقصى ما تتمناه في هذه الحياة .. لا مال ولا أملاك ولا أي شيء سواهم حولها .. وقد أثمر فيهم التعب والمعاناة والصبر.. فما أعظم من الفوز بولد صالح .
أمام الدار وقف عاصم بجوار سيارة ريتا يودعها وقال " هل أنت متأكدة أنك بخير يا ريتا ؟.. هل تريدين أن أوصلك لبيتك؟"
كفكفت بقايا الدموع من عينيها بعناية حتى لا تفسد زينتهما وقالت " لا تقلق تأثرت برؤية الأطفال الأيتام ورغبة هذا الصبي بالعودة لأهله كما سمعت من المعلمات.. سأتصل بك يا عاصم لأطمئن على ما حدث للطفل"
قال عاصم "لا تقلقي بشأنه فالشيمي يتابعه"
همت بركوب السيارة بينما انتبه عاصم للسيارة التي تقترب فمط شفتيه بضيق لاحظته ريتا التي تطلعت بفضول للسيارة التي ركنت على بعد أمتار وخرجت منها شويكار مضيقة عينيها وهي تتطلع فيهما.
وقفت شويكار أمامهما تقول" ماذا تفعل يا عاصم بوقوفك في الشارع هكذا ومن هذه؟"
وضع عاصم يديه في جيبي بنطاله وقال بالفرنسية يرد تحية لم تلقها " مساء الخير سيدتي "
تطلعت ريتا في الصمت المتوتر بينهما ثم قالت لشويكار وهي تمد يدها للسلام "شويكار هانم ألا تذكرينني؟"
نظرت شويكار ليدها الممدودة وتجاهلتها قائلة" لا أذكرك من أنت؟"
قبضت ريتا على يدها الممدودة وردت وهي ترسم على وجهها ابتسامة تتقنها "ريتا سيدة أعمال .. كنت حاضرة لحفل زفاف كارمن"
غمغمت شويكار باقتضاب "أهلا (ثم نظرت لزوجها تقول) لم تخبرني ماذا تفعل في الشارع يا عاصم؟"
شعر عاصم بالغيظ من قلة ذوقها فرد" كنت أحاول اقناع ريتا هانم صديقتي (ضاغطا على الكلمة الأخيرة ) بأن تصعد لنضيفها بفنجان شاي"
اتسعت عينا شويكار باستنكار فالتقطت ريتا طرف الخيط وقالت بدلال وهي تلمس ذراع عاصم " عاصم عمري ..قلت لك في وقت أخر ( واضافت ببطء وميوعة ) أعدك أن أزورك في شقتك الجديدة ونجلس ونتسامر (ثم لبست نظارة الشمس لتكمل باستعراض ) أراك مع الشلة آخر الأسبوع .. سلام "
ركبت ريتا سيارتها ثم ألقت قبلة في الهواء لشويكار التي تقف ذاهلة قبل أن تتحرك بالسيارة مبتعدة .
استدارت شويكار بحدة لعاصم الذي اعترف لنفسه لحظتها بتلذذه في ازعاجها .
قالت شويكار " هل من الممكن أن تفسر لي ماذا يحدث بالضبط؟"
رد عاصم يشير بيده أمامها لتتقدمه " تفضلي شويكار هانم لشقتي لنضايفك على فنجان شاي "
××××
وقف براء الصغير أمام الشوارع الواسعة بقلب يدق بعنف يحاول أن يحدد وجهته التي لم يكن أبدا يعرفها سوى أنه لا يرغب في البقاء في الدار ولا الدار الذي سبقه .. فالتصق بحائط أحد المباني وهو يتأمل صحن الميدان الواسع الذي تتراص الشوارع الفرعية من حوله لا يعلم أيهما يسلك وإلى أين يذهب .. وبدأت تلك الوحوش التي تخرج إليه كلما بقى وحده تظهر أمامه واقفة على رأس كل شارع لتخيفه ..
أوشك على البكاء .. واستدار ينظر للشارع الذي خرج منه للتو .. فلمح الشيمي واقفا يستند إلى الحائط لا ينظر إليه يتحدث في الهاتف متصنعا التجاهل فشعر ببعض الاطمئنان واستدار مجددا ينظر للوحوش ليجد أن غالبيتها قد اختفت..
بعد مرور بعض الوقت قرر براء الجلوس على الرصيف يفكر ويفكر وهو يختلس النظر كل فترة ليتأكد من أن الشيمي لا يزال واقفا .. بينما قال الأخير في الهاتف " لا تقلقي يا أستاذة هو أمامي الآن يجلس على الرصيف صامتا "
قالت رفيدة بقلق " أخشى أن يقوم بحركة مباغتة يا شيمي ويحاول عبور الشارع "
نظر الشيمي للسيارات التي تمر مسرعة وانتقل إليه القلق فاقترب أكثر من براء وهو يغمغم" حسنا لقد اقتربت منه الآن .. وغالبا هو انتبه لوجودي .. على أية حال لا تقلقي وسأوافيك بالأخبار أولا بأول ..
××××
في حديقة الدار تحرك يونس نحوها بخطوات بطيئة وهو يراها تقف تضم قبضتيها بقوة أمام صدرها تحدق في البوابة التي خرج منها براء فوقف بجوارها يقول بخفوت "فريدة"
استدارت إليه ترفع أنظارها إليه هامسة" أنت متأكد مما تفعل أليس كذلك ؟"
قال مشفقا على حالتها " ألا تثقين في يونس؟"
تجولت في وجهه المليح وهي تقول " أثق تمام الثقة "
قال براحة" إذن لا تقلقي فالأمر تحت السيطرة"
بلعت ريقها تحاول طمأنة نفسها فأضاف " أتذكرين تلك الحادثة في الماضي؟"
أومأت برأسها وردت بتلقائية " أنا لا أنسى شيئا يخصك أبدا يا يونس"
ارتجف قلبه بشدة من عبارتها .. وأفلت منه أنين خافت .. لتضيف فريدة " لكنك كنت أكبر .. كنت في الثانية أو الثالثة عشر .. بينما براء في التاسعة من عمره أخشى أن.."
قاطعها مطمئنا " العكس صحيح يا فريدة .. الخوف من العمر الأكبر مع عناد المراهقة لكن في حالة براء الأمر أسهل بإذن الله .. يحتاج فقط لأن يواجه نفسه ليفيق ويكف عن ارهاق أعصابنا "
راقبها وهي تحدق في الأرض شاردة ونظر حوله فلم يجد إلا رفيدة التي تتحرك جيئة وذهابا في الحديقة بينما المعلمات قد أخذوا الأطفال للداخل خاصة بعد أن ازدادت برودة الجو .. فعاد لينظر إليها بقلق وهو يراها تدلك ذراعيها بارتجاف .. فتمنى لو يأخذها إلى حضنه .. لو يدفنها بين ضلوعه تلك الحمقاء المبالغة في تعاطفها ..صاحبة القلب الرقيق.
خلع سترته واقترب يلبسها إياها فطاوعته بهدوء وهي تستشعر دفء جسده وعطره في السترة ونظرت إليه تقول "ستبرد أنت"
منحها ابتسامة مليحة حانية ورد وهو يلسع جبينها بإصبعه الأوسط بعد أن أفلته من ابهامه "نتحمل بعض البرودة من أجل الست عزيزة "
مسدت جبينها بألم بينما سمعا صوت رفيدة في الهاتف تقول " أجل أنا مديرة دار السعد للأيتام .. (ثم صرخت بجزع ) ماذا؟!!!!.... قسم البوليس!!"
×××××
قبل قليل
نظر براء بعداء للشيمي الذي غمغم بلا مبالاة مسموعة " لم آتي خلفك أنا دوما أقف هنا في هذا المكان .. "
استقام وتحرك بضعة أمتار وعاد يجلس على الرصيف .. فتحرك الشيمي ببرود نفس المسافة ثم وقف مستندا إلى الحائط منتبها لأي حركة مفاجئة قد يقوم بها الطفل .
حدجه براء بغيظ ثم تأفف واستقام مبتعدا عدة أمتار أخرى وجلس على الرصيف .. فاستمر الشيمي بنفس العناد مع الصبي الذي تقبض يجز على أسنانه وجلس متكتفا بغيظ يحاول تقرير ماذا سيفعل .
مر بعض الوقت وإحدى السيدات تراقب المنظر المريب من شرفة قريبة في احدى الشقق في مبنى فخم يطل على الشارع الرئيسي محاولة طرد الشيطان من رأسها الذي يوسوس لها بأمور أرعبتها حول ذلك الرجل الضخم المخيف الذي يراقب طفلا منذ مدة ولم يحيد عنه ناظريه بينما الطفل يبدو تائها ينظر في جميع الاتجاهات وقد مر وقت على هذا الوضع .
فكرت بالنزول إليهما لكنها خشيت من أن تستفز ذلك الرجل الضخم لربما يكون مؤذيا فحسمت أمرها بعد الكثير من التردد وأخرجت هاتفها متصلة بأحد الأرقام وقالت " ألو .. كيف حالك سيادة العميد .. أنا ضحى .. (صمتت لثوان وقد لاح عليها أنها تتلقى مجاملات وترحيب من الطرف الآخر ثم قالت بعجالة ) احتاج لنجدة عاجلة من الشرطة "
بعد ربع ساعة كانت سيارات الشرطة التي كانت تقوم بدوريات روتينية في الشوارع القريبة تقترب من الميدان مما جعل الشيمي وبراء ينتبهان ويتابعا الأمر حتى وقفت أمام براء وترجل منها رجال الشرطة يرفعون مسدساتهم نحو الشيمي الذي رفع يديه في مستوى صدره العريض بوجه يعلوه الاندهاش بينما هتف الضابط " لا تصدر اي حركة"
خرجت ضحى من البوابة القريبة.. ترتدي بنطالا من الجينز الأزرق و ( كروكس ) في قدميها .. وسترة سميكة باهظة الثمن فوق بلوزة بيضاء .. فبدت رشيقة وأنيقة رغم سنوات عمرها الخمسين و أسرعت نحو براء تقول بقلق "هل أنت بخير يا حبيبي؟"
تطلع فيها براء منكمشا بعد أن تسارعت أنفاسه بتوتر وهو يرى الشرطة والمسدسات وقد أحس بالفزع بينما صاحت ضحى تشير نحو الشيمي " هذا هو الرجل الذي يرعب الطفل المسكين لقد ظل يتتبعه لأكثر من ساعة "
نظر إليها الشيمي بنظرة غاضبة قائلا " أنا أرعبه !"
هتفت ضحى بعصبية رغم خوفها من أن يقوم بأي حركة خطرة " أجل أنت.. أنا أتابع الموقف من شرفتي منذ بدايته"
أشار الضابط برأسه لمساعديه الذين اقتربوا من الشيمي وأمسكوا بذراعيه يقيدونه بالأصفاد وهو يمط شفتيه بامتعاض مستسلما لهم .. ينظر لضحى بنظرة نارية وقد تعرف على هويتها ..
إنها مطربة شهيرة .
قاده العساكر ليركب سيارة الشرطة والأغلال في يده لكنه قام بحركة اعتراض مفاجئة قائلا "والصبي ؟"
رد الضابط وهو يأخذ بيد براء نحو سيارة شرطة أخرى " سيأتي معنا "
ثم توجه لضحى يقول بابتسامة لبقة " شكرا لك يا ست الكل على اهتمامك ولا تقلقي سنقوم باللازم "
نظرت ضحى لبراء وهتفت بجزع" هل ستصحبون الطفل أيضا لقسم الشرطة ؟"
رد الضابط موضحا " لابد ان نعرف من هو وما صلة هذا الرجل به"
قالت وهي تتوجه نحو المبنى " وأنا سآتي خلفكم بسيارتي لابد أن أطمئن على الولد بنفسي "
×××××
طرق زياد على الباب بهدوء ثم فتحه ليجدها جالسة على السرير ساهمة ترفع ركبتيها أمامها وتحضنهما .. بينما الهاتف يضيء أمامها على الوضع الصامت وهي تحدق فيه دون أن ترد ولم تنتبه لوجوده إلا حين نادها قائلا " عهد .. عهد ألن تردي على الهاتف ؟"
أدارت وجهها إليه وقالت تحاول سحب نفسها للواقع بعيدا عن دوامة مشاعرها " لا .. إنها أمي وأنا لست قادرة على الحديث معها حاليا .. هي بالذات "
سألها مشفقا " ألن تأكلي ؟"
تحركت تغمغم" حالا سأجهز لك طعاما "
أنزلت قدميها تضعهما في شبشب البيت واستقامت مسرعة نحو وقفته عند الباب فأمسك بذراعها قائلا وهو يتأمل عينيها الحزينتين " لا أريدك أن تشعري بأني عبء عليك يا عهد .. أنا أقصد هيا لتأكلي لا أن تجهزي لي شيئاًً لآكله"
تأملت وسامته من هذا القرب وقالت بابتسامة باهتة ولكن صادقة " أطلب أنت أي شيء ولا تبالي "
سأل بلهجة لم تفهمها " أي شيء ؟"
فأجابت بصدق "أي شيء مهما كان "
همس بطريقة أحيت قلبها الذي يحتضر في صدرها فتقافز كالأطفال " مهما كان غاليا ؟"
ردت تداري انفعالاتها " لا يغلو عليك شيء أبدا يا زياد "
اتسعت ابتسامته فارتج قلبها بعنف لتجده يمسك بيدها ويسحبها برفق متجها للصالة.. فنظرت لكفه التي تحضن كفها متمنية لو تجمد هذا الشعور لتستحضره فيما بعد مرارا وتكرارا حين تنفصل عنه ..
