رواية لا تهجر قلب يحبك الفصل الثاني عشر 12 بقلم الكاتبة ظل
« إذا سقطّت ، سأرفعك مُجددًا ، وإن لم إستطع فسأستلقي بِجانبك » َ
+
دخلّ الدكتور مُسرع لـ المُمرضين والدكتور صقّر
كانوا يقُومون بـ شغلهم الطبيعي - ويحاولون إنقاذ الهَنوف
لكن الدكتور وقفهّم بِحده وهو يلهث : وقفّوا !
لّف عليه الدكُتور صقَر بـ إستغراب ، يُكمل الدكتور رائد : مُدير المستشفى منعنا ننقذها
قطب حاجبه وبِصوته الثقيل : سبب؟ ، رائد : ماعّرف أبدًا لكنه كان يصرّخ ويقول لحد ينقذها وقاعد يهّدد ، إلتزمّ الصَمت صقر
وبدأو المُمرضين ، بإيقاف شغلهم بِتوتر كُونهم عارفين المُدير ومين عائلته وبإي لحظه مُمكن ينمحون من هالدُنيا . كان يطالع صَقر فيهم بـ حِده
المُمرضه بِخوُف : أسفه دكتور صقَر ، ماقدر
صّقر وهو يطالع حُولينهم : إنتوا كِذا قاعدين تقتلونها !
مشى الدُكتور رائد بِخطوات مُتوتره يقطع الأُكسجين
المُمرضه : بس إهلها برّا وش بنقول؟ ، رائد : قال لنا المُدير ، نقُول ماقدّرنا ننقذها
وبعد نص ساعه ، الأُم بتمُوت بِسبب نقص الأكسُجين والدّم إلي مُستمر ينزف
نزّلت المُمرضه القُلفز ، وتطالع بـ المريضه بِتوتر
وكإن أنبها ضميره ، لكن ماباليّد حيله ، خرج الدكتور رائد لـ دارين ..
وقفّت دارين مُسرعه
: كيف ماما ، هي بخير ؟ ، متى أقدر إشوفها ؟؟
: للإسف ماقَدرنا ننقذها .. يُكمل : أُمك توفت عظّم الله أجرك
قالها بكل برود، كأنها مجرد معلومة طبية
طالعت دارين فيه بِصدمه من كلامه ، مو مُستوعبه وش قاعد يقُول! صَدمتها كبيره
إعتدّل جَزاع بِوقفته بـ صدمه وعينه على دارين ، بِهلع
أبو جَزاع كان واقف مُستند بِظهره ورأسه لكن رفع ظَهره بِصدمه
من كلمه الدكتور إلي كانت مثل الصاعقه بِنسبه له كيف قالها كذا بِكل بُرود
صَرخ أبو جَزاع : كيف تقُول هالكلام بهالطريقه للبنت! ماتشِوفها صغَيره
الدَكتور بِكل بُرود : هذي هي الحقيقة ، بنت صغيرة أو كبيرة مايهّم الخبر واحد!
طاحت عيُون الكل على دارين ينتظُرون ردّه فعل
لكن دارين واقفه ، بِدون دُموع ، كان الدّم تجمد بِعروقها الحياه كانها وقفّت بالنَسبه لها من قال هالكلام ..
مايشُوف الدكتور ردّه فعل غير كيف إنها ترتجف
يدها ، جِسمها ، شفايفها وتطالع فيه بـ هِلع وِصدمه
تراجعت خطواتها للخلف بارتباك، وكأن الأرض ضاقت بها فجأة. عيناها تتسعان بعدم تصديق، والقلب ينهار بصمت. شهقت بوجعٍ مكتوم، قبل أن تفلت صرخة طويلة، صرخة مزّقت سكون المكان وأعلنت عن انكسارها
: لا مُستحيل !! مُستحيل ، إنتِ وش إلي لسانك قاعد يقُوله؟
بِكُل جُمله قاعده تقُولها تشهّق بِبُكاء إكثر وأكثر
لكن فجأه إحتدّت ملامحها من بُروده ، قربّت مُمسكه بياقته
نطقت وهي ترّص ع إسنانها : أُمي كانت قدامي قبل شُوي وعايشه
وش قاعد تقُول إنت ، طالع الدكُتور فيها بِصدمه من شخصيتها
مو بس الدُكتور ، إلا إبو جزاع وجزاع - قرب جزاع يمَسك ذِراعها يبعدها عنه
لفّت على جزاع بِحده ، وبعيُون دامعه : لاتقَرب إنت!
وإرجعت بِنظرها صُوب الدُكتور ، لانت ملامحها ، وبِبُكاء : تكفى قُول إنها مزحه
خرج المُمرضه والمُمرض إلي كانوا بِداخل الغُرفه ، يبعدُونها عن الدُكتور
المُمرضه بِصوت صارّم : بعدوها من هِنا ..
قرب جزاع والمُمرض يبعدُونها عن الدَكتور إلا إن يدها كانت ثابته
ومُمسكه بيّد الدُكتور ،
الدَكتور : للإسف ماقدرنا ننقذها يا أختي وش نسوي ، هالشَيء مكتوب لأُمك
لم يعد لصوتها بريق ، صار هامسًا مبحوحًا يائسًا , ضعفّت بهاللحظه! ترتجف أنفاسها وهي تحاول استيعاب ما حدث وبعدُوها عنه
تهاوت الدموع على وجنتيها كأنها تعلن استسلامها
قربت بِخطوات مُسرعه تدّخل لِغُرفه الطوارئ
وبِصوت مبحوح وضعيّف : ماما ، ماما
دخلّت من شافّت الدُكتور صقَر يُغطيها بـ الغِطاء الإبيض
لّف عليها صقَر ، مظهره ثابت لكن قلبه يعتصر من شّدت آلمه عليها
قرب صقَر بِخطُوات مُسرعه من شافها تقترب بعيُون دامعه تملئها الصَدمه وعينها ثابتّه على أُمها ، مايبي قلبها يُوجعها على أُمها إكثر ، كانت بهاللحظه تتمنى المُوت ولا تشُوف هالمنَظر .
بعدّها صقَر ، يُهدئ فيها ، إمسك بـ كلتا ذِراعيها يُبعدها عن السرير
صرخت بوجعٍ عميق ، صرخة حملت معها كل الخسارات ، ماتصّدق إنها الآن خسّرت نفسها مره ثانيه خسّرت الشَخص إلي لطالما يهُون على قلبها دارين إذا تعلقّت من قلبها ، يمكن المُوت إرحم لها ولا تشُوفه بهالشَكل ..
صقَر : دارين إهدي ، كانت دارين تصّرخ صرخة حملت معها كل الوجع الذي حاولت إخفاءه بهاليّوم المشؤم : فُكنني! ، نطقّتها وهي تبكي بِحرقه
وتبعد ذِراعيه عن معصمها ، صقَر بِصراخ : داررين! توفّت إنتهى!
طالع بعيُونها ، يشُوف ضُعفها سقطت على ركبتيها بعنف ، كأن الحزن دفعها بقوة لا تُقاوم . انحنى جسدها للأمام حتى التصق جبينها بالأرض ، وصرخة محروقة خرجت من أعماقها ، صرخة كسرت جدار الصمت وأوجعت كل من سمعها. اهتز كتفاها بشدة ، والدمـوع ، تنهمر بحرارة وكأنها نار تذيب قلبها قبل أن تبلل الأرض الباردة . شهقت شهقة متقطعة ، وصوت بكاؤها المبحوح اخترق المكان ، بكاء مُرّ، بكاء من فقَد أُمه , كانت بالنسبه لها الدُنيا ومافيها : تكفين يا ماما لاترُوحين وتتركيني لحالي
قالتها وهي تضرب بالأرض بقبضتها وكأنها تحاول إيقاظ الزمن ، علّه يعود لحظة واحدة فقط ، قبل أن ينهار كل شيء ، جلّس صقَر على رُكبته ينظُر
لكيف وصّل الحُزن فيها بـ هالشَكل ، كانت مُدمرّه فعليًا
طبطب صقَر على ظهرها ، وبِصوت مبحوح : قُومي يا أُمي ، نتصّل على إبوك
ماكانت تسمّعه ، كانت دافنه وجهها بـ الإرض تبكي بِحرقه
وتُتمتم بِكلام غير مفهوم ، إستمّر يطبطب على ظهَرها
دخّل مُدير المُستشفى ، عليهّم شافها بهالمَنظر وإلتف على الهنَوف إلمُغطاه
بـ الوِشاح الإبيض ، كان منظر لذّيذ بالنسبه له وهُو يشُوف نهايتهم على يّده
وطلّع بِكُل برُود ، وطُول ماهو يمشي حُولين ممَر المُستشفى ، الإبتسامه مافارقّت ثُغره ، تحت إستغراب المُمرضين عليه مو من عادّته ..
+
الحاضّر - عند بهَاج
كانت الساعه 9:15pm ليًلا
كُل من عائله مُحمد آل حبيب ، مُتوجهيّن لـ المُستشفى
الذي وصفه الشُرطي ، كان في عين بهَاج حزنٌ لا يمكن للكلمات أن تصفه ، ولا للوقت أن يخففه ، وإلي يسُوق سيارته كان عسَاف كُون بهَاج في وضع لايسمح
له بالقياده ، وبين لحظه ولحظه يأخذ عساف نظره سريعه على بهَاج
ويزّيد حُزنه إكثر على منظر بهَاج ، صحيح منظره ثابت لكن قلبه وجسّده عكس ذلك
يديّنه ترتعّش ، وعيُونه مليئه بالحُزن ، والتفكير إهلكه
يُوم كان من إسوء الإيام إلي مرّت على الكُل ، عاشوا فيه كُل المشاعر
خُوف ، حُزّن ، بُكى ، إنكسار ، إلم فُقدان .. لكن بهَاج وعبدالرحمن إحساسهم غيَر عبدالرحمن من سَمع خبر الوفاه من الشُرطي
حالتّه كانت يُرثى لها ، لكن مين يقدر يلُومه ؟ بسبب هالحادّث زُوجته وإبنته
فقدّهم ، كانو اليوم العصر قدامه ويودعهّم والحيّن؟ ضاعوا من بين يدينه
طُول مايقُود عبدالمجيد فيه هُو والجّد ، كان بِقلبه يلعّن اليُوم إلي وافق
بإنه يترّكهم يرُوحون بِدون إحد من رِجالهم خلفهم وبُدون سائق لهم
كانت نيتّه مايبي يترك هالشيء بِخاطر الهنُوف ودارين لإنه كان طلّب منهم
نادم إشّد الندم ، بس إنتهى ماعاد باليّد حيله
وداخل القَصر ؟ ، الكل وصّل لهم خبر بإن الهنوف ودارين
مانَجو من الحادث ، غرق القصر في فوضى لم يُعرف مثلها من قبل الصرخات اخترقت جدرانه ، زوجات الأعمام انهارت الواحدة تلو الأخرى، إحداهن ارتمت على الأريكة وهي تشهق شهقات متقطعة ، وأخرى تجمّدت في مكانها تحدّق في الفراغ ودموعها تنهمر بلا توقف . العمّات التففوا ببعضهُم
، لُجين في حضن عمتها مريم تبكي بحرقة لا تنقطع، وجهها مبلل بالدموع وصوتها يتهدج مع كل شهقة، بينما مريم تضمها بقوة ، تحاول أن تخفف عنها لكنها هي بـرضوا تبكي
كُل من ديما ، إيلا ، لارين ، سما ، متجمعات بالقرب ،
يبكـون بِحـرقه ، الجو كله كعاصفة لا تهدأ . بعيدًا عن هذا الصخب
تجلس سهى أمام باب غرفة دارين القديمه ، عيناها شاخصتان نحو البـاب الدموع تبلل وجنتيها وهي تبكي بصمتٍ موجع ، لا تصرخ ولا تتحرك ، فقط تستمع لصوت الانهيار القادم من الأسفل ، صعدّت ديما لِدرج والدُموع لاتُفارق وجنتيها تقترب منها ديما ، تجلس بجوارها وتضمها لذراعها ، يبكـون مع بعض كأن دموعهما تبحث عن مخرج في هذا الظلام الثقيل
حتى عاملات المنزل لم يستطعن التماسك. بعضهُم يتبعثرون في أرجاء القصر يبكين بصمت بينما يحاولون العمل أو الإمساك بما في أيديهُم ، وأخريات ارتجفت أيديهُم عاجِزات عن الحركة ، وكأن ذالك الحّدث ، سلب القدرة على الكلام أو المقاومة
الهواء نفسه أصبح أثقل ، مليئًا بالحزن ، صاله قَصر آل حبيب ، بأكملها تحولت إلى لوحة من الانكسار؛ الأرض تلمع بآثار الدموع، الهواء مشبع بالحزن، والثريات تهتز خفوتًا مع صدى الصرخات، كأن المكان كله ينوح معهم
+
عند بهَاج
الممر الأبيض كان صامتًا إلا من وقع خطواتهم ، بهاج في المقدمة وخلفه رجال العائلة، كل واحد يحمل على كتفيه ثقل الخوف. عند الباب، وقف الطبيب ومعه الممرض، ثم أشار إلى العربة المغطاة بالبياض وقال : المتوفاة هِنا
ارتجفت القلوب ، تجمّد الهواء، تقدم بهاج ببطء ، يده ترتجف وهو يرفع الغطاء انحبست الأنفاس جميعها في ثانية واحدة .. انطلقت شهقته المبحوحة : مو هي مو دارين!