تفاجأت عهد بطاولة السفرة مليئة بالطعام المنزلي التقليدي فاتسعت عيناها تقول " من أعد هذا الطعام؟!!!!"
رد زياد بابتسامة متسلية "أنا "
ووضع يده على ظهرها يدفعها برفق لتجلس على المقعد تحدق في أنواع الطعام أمامها من محاشي وطواجن وحمام محشي وبط فرفعت وجهها إليه تقول بعينين متسعتين ذاهلتين "حتى لو صدقت بأنك من أعددت هذا الطعام المعقد في تجهيزه وطهيه .. متى فعلت كل هذا؟؟ !.. وأين؟؟!! .. هل تظنني غبية ! "
قهقه زياد فزغرد قلبها معلنا انفصاله عن حالتها الاكتئابية البائسة واستقلاله عنها للاستمتاع بكل لحظة ستمر وهو يراه ويشعر به ويسمع صوته .. مهددا إياها بأنه سيتبرأ منها إن أنكرت عليه احتفالاته بهذا القرب من زياد الحب .
فقالت بغيظ تقاوم احتفالات قلبها" قل يا زياد من أين أتى هذا الطعام؟ "
رد بهدوء وهو يضع أمامها واحدة من الحمام " كلي أولا فأنت لم تأكلي جيدا الأيام الماضية وبعدها سأخبرك "
مالت برأسها تطالعه بعناد قائله" بل ستقول أولا وإلا لن آكل"
ضرب بيده بخفه على مؤخرة رأسها وهو يقول موبخا " يوما ما سأكسر هذه الرأس العنيدة "
احمرت وجنتيها وقد دغدغت حركته التلقائية مشاعرها ليكمل زياد مفسرا " الحاجة نفيسة أرسلتها .. الحقيقة أنها اتصلت بي اليومين الماضيين تطمئن علينا وطلبت مني العنوان لكني كنت أراوغها .. واليوم تفاجأت بأنها قد أرسلت العم زغلول بالطعام "
ابتسمت عهد ابتسامة باهتة تشعر بالسعادة أن هناك من تذكرهما ..
ابتسامتها اخترقت قلب زياد بطعنة مؤلمة بعد أن استقبلها بتفسير خاطئ بأنها تخص يونس .. فبلع غصة مسننة في حلقه وحاول نفض الشعور الجارح في قلبه حتى لا يفسد تلك اللحظات النادرة التي تتجاوب معه فيها بعيدا عن ذلك الشرود والبؤس الذي يصاحبها منذ انهيارها باكية يوم أمس فتمتم بحشرجة "كلي يا عهد "
وأخذ يلوك الطعام في فمه بصعوبة وقد فقد شهيته .
××××
قال الضابط لرفيدة التي تقف أمامه بينما ضحى جالسة أمام مكتبه تضع ساقا فوق الأخرى مشيرا للشيمي الذي يقف متقبضا هادئ الملامح " هل صحيح أن خروج براء من الدار كان بمعرفتك وأنك قد كلفتِ هذا الرجل لحراسته ومراقبته؟"
قالت رفيدة مدافعة " هذا حقيقي .. أنا مديرة الدار واتحمل كامل المسئولية .. وهو طُلِب منه أن يحرسه ويتابعه فقط"
تدخل يونس الذي يجلس في مواجهة ضحى أمام مكتب الضابط قائلا " كما وضحنا لسيادتك وللهانم أن هذه كانت طريقة من طرق علاجنا لرغبته المستمرة في الهرب .. حاولنا أن نضعه في التجربة ليخوضها بنفسه ونحن نؤمنه "
هتفت ضحى بانفعال "ولمَ يرغب طفل في الهرب إلا إذا كان يتعرض لمضايقات وربما تعذيب( وأشارت للشيمي) إن كان هذا هو مدير أمن الدار كما تقولون .. فطبيعي أن يفزع الأولاد منه .. ( ونظرت للضابط تميل بجذعها على مكتبه تقول هامسة بلهجة متشككة ) أنا أرى أن تبحثوا خلف هذه الدار وما يحدث فيها من ممارسات قد تكون مشبوهة "
تكلم يونس بلهجة معترضة صارمة " آسف يا هانم أنا لا أسمح بهذا الكلام أبدا.. وسأعتبر ما تقولينه سب وقذف وسأتقدم بشكوى ضدك فهذه الدار تتبع آل سعد الدين"
نظر الضابط في بطاقة عمل يونس وبطاقته الشخصية مدققاًً .. ليرن الهاتف بجانبه فأسرع بالتقاطه يرد باحترام" أجل يا أفندم ...(ونظر نحو يونس وغمغم ) لا تقلق سعادتك الموضوع في طريقه للحل .. لا تقلق يا باشا .. تحت أمرك .. تحت أمرك"
اغلق الخط وتوجه لبراء ليرضي ضميره ويقنع ضحى فكونها شخصية مشهورة لو لم تقتنع قد تحاول اثارة المشاكل في الصحافة .. فأشار للصغير الجالس بعيد بانكماش يراقب بوجه شاحب ما يحدث وقال" تعال يا حبيبي.. تعال ولا تخف "
اقترب براء ببطء وهو يراقب الجميع بترقب حتى وقف بجوار الضابط الذي سأله " هل تعرف هؤلاء؟"
صمت براء مطرقا برأسه فدعت رفيدة في سرها أن يتخلى عن صمته وتدخلت قائلة" براء حبيبي لابد أن تتكلم وتخبرهم الصدق"
قالت ضحى بتوجس" من فضلك يا استاذة لا تحاولي التأثير على الولد "
ومدت ذراعها تمسد على ذراع براء تشجعه على التكلم فتبادلت رفيدة النظرات مع الشيمي ويونس بغيظ .. ليعيد الضابط سؤال براء " هل هربت من الدار؟"
حرك براء رأسه بلا.. فسأله" من سمح لك بالخروج؟"
رفع سبابته وأشار على رفيدة ويونس .. فسأله الضابط " من هذه؟"
رفع براء سبابته وابهامه يمسك بشفته العليا ورد بخجل طفولي خافت الصوت" ماما رفيدة"
تنفست رفيدة الصعداء ونظرت للشيمي الهادئ في وقفته فابتسم لها بينما سأل الضابط براء " وخرجت وحدك بدون أن يكون معك أحد؟"
حرك براء رأسه نافيا فسأله "من كان معك؟"
فأشار على الشيمي وغمغم "كان يتتبعني"
غمز له الشيمي مشاكسا وقال" ولد ذكي"
سأله الضابط" ومن يكون هذا الرجل؟"
استمر براء يمسك بشفته العليا بأصبعيه ورد" وحش الدغدغة"
قرب الضابط اذنه من براء مستفهما "من؟؟؟"
بينما حرك يونس وجهه للخلف ينظر للشيمي الواقف خلفه يهرش في أرنبة أنفه بابتسامة محرجة مختلسا النظرات لرفيدة فردد براء بخفوت " وحش الدغدغة.. إنه يدغدغ الاطفال "
ابتسم الضابط .. فسألت ضحى براء" هل يؤذيك أحد بالدار؟ .. قل ولا تخف "
حرك براء رأسه بلا فقالت ضحى " لماذا أردت الخروج من الدار إذن؟؟؟"
حرك الصبي مقلتيه يمينا ويسارا وكأنه يبحث عن تفسير ورد " لأبحث عن بيتي"
لاح التأثر على وجه الجميع فسألته ضحى بحشرجة باكية "وهل وجدته؟؟"
حرك براء رأسه نافيا فسألته " لماذا؟"
رفع إليها مقلتين دامعتين قائلا" لأني لم يعد لي بيتا "
ردت رفيدة بسرعة بصوت متأثر " يا حبيبي الدار هي بيتك"
بينما سالت دموع ضحى وسألته " هل تعرف أين والديك؟"
غمغم بحشرجة "في الجنة"
أخذته ضحى في حضنها واجهشت بالبكاء.
بينما ساد صمت مؤلم بين الجميع.. قطعه طرق على الباب ليدخل العسكري يلقي بالتحية العسكرية ويقدم للضابط بطاقتي عمل فنظر فيها ثم أشار للعسكري أن يسمح لهما بالدخول ..
دخل رجل ممتلئ الجسم أصلع الرأس في منتصف الأربعين من العمر ذا ملامح ذكورية جذابة يقول بلهفة وقلق "ضحى"
ثم قدم نفسه للضابط وهو يمد يده للسلام "المذيع فادي ورد"
هلل الضابط مرحبا " لا تحتاج لتعريف نفسك يا باشا فأنت والسيدة ضحى أنرتما قسم الشرطة اليوم"
قدم الرجل الأخر نفسه بأنه محامي بينما اقترب فادي من ضحى يتفحصها بجزع وهو يرى عيناها باكيتان هامسا "ماذا حدث؟"
مسحت الأخيرة دموعها وغمغمت تطمئنه " لا شيء يا فادي اطمئن"
بينما قال الضابط " هذا يونس سعد الدين رجل أعمال وجاركم في المدينة من أصحاب دار السعد للأيتام "
سلم فادي على يونس بترحيب واستدار لرفيدة التي قدمت نفسها بابتسامة واسعة اندهش لها الشيمي وهي تمد يدها لسلام حار " رفيدة عبد السلام مديرة الدار .. سعيدة جدا بمقابلة حضرتك"
رحب بها فادي واستدار للشيمي الذي حدجه بنظرة غير ودودة رفع لها فادي حاجبا مندهشا فتدخل يونس يعرفهما "الشيمي مسئول الأمن في دار السعد للأيتام.. والحارس الشخصي لأخي فارس سعد الدين رجل الأعمال "
مد فادي يده أدبا فمد الشيمي كفه الكبيرة لسلام خشن اتسعت له عينا الأول ثم استدار بعدها يقول بهدوء " هلا أفهمتموني ما الأمر بالضبط؟"
شرح الضابط في عجالة قائلا "ضحى هانم اخطرتنا بخصوص هذا الطفل تشك في انه تائه و....."
جاء طرق آخر على الباب فبتر الضابط عبارته بعصبية ليدخل العسكري ويعطي بطاقة تعريف أخرى للضابط الذي هتف بقلة صبر "من أيضا ؟؟...رئيس الوزراء؟؟!!!!"
ونظر للبطاقة ثم أشار للعسكري مستسلما بأن يدخله وهو يحك جبينه بإرهاق .. ليدخل رجل في أواخر الخمسين من العمر قائلا بابتسامة فخورة " المستشار فتحي فتحي فتحي المحامي حاضر مع السيد ميمي"
رد الضابط بإرهاق " الأمر لم يكن يستدعي لحضورك بنفسك يا سيادة المستشار"
بينما استدارت رفيدة للمستشار تقول مصححة "الشيمي"
أغمض الشيمي عينيه لثانية يدعو الله أن يمر الأمر دون ذكر اسمه بشكل واضح أمام رفيدة .. بينما اتسعت ابتسامة المحامي أكثر واستدار يمد يده للسلام مرددا بابتسامة طاووسية كمسجل صوت "المستشار فتحي فتحي فتحي المحامي"
كررها لكل الموجودين وهو يسلم عليهم " المستشار فتحي فتحي فتحي المحامي"
وسط ذهول ضحى وفادي ..وحين وصل ليونس سلم عليه الأخير قائلا بابتسامة مشاكسة " أعلم بأنك المستشار فتحي فتحي فتحي المحامي "
اتسعت ابتسامة فتحي المحامي أكثر وربت على كتف يونس بمحبة ثم قال موجها كلامه للضابط "الأمر فيه سوء تفاهم"
قاطعه الضابط قائلا بإرهاق" لا داعي لأن تقول أي شيء سيادتك .. فكما تقول الأمر كان سوء فهم من الهانم"
قاطعته ضحى تقول بحرج " حسنا اعترف بأني قد أخطأت .. لكن أي شخص في مكاني كان سيفعل ذلك (ونظرت للشيمي بنظرة متوجسة وأكملت ) الحقيقة الأستاذ منظره مريب وهيئته توحي بالخطر ولولا أني سمعت من الولد بنفسي ما كنت صدقت"
اندفعت رفيدة تقول بحدة وهي تعدل نظارتها وترفع سبابتها أمامها " يا هانم يجب ألا تحكمي على الناس من الشكل .. فهذا الذي تعلقين على شكله وتقولين بأنه قد أخافك أوكد لك بأن قلبه قلب طفل صغير ويتعامل مع الأطفال بحنان وصبر كبيرين"
استدار يونس مائلا بوجهه يطالع الشيمي بنظرة مقيمة خبيثة مضيقا عينيه.. بينما الأخير قد أطرق برأسه ترتسم ابتسامة طفولية على وجهه وضربات قلبه تتراقص في صدره لتكمل رفيدة مدافعة " انظري لابتسامته الطفولية ستعرفين"
ارتسمت علامات الغباء على وجه الضابط وهو ينظر هو الأخر للشيمي بينما أكملت رفيدة مرافعتها " وانظري لبراء كيف يتحدث عنه.. الأطفال عندي في الدار أيضا يعشقونه .. وأنا وملاك الدار لو لم نكن نثق به تمام الثقة لما كنا أوكلنا إليه هذه المهمة الدقيقة جدا .. لذا لا اتفق معك بأن الحكم على البشر يكون بالمظهر ابدا "
تحكم الشيمي في ابتسامة طفولية سعيدة تريد أن تتسع وأطرق برأسه في حرج .. بينما هرش الضابط خلف رقبته مضيقا عينيه يحاول استيعاب هذه الوصلة الغير مبررة من المدح .