قرب عبدالرحمن صُوب بهَاج : كيف كذا ؟
ومن شافّ وجه المُتوفيـات كانت مُو الهنُوف ولا دارين
رّاح نواف لـ العربه الأُخرى المُغطاه بالبياض ، وفتحها بِبُطء ، وصُدم
كأن صاعقة ذهبّت عن المكان . عبدالرحمن، الجد ، رفع يده إلى وجهه ، انحنى قليلاً والدموع تملئ محاجره ، نطق بصوتٍ متكسر : الحمد لله ، الحمد لله يا رب
أما عسّاف ، فقد جلس على الكرسي القريب ودفن وجهه بين يديه ، عيونه تدمع لكن ارتياح
أحمد، انهار على الحائط خلفه ، يضحك وهو يبكي في آن واحد، صوت متقطع يردد : مو هي مو أُمي ولا دارين ، وكأن قلبه لم يصدق النجاة بعد
نواف وضع يده على صدره، يتنفس بعمق وكأنه استعاد الهواء بعد غرق طويل، بينما مُعال ضرب بيده على كتف جراح ، وقال بصوتٍ مبحوح : الله نجاهم ، الله نجاهم
جراح لم يتمالك نفسه ، دموعه انحدرت رغم صمته ، مسحها بيده سريعًا لكنه لم يخفِ ارتعاش صوته حين نطَق : حسيت إننا فقدناهم
عبدالرحمن كان يحدّق بالكل بعينين مُحمره ، ثم اندفع نحو بهَاج واحتضنه بقوة
وهو يحمّد ربَه ، الممر امتلأ بأصوات التنهيدات والضحكات خليط من الفرح والخوف مع بعض لم يكن أحد قادرًا على وصف الي حسُـوه بقلوبهم
وبين كل تلك الأصوات ، ظل السؤال معلقًا في العيون :
إذا ما كانت الجثة للهنوف ولا لدارين .. فـ وين هُم الآن؟
+
كانت الساعه تُشير قُرابه الـ 10:00pm ليًلا
بعَد بُكاء دارين إلذي داّم لِمُده 10 دقائق مُتواصله كانت منهارة على الأرض ركبتاها غارقتان في الإرض البارده ، جبهتها ملتصقة به وهي تبكي بحُرقة تُقطّع الروح . شهقاتها تتردد في الغُرفه
لكن فجأة ، وكأن شيئًا بداخلها استيقظ ، رفعت رأسها ببطء. عيناها متورمتان من البكاء ، لكنهما مليئتان بإصرار غريب وضعت يدها على الأرض واستجمعت ما تبقى من قوتها قامت بخطوات متثاقلة ، ثم اندفعت نحو السرير حيث تستلقي أمها
الجو كله توقّف للحظة . إنظار صَقر تعلّقت بها وهي تقترب
مدّت يديها المرتجفتين ، وفتحت الغِطاء وانهارت عليها ، وجهها غارق بدموعها وهي تهمس بصوتٍ مبحوح ، متقطع : ماما تُكفين! ، لا تتركيني
كِذا ، تُكفين ياماما ، أنا ما أقدر بدونك ، دفنّت وجهها بِصدر أُمها تبكي بحرقة أكبر، وكأنها تحاول ترجعها للحياة بدموعها ، كان الدُكتور صقر يطالع
بـ المُوقف قلبه يتقطّع
عيُونه دمّعت بغير شعُور ، حاله دارين يُرثى لها ، عبايتها مُلطخه بـ الدم
يدينها ، رأسها ، وخدُوش بـ خدّها وإسفل ثغّرها ..
مسّح دُموعه بإصبعه السبابه ووقّف يراقب المشهد ، تقدم خطوة لكّن تُوقف ، من إنتبه لدارين ، رفعّت راسها بِصدمه ..
+
عند وِجدان وغُرور
تدخل وجدان ، خطواتها متسارعة، وجهها مشوب بالذعر والخوف.
عيونها تبحث عن أي وجُوه مألوفة حُول المستشفى ، لمحّت إحمد مُحتضن بهاج وعسَاف جالسّ ع الكُرسي ، قربت بِخطوات مُتوتره ، تتوقف عند عساف
وِجدان بِتعلثم : هُم بخير ؟ ، عسَاف وقّف بِإبتسامه : الحمدلله مُو هُم
تقدمّت وِجدان بسرعة تحتضنه بقوة ، دموعها تتدفق دون توقف :
الحمد لله ، الحمد لله أنهم بخير
صوتها يهتز، لكنه يحمل قليلًا من الارتياح وسط الفوضى
الجميع يلتفتون نحوها لكن القلق لم ينتهِي بعد
لفّت على بهَاج إلي يربّت على ظهر إحمد بإبتسامه : بهاج إذا الجثه مُو لهّم وينهم الحيّن؟ ، طالعّت بـ إبوها وعينها تدُور حُول إخوانها بـ إستغراب منهم
بدأ الجميع يستُوعب وعلى وجُوهِهم القَلق
دخّلت غُرور ، خطواتها سريعة وواثقة ، لكن يمكن رؤية القلق في عينيها
تنظر حولها ، تسأل بصوت منخفض لكنه صارم : وين دارين والهنُوف؟
جراح : وش جابّك ياغُرور ، وراك ماجلستّي عند أُمي وخواتي ؟
نُواف بِصوت هادئ : مين قالك؟ ، غُرور : الفيصل أُمي ماحد قالها للحين إما البقيه عرفُوا ، لفّ نواف على الفيصل : الله يهدّيك الفيصل
تُكمل غُرور والغصه بِصوتها : هُم داخل؟ وينهم فيهم شيء
جراح : لا الحمدلله ، تنهدّت بِراحه غُرور وهي ترّدد بِصوت خافض : الحمدلله الحمدلله ، إكملت بـ إستغراب : إجل وينهم ؟
ردّ عليها عسَاف بـ : مانعرّف لِحد الآن ، إبوي قاعد يتواصل مع كِل المُستشفيات إلي حُولين هالمنطقه تقدمّت خطواتها بخفة لكن حازمة ، عينها تتفحص كل زاوية ، طاحّت عيُونها على إثنين من الشُرطيين كانوا واقّفين بِجانبهم : قُول لي كل شيء ، بالتفصيل ، كل كاميرا كل سجل الآن!
الشُرطي : وبإي صفه جايه ؟ ، طالعتّ فيه غُرور بِكل غُرورها : معاكُم رئيسه المُفوضين ومن اليُوم إنا إلي بستّلم القضيه
نواف وقّف بجانبها
+
عند دارين والدُكتور صقر
رفعّت رإسها بـ صِدمه ، ودخلّت إطراف يدّها المُرتجفه لـ عِنق إُمها
إلا قاعد ينبض! كيف كذا ؟ يعني إُمي عايشه ؟
رِجعت تُميل بـ رإسها وتقرب إذنها صُوب إنف إُمها
كانت تتنفس! غريب ، قالو إنها توفّت لكنها باقي ! ماما باقي تتنفس
كل هالإفكار قاعد تراود دارين - إحتدّت ملامحها لِغضب من عرّفت نيتّهم
وإلتفتت بِنظرها صُوب الدكتور صقَر ، تطالع فيه بِعيون دامعه ويديّن راجفه وفّم يرتجف ، تسّللت دمعه لِخدها وهي تناظر فيه
كان الدكتُور صقَر ، مايعرف من وين بيبداء ، كُونها عرّفت إن الهنُوف باقي عايشه
دارين واقفة دموع ودم يخلطون ملامحها قلبها يضرب بعنف
نظرتها تثبت على الطاولة المعدنية بجانبها تفتش بعصبية يدها ترتجف ، وفجأة تلمح ملقط جراحي حاد تمسكه بقوة ، أصابعها مشدودة كأنها متمسكة بآخر أمل
ترفعه ببطء ، نظرتها كلها حقد ، تتجه بخطوات متوترة نحو الدكتور صقر
وهو يتراجع للخلف ، كأنه محاصر بين جدران الغرفة والجنون اللي يغلي في عيونها : إهدي يا دارين الموضوع ما ينحل كذا !