أما ضحى فرمشت بعينيها عدة مرات وأمسكت بملابس فادي بحركة عفوية .. فرد الأخير بلهجة متهكمة " مفهوم يا هانم .. وصلنا المقصود .. بأن السيد شيمي رائع ورائع ورائع"
تنحنحت رفيدة بحرج تخفض انظارها أرضا دافعة نظارتها بإصبعها للخلف وقد اشتعل وجهها كله بينما تكلم المحامي الحاضر من جانب ضحى يحاول انهاء الموضوع "كما وضح للجميع الموضوع كان به سوء تفاهم فهل تسمح لنا بالمغادرة؟"
رد الضابط بلهجة عملية" إذن سأقوم بتمزيق المحضر المقدم من السيدة ضحى ضد السيد ميمي وكأنه لم يكن أليس كذلك ؟"
ونظر لضحى التي أومأت برأسها بينما ضيقت رفيدة عينيها تحاول الفهم فهذه هي المرة الثانية التي يلفظ أحدهم اسم (ميمي ) الغريب فقالت مصححة للضابط الذي يمزق ورقة المحضر" الشيمي"
توقف قلب الشيمي في نفس الوقت الذي توقف الضابط عن تمزيق الورقة والذي حدجها بنظرة بمعنى ( متى سينتهي هذا اليوم المستفز ) ثم قال بابتسامة صفراء" تمام .. ميمي الشيمي (وأمسك ببطاقة الشيمي الشخصية يعيدها إليه قائلا بصوت واضح ) تفضل البطاقة يا سيد ميمي.. ( ونظر لرفيدة ليجاريها مضيفا) الشيمي "
تسمرت رفيدة لثوان ثم استدارت بحركة حادة تحدق في الشيمي متسعة العينان .. فأغمض الأخير عينيه بقوة مشيحا بوجهه عنها وهو يضع بطاقته في جيب بنطاله الخلفي وعلامات الحرج على وجهه قد أكدت لها بأن اسمه الأول هو (ميمي ) .. فظلت تحدق فيه بذهول تحاول الاستيعاب .. دون أن ينتبه أحد من الموجودين لما يحدث لها فيونس كان يعلم باسمه مسبقا ومعتاد عليه والباقين لم يثير الاسم انتباههم لأنه اسم قديم كان متداولا في الاحياء الشعبية .
بعد قليل وقف فادي يشكر المحامي ويودعه خارج مكتب الضابط ثم استدار لزوجته يحدجها بنظرة موبخة قائلا بهمس " هل يعجبك تلك الفضائح يا ضحى هانم (ونظر لقدميها وغمغم ) وبالكروكس ! "
همت بالدفاع عن نفسها .. فرفع سبابته أمام فمه يمنعها من الحديث قائلا بخفوت " ليس الآن سنتحدث فيما بعد .. المشكلة أني حين تلقيت مكالمتك بأنك في قسم الشرطة أتيت مذعورا حتى أني لم أطلب أي حراسة خاصة معي.. والآن سيتجمع الناس حولك وسأتوتر بشأن حمايتك .. وأخشى أن يصل خبر وجودك في قسم الشرطة للصحافة وأقرأ في الأخبار غدا ( فادي ورد يضرب زوجته المطربة ضحى وتشتكيه في قسم الشرطة) (فادي ورد انتقم من المطربة ضحى شر انتقام وجرها من شعرها في قسم الشرطة )"
عضت ضحى على شفتها السفلى تناظره بملامح طفلة مذنبة بينما بدأ المترددون على قسم الشرطة يمدون رؤوسهم متابعين لضحى بفضول وقد تعرفوا عليها.. أما فادي فكونه مذيعا إذاعيا في الأساس ولا يقدم إلا بعض البرامج التليفزيونية القليلة العدد فلم يكن وجهه مألوفا للكثير من العامة مثلها ..
تركت رفيدة براء مع الشيمي وعادت لضحى وفادي الواقفين على بعد أمتار منهم مسرعة .. بينما ودع يونس المستشار شاكرا واستدار للشيمي المتابع لرفيدة بوجه متجهم وقال" هل ستأتون معي لأوصلكم؟"
رد الشيمي بذهن مشغول وهو يشير لزغلول الذي يقترب منهم " شكرا يونس باشا .. زغلول أتى خلفي بسيارة فارس بك وسنعود بها لا تشغل بالك بنا"
تابع يونس ما يتابعه الشيمي على بعد أمتار .. ورفيدة التي تقف أمام فادي بابتسامة متسعة بلهاء على وجهها ثم ربت على كتفه قائلا بلهجة متهكمة " ليتنا ما أوصينا عليك شخصية مهمة في وزارة الداخلية رغم بساطة الموضوع.. ولا أحضرنا مستشارا بنفسه خوفا من أن تستخدم شخصية مشهورة كضحى علاقاتها لتعقيد الأمر أو إيصاله بشكل خاطئ للصحافة.. ليتنا وفرنا المجهود على أنفسنا فقد كان لديك محامية شرسة .. يا أبا الضحكة الطفولية ! "
انتبه الشيمي لما يقوله فاستدار ينظر إليه بوجه محرج .. فربت الأخير على كتفه العريض وغمز له مغادرا وهو يرفع الهاتف على أذنه قائلا " أهلا أخي .. لا تقلق خرج والحمد لله"
تكلم زغلول الذي سمع ما قاله يونس مناولا له مفاتيح السيارة " خذ هذا وعد للبيت مع الأستاذة "
تطلع الشيمي في المفاتيح بيده وسأله عاقدا جبينه "وأنت؟!"
قال زغلول بلهجة ماكرة واضعا يديه في جيبي بنطاله" أنا لدي مشوارا هاما.. ولن نستطيع تأخير السيارة على فارس بك لربما طلبها .. فسأعود للبيت بمعرفتي (وغمز بعينه ثم أنزل نظراته لبراء يقول ) ما رأيك يا براء أن تأتي معي لأعيدك أنا للدار؟"
اختبأ براء خلف الشيمي بصمت .. فمط زغلول شفتيه وتنهد مغادرا .. بينما كان الشيمي قد نفذ صبره وأحرقت نار الغيرة صدره باذلا الكثير من ضبط النفس لمعرفته أن انفجار غضبه سيكون مريعا فقال لبراء بلهجة حانية "هيا بنا يا بطل"
واتجه نحو رفيدة التي وقفت تقول بلهجة طفلة سعيدة "صدقا يا استاذ فادي .. إنها أجمل صدفة وأنا سعيدة جدا بمقابلة حضرتك اليوم .. فصوتك يذكرني بأيام بعيدة .. أيام الغربة ( وتوجهت لضحى موضحة ) المغترب يتعلق بأي شيء له صله بالوطن وفادي ورد كان صوته في الراديو يؤنس وحدتي في الغربة وخاصة الفترة الأولى حين لم أملك سوى جهاز الراديو للتغلب على الوحدة وسماع لهجة الوطن .. هذا الكلام كان من عشرين عاما "
قال فادي بلباقة" لا يبدو عليك يا رفيدة العشرون سنة التي تتحدثين عنها في الغربة إلا إذا كنت قد ذهبتِ إلى هناك في عمر ست سنوات مثلا "
احمرت وجنتي رفيدة تعدل نظارتها بينما أدخلت ضحى المتأبطة لذراع فادي يدها الأخرى تقرصه بقوة في خصره فلاح الألم على وجه الأخير لكنه لم يستطع قول شيء فقد اخترق ذراع الشيمي العضلي الضخم تلك الوقفة فجأة فارتد فادي للخلف خطوة مبعدا ضحى بحركة حمائية .
وقف الشيمي بكتفه بينهم موليا ظهره لفادي وضحى ووجهه لرفيدة قائلا بلهجة خطرة وذراعه مفرودا أمامها وكأنه يفصل القوات عن بعضها "تفضلي يا استاذة السيارة في انتظارك وبراء متعب ويريد العودة "
رفعت إليه رفيدة أنظارها متفاجئة بطريقته الغير لبقة .. بينما نظرت ضحى لبراء بنظرة حانية تلوح له بالوداع فانكمش الأخير خلف الشيمي .
حاولت رفيدة رفع قامتها على أطراف أصابعها لتودع فادي وزوجته من فوق كتف الشيمي الذي يعترض منتصف الوقفة فلم ترى شيئا ... فأنزلت رأسها قليلا تنظر لهم من تحت ذراعه التي لا تزال مفرودة وتودعهم بابتسامة محرجة قائلة " فرصة سعيدة يا أستاذ فادي فرصة سعيدة سيدة ضحى أنا أيضا من معجبيك وأحب أغانيك جدا والألبوم الأخير رائع .. وسعيدة جدا بأننا جيران "
غمغم كلاهما بكلمات غير واضحة وهما يتابعان ما يحدث بنظرات ذاهلة .. ورفيدة ترفع نظرات غاضبة للشيمي ثم تأخذ منه يد براء وتتحرك أمامه بخطوات عصبية .
بعد أن ابتعدوا أمسكت ضحى بملابس فادي تقول بتوبيخ " بل ستقول الصحف أن المطربة ضحى قامت بقتل زوجها في قسم البوليس ( وقلدته متهكمة ) لا يبدو عليك يا رفيدة العشرون سنة التي تتحدثين عنها في الغربة !! "
نظر فادي واضعا يديه في جيبي بنطاله لقبضتها الممسكة بملابسه ورد بامتعاض " مسموح لك بالمعجبين .. ولشخصي المسكين غير مسموح !!"
قالت بغيظ " أنا أتلقى الاعجاب لا أبادر بعبارات الإعجاب"
رفع ذقنه بشموخ قائلا " أنا رجل لبق ومجامل مع معجبيني من الجنس الناعم "
تخصرت تقول بغيظ " ما رأيك أن أكون أنا أيضا لبقة مع معجبيني من الجنس الخشن"
عض على شفته بغضب قائلا بوعيد " افعليها يا ضحى إن كنت ..."
قاطعه أحد الاشخاص يقول بانبهار " الست ضحى !!.. إنها لفرصة سعيدة أن نراك هنا .. هل من الممكن أن نلتقط صورة سويا؟"
ابتسم فادي ابتسامة مستخفة ورد بعدم لباقة وهو يضع يده على ظهرها يحثها على التحرك " نعتذر بشدة فلدينا موعدا هاما علينا أن نلحق به "
فابتسمت ضحى للشاب بحرج .. وفادي يدفع بها مغادرا بسرعة .
على باب قسم الشرطة تفاجأ الاثنان ببعض التجمع في الخارج لوجود المطربة الشهيرة ضحى بينما أحد الضباط يهدر في المتجمعين لتفريقهم مهددا بحبسهم .. فانكمشت ضحى في صدر فادي وهي تلوح لهم بابتسامة مضطرة أن تقابل بها حب الجماهير رغم توترها من تلك التجمعات ..
لف فادي ذراعه حول كتفيها شاعرا بالقلق .. فدوما شعبيتها الكبيرة وتدافع الجماهير حولها يوتره ويشعره بالخوف عليها خاصة بعد تلك الحادثة الشهيرة منذ سنوات لأحد المعجبين المختلين عقليا الذي قتل ممثلة متيم بها في تجمع جماهيري .. فتحرك بها مسرعا نحو السيارة التي اضطر أن يركنها بعيدا عن القسم فأمر الضابط الواقف في الخارج اثنان من العساكر ليؤمناهما حتى وصلا أخيرا للسيارة.
يتبع
على بعد أمتار فتح الشيمي باب السيارة الخلفي فدخل براء وسألت رفيدة" أين زغلول؟"
أجابها باقتضاب" لديه مشوارا وسأقود أنا"
أغلقت رفيدة الباب الخلفي على براء شاعرة بالحرج أن تجلس في الخلف بينما هو يقود السيارة .. وتحركت تجلس في المقعد الأمامي بجوار مقعد القيادة .. فتحرك الشيمي حول مقدمة السيارة يجلس أمام عجلة القيادة بضخامته ثم مد يده لجيبه الخلفي يخرج حافظة نقوده ويلقي بها أمامه بمزاج متعكر ويشغل السيارة .. مركزا على التجمع البسيط لبعض المواطنين بسبب وجود المطربة ضحى ..