ضحكتها ساخرة ، مليـانه بالقهر : ناويين تقتلون أمي وبكل برود تبغاني أهدأ؟ مين أنتم؟ وإيش تبون منا؟!
صقر يرفع يده بتوتر، يحاول يقنعها ، صوته متقطع : إسمعيني .. دارين إنتِ فاهمة غلط ، أنا ...
لكن ما يُكمل! دارين تهجم عليه فجأة ، بكل قوة وغضب متفجر ، تمد يدها وتغرس الملقط باتجاه كتفه!
صقر ينحرف بسرعة ، يتفادى الطعنة ، لكنه يتراجع أكثر ، العرق يتصبب من جبينه
دارين تستدير بسرعة ، عيونها دموع ونار ، ترفع يدها مرة ثانية أقوى ، وتندفع بكل عزم لطعنه
لكن صقر يمسك يدها في اللحظة الأخيرة ، قبضته صـارِمه ، يوقف الملقط قبل ما يلامس جلده لحظة صراع شرس!
يدها تقاوم بكل ما تملك ، عضلاتها مشدودة ، وصقر يضغط ، يلتقط أنفاسه بصعوبة
وبمهاره يلف يدها بعنف للخلف ، حركة سريعة تكسر توازنها
دارين تآوهّت بإلم ، الملقط يسقط على الارض
صقر يثبتها بيد قوية ، ذراعه تضغط على عنقها من الأَمام يجرّ أنفاس قصيرة متوترة ، يقرب فمه من أذنها، صوته خافت لكنه حاد : إسمعيني زين يا دارين .. الموضوع مو مثل ما تظنين
دارين تحاول تبعده ، ترفس الأرض برجليها ، تحاول تفلت بأي طريقة ، تصرخ بصوت مبحوح : بعّد عني!! إيش تبون توصلون له؟! ليه تقتلون أمي يا حقيرين
الغرفة كلها تتحول لحلبة غضب ، خوف ، وصراع على الحقيقة
أنفاسهم تتقطع الملقط يلمع على الأرض ، وكأن الوقت واقف بين الحياة والموت ..
+
عنّد غُرور والجّد
الجد بصوت ثقيل ، وهو يمسح بيده على جبينه : تواصلت مع كل المستشفيات حوالين المنطقه , مافيّه
الكلمات تسقط مثل الصاعقة ، وجوه العائلة تتبدل ، الصمت يلف المكان لثواني ثقيلة ، كأن الأرض سُحبت من تحت أقدامهم
غرور تتراجع خطوة للخلف ، تنظر للجد بذهول:
مستحيل ، يعني اختفوا؟ ما هم موجودين بأي مستشفى؟
الجد يضغط على يدّه ، نبرة صوته منخفضة لكن كلها ثقل : هالموضوع ما هو صدفة ، واضح إن فيه أحد لعبها صح
وجدان تمسك يد عساف وهي ترتجف : يعني ، مُمكن يكونوا مخطوفين؟
غرور بسرعة تقطع الحديث، صوتها يعلو وسط ارتباكهم : مو ممكن! ، هُم فعلاً مفقودات ، وهذا يفتح باب كبير إنهم مخطوفين
الجميع يتبادل النظرات الصدمة، الخوف، الغضب
غرور وقفت أمام الضباط بخطوات ثابتة، نبرتها قاطعة : من هاللحظة التحقيق تحت إشرافي ، بصفتي رئيسة المفوضين . سجّلوا رسمي: بلاغ فقدان لمواطنتين. آخر موقع لهُم كان موقع الحادث ، والآن لا وجود لسجلات تثبت دخولهم المستشفى . الحالة تُسجَّل : اختفاء قيد التحقيق
الشرطي انصاع فورًا، أخرج دفتره وبدأ يدوّن . غرور تابعت أوامرها بصوت صارم : تُصادَر الكاميرات فورًا ، تحفظ سجلات الاستقبال والطوارئ، وتُوثّق أي فجوة أو حذف كمخالفة رسمية . وأي فرد من الطاقم يغادر موقعه يُعتبر مشتبه فيه لحين انتهاء التحقيق
نواف وقف بجانبها وكأنه ظِلّها ، يترقب كل كلمة ، وجدان تراقبهم بعينين دامعتين
لكن ، بهاج ما كان مثلهم
ابتسامة الراحة اللي طلعت أول ما عرف إن الجثث مو لهم.. اختفت بسرعة
عقله بدأ يصور له مشاهد أسوأ : وين دارين؟ معقُوله خطفوهم أو أو حتى قتلوهم؟
يديه ما وقفوا عن الارتجاف ، يربت على ذراع أحمد لكن قلبه يضرب كأنه بينفجر
حاول يقنع نفسه : هي بخيّر هي بخيّر ، وينك يادارين
ما قدر يجلس تحرك فجأة، صوته متوتر : أنا... بروح أدور عليهم بالمستشفيات اللي حوالينا. يمكن نقلوهم باسم ثاني ، أو يمكن أحد شافهم بالطريق
الجد حاول يمسكه : بهاج... الشرطة ماسكة الموضوع
لكن بهاج هز رأسه بعناد ، عيناه محمرة : أنا ما أقدر أقعد وأنتظر ! ولو كانوا بخطر وأنا واقف هنا ؟ ما أقدر بُروح إتأكد بنفسي
مشى بخطوات سريعة ، قرب صُوب واحّد من رِجالهم
: إسمعني زيّن تاخذ معاك شخصين ، وتطّلعون تدُورون بالمناطق إلي حُولين هالمنطقه يمكن أحد شافهّم
مشى صُوب سيارته بعد ما أومئ له
وفي نفس الوقت يفتح الخرائط يدور أقرب المراكز الطبية
كل خطوة كان فيها خليط من الأمل واليأس، خوف عظيم يغطيه باندفاع: يمكن ألقاهم... يمكن أحد أنقذهم... بس لو ما لقيتهم؟!
الجو يثقل، الأنفاس متقطعة، وكلهم يستوعبون للمرة الأولى إن دارين والهنوف مو بس مفقودات، بل داخل لعبة أكبر بكثير من اللي تخيلوها
+
عنّد دارين والدُكتور صقر
الدكتور صقربانفعال : محد قتل أحد يا دارين! كيف أقتل أختي؟
صرخت بغضب واندفعت بكل قوتها، وبكوعها ضربت بطنه ضربة موجعة
تأوه من الألم، ما اعطته وقت ليستعيد أنفاسه؛ حررت نفسها بسرعة، ثم وجهت له ركلة قوية في بطنه جعلته يرتد للخلف حتى اصطدم ظهره بالجدار!