أسرعت رفيدة تلتقط حافظة نقوده بجرأة وتفتحها تطالع بطاقته الشخصية بعينين جاحظتين.. فشعر الشيمي بالمزيد من الحرج ليمد كفه أمامها قائلا بضيق "حافظة نقودي من فضلك"
وضعتها في يده وهي تهمس بذهول "الشيمي ليس اسمك وانما اسم والدك .؟؟.. اسمك ... ميمي !!!! .. ميمي!!!!"
تعرق الشيمي رغم برودة الطقس بالخارج والشمس تميل للمغيب وغمغم وهو يتطلع من النافذة على يساره " أجل اسمي ميمي الشيمي حمودة"
ساد الصمت .. فأدار وجهه ناحيتها ليجدها تحدق فيه بقمرين متسعين ذاهلين من خلف زجاج نظارتها.. ليعيد وجهه للنافذة مجددا في أسوأ مرة شعر فيها بالحرج من أسمه.
تطلعت فيه رفيدة مصعوقة تتفحص جسده الضخم الذي يملأ الحيز كاملا في مقعد السائق.. ولذراعه العضلي الذي يحرك عجلة القيادة.. ولملامح الحرج التي تعلو وجهه قبل أن يشيح به نحو النافذة ثم .. انفجرت في هستيريا ضحك حتى مالت برأسها إلى حجرها غير قادرة على التوقف ..
استدار نحوها الشيمي متفاجئا ينظر لرأسها التي تميل نحو حجرها ولضحكتها المجلجلة فاكفهر وجهه حرجا وغمغم بصوت أجش وكرامة مجروحة
" ماذا ؟؟؟؟... ألم تقابلي شخص من قبل يدعى ميمي يا أستاذة؟!!!"
رفعت إليه رفيدة وجهها المحمر من الضحك وغمغمت " بلى رأيت .. لكن .. لكن ...."
وأشارت بسبابتها نحوه طلوعا ونزولا .. ثم انفجرت في الضحك مجددا هذا المرة تدفن وجهها في كفيها.
رغم مروره بأصعب موقف قد مر به بشأن طرافة اسمه شاعرا بطعنة في كرامته الذكورية بسبب ضحكها عليه لكن رؤيتها تضحك فرض شعورا بالسعادة عليه رغما عنه .. فتسللت ابتسامة على وجهه تشاركها سعادتها وضحكها متجاهله مشاعره المحبطة بانكشاف اسمه الطريف أمامها.
كشفت رفيدة وجهها من كفيها تطالعه بعينين دامعتين من كثرة الضحك .. ثم خلعت نظارتها ومدت يدها تسحب منديلا ورقيا من أمامها واستدارت للخلف تنظر لبراء لتجده قد استسلم للنوم مستلقيا على المقعد الخلفي .. فعدلت وجهها تمسح عينيها المكحلتين من الدموع بحرص حتى لا تلطخهما .
ليتأمل الشيمي عينيها بشوق مغمغما في سره" لماذا يا بنت الناس كشفت عن عينيك .. أقادر أنا على تحمل قربك بهذا الشكل!.. أو رائحة عطرك المغوية !.. أو صوت ضحكاتك الباعث للأمل ! .. لتكشفي لي عن هاذين القمرين ليردياني قتيلا بدلا من أن يضيئان حياتي ! "
لاحظت رفيدة تحديقه فيها فاستدارت تنظر أمامها وتلمع نظارتها .. فأدار الشيمي وجهه يركز على الطريق في صمت .. لتصيبها موجهة أخرى من الضحك ولكن أهدأ من سابقتها فوضعت سبابتها وابهامها أعلى أنفها في زاويتي عينيها تغمغم "آسفة جدا جدا .. لا اعرف ماذا أصابني"
ثم وضعت النظارة على وجهها وسحبت نفسا عميقا تمنع موجة ضحك قادمة وقالت متصنعة الجدية" تشرفنا سيد ميمي"
نفخ الشيمي بغيظ .. وضغط على الراديو بخشونة يشغل أي موسيقى فصدح صوت عبد الحليم يملأ المكان حولهما .
اشتقت إليك فعلمني .. ألا أشتاق
علمني كيف أقص جذور هواك من الأعماق
تفاجأ الشيمي بالأغنية فاختلس النظر نحوها ليجدها قد هدأت وكأنها تنصت بحزن.. وتمنى أن يبقي على الأغنية .. لكن كرامته ألحت عليه بألا يتسول أمامها .. فمد يده يبحث عن محطة إذاعية أخرى واستقر على واحدة تبث موسيقى ليسمع بعد ثوان عمرو دياب يغنى
قمرين ..
قمرين دول ولا عنيك؟
قلبي بيسألني عليك ..
اتاريني بفكر فيك !
اسرع الشيمي بإغلاق الراديو تماما بنفس الخشونة التي شغله بهافي الوقت الذي رن هاتفه فأسرع بالرد قائلا "نعم فارس باشا ... ... أنا عائد أنا وبراء والاستاذة ... لا كان الأمر بسيطا بالفعل حتى أن الضابط تعجب من حضور سيادة المستشار بنفسه وتلك المكالمة التي وصلته ...... لا حرمنا الله من رعايتك يا باشا ... في سلامة الله"
سألته رفيدة بعد أن اغلق الخط وكلاهما مستمتعا برفقة الأخر شاعرا بدفء كان ينقصه " يبدو أن فارس يحمل لك في قلبه محبة كبيرة ولست بالنسبة له مجرد حارس شخصي .. منذ متى وأنت تعرفه؟"
رد الشيمي وهو يركز نظراته على الطريق يقبض بكفه الحرة على تلك المشاعر التي تتأجج في صدره لوجودها بهذا القرب " أعرفه من اثني عشر سنة تقريبا .. كنت قبلها أعمل في مجال الكهرباء .. آخذ مقاولات لتجهيز الشقق الجديدة بما يلزمها من شغل كهرباء .. ولكني اضطررت يوما لأن استدين بمبلغ كبير من أحد التجار .. وتعثرت في سداده فتراكمت عليّ الفوائد وتضخم المبلغ .. فحاول هذا التاجر استغلالي بإقناعي بأن أكون رَجُله الذي يغطي على أعماله الغير شريفة.."
صمت قليلا.. فهتفت رفيدة باهتمام بالغ" وماذا فعلت ؟"
أكمل بهدوء وهو يحرك نظراته بينها وبين الطريق " لمدة عامين كنت أراوغ تارة .. واصطدم برجاله فأدق أعناقهم تارة أخرى حتى يئس من موافقتي وقرر أن يقدم ما لديه من شيكات للشرطة .. وقتها لم يكن لدي أي خيار إما أن أخضع له ..أو أدخل السجن .. وبالفعل هيأت نفسي للخيار الثاني متيقنا بأني داخله لا محالة إن لم يكن بسبب الشيكات والدين فبسبب لحظة جنون سأفقد فيها أعصابي وأقتل هذا الرجل الذي كان يحاصرني أينما ذهبت ليقنعني بأنني سأكسب الكثير إذا ما طاوعته.. حتى ظهر فارس في حياتي فجأة.. (صمت قليلا وكأنه يتذكر ثم أكمل مضيفا بلهجة تملؤها المحبة ) الحقيقة أني كنت اعرفه معرفة قديمة وسكنا في حي واحد لكنها معرفة سطحية فعلاقتي كانت بوالده رحمه الله .. فأنا كنت من أحد صبيانه حين كان مقاولا للبناء .. كان يوكل لي مقاولات لشغل الكهرباء في الشقق التي كان يشرف على بنائها وتشطيبها .. أول مرة قابلت الحاج محمود سعد الدين كنت متخرج حديثا من المعهد .. وأعمل في بعض الطلبيات الخفيفة .. فاستعان بي وفتح لي باب رزق كبير وظل يوكل لي أعمال الكهرباء في كل أعماله "
قاطعته رفيدة تحاول الاستيعاب" لحظة واحدة.. هل فارس سعد الدين في نفس عمرك؟"
اختلس الشيمي نظرة مدققة لها قبل أن يعود للتركيز على الطريق مجيبا" كلا أنا أكبر منه بحوالي سبع سنوات .. حين بدأت بالعمل مع والده .. كان فارس فتى مراهق وكان والده يحرص على تعليمه فلم أقابله إلا بضع مرات ولم احتك به رغم أننا كنا في نفس الحي تقريبا.. المهم أني فوجئت بعد عدة سنوات من وفاة الحاج بأن فارس سعد الدين يبحث عني في الوقت الذي كان يبحث فيه عن حارس خاص وأنه قد سمع بموضوع الدين وكان وقتها قد جمع ثروة لا بأس بها ويظهر اسمه كتاجر يمتلك محلا كبيرا للرخام ويضارب في البورصة .. وعرض عليّ أن يجلس مع ذلك التاجر ويجدول الديون معه بحيث يدفعها هو عني كرامة لوالده الذي كان يكن لي الكثير من المحبة وقد تم ذلك بالفعل .. ثم عرض عليّ أن أعمل لديه حارسا خاصا وأن أكون رَجُله..
والحقيقة أنه أتاني في وقت كنت فيه في قمة اليأس ما بين أن أرضى بالمال الحرام بعملي مع هذا التاجر أو دخول السجن .. وكونه ابن الحاج محمود أعاد لي الحنين للماضي فوافقت على أن أعمل لديه وتركت عالم اصلاحات الكهرباء وبت لا أفارقه أبدا .. شاعرا بأني مدينا له بحياتي التي أوشكت أن أقضيها في السجن .. (وصمت قليلا وقد تدفقت الذكريات إلى رأسه فأضاف) أما زغلول الذي هو صديق الطفولة حين احتاج فارس لسائق قدمته له ومنه تعرف فارس على اسرته وأتت خضرة لتخدم الحاجة في الشقة القديمة .. وحين بنى تلك الفيلا بنى لنا ملحقا لنبقى معه .. الحقيقة أني لولاه لما فكرت في أن أكون حارسا شخصيا أبدا فأنا أميل لأن أعيش حرا "
غمغمت رفيدة متأثرة" يبدو أنك تكن له محبة خاصة كتلك التي يكنها لك"
رد الشيمي معترفا" هذا حقيقي"
عقدت حاجبيها وسألته" ولماذا يحتاج فارس لحراسة؟؟"
قال الشيمي مراوغا " أي رجل أعمال لديه منافسين واعداء .. وقبل أن يبني المصنع كان صاحب محلات في السوق.. والاحتكاك بالتجار لا يخلو من بعض المناوشات .. ومعظم الناس لا يشعرون بالهيبة والرهبة إلا أمام القوة للأسف"
صمتت قليلا ثم سألته سؤالا فضوليا أخر لم تستطع منع نفسها من سؤاله "ولماذا تداينت بهذا الدين من الأساس ؟"
لم يستطع الشيمي أن ينكر أمام نفسه شعوره بالفرح من فضولها لمعرفة المزيد من المعلومات عنه ولا شعوره بالراحة أن يشاركها ماضيه ويحدثها ويحكي لها فأجاب بهدوء " أخبرتك من قبل بأني كنت متزوجا .. زوجتي رحمها الله تعرضت لولادة قيصرية مبكرة .. فخرج الولد من بطنها على الحضانة وتعرضت هي لنزيف شديد .. واهمال طبي في ذلك المستشفى الحكومي الصغير الذي ولدت فيه .. فاضطررت لنقلها فورا لمستشفى استثماري كبير لإنقاذها فلم يستطيعوا وقف النزيف .. وقرروا استئصال الرحم فورا.. وهذا تطلب مني أن أدفع مبلغا كبيرا لهذه العملية .. جزء منه مقدما ليتم اسعافها .. وقتها لم أجد أمامي سوى هذا التاجر فأخذت المال وكتبت شيكات بالمبلغ والفوائد .. ودخلت هي غرفة العمليات لكن حالتها كانت متأخرة .. فخرجت منها في حالة صحية حرجة وظلت بالعناية المشددة لعدة أيام ثم توفيت .. وتوفي ابني أيضا قبلها بساعات .. ( واستدار لرفيدة التي تجمعت الدموع في عينيها وأكمل ) وهكذا تركوني فجأة وبقيت وحدي"
انهمرت الدموع من عينيها وسألته سؤالا لم تستطع كبحه "هل كنت تحبها؟"
تفاجأ الشيمي بالسؤال لكنه رد بهدوء "كانت سيدة فاضلة رحمها الله.. بعدها أجلت فكرة الزواج مرة أخرى وانشغلت مع فارس في مشاريعه"
غمغمت رفيدة وهي تمسح دموعها" أنا آسفة جدا لم أكن أقصد أن أعيد لك ذكريات مؤلمة"
رد الشيمي بهدوء " الموضوع كان من خمسة عشر سنة تقريبا .. والزمن يداوي الجراح.. رحمها الله وأحسن إليها واسكنها فسيح جناته"
رغم مشاعرها الصادقة تجاه زوجته ودعائها خلفه لها بالرحمة لكنها لم تستطع أن تمنع شعورا بالغيرة منها تسلل إليها بخبث غير عابئ بكونها امرأة متوفية .
اوقف الشيمي السيارة أمام الدار فنظرت رفيدة حولها متفاجئة ولسان حالها يقول( هل وصلنا بهذه السرعة!!) ولم تعرف بأن الشيمي قد لف بالسيارة المدينة كلها يسير ببطء ويختار الشوارع البعيدة حتى يطيل الدقائق بينهما ..
لملمت مشاعرها المبعثرة حول رفيقها ونظرت خلفها حيث براء مستغرقا في النوم فتملكتها الشفقة نحوه .. بينما هم الشيمي بسؤالها عما إن كانت قد بكيت بسببه قبل ساعات وقد عاوده ذلك الشعور بالضيق لتسببه في ذلك لكن ذلك المحبس الذي يضيء في بنصرها الأيمن افاقه حين وقعت عليه عيناه .. فبلع سؤاله الذي سيخترق بينهما الحدود .. واعتبره سؤالا غير لائقا لامرأة تخص رجلا أخر .. ليستدير نحو باب السيارة يترجل منها وكأنه يهرب من إلحاح قلبه ثم فتح الباب الخلفي ليحمل براء بين ذراعيه .
خطواتهما في الحديقة مهما بلغ بطئها كانت تقرّب من لحظة الافتراق..
وعليه..
أن يكتفي بهذا القدر من الرفقة الدافئة التي لم يشعر بها مع امرأة غيرها.
وعليها..
أن تكتفي بذلك الشعور بأنها انثى مراهقة في حضوره.
عليهما الافتراق.
عليهما .. العودة للواقع.
قال الشيمي متوجها للغرفة التي ينام فيها براء "سأضع براء في سريره"
عند السلم المؤدي للدور العلوي قالت رفيدة بلهجة متسلية فاجأتها هي شخصيا وهي تضع قدمها على أول درجة من درجات السلم "كانت فرصة سعيدة يا.. سيد ميمي"
تخشب الشيمي لثوان ثم استدار إليها يقول بلهجة خطرة "نسيت وأنا أحكي لكِ عن ذكريات الماضي .. أن أخبرك بأني لا أسمح أبدا بالتهكم على اسمي .. ولم أخبرك أيضا ماذا كنت افعل مع من يتجرؤون على فعل ذلك... يا أستاذة"
حركت رفيدة مقلتيها يمينا ويسارا ثم ردت بلهجة متسلية "لكن بالتأكيد يُستثنى من ذلك .. الاستاذة .. يا سيد ميمي"
وتحركت بخفة تصعد السلم وتختفي من أمامه ..
راقبها الشيمي متفاجئا وسعيدا فقد بدت في تلك الدقائق التي جمعتهما سويا في طريق العودة وكأنها أصغر عمرا وأخف روحا .. ثم استدار بعدها ذاهبا لغرفة الصبيان وابتسامة سعيدة تزين شفتيه .
من أين أتتها هذه الجرأة .. وتلك الثقة والعفوية دون تحفظ .. وهي تتعامل معه؟؟
سؤال سألته رفيدة لنفسها وهي تفتح باب غرفتها في الدور الثاني .. شاعرة بأنها خفيفة الوزن تكاد تمشي على رؤوس أصابعها برشاقة كباليرينا ..
شاعرة..
بتلك المشاعر المدغدغة لأنوثتها .. وبالدفء بعد هذه الدقائق معه.
وشاعرة أيضا ...
بوخز الضمير .. وبأنها ترتكب ذنبا في حق مجدي.
فتخشبت ملامحها .. لتعود قدميها على الأرض وتغمغم لنفسها موبخة "عليك باتخاذ قرار عاجل وحاسم يا رفيدة .. وبأسرع وقت .. فبهذا الشكل أنت ترتكبين ذنبا كبيرا في حقهما وتقللين من احترامك لذاتك"
××××
في المساء
قالت كارمن في الهاتف بضيق " هذا يعني بأنكما قد تشاجرتما مرة أخرى بباه ؟"
رد عاصم ببرود " هي من تتشاجر .. أنا في شقتي وهي التي تحضر بدون موعد لتتشاجر معي وتصب عليّ لعناتها وتذهب"
لاحظ فارس الضيق على وجهها وهي تقف أمامه في غرفة مكتبه وتقول " ولماذا تشاجرتما هذه المرة ؟"
رد عاصم مراوغا " وما أدراني أنا .. إنها تأتي لتخانقني بشأن رغبتها في أن أعود للفيلا وحين تيأس من استجابتي ترحل "
قالت كارمن متألمة " ألن تستطيع أن تعيد النظر في قرار انفصالكما هذا ؟"
قال بلهجة حازمة" كارمن أرجوك لا تتدخلي في هذا الأمر إن كنت ترغبين في أن أكون سعيدا الأيام المتبقية لي في عمري"
غمغمت بتأثر "بعيد الشر عنك بباه"
قال عاصم بلهجة حانية" سأذهب الأن .. كنت فقط أطمئن على براء ( وأكمل بالفرنسية ) تصبحين على خير جميلتي "
ردت بالفرنسية " تصبح على خير بباه "
أغلقت الهاتف وقد ضاق صدرها لما يحدث بين والديها لكنها بلعت الغصة في حلقها لتعود لفارس الذي لم يخف عليه ضيقها وقالت مقتربة من جلسته على المكتب وأمامه الحاسوب المحمول" هل راجعت ما قلته لك قبل المكالمة؟"
رد بهدوء "بالطبع "
ضيقت عينيها وقالت بلهجة متشككة "كيف ذلك وقد كنت تحدق فيّ طوال الوقت ؟!!"
رد بثقة "من الذاكرة "
ضغطت على شفتيها بغير رضا ثم قالت وهي تميل بجذعها بجواره تتعامل مع الحاسوب الموضوع فوق المكتب " أين كنا فارس بك إذن .. قلنا بأن عنوان البريد الالكتروني الخاص بك بالضبط كعنوان صندوق البريد .. ( وصمتت ثانية حين شعرت بيده ترفع شعرها من جانب وجهها إلى خلف أذنها ثم أكملت بوجنتين مخضبتين بالحمرة ) فحين أريد أن أرسل لك رسالة عادية مكتوبة لابد أن أكتب على الظرف العنوان الذي سيذهب عليه الخطاب وستستقبله في صندوق بريد خاص بك أو يأتي به عامل البريد إليك .. والأمر مشابه أيضا عبر الانترنت .. فحين تستقبل أي بريد اليكتروني ستجده في إلـ inbox "
صمتت فجأة مغمضة العينين ثم استقامت مغمغمة" inbox اسمه بالعربية ... اسمه بالعربية ... "
رد فارس " صندوق البريد الوارد "
فتحت عينيها تضرب بكفيها بحماس قائلة بالإنجليزية "هذا صحيح "
ثم استدارت من جديد تميل على الحاسوب فارتفعت بلوزتها حتى خصر البنطال الجينز الذي ترتديه فمد فارس كفه يتحسس تفاصيلها لتستدير كارمن هامسة بتوبيخ " ماذا تفعل ؟"
أفلتت خصلة من خلف أذنها وغطت جانب وجهها مرة أخرى فرفعها بيده وهو يرد بهدوء "لا شيء أستمع للشرح"
قالت بوجنتين مشتعلتين " بالمناسبة اليوم هو الجمعة"
قال بهدوء "أعلم ذلك"
اعتدلت واقفة وقالت بحنق وهي تضرب بقدمها الأرض باعتراض " فارس .. أنت تشعرني بعدم اهتمامك بما أعلمه لك .. قلت لك بأني أتدرب معك على كيفية إيصال المعلومة"
رد مدافعا " من قال بأني غير مهتم بما تقولين .. ومن قال بأنك لا توصلين لي المعلومة بطريقة جيدة!!"
صاحت ببؤس " لأنك تحدق فيّ أنا طوال الوقت وليس في الحاسوب "
قال مدافعا عن نفسه " من حقي أن أتمتع برؤية تفاصيل المعلمة إن كانت جميلة .. بل إن من أسباب قبولي هذه الدروس أن المعلمة جميلة وستكون الحصص معها ممتعة"
احمرت وجنتيها وسألته بدلال لم تستطع التحكم فيه " هل أنا جميلة ؟"
رد بهدوء والموج الأزرق الداكن في عينيه الصغيرتين قد بدأ يعلو " هل عندك شك في ذلك ..!"
تاهت في عينيه للحظة ثم قالت بلهجة عملية " أنت تأخذنا لمسار أخر .. لنعود للشرح "
واستدارت نحو الحاسوب ..فسحبها فجأة لتجلس على حجره قائلا "استريحي أولا ..واشرحي كما تريدي "
هتفت كارمن باستنكار" أنا أريد أن أشرح وأنا واقفة فلو كنت متعبة من الوقوف لأحضرت مقعدا أخر بجوارك!!"
رد مستمتعا بمشاكستها " ولمَ المقعد وأنا موجود !"
تطلعت فيه وأحد ذراعيها قد استقر مفرودا على كتفيه ثم قالت " قلنا اليوم هو الجمعة"
رد يقلدها "قلت أعلم بأن اليوم هو الجمعة "
ضيقت عينيها وقالت موضحة " انت تخترق الاتفاقية"
تكلم معترضا " كلا يا هانم هذا ليس خرقا للاتفاقية "
وضعت يدها الأخرى على خصرها تقول " كيف ذلك؟"
سألها بهدوء " عم كانت الاتفاقية من الأساس؟"
افلتت ضحكة صغيرة شقية منها اشعلت أعصابه التي يجاهد في اخمادها طوال الوقت وغمغمت وهي تضع ظفر ابهامها بين سنتيها الأماميتان "عن يوم الخميس "
سألها بنظرة متسلية " عن أي شيء بالضبط يوم الخميس؟"
غمغمت في حرج منكمشة فوق حجره " عن .. الـــــ ...خميس"
زينت ابتسامة متسلية زاوية فمه وسألها " وهل ما أفعله هذا هو الـ ( خميس ) المقصود.. ( ومال على أذنها يهمس) أم انك نسيت التفاصيل بهذه السرعة "
صمتت وقد احمر وجهها فأبعد وجهه ليتطلع فيها مضيفا " أنت اتفقت معي بشأن العلاقة الخاصة فقط .. ولم يكن اتفاقك محددا فيه أي بنود أخرى .. وبالتالي أنا الأن لا اخترق البند الوحيد الموجود بالاتفاقية كارمن هانم "
وضعت كفها على رقبته وكأنها ستخنقه قائلة " أنت تستغل الثغرات فارس بك "
رد ببراءة " طبيعي أن أبحث عن ثغرات كارمن هانم لأستفيد .. كل طرف في الاتفاقية يبحث عن مصلحته أولا "
أبعدت كفها وسألته "والمعنى؟"
رد بنظر متسلية " المعنى أن كل شيء مباح مادام ليس خرقا لبند الاتفاقية "
تطلعت فيه بتدقيق ثم قالت مضيقة عينيها " ولكن هذا سيعتبر تحرش "
سألها ببراءة مصطنعة " وهل كان هناك بندا في الاتفاقية يمنع ذلك ؟!"
حركت رأسها بلا .. فقال" أين المشكلة إذن؟!"
لم تجد ما ترد به فقالت بغيظ " ألا يوجد لديك مشكلة في أن تكون متحرشا؟! "
رد ببساطة " مادام تحرشا في الحلال فلا بأس ( وأضاف بلهجة بائسة مصطنعة ) أنا لم أتحرش بأنثى أبدا في حياتي من قبل .. أليس هذا ظلما "
اتسعت عيناها لثوان .. ثم اتسعت ابتسامتها أمام عينيه اللتان تقتاتان على كل لمحة منها .. فأكمل فارس بلهجة ذات مغزى " فما بالك أن تكون المعلمة حلوة (وسألها فجأة ) كيف تقال (حلوة) بالإنجليزية؟"
عضت على شفتها السفلى بخجل ثم نطقتها " سويتي "
ردد وراءها بصوته الرخيم "يا سويتي"
تسارعت ضربات قلبها أمام جاذبيته التي تشتد مع كل دقيقة تمر عليها معه فمالت عليه تشدد من ذراعيها حول رقبته وتحضنه بقوة في رغبة جامحة بداخلها لمعانقته .. ليشدد فارس ذراعيه حول جذعها مغمض العينان .. غارقا فيها .. فكلما لمسها تسحبه إلى جنتها فتهدأ تلك الأفكار التي تضج بها رأسه دوما..