خطفَت بيدها الملقط الجراحي من الإرض رفعتُه بحدة، ووضعت حدّه البارد على رقبته
غضبها كان عاصفًا، مرعبًا! حتى صقر نفسه تجمّد من هول اندفاعها
قال بصوت مضطرب: أنا خالك يا دارين!
قهقهت بسخرية وهي تُحدّق فيه: تظن إنّي ممكن أنخدع بكلمتين؟
شدّت الملقط أكثر على رقبته، فاندفع صرخة ألم من حنجرته
صرخ بصوت مرتجف لكنه حاد: أنا صقر! أخو الهنوف من الأب!
اتسعت عيونها في لحظة صدمة، حاولت إخفاء ارتجافها، فقد سبق أن سمعت يومًا بوجود خال اسمه صقر. لكن قلبها رفض التصديق، دفنته بين الشكوك وضغطت بالملقط بعنف أكبر: وش يثبت لي هالكلام؟
تأوه صقر، أنفاسه متقطعة، قال بصرامة رغم ألمه:
دارين ، إحنا وسط مؤامرة كبيرة!
فيه أعداء غايتّهم يقتلون أمك، وينتظرون أول ما تهدأ الأمور في المستشفى ويخطفونك، ويخفون جثتك! اصحِي!!
ارتجفت يدها، وأبعدت الملقط بصدمة، بينما هو يضع يده على رقبته يتلمّس الدم النازف، يشاهد أصابعه تلطّخت كلّها بالدِماء
قاطعت ارتباكه بصوت متلهف: أمي .. كيف عايشة للحين؟
رفع نظره إليها، وصوته متهالك لكنه حازم: إيه ، أنا ركبت لها جهاز الأكسجين بالسر
أخذ شهيقًا عميقًا قبل أن يكمل، يلهث من الألم:
اسمعيني ، الحين لازم تطلعين، وتحاولين تشتتين انتباه الأطباء بأي طريقة. أنا باخذ سيارة إسعاف وننقلها لمستشفى خاص، المكان هنا مو آمن لكم
تقلصت ملامح دارين، عقدت حاجبيها وهي تتفحصه من رأسه حتى قدميه بشك عميق: متأكد إنك خالي؟
تفاجأ صقر من إصرارها، رفع حاجبه بدهشة، ثم أخرج هاتفه بسرعة واتصل بجدها..لكن الاتصال لم يُجب.
عاود المحاولة مرة أخرى
+
عند الجّد وبهَاج
بهاج كان يمشي بسرعة نحو السيارة، كل شيء حوله يبدو مهددًا، وصل للسيارة، فتح الباب وصعد بسرعة، قبضته على الدركسون مشدودة الأصابع تكاد تتألم من الضغط، جسده
شعوره بالخطر على دارين تخليه يفقد السيطرة على نفسه.
فتح الجد الباب وجلس بجانبه، يضع يده على فخذ بهاج في محاولة يائسة للتمسك بأي شيء
الجد صوته يرتجف من الخوف: بهاج ركّز معي، إنت مو بوعيك الحين
بهاج يُميل بجسده للأمام، صوته متقطع من التوتر والخوف : مافيني شيء ياجّد ، اكيد احد مخبيهُم بمكان قرّيب من هِنا إلا ما الآقيها أنا ، الجد حاول الكلام لكنه توقف فجأة عند رنين الهاتف المتواصل، كل نغمة تجعل قلبه يقفز من الرهبة، يده ترتجف، عرقه يبلل ثُوبه . أخرج جواله من جيبه، رأى الاسم على الشاشة: صقر
نظر في بهاج بدهشة ، كل شعور الخوف يتضاعف، قبض الجد على فخذ بهاج
ظهره مشدود وجهه شاحب عقل الجد يرفض تصديق الخبر خال دارين؟
ثُريا عرفت!
زفر ببطء، الهواء نفسه ثقيل، الخوف يملأ كل رُكن من جسده : وش هالمصايب اللي تجي ورا بعض!
يُكمل : الحمدلله على كُل حال
فتح المكالمة، يمسح الجد جبينه المتصبب عرقًا، عيونه تلمع بالخوف والرعب
صقر قال بصوت جاد ومشحون بالرعب: محمد
الجد تلعثم، قلبه يدق بسرعة، يده ترتعش على فخذ بهاج: هلا
صقر أكمل بصوت حاد، فيه ارتجاف خفيف: دارين والهنوف معي.
انقبض قلب الجد
صقر أكمل: اسمع يا أبو السالم... برسّل لك موقع المستشفى إلي حنا فيه
ناوُيين يقتلون الهنُوف ودارين ، ما أقدر أضمن لكم إذا بيطلعون معي بخير، أو لا حالياً هم بخطر... وخطر كبير
دارين سمعت صوت جدها، قلبها ينبض بسرعة جنونية، الدموع تلمع في عيونها
بهاج يرمق الجّد من الجانب، قلبه يكاد ينفجر من الخوف عليها يضغط على الدركسون أكثر، كل ثانية تفصله عن دارين تشبه المـوت بذاته !
الجد بصوت متقطع : إرسل ا.المُوقع
صقر أغلق المكالمة
كفه يضغط على المقود بعنف وبهاج يواصل قيادة السيارة بعّد ماسمع كلام صقّر
عيونه تراقب الطريق وكأن كل ثانية يمكن أن يواجهوا تهديدًا جديدًا
وكل نظرة مليئة بالخوف والرعب والرهبة من الجاي ، الغامض الذي يهدد حياتهم في أي لحظة!..
+
عند دارين والدُكتور صقر
التفت كل من صقّر ودارين عند سماع الأصوات، أصوات طبيب تتعالى، وكإنه يُحادث أحد خارج غُرفه الطوارئ
دارين شعرت برعشة تجتاح جسدها، تتلعثم: بياخذون أمي؟
صقّر رفع عينيه إلى ساعته، قلبه يرفرف بعنف، كل نبضة كأنها صاعقة: إيه مرّت أكثر من نص ساعة، متوقعين إنها توفّت
احتدت ملامح دارين، عضّت شفتها بقهر، كل شعور الغضب والخذلان يغلي في صدرها من الظلم الذي يُمارس على أُمها
لكن أول ما شعرت بدخول أحد، جلست على الأرض بسرعة، خبّت وجهها بين يديها، قلبها يدق بتوتر
دخل الدكتور رائد وحده، عيناه تتفحصانها ببرود، لكن لم يستطع إخفاء ذرة تأنيب الضمير، رغم إنه مُصمم على فعلته
اقترب من الهنوف ليغطيها، وعيناه توقفت على صقّر، واقف متوتر وبين الغضب والخوف مع بعض .
رائد انتبه إلى الدم المُحيط برقبة صقّر: وشبلاك؟
لكن لم ماقدر من يكمل كلامه، شعر بالضربة تصدم رأسه، مسك رأسه بألم التفت صوب المصدر، وانصدم بدارين واقفة، الغضب يملئ وجهها بالكامل
بيدها طفاية الحريق، عيونها تلمع بنار الانتقام
إحمرّ وجه رائد وهو يحاول السيطرة على نفسه، يمسك خلف رأسه بألم شديد
جلّس على الأّرض يحاول يستعيّد وعيه
انحنت دارين بقوة، صوتها يخرج من بين أسنانها: الوُعد بُكرا بتشوفون كيف بدمرّكم واحد واحد ، رائد بصوت مخنوق: مين إنتِ؟
دارين بصقّت عليه بغضب : أنا بنت آل حبيب
توسعت عيون رائد الصدمة تجمده ، ثم أغمي عليه فجأة
صقّر واقف بصدمة : وش سويتي؟
دارين ببرود، لكن صوتها يحمل قوة الانتقام ! : جزّاته
صقّر : بخبيه ، وإنتِ سوي مثل ما اتفقنا
أومأت دارين بالموافقة، وخطت خارج غرفة الطوارئ رفعت حاجبها باستغراب كون أبو جزاع وجزاع باقي موجودين، جالسين على الكرسي ينتظرونها، القلق واضح في ملامحهم
أبو جزاع بصرامة: وش الأصوات اللي داخّل؟
عرفت دارين أنهم سمعوا صوت صقّر وشِجارها معه شعور الخطر يلتصق بها.
دارين: لا ولا شيء وراكم مارحتوا ؟
جزاع بثبات، لكن قلبه يدق بسرعة من خوفها : مو من عاداتنا نترك بنات الناس لحالهم ، نجيب أهلك وبعدين نمشي
ابتسمت له دارين
أبو جزاع وقلق واضح على ملامحه: فيك شيء يا بنتي؟
دارين : لا ،بس أبيكم تساعدوني
أبو جزاع: آمري
دارين: أمي ما توفّت
نظر جزاع وأبو جزاع لبعضهما، عيونهم تتسع، الصدمة تجمّدهم أنها باقي لم تستوعب الوضع بعد
جزاع مسك ذراعها، وكأن نظراتهم تتبادل بعض الشفقة، لكن دارين بعدّت يدها تناظرهم بحدة، همسها حادّ : الدكتور صقّر داخل ويكون خالي ، وأنا شفت أمي كانت بخير فيه لعبة قاعدة تصير هنا ، غايتّهم يقتلون أُمي وبعدين يخطفوني تبون تساعدوني ولا بكيفكم... وشكرًا على كل شيء مقدمًا
رجعت تمشي صوب الممر، لكن استوقفها أبو جزاع باستغراب: من إنتِ بنته؟
لفّت عليه دارين: بنت عبدالرحمن.
جزاع: عائلتك إيش؟
وقفت بخطواتها : أنا بنت عبدالرحمن محمد آل حبيب
توسعت عيونهم من الصدمة
أبو جزاع: أنتِ حفيّدة صاحبي!
عقدت حواجبها باستغراب: جدي صاحبك؟
أبو جزاع بتوتر: إنتِ بنت محمد آل حبيب ، حياتك هنا بخطر!
لم تلحق دارين تنطق، دخل أبو جزّاع غرفة الطوارئ مسرع قلبه يخفق بسرعة
التفتت على جزاع، صوتها هامس ومشحون بالرعب: وش السالفة؟
جزاع وهو يراقب الممر والخوف يلمع في عينيه: اتصلتي على أهلك
دارين: إيوه ، شفيكم متوترين كذا؟
جزاع يخفي توتره، يحاول أن يبدو هادئًا: لا مافي شيء... لا تروحين بعيد خليكِ قريبة مني.
مالت رأسها صوبه باستغراب، ومشت حول الممر الخالي من الناس، كل خطوة فيها حذر شديد عيونها تراقب كل حركة
هدوء المستشفى غريب... عادتًا المُستشفيات ، المكان مزدحم بهذا الوقت، لكن الآن، الصمت نفسه يضغط، يزيد التوتر
قاطع أفكارها جزاع يمسك ذراعها: دارين
لفّت عليه، أبعدت يدها عنه بحدة، رفعت سبابتها أمامه: جزاع ، أنا أحترم مُساعدتك لي، وأحترم أصحاب جدي ، لكن انتبه تمسكني بهالطريقة ، أنا ما أقبل!
رفع يده، صوت منخفض : آسف ، لكن وين رايحة؟
استمرت دارين بخطواتها حول الممر: برّاقب الوضع ، لازم أشتت الأطباء
+
بنفس اللحظه خرجت الممرضة التي كانت بالداخل قبل قليل، تمشي بخطوات مترددة نحو غرفة الهنوف قلبها ينبض بخوف من أن تقع أي كارثة
دارين توقفت فجأة في الممر، وعيونها تمتلئ بالدموع صوتها منخفض لكنه مشحون بالغضب المكبوت: يانيرس
الممرضة طالعّت فيها بابتسامة مصطنعة، تحاول إخفاء توترها: سمّي يا حلوة
دارين بصرامة ممزوجة بالحزن: وين دورة المياه؟ بغسل وجهي
الممرضة اقتربت منها، تربّت على كتفها وكأنها تحاول تهدئتها، ملامح دارين كانت تقول إنها للتو باكية، قلبها مثقل بكل لحظة من الحادث : الله يرحمّها
النار المكبوتة داخل دارين بدأت تتوهج
توسّعت إعيُون جزّاع بِصدمه من كلمه المُمرضه، وعينه تراقّب ردّه فعل دارين
دارين شدّت على يدها بغضب، كأنها تشعل النار التي كانت مدفونة طوال مدة الحادث، محاولة إخفاء غضبها بابتسامة هادئة: ممكن توصليني لدورة المياه؟
الممرضة بلهفة وارتجاف: يلا ، مشينا
سارت الممرضة أمام دارين، خطواتها متوترة، كل حركة فيها تحمل خوفها من أن تنكشف أمام دارين
دارين التفتت لجزاع، أغمزت له وأشارت بمعنى: ابقى مكانك
أومأ جزاع بالموافقة، عيونه تلمع بالقلق والخوف عليها
استمر كل من دارين والممرضة بالمشي حول ممر المُستشفى ، الجو مشحون بالرهبة
دارين بنبرة باردة ومرعبة : قد قتلتي أحد؟
دق قلب الممرضة بسرعة، كأنها تشوف الموت قدام عيونها ، لأول مرة تجد نفسها متورطة في قتل بريء، شعورها بالذنب يضغط على صدرها
الممرضة حاولت إخفاء توترها، تتعمد ألا تنظر لـ دارين: أنا أرجع الحياة للمرضى، ما أقتلهم
دارين بنفس النبرة : قد قتلتي شخص وهذا الشخص من عائلة معروفة بالبلد؟
الممرضة وهي تمشي كل شيء حولها يزداد ثقلًا من الخوف