ساد صمت بينهما أبلغ من أي كلام .. وكأنهما في حالة من المغازلة بدون حروف .. لتقطعها كارمن فجأة معتدلة وهي تدير وجهها ناحية اليسار إلى نافذة المكتب الأرضية التي تطل على جانب الفيلا وقالت " فارس الستائر مفتوحة وأي شخص يمر قد يرانا في هذا الوضع "
مط شفتيه بغير رضا وقال وكفه تتسلل تحت بلوزتها "سأغلقها فورا ونعود للمحاضرة "
غمغمت وهي تبعد كفه " يبدو أنك طالب متعب وسأضطر لتدريسك من خلف حاجز زجاجي "
واستقامت تعدل من ملابسها .. ليرن هاتفها فتغيرت ملامحها ملتقطة الهاتف وهي تقول باعتذار " يجب أن أرد عليها وإلا ستلح في الاتصال حتى الصباح بدون توقف (وفتحت الخط تقول بضيق لم تستطع إخفائه ) نعم مماه "
فمد فارس يده وأطبق الحاسوب المحمول يغلقه بعصبية ثم فتح بعض الأوراق تخص العمل ليراجعها وقد تعكر مزاجه
××××
استقبلها يونس تخرج من مبنى الدار فسألته " أين كنت كل هذا الوقت ؟"
رد وهو يتأملها ليتأكد بأنها أصبحت أفضل " كان علي أن أنهي بعض الأمور التي تخص معارض الرخام ومنافذ البيع .. هل لا يزال براء نائما؟ "
أومأت برأسها وقالت " منذ أن عاد وهو مستغرق في النوم ورفيدة طلبت أن نتركه حتى يستيقظ وحده "
سألها بحنو "وهل أنت بخير؟"
ابتسمت ابتسامة باهتة وردت "أشعر فقط بأنني مجهدة .. وكأني كنت أركض طوال اليوم "
رفع يده دون وعي يدخل خصلة من شعرها فرت من حجابها فاقتربت فريدة تتشممه .. ليخفي يده الأخرى خلف ظهره ويبتعد بجذعه للخلف مغمغما بسخرية" حان وقت تشغيل حاسة الكلب البوليسي لديها ( رفعت إليه أنظارها فقال ) ابدأ ... أنطلق "
لتقول فريدة "أعطني إياها"
قال ببراءة مصطنعة "عم تتحدثين؟"
اتسعت ابتسامتها ومدت كفيها مفتوحين أمامه تقول " بطاطا حلوة ( وسألته بسعادة ) هل احضرتها من أجلي؟"
رد مناكفا " يا بنت قلت لك من قبل أشفق على بائع البطاطا فأشتريها منه حتى اساعده على إعالة أطفاله المساكين "
عبس وجهها فنظر لكفيها المفتوحين أمامه متحكما في رغبة في تقبيلهما ووضع كيسا صغيرا فيهما ...
راقبها وهي تفتحه وتتشممه بسعادة قائلة" أحب رائحتها جدا جدا يا يونس لا أعلم لمَ؟.. لكنها تشعرني بالسعادة حين أشتمها "
تحركت شفتاه وهم بقول شيء .. لكنه أسرع بإطباقهما فقالت متسائلة" أنت تعرف سر حبي لها أليس كذلك؟"
هرش في مؤخرة رأسه فتساءلت بشك " هل كان والدي يحضرها لي ؟"
أومأ برأسه إيجابا .. فابتسمت في حنين للماضي ثم شدته من سترته تقول "تعال لنأكلها سويا"
جلسا على مقعدين في حديقة الدار وفتحت الورقة الملفوف فيها البطاطا على الطاولة الصغيرة بينهما وقسمتها لنصفين ومدت إليه يدها بالنصف الذي يخصه .. فتفاجأت به يميل برأسه ويقضم من البطاطا في يدها .. فاشتعلت وجنتيها وتحكمت في ابتسامة خجولة وقالت مستفهمة " ماذا تفعل؟"
حرك كتفيه قائلا " يداي باردتان .. ولست قادرا على إخراجهما من جيبي "
قالت بلهجة حانية " أنت تتدلل كولد صغير"
حرك مقلتيه يمينا ويسارا دون أن يعرف بأن حركتهما تؤثر على خفقات قلبها ثم قال بطاووسية " لا بأس .. سأسمح لك بتدليل يونس العظيم "
اتسعت ابتسامتها وتمتمت بتهكم " الحقيقة كرمك معي فاق الحد أيها العظيم "
حرك مقلتيه العسليتين نحوها ورد بالمثل الشهير " افعل الخير والق به في البحر"
نظراته تخطف روحها وتجعلها أسيرة لعينيه فتجمدت لثانية تتأمله .. لينقض يونس بحرك مباغتة يقضم قطعة كبيرة متوحشة من البطاطا في يدها المعلقة في الهواء .. فاطلقت فريدة صرخة مفزوعة انفجر لها يونس ضاحكا .. لتضربه على كتفه بتوبيخ وغيظ عدة مرات .. ثم وضعت يدها على قلبها وبدأت تشاركه في القهقهة.
×××××
في الخارج .. أمام الدار مرت سيارة فادي ورد عائدا مع ضحى من أحد المناسبات الفنية .. فقال الأخير" لمَ أردت أن نمر من هذا الشارع الجانبي يا ضحى ؟"
تأملت ضحى أبواب الدار الموصدة أمامها وتلك اليافطة المعلقة على الحائط ( دار السعد للأيتام ) وابتسمت ابتسامة متألمة تغمغم" لا شيء أردت أن أتأكد من مكان الدار .. إنها قريبة جدا .. استطيع أن أزوره أنا و(هومر) سيرا على الاقدام .
حرك فادي مقلتيه نحوها شاعرا بالقلق عليها .. إنها تعيش حالة اكتئاب طويلة هذه المرة .. وكان يظن بأن موضوع عدم قدرتها على الانجاب قد تقبلته منذ وقت طويل بعد أن أكد لها بأنه لا يرغب سواها في حياته لكن اليوم اشفق عليها جدا من نظراتها لبراء .
مد ذراعه يحيط بكتفيها ويسحبها نحوه لتنام على صدره ويطبع قبلة على رأسها قائلا بلهجة حانية" فكرة جيدة يا حبيبتي "
ونظر في مرآة السيارة الجانبية للدار التي ابتعد عنها لا يعرف إن كان وجوده بالقرب منهم أمر جيد أم غير جيد بالنسبة لضحى !
××××
يوم الاثنين
قالت عهد في الهاتف "يا استاذ عبد الواحد انا احتاج بشدة لمد الاجازة لدي ظرف شخصي "
قال عبد الواحد " لا استطيع أن أعطيك أكثر من أسبوع فلم يمر على تعيينك ستة اشهر(وأضاف بلهجة لم تعجبها ) لكن لو تحدثت مع يونس بك لربما وافق وأعطانا الأوامر بذلك"
جزت عهد على أسنانها .. فهذا الرجل دوما يلمح لوجود معاملة خاصة لها بسبب معرفتها بيونس .. ولم تكن المرة الأولى لأسلوبه هذا فقالت بعصبية تنهي المكالمة " حسنا يا أستاذ عبد الواحد أشكرك "
اغلقت الخط وسحبت نفسا عميقا في وقفتها في المطبخ المفتوح على الصالة .. واتصلت بيونس يتملكها الحرج .. فبالرغم من كونها تعتقد بأن هذا الزواج ليس حقيقيا .. لكن شعور بالخجل رغما عنها تسلل إليها وكأنها عروس حقيقية وهي تتصل بيونس .. الذي بادرها مهللا " عروستنا من آل الدهشان .. التي كدنا أن نفقد حياتنا ونحن نخطفها لصاحبنا "
ابتسمت وتمتمت بحرج "كيف حالك يا يونس ؟"
رد مشاكسا " أنا بخير كيف حالك أنت يا عروس .. وكيف حال عريسنا ؟"
افلتت ضحكة عصبية خافتة منها وهي تقول" هل صدقت بأني عروس بالفعل ؟"
رد يونس بلهجة مستنكرة " ولماذا لا أصدق .. لقد كدنا أن نفقد أرواحنا من أجل إتمام هذه الزيجة !!.. "
قالت بامتنان " أنا شاكرة جدا يا يونس لك ولفارس على كل شيء"
قال يونس ممازحا " ما هذا الأدب يا زوجة ابن الناس الطيبين! "
ابتسمت عهد محرجة وقالت "يونس كنت اتصل بك بشأن مد الاجازة .. أنت تعرف بأن زياد لا يزال يحتاج لرعاية "
رد مطمئنا " بالتأكيد يا عهد لست بحاجة لقول ذلك .. فالإجازة مفتوحة ولا تقلقي بشأنها "
قالت بامتنان "اشكرك يا يونس جدا .. لكن اعتقد انك بحاجة لإخبار الأستاذ عبد الواحد مدير شئون العاملين فهو من طلب مني ذلك "
صمت يونس لثوان ثم رد بلهجة غاضبة " هو من قال لك هذا؟!! .. حسنا سأتصرف معه لأني أخبرته من قبل"
خرج زياد للصالة يبحث عنها ليجدها تقف في المطبخ مولية ظهرها له تتحدث في الهاتف .
أما عهد فشعرت بأنها ستتسبب في مشكلة وهي لا تحب ذلك فقالت وهي تفرك جبينها بيدها" يونس أرجوك لا أحب أن أتسبب في أية مشكلة"
اشتعلت النار في صدر زياد بينما قال يونس بلهجة عملية" لا تقلقي يا عهد المهم استمتعي أنت بالإجازة وعودي وقتما ترغبين "
غمغمت بلهجة متأثرة وترت زياد " يونس أنا عاجزة عن الشكر صدقا لا أعرف ماذا اقول "
صاح يونس موبخا " يا بنت ما الذي تقولينه أنت أختا لي والآن أصبحت زوجة أخي .. واعتقد يا عهد أن ما بيننا من ثقة واحترام متبادلين لا يترك مساحة لهذا الشكر .. لكن أنا لي عندك رجاء "
قالت بثقة " بالطبع .. اطلب ما تريد"
قال يونس بلهجة عاطفية " اهتمي بزياد واسعديه فهو يستحق منك ذلك "
لم يتماشى ما طلبه منها يونس مع معرفتها بأن زواجها من زياد كان مجرد وسيلة لإخراجها من هناك فقالت بارتباك " ماذا تعني؟؟؟"
لم يستطع زياد الصبر فتحرك نحو المطبخ بينما قال يونس ملمحا " لن أقول لك سوى أنه كان كالمجنون حين أخذوك .. أنا كنت مشفقا عليه ..لقد تخلى عن عقلانيته وهدوءه وللحظات خفت بألا أعود به حيا "
شعرت بحركة خلفها فاستدارت تنظر لزياد الذي بدا عابسا متجهما بشكل غريب فتملكها ارتباك مجهول السبب جعلها تنهي المكالمة سريعا مغمغمة" شكرا يونس .. وسأكرر دوما بأني سأظل ممتنة وعاجزة عن الشكر لك ولفارس .. واشكر الحاجة نفيسة على الطعام الذي ترسله يوميا والله كرمها فاق الحد "
قال يونس بمزاح مقصود المعنى " دللي صاحبي يا بنت الدهاشنة .. فقد دفع فيك من دمه "
عبارته خطفت قلبها .. جعلته يخفق بعنف وهي تنهي المكالمة وتنظر لزياد الذي اقترب بحركة مباغتة يمسك بذراعها قائلا بفحيح مرعب فاجأها "لماذا اتصلت به ؟؟"
حدقت فيه وقالت بذهول" زياد ما بك ؟؟؟.. (أحست بسخونة كفه واحمرار عينيه فأكملت وهي ترفع يدها الأخرى تتحسس جبينه ) هل عادت لك الحمى ؟! "
حرك رأسه ينفض يدها بغضب قائلا " أنا اسألك يا عهد لماذا اتصلت بيونس ؟"
أسلوبه الغاضب استفز عنادها فردت باستنكار " وما المشكلة؟"
هدر بغضب " ألا تعرفين ما المشكلة يا عهد؟؟؟.. لا تعرفين؟!!"
كانت يده تضغط على ذراعها بشدة فصاحت " زياد ما بك انت تؤلم ذراعي !!! "
انتبه ليده فترك ذراعها شاعرا بوخز الألم في ذراعه يزداد لكنه سألها بإصرار " لماذا اتصلتِ بيونس ؟"
لم تفهم ماذا يحدث له لكنها ردت وهي تمسد بذراعها " اتصلت به حتى يمد لي الإجازة لأن مدير شئون العاملين رفض"
شعر بأنه كان مبالغا في ردة فعله فتحرك يترك المطبخ نحو أحد المقاعد في الصالة .. يخرج علبة سجائر من جيبه يسحب منها واحدة أمام نظراتها المصعوقة ويشعلها ..
سحب زياد نفسا من السيجارة ونفثه محملا برماد قلبه المحترق بالغيرة .
انه مهما حاول التعامل مع الأمر فيما يخص يونس يزداد صعوبة بداخله.
اقتربت عهد تحاول استيعاب هذا الكم من المفاجآت والتغيرات المتوالية التي تحدث في حياتها منذ ما يقرب من الأسبوع.. آخرها عبارة يونس الغريبة وهذا الشكل الذي ترى زياد عليه لأول مرة فسألته "هل تدخن ؟.. أقصد هل عدت للتدخين ؟.. ألم تقلع عنه منذ أن كنا في الثانوية !"