الممرضة بصوت متقطع: وش قصدك من هالإسئلة؟
دارين ابتسمت ابتسامة خبيثة : تدّرين أنا بنت مين؟
زاد دقات قلب الممرضة بشكل لا يُصدق ، شعورها يتحول من الرهبة والخوف إلى الذهول، وكل لحظة تمر تزيد من شعورها بالعجز، إسلوب دارين تحول من حزن وبراءة إلى غضب مكبوت يلتهم كل شيء حوله
شعور بالخوف والرهبة يلتصق بها وكأن الموت يلاحقها من خلف كل زاوية
+
عند مُدير المستشفى
كان جالس على مكتبه، التوتر يملأ كل أوصاله بعد ماسمع أن رجال محمد يبحثون عن دارين والهنوف، شعور بالخطر يغزو عقله من كل جانب
دخل عليه أحد الممرضين، خطواته متوترة، يده ترتجف وهو يحييه : سم طال عمرك
المُدير رفع عينيه ببرود: ما أبي أسمع غير كلمة وحدة منك كل شيء ماشي على الخطة
غلطة وحدة! غلطة صغيرة بس، وتراها بتكون آخر غلطة بحياتك
المُمرض يبتلع ريقه بصعوبة، صوته يرتجف قليلًا : كل شيء تحت السيطرة المستشفى هادي حاليًا
المُدير مال بجسده قليلًا : صدقت الموضوع؟
المُمرض يلتقط أنفاسه بصعوبة: إي ، هي عند أمها ، وحاليًا بهذا الوقت، الدكتور رايد وصقّر جابوا جثة الهنوف
ابتسم المُدير ابتسامة خبيثة صوته منخفض لكنه يعبر بالسلطة والسيطرة : ابدأ الآن، بالإلي اتفقنا عليه
المُمرض يبتلع ريقه، وصوته منخفض: سّم
+
عند دارين والمُمرضه
خطوات الممرضة كانت ثقيلة، كل خطوة كأنها تسحب معها خوفها. دارين وقفت خلفها، نظراتها مشتعلة، صوتها منخفض لكن يقطّع الروح: معاك بنت آل حبيب
كأن صاعقة سقطت على رأس الممرضة. جسدها رجف فجأة، أصابعها ارتعشت، وابتلعت ريقها بصعوبة. قلبها بدأ يدق كأنه بيركض يهرب من صدرها. ما تجرأت تلتفت، كأنها لو شافت عيون دارين بتموت من الخوف قبل لا تلمسها
دارين تقدمت بخطوة، نبرتها مشحونة غضب: واللي حاولتي تنقذينها؟ الهنوف خالد آل سيف... الهنوف اللي الدنيا كلها تعرف اسمها
شهقت الممرضة، عيونها توسعت لدرجة الرعب، كأنها شافت الموت واقف قدامها. الشفاه ترتجف، النفس ينهش صدرها، وكل ما تفكر فيه : انتهت حياتي
دارين ببطء، ببرود يحرق: خلعت عبايتها، حركتها محسوبة أمسكت طرفها، لفّتها بخفة وصارت كأنها سلاح قاتل. اقتربت، همست بجملة نزلت كحكم إعدام: وهي ماما ، وأنا دارين بنت عبدالرحمن آل حبيب ما بسكت عن اللي سويتوه
وفي لحظة خاطفة... لفت العباية حول عنق الممرضة
صرخة مكتومة خرجت من حلقها وهي ترفع يديها تتخبط، تحاول تفك الخنق، صوتها ينكسر: وش... تسوين!؟
دارين شدّت العباية أكثر، عروق يدها بارزة، عيونها تحمر بالدموع والغضب: مين إنتِ!! مين ! عشان تتجرئين وتقتلين أمي بدم بارد!! ما عاش اللي يمد إيده على أمي!
الممرضة تختنق، صوتها مبحوح، الهواء يقطع أنفاسها: س ، ساعدوني...
ملامحها صارت حمراء، عروقها بارزة، عيونها تدمع من الخنق.
دارين قربت فمها عند أذنها، صوتها خافت لكنه مثل السكين: إمشي معي... إمشي قبل ما أدفنّك هنا
دارين رجعت للخلف وهي ساحبة الممرضة قدامها كالأسيرة. خطوات الممرضة تتعثر، عيونها تهتز يمين ويسار، لكنها تمشي خوفًا من الموت
دارين فتحت باب مخزن قريب، دفعتها فيه بكل عنف، الباب صك بصوت مدوي.
الممرضة سعلت، ماسكة على حلقها، تحاول تسترجع نفس ضايع، لكن ما لحقَت يد دارين نزلت على خدها بصفعة دوّى صداها بالمكان
الممرضة طاحت على الأرض، ارتجفت، عيونها تلمع بالدموع
دارين انحنت عليها، وجهها قريب، صوتها يقطر غضب وقهر: معقولة إنتِ إنسانة؟ تقتلين أم؟ ما تحرك فيك ذرة ضمير؟! لهالدرجة صرتوا بدُون رحمة؟
الممرضة شهقت تبكي، صرخت بصوت منكسر: أنا مجبورة! مجبورررة!
دارين كتمت صرختها بيدها، همست بحدة ونبرة مجنونة: لا تصارخين! وش اللي يجبرك تصيرين قاتلة؟ قاتلة لإنسانة ما غلطت بحقك بشيء؟!
الممرضة عيونها غارقة دموع، صوتها يرتعش: إذا ما سويت اللي يأمروني فيه أموت! يفجروني! ينهون حياتي!
دارين رفعت عيونها، لمحت مقبض حديدي مرمي على الأرض. قبضت عليه ببطء عروق يدها مشدودة، عيونها تلمع بغضب ونار
رجعت تطالع الممرضة، الدم يغلي فيها.
بلمح البصر..رفعت المقبض وضربتها بقوة على رأسها، صرخت بكلمة ملطخة دموع وغضب: مُووووتي! ولا تقتلين رُوح بريئه
الممرضة شهقت، يدها مسكت رأسها والدم ينزف من جبينها، الرؤية عندها تتشوش، كل شيء يضيع قدامها... ثم ارتخى جسدها وسقطت مُغمى عليها
دارين وقفت تلهث، أنفاسها متقطعة، العرق ممزوج بدمعة ساخنة تسللت من خدها. قلبها يقرع صدرها كأنه بينفجر
رفعت يدها المرتجفة، شافت أثر دم على جبهة المُمرضه
ارتجف صوتها، مبحوح، وكأنها تعاتب نفسها:
ما كنت أبي كذا .. أنا مو كِذا بس .. أمي أهم . أمي أغلى من كل شي..
ماتدرّي كيف صارّت بهالوحشيَه .
ضرّوا أُمها ، وهو فيه شيء إغلى من الأُم؟
الدمعة انحدرت على خدها، بس ما مسحتها. وقفت، ظهرها للحائط، تتنفس كأنها غرقت وطلعت للحياة للتو.
لكن فجأة ..
يدٌ ضخمة اندفعت من العدم، سحبت وجه دارين بعنف، قطعة قماش خشنة التحمت بفمها وأنفها.