غمغم بسخرية ُمرة " جميل أنك تذكرين شيئا يخصني "
اقتربت أكثر تحاول أن تفهم سر هذا التوتر الذي يبدو عليه فرفع إليها ناظريه يقول " اسمعي يا عهد هناك أمور علينا أن نضع لها قواعد بيننا "
سألته عاقدة حاجبيها "أية أمور؟"
قال بانفعال وصدره يعلو ويهبط " ما يخص كرامتي فهذا الأمر لن أتهاون فيه أبدا .. وما يخص علاقتك بيونس "
غمغمت بعدم فهم " يونس!!! .. علاقتي بيونس !! .. انه صديق الطفولة "
هدر فجأة فتراجعت للخلف مذهولة وهو يقول " بل أنا صديق الطفولة يا عهد ... ( وربت على صدره مؤكدا بملامح غاضبة ) أنا من رافقك منذ أن كنا صغارا .. أما هو فقابلناه حين كنا في المدرسة الثانوية أنسيت ! "
لم يعجبه هذا الحال الذي وصل إليه من امتهان لكرامته أمامها فتأجج غضبه أكثر من نفسه ومنها .. أما عهد فازداد ارتباكها وقالت " لا أفهم ما تقوله ! .. أنا لم أقصد الطفولة بمعنى حين كنا في الابتدائية والاعدادية قصدت المعنى العام بأنه صديق الدراسة منذ الثانوية"
اشتد عليه جرح كرامته كجرح ذراعه الذي عاد ليئن اليوم بالذات فقال بلهجة متألمة " أنا لن اتناقش في أمور بديهية يا عهد .. فمن الطبيعي أن تحجمي من علاقتك بيونس بعد أن تزوجت .. هذا أقل ما يمكن أن تقدميه للرجل الذي تحملين اسمه حتى لو كنتُ لست من تمنيتيه كزوج .. "
ما قاله صعقها فهتفت بذهول" زياد !!.. ماذا تقول ؟؟!!"
استقام واقفا والمرارة تزداد في حلقه فأطفأ السيجارة في المنفضة واقترب منها .. لتبتعد متسعة العينان في اندهاش من حالته وهي تراقب السيجارة المطفأة في المنفضة .. فاصطدمت بالحائط حتى كادت رأسها أن تسقط لوحة خلفها.. فأدارت وجهها بارتباك تتأكد من أن اللوحة مكانها .. وعادت لتجده قد وقف أمامها يسند بكفه بجانبها على الحائط قائلا بلهجة مُرة" أقول أنني آسف لكونك قد تمنيتِ أن شخصا آخر هو الذي ينقذك ويتزوجك .. لربما لو حدث ذلك لكنتِ خرجت سريعا من حالة الذهول والاكتئاب التي تصاحبك منذ عودتنا ولشعرتِ بالفرحة .. (وأكمل بخفوت أكثر مرارة ) أنا آسف يا عهدي لم يكن أمامي سوى خيار الزواج بك لأخرجك من هناك .. حتى لا افقد عقلي واقتلهم جميعا ..أو أقتل نفسي لو كانوا قد آذوك أو زوجوك لرجل غيري "
ما هذا الجنون !
ما الذي يهذي به !!.
هل قال سيقتلهم جميعا من أجلها ؟؟
هل قال بأنه سيفقد عقله بسببها !
هل قال بأنه سيقتل نفسه لو زوجوها أو آذوها !!
أنطق باسمها منسوبا له ؟؟؟..
يخصه !!!
غمغمت بلجلجة خافتة " هل قلت .. عهدي؟"
أمسك بمرفقها مقربا وجهه منها يتطلع في عينيها المندهشتين قائلا بتحدي " أجل .. عهدي .. أنت عهدي أنا.. وزوجتي رغم عن أنفك وأنف الجميع .. وأسف بأن أخبرك أن ما تنتظرينه مني لن يحدث إلا على جثتي .."
سألته بحشرجة " ماذا تقصد ؟"
لمعت عيناه بتصميم غريب عليها منه وقال " لن أطلقك يا عهد .. لن أطلقك ولن أسمح لك بالسفر حتى لو لم تعترفي بهذا الزواج أبدا .. ( واكمل ببطء كارها لنفسه وهو ينطقها ) وحتى لو كنت أعلم بأنك تريدينه هو وليس أنا "
سألته بفم جاف "من؟؟"
شدد من أصابعه المغروزة في مرفقها ورد بلهجة معذبة "يونس "
شهقت واضعة يدها على فمها ثم سألته مصعوقة "من قلت؟؟؟"
ابتسم ابتسامة مرة ورد ساخرا " هل تفاجأت بأني أعرف بما يدور هنا ؟!" ووضع كفه على قلبها الذي انفجر يدق بعنف ..
قالت عهد تحاول تخفيف صدمة ما يقوله على نفسها حتى لا تصاب بأزمة قلبية " زياد .. هذه الزيجة كانت كذبة من أجل أن تخرجوني من هناك "
كشرت ملامحه فجأة ورفع كفه عن قلبها يمسك بكتفيها متطلعا في وجهها وقال بلهجة خطرة " هذه الزيجة حقيقية وصحيحة على سنة الله ورسوله وأمام الناس وبإمضاء الشهود.. "
توقف قلبها عن الخفقان فكل هذا كثيرا عليها دفعة واحدة فغمغمت بحشرجة " لكن ..أنا اعتقدت أن ....."
كل جروحه كانت تئن
كرامته ..
وقلبه ..
وذراعه ..
فقاطعها هادرا وهو يهز كتفيها بعنف " ماذا اعتقدت؟؟؟ .. اخبريني بماذا اعتقد عقلك العبقري الحاصل على شهادة الماجستير من الخارج ..ماذا اعتقدت ..؟؟؟؟"
ردت بصدمة " بأنك كنت تنقذني لأنك صديقي ولأنك .. شهم "
حدق فيها لثوان ثم ترك ذراعيها وأمسك بأعلى أنفه واضعا سبابته وابهامه في زاويتي عينيه يضحك ضحكة خافتة ساخرة غير مصدقة ..
ثم انزل يده وتطلع فيها وقد أظلمت ملامحه أمام عينيها بغتة يقول بغضب " أنت غبية يا عهد .. أنا أقولها لك صراحة .. أنت غبية .. فليس هناك رجل يضع نفسه في أول قطار ليسرع خلف فتاة ويذهب إلى بيتها في هذا المكان المحافظ جدا والمتشدد في عاداته ليسأل عنها بعد منتصف الليل لأنها صديقته .. ( صمتا لثوان يحدقان في بعضهما ثم استدرك قائلا ) بالطبع لو كنت مجرد صديقة كنت سأذهب لإنقاذك بالتأكيد لكن لن يكون بهذا الشكل "
سألته بسذاجة "وكيف سيكون لو أنا صديقة فقط ؟"
اقترب يسند بكفه على الحائط بجوارها ويميل عليها قائلا أمام وجهها المرفوع نحوه " سيفكر بعقلانية .. وسيطلب الشرطة .. ويذهب في حراسة ويعد العدة قبل أن يدخل ليواجه ويعرض نفسه للخطر "
اطرقت برأسها وصدرها يعلو ويهبط تمنطق الأمر فقال بلهجة متألمة " ألم أقل لكِ بأني غير مرئي بالنسبة لك !.. وكأن اهتمامي بك هذا جديدا عليك.. وكأنني أعاملك لأول مرة معاملة ليست مشابهة لأي فتاة أخرى !.. يا عهد أفيقي .. أفيقي وكفى إهانة لكرامتي .. أهذا تفسيرك لكل ما كنت أفعله من أجلك طيلة عمرنا معا ؟؟!!.. ألهذه الدرجة أنا غير مرئي يا عهد !!!"
كان وقع ما يقوله صادما وصعب الاستيعاب أكثر من أي شيء مر بها خلال حياتها كلها .. فاعتقدت لوهله بأنه مستمرا في الكذب والتمثيل شفقة عليها ..فتسارعت أنفاسها باضطراب ثم انفجرت باكية تدفن وجهها في كفيها وهي تغمغم" بل قل.. ألهذه الدرجة أنا مثيرة للشفقة .. مثيرة للشفقة يا زياد حتى تقرر أن تدعي بأنك تكن لي مشاعر "
بكائها أضعفه .. وجعل الغلبة لقلبه لا كرامته .. فهدأ غضبه قليلا واقترب أكثر يلمس بشفتيه جانبا من رأسها المائل أمامه هامسا " لم البكاء الآن؟ .. أنت لست مثيرة للشفقة يا عهد .. أنت بحاجة لأن يتم الكشف على قواك العقلية للتأكد من أنها سليمة "
حركت رأسها ترفع وجهها المغرق بالدموع إليه قائلة بذهول "ما تقوله أمر لا يمكن تصديقه .. من أنت ومن أنا"
قال بخفوت مر وهو يتجول بنظراته في وجهها من هذا القرب "أنا زياد .. وأنت عهدي "
ما يقوله يعجز عقلها عن تصديقه فقالت من بين شهقات بكائها " بل أنت ابن الوزير وأنا عهد اليتيمة .. لا أسرة .. لا شيء كيف .. كيف ......"
بترت جملتها تشهق بشكل مثير للشفقة فأخرج من جيب بنطاله البيتي منديلا ورقيا ومسح الدموع من تحت أنفها وهو يقول بهدوء ساخر " غالبا سيقرر الطبيب بعد فحص قواك العقلية بأنك بحاجة للاحتجاز بداخل مصحة عقلية يا عهد "
كادت أن تجن بما يحدث فهمست " زياد أنا اتحدث بجدية ما تقوله .. ما تقوله غير منطقي"
لا تزال الفرضيات في ذهن كليهما تفرض سوء الفهم بينهما ليعتقد زياد بأنها تقول ما تقوله لتبرر مشاعرها ليونس فعادت كرامته تزأر من جديد معترفا بأنه قد سحقها أمام قدميها باعترافه هذا الذي اعتبره مخزيا .. اعترافه بكل شيء .. فقال ساحبا نفسه من أمامها بصعوبة " هذا شأنك أنت يا عهد كونك تعتبرينه منطقيا أو غير منطقي .. فصدقي الأمر بالشكل الذي تريدينه .. أما أنا فمتمسك بهذا الزواج بكل أسف"
غمغمت بعدم فهم "بكل أسف!!!!"
أجابها بلهجة مُرة " أجل بكل أسف .. فأنتِ آسفة لأنني لست الشخص الذي تريدينه .. وأنا آسف بالتأكيد لأنني اضطررت لأن أهين كرامتي أمامك بهذا الشكل المزري وأنا أعترف لك بأني أعلم بما في قلبك وبأني لست الرجل الذي تريدينه (وأضاف بحشرجة جعلته ينفر من نفسه أكثر ) وبرغم كل هذا فأنا غير قادر على تطليقك .. فمن في اعتقادك أكثر اثارة للشفقة بيننا؟! "
كاد قلبها أن ينفجر من الألم وهي تراه يتحرك مبتعدا وقد لمح ذلك الصندوق الملفوف بالتل والشرائط الوردية على طاولة بجوار باب الشقة فقال ساخرا " بالمناسبة هذه الهدية كنت سأهديها لك في نفس الليلة التي أخذوك فيها .. وتركتها في السيارة حتى أحضرها العم بسيوني وهو يحضر الحقائب .. ألق بنظرة عليها لربما ساعدتك في تصديق ما لا تريدين تصديقه "
واستدار يوليها ظهره مبتعدا وهو يمسك بذراعه المجروح .. فسقطت عهد من وقفتها تجلس أرضا .. فلم تعد ساقيها قادرتان على حملها .
بكت ..
بكت كثيرا
بكت في صدمة لم تتوقعها أبدا
زياد !!
زياد الحب !!!
زياد الذي حاربت نفسها ومشاعرها وقلبها حتى تقصيه عن عقلها الواعي .. حتى تدفنه في قلبها سرا مختوما عليه بالشمع الأحمر مكتوبا عليه
(غير قابل للبوح)
( منطقة غير مسموح فيها بالأحلام الوردية )
( أمنية مستحيلة )
زياد!!
يحبها !! ..يريدها !!..
زياد وجدي متمسكا بزواجه منها !!.
تنازل أمامها عن كبريائه وكرامته وهو يعترف لها معتقدا بأنها تحب يونس .
يا إلهي ! .. ماذا اقترفت يداها من أفعال سابقة حاولت بها التقرب من يونس فكانت مكشوفة أمام زياد .
حاولت أن تحمي نفسها من الألم فجرحت زياد .
ما يحدث مازال غير قابل للتصديق..
إنها في حلم ..
بالتأكيد هي في حلم.
رفعت وجهها تنظر للعلبة الموضوعة بجوار باب الشقة والتي استوقفتها أكثر من مرة خلال الأيام الماضية لكنها تحرجت من السؤال عنها كما أنها لم تكن في حالة نفسية تسمح لها بتتبع فضولها .. لكن الفضول الآن أصبح غير قابل للسيطرة عليه بداخلها .. فتحاملت على نفسها واستقامت مترنحه وكأنها قد تلقت ضربة قوية على رأسها منذ قليل .. وتحركت بقدمين واهنتين نحو الصندوق وحملته بيدين مرتعشتين لتعود به نحو غرفة المعيشة ووضعته على المنضدة .
حاولت تخمين ماذا يمكن أن يكون في الصندوق خاصة وأنه كان ثقيلا .. لكن عقلها كان في حالة يرثى لها فلم يسعفها بأي أفكار .. فجلست على الأريكة أمام الصندوق وبدأت في حل شرائط الساتان الوردية بارتجاف .
حين فتحت الصندوق وجدت ماكينة لتحضير القهوة منزليا .. فابتسمت بتأثر وأخرجتها بصعوبة تتفحصها بسعادة ..
وبفضول الأنثى نظرت مرة أخرى في الصندوق لتجد صندوقا آخر صغير الحجم باللون الأحمر اللامع .. فالتقطته وقد تسارعت ضربات قلبها بعنف في صدرها وهي تفتحه لتجد كوبين من البورسلين الأبيض متداخلان في بعضهما ..
مرسوما على أحدهما وجه شاب يشبه زياد بنظارة طبية وتحته اسمه بالعربية
( زياد)
وأعلاه مكتوب بالإنجليزية
( Would You )
وعلى الكوب الأخر وجه فتاة تشبهها بشعر كستنائي منكوش مكتوب تحتها
( عهد )
وأعلاه كتب بالإنجليزية
( Marry Me )
فاتسعت عيناها وهي تفك تداخل الكوبين وتبعدهما عن بعضهما ثم تعود وتقربهما لتلاحظ أن الكوبين يقبلان بعضهما ..
فانفجرت عهد في بكاء شديد تغرق نفسها بفيضان من الدموع وهي تحضن الكوبين معا ..
تحضنهما بقوة إلى قلبها الذي كانت صدمته من أروع ما تكون..
××××
تطلع فارس في هاتفه على أخبار البورصة لذلك اليوم في رحلته للعودة من اجتماع مع أحد المستثمرين خارج العاصمة وقد بدأ الظلام يعم المكان خارج النافذة على الطريق السريع .. بينما جدال زغلول والشيمي الذي لا ينقطع أبدا يصل إلى مسامعه رغم خفوته فقال متهكما " ألن تكفا عن الشجار كصبيين أبدا .. أحيانا أنسى أنكما قد تخطيتما الأربعين "
ساد الصمت إلا من تراشق بالنظرات بين الشيمي وزغلول فسأل فارس دون أن يرفع وجهه عن هاتفه يدون بعض الملاحظات عن حالة البورصة والأسهم على مفكرة هاتفه بعد أن علمته كارمن إياها لتسهل عليه استحضاراها بدلا من أن يضطر لحمل مفكرة ورقية في جيبه " ما المشكلة هذه المرة علام تتشاجران ؟؟"
قال زغلول مناكفا "سعادته لم يكفيه النوم الذي خطفه ونحن ننتظرك بالخارج ويريد أن يكمل النوم الآن"
رد الشيمي بغيظ" قلت لك لست نائما ألأني شردت قليلا تقول بأني نائم!!"
هتف زغلول بلهجة ساخرة " يا حبيبي يا مسكين ! .. وفيم شردت ؟.. وما الذي يخطف النوم من عينيك أثناء الليل لتعوضه أثناء النهار؟"
جحظت عينا الشيمي وأشهر قبضته أمامه قائلا " زغلول لا تخرج الوحوش من رأسي ستندم صدقني "
قال فارس وهو لا يزال يدون أرقاما كثيرة " يبدو أن زغلول يتسلى عليك لسبب ما أنا أجهله يا شيمي فقله لي وساعتها لن يجد زغلول ما يستفزك به "
حدج الشيمي زغلول بنظرة خطرة فلعب الأخير له حاجبيه .
سأل فارس فجأة" هل تعيش قصة حب مثلا يا شيمي؟ "
نظر زغلول لفارس في المرآة الأمامية قائلا بعفوية " كيف علمت يا باشا ؟؟؟!!!!"
ضرب الشيمي على جبهته قائلا بغير تصديق " يا لغبائك الذي لم أرى مثله أبدا في حياتي !!! "
بينما رفع فارس رأسه يجيب متفاجئا "عرفت للتو منك يا زغلول ( ونظر لظهر الشيمي يقول باندهاش) هل تعيش قصة حب يا شيمي؟!!"
فجأة اختلت عجلة القيادة من زغلول فانتبه الجميع ليسرع الشيمي في استجابة سريعة يتحكم في اتجاهات السيارة مع زغلول الذي هدأ من سرعتها تدريجيا حتى توقفت وصوت أحد إطاراتها يوحي بأنه قد تمزق .
بعد دقائق توقفت السيارة تماما فخرج الشيمي وزغلول ينظران للإطار الذي تهتك بشكل غريب وهم الأول بإخراج الإطار الإضافي لتبديله .. حين خرج من خلف التلال المترامية على الجانبين في الطريق السريع رجالا أقوياء يحملون العصيان الغليظة .
××××
يتبع
فتحت عهد عينيها وقد أمسى الليل لتجد نفسها قد نامت غارقة في دموعها على الأريكة وهي لا تزال تحضن الكوبين .. فتحركت تضع الكوبين في الصندوق بعناية متداخلان يقبلان بعضهما ..تهم بأن تذهب لتطمئن على زياد .. فقد نسيت بأن درجة حرارته كانت مرتفعة قليلا حين كان يحدثها .. ليلفت انتباهها ورقة موجودة أسفل صندوق الكوبين فأمسكت بها بيد مرتعشة وفتحتها لتقرأ
" عهد ..
هذه ماكينة القهوة التي وعدتك بأن أحضرها لك .. ومعها هذه الهدية .. فإن قبلت بأن أكون في حياتك
Mr. Right
وبأن تكوني لي
Mrs. Always Right
فضيّفيني بكوب من القهوة من صنع يديك وضعيه أمام شقتي .. وإن لم تقبلي بي .. فأرجو أن تنسي هذا الطلب تماما وأن تضعي العلبة بكوبيها أمام شقتي وأنا سأفهم ..
زياد وجدي.
انهمرت دموعها من جديد واسرعت إلى غرفته تقتحمها باندفاع مشاعرها التي لم تستوعب حتى لحظتها ما يحدث ..لتتسع عينيها وهي تراه يجلس على السرير في وضع السجود ممسكا بذراعه فهتفت بجزع" زياد ما بك؟؟؟"
رفع رأسه يتطلع فيها بعينين حمراوين مرتعشا فأدركت بأنه محموم لتقترب وتتحسس وجهه هاتفة " لماذا .. لماذا .. لقد كنت في طريقك للشفاء .. لم ترتفع حرارتك خلال اليومين الماضيين "
تطلع فيها وهي تشرف عليه من علو وغمغم ساخرا " حتى اضطر لأن أتصل بيونس ليحضر الطبيب .. فأراه بجوارك وأرى عيناك وهما تتطلعان فيه فاحترق .. وكأن قلبي قد بقي منه قطعة لم تحترق "
لم تستطع تحمل الألم في عينيه فأمسكت بوجهه الساخن تقول " زياد.. هذا ليس حقيقيا .. ما تظنه ليس حقيقيا "
حرك عينيه يتأملها قائلا بلهجة آمرة " حين يأتي لفي وشاحا حول رأسك ورقبتك و .. ( انزل وجهه ليتطلع في منامتها فمد يديه يتحسس جذعها قائلا ) وارتدي أي شيء يداري تفاصيلك ..(وعاد ليرفع وجهه إلى وجهها الذاهل ) هذا أمر يا عهد .. أنت لا تعرفينني حين أغضب فلا يغرنك صبري وحلمي عليك .. لقد سحقت كرامتي أمامك بما يكفي وأخشى من ردود أفعالي بعد ذلك .. "
حضنت وجهه بكفيها وهمست " ما تظنه ليس حقيقيا يا زياد أنا لا أحمل أي مشاعر تجاه يونس .. (وتحركت نحو الكومودينو بجوار السرير تبحث في أدويته وهي تضيف) عليك بتناول خافضا للحرارة حتى يأتي الطبيب"
اطلق زياد قهقهة ساخرة جعلتها تستدير إليه ليقول "يبدو أن الحمى قد حفزت عندي الهلاوس فسمعتك تقولين بأنك لا تحملين أي مشاعر ليونس .. أم تعتقدين بأن الجميع أغبياء مثلك ؟!."
بلعت الإهانة والألم يعتصر قلبها واقتربت منه تحضن وجهه بكفيها من جديد .. وقبل أن تتفوه بشيء كان زياد قد طوق خصرها بذراعيه لتجد وجهه مدفونا في حضنها وهو يغمغم بجسد يرتعش من الحمى "دعيني أسمع كل المبررات والأكاذيب التي ستقولينها لتخففي من حالتي المثيرة للشفقة وأنا في حضنك "
ضمت رأسه إليها بقوة مشاعرها وهي تقول بخفوت باك " من قال بأنك مثيرا للشفقة .. من قال بأنك في منافسة مع أحد .. أنت زياد .. زياد وجدي .. الحلم المستحيل بلوغه بالنسبة لي .. "
غمغم في حضنها " جميلة هذه الأكاذيب.. استمري "
حاولت إبعاده حتى تواجهه فرفض فك ذراعيه من حولها فرفعت وجهه إليها تقول " أنا لا أكذب .. اقسم بالله العظيم أنا لا أحمل أية مشاعر ليونس سوى احترام وود .. ( اتسعت عيناه فأسرعت بالقول ) أعلم بأني كنت أطارده طيلة الوقت في ألمانيا .. لكني كنت متوهمة "
فك ذراعيه من حولها ومد يده يمسك بتلابيبها يشدها لأسفل فأصبح وجهها فوق وجهه ليقول بغضب بارد " إظهاري كرجل غبي ليست فكرة جيدة للتبرير يا عهد .. إما أن تحيكي أكاذيب منمقة وأنيقة أو تصمتي ولا تزيدي من الطين بله "
همست وهي تتأمل عينيه بدون النظارة الطبية " أقسم بالله كنت أوهم نفسي بذلك لأني كنت أبحث عن بيت وأسرة .. ويونس كان اختيارا جيدا .. وبصراحة أنا كنت لا أبحث عن زوج بقدر رغبتي في الحصول على عائلة .. أنا كنت بحاجة ماسة لعائلة يا زياد وتمنيت دوما الانضمام لعائلة سعد الدين .. تمنيت أن احظى برعاية الحاجة نفيسة وحماية فارس .. وحسدت فريدة كثيرا أن كان حظها جيدا بأن نشأت بينهم.."
سألها متألما " وأنا يا عهد .. ألم أمر على خاطرك أبدا؟؟"
ابتسمت ابتسامة مرة وهي تشعر بالارتجاف لهذا القرب بينهما وردت " أنت .. وأنا.. في الواقع يا زياد .. وفي الواقع الأمير لا يتزوج من السندريلا .. فحتى لو سعت هي لذلك ووافق هو .. ستجبره الظروف على تركها حتما.."
قال بخفوت " لكن لا احد يستطيع أن يمنع قلبيهما عن الحب "
ردت مدافعة " أنا أتحدث عن الزواج "
تجاهل خفقات قلبه المتسارعة وهو يسحب نفسها إلى صدره وقال " وأنا أتحدث عن أمور القلب .. عن الحب الذي ليس لنا يدا فيه يا عهدي "
قاومت الدوار في رأسها الذي نجم عن نطقه لاسمها متبوعا بياء الملكية وقالت بمرارة "حين تكون حياتك بائسة يصبح هذا الحب رفاهية لا قبل لك بها وعذابا غير محتمل ... وعليك بأن تقصيه .. تدفنه في قلبك .. تئده قبل أن يكبر ويطالب بالمزيد "
همس أمام وجهها الذي لا يزال مائلا فوق وجهه وهو يقاوم في خوف أملا ضعيفا يتسلل إليه من كلامها " الحب ليس قرارا يا عهد نتحكم فيه فنقرر ألا نحب هذا لأنه كما تدعين صعب المنال "
اعترفت أمام عينيه" هذا ما أوهمت نفسي به"
سألها " والنتيجة ؟"
لم تجد مفرا من الاعتراف لتخلصه من حيرته التي هي أصعب عليها من عذابها الشخصي " النتيجة أنني في لحظة ما في ألمانيا اكتشفت بأني قد أوهمت نفسي بيونس لأهرب "
شدد من قبضته لملابسها ليقرب وجهه من وجهها أكثر ويقول بهمس لاعنا في سره هذا الأمل الذي بدأ يكبر بداخله " أي لحظة تقصدين ؟.. وتهربين من ماذا ؟.. أكملي أحببت هذه الكذبة ؟"
رن جرس الباب .. فسحبت نفسها لتستقيم وهي تقول "نتحدث فيما بعد فقد حضر الطبيب"
سحبها إليه مجددا وهو لايزال ممسكا بتلابيبها قائلا "وحضر معه يونس "
قالت بخفوت " أنت من دعوته "
رد بخفوت مماثل" وأنت ستنفذين ما قلته"
أمسكت بقبضته تزيحها عن ملابسها وقالت مطمئنة "بالطبع لن أقابله بالمنامة "
قبض على منامتها هذه المرة من ناحية الخصر قبل أن تبتعد يسحبها نحوه قائلا بوعيد" ووشاح .. وإلا سأستغل هذيان الحمى أسوأ استغلال أمام الحاضرين"
رن الجرس مرة أخرى فأزاحت قبضته بهدوء وقالت مبتعدة "الناس على الباب"
بعد دقيقة كانت عهد ترتدي عباءة تشبه القفطان المغربي وتلف وشاحا حول رأسها فلم يبق إلا مقدمة شعرها مكشوفا وفتحت الباب لتجد يونس ومعه الطبيب .. فابتسمت مرحبة ليدخل الاثنان وتتفاجأ بضيف ثالت يدخل خلف يونس ويلقي السلام
فريدة سعد الدين