رائحة خانقة غزت رئتيها، كأن دخانًا أسود يحرق صدرها من الداخل.
ارتج جسدها كله، أظافرها غرست بقوة في اليد التي تخنقها، ركضت أنفاسها تضرب كتف الرجل، تحاول تصرخ ، لكن الصوت ميت داخل القماش.
صرخة مكتومة انبثقت من صدرها، عينيها توسعت كأنها تغرق بلا ماء.
قلبها يجلد ضلوعها بعنف
وبلمح البصر... انزلق القماش جانبًا، انفلت منه طرف، اندفعت دارين للخلف تتنفس بصعوبة، رئتاها تبحثان عن الأكسجين بجشع، صدرها يرتفع ويهبط بقوة، قدماها تتعثران وكأن الأرض تحاربها
قبل أن تستوعب ما يجري ، يدٌ أخرى أمسكت بذراعها بشدة.
التفتت بفزع، ووجدت جزّاع
وجهه محتقن بالقلق، عيونه مشتعلة كالنار، وصوته يقطع الضوضاء: دارين! إنتِ بخير فيكِ شيء؟
أومأت بسرعة بـ لا
نظرها سقط على جسد الممرضة الممدد على الأرض، رأسها مائل، كأنها انصهرت من الرعب حتى قبل أن تُغشى عليها
لكن جزّاع ما أعطاها وقت للتفكير، شد معصمها بقوة، صوته صار أمرًا: أمك طلعوها ، إمشي دارين!
أقدامهم تضرب الأرض بقوة، خطواتهم تتسابق مع الموت
الممر الطويل غارق بضوء أبيض بارد، أصداء خطوات الأمن تتكاثر من خلفهم كوحوش جائعة صوت المدير انفجر من آخر الممر، صوته كالرعد: إمسكُوهم!!
دارين قلبها يكاد يخرج من صدرها، شعرها يتطاير، العرق يبلل جبهتها، تتعثر لكنها تُجبر قدميها على الركض
جزّاع يجرها، قبضته تكاد تسحق يدها، يصرخ بانفعال: لا توقفين! أسرعي
من بعيد، وسط الفوضى، ظهر صقّر.
باب الإسعاف مفتوح على آخره، أضواء الطوارئ الحمراء تلطخ الجدران بلون الدم
صوت صقّر انفجر وسط الضوضاء: يلا يا دارين!! بسرعة
دارين اندفعت، عيناها وقعت على الداخل
الهنوف، جسدها مستلقٍ ببرود، وجهها شاحب كالموت، أنبوب الأكسجين يغطي أنفها وفمها، أنفاسها متقطعة كأنها تُسرق من بين أصابعها.
انكمش قلب دارين
جزّاع اندفع لمقعد السائق، أبوه كان بجانبه يهتف بعصبية: يلا جزّاع! لا تضيّع وقّت
الأمن اقترب، أحدهم مد يده للباب، لكن صقّر دفعه بكل قوته وضربه بلكمة هوت به أرضًا ، وبسرعة خاطفة، أغلق الباب الحديدي بعنف.
زمجرة المحرك دوّت، العجلات صرخت على الإرضّ ، والإسعاف انطلق كرصاصة تخترق الليل
من الداخل، الضوء الأحمر يدور حول وجوههم، يرسم ظلّ الموت على ملامح دارين وهي مشدودة ليد أمها، دموعها تنزل بلا توقف، أنفاسها تختلط بصوت الأجهزة الطبية
الجو كله ثقيل ، كأن المستشفى لم يتركهم بل ظلّ يطاردهم في صدى الصرخات والركض وراءهم
+
وبنفس اللحظه وصل بهاج والجَد للمستشفى، عيون بهاج تلمع بالغضب، يده كأنها قبضة أسد مستعد للهجوم.
نظره صُوب المدير والأمن والممرضين الواقفين عند خارّج المبنى ، قلوبهم بدأت تتسارع، خطواتهم تتوقف للحظة وهم يشعرون بوحشية الغضب القادمة.
الجَد وقف بجانبه، عينيه مثقلتان بالقلق، لكنه لم يحاول تهدئته، يعرف أن بهاج لن يُوقف غضَبه شيء
بهاج مسك ياقة المُدير صوته يهز الهواء: وين زوجتي؟!
المُدير تلعثم، يحاول فك نفسه من قبضة بهاج: وش قاعد تقول إنت!
لكمه بهاج بقوة، وسقط المُدير على الأرض، كل جزء في جسده يهتز من قوة الصدمة.
بهاج جلس فوقه، ضرباته أقوى من أي وقت مضى، كل لكمة تصنع صدى الرعب في الهواء: دارين عبدالرحمن ، وينها؟!
دم ينزف من أنف وفم المُدير، صرخاته تخرج محشورة بين ألم وذهول.
الإمن والممرضون حاولوا التدخل، لكن قبضته الحديدية على عنق المُدير لم تُقهَر، صوته يملأ الساحة: والله لا أقتله ، والله!
الجَد يمسك كتف بهاج محاولًا تهدئته: بهاج إنجنيّت إنت!
بهاّج بِحده : ولله لا إقتلك! تكلّم وين خبيتو دارين!
رجال الجَد خرجوا من السيارة مسرعين، كل خطوة تُسمع كهدير البركان.
الجَد يصرخ لهم: تعالوا بعدوه من هنا !
المُدير حاول يهرب، لكن بهاج قبضته كالصخرة، لا مجال للمناورة.
رجال الجَد والأمن أخيرًا أبعدوه، لكن بهاج لم يتراجع، صوته يملأ الهواء:والله نهايتك لتكون على يدي!
المُدير يلهث، دماء أنفه وفمه، يحاول التماسك، لكنه خائف أكثر من أي وقت مضى.
الجَد يقَرب منه ينطق بِحده : وين بناتي؟
: ما أعرف عن مين تتكلم نظر المُدير باستهزاء، لكن عيونه حمراء بالغضب والرهبة.
بهاج يصرخ أعلى، يحاول التحرر من قبضة رِجال الجّد : هذا بيجيب نهايته ، والله لإقتلك!
الجَد يضغط على المُدير: ما تمشي علينا ، قالوا لنا بنتنا هنا ! طلعُوهم ولا مابيصيّر خير ، إخر كلامه كأنت نبرته مُهدده
: ما أدري! ، صرخ المُدير، ثم نظر إلى بهاج: بشتكيك!
ضحك بهاج بسخرية: ياليت تطلع من هنا عايش ، بعدين قول بشتكي
توجه مباشرة إلى باب المستشفى الداخلي، صوته صار جنوناً، كل خفقة قلبه تعكس خوفه على دارين، كل عضلة في جسمه مشدودة، أنفاسه سريعة، جسده يهتز بالغضب والرهبة : دارين! أنا جيت!
نادى باسمها بصوت أشبه بالصاعقة، يملأ المكان، كل من في الخارج يشعر بوحشية الغضب
الجَد يتبعه، يلوح لرجاله بالبحث داخل المبنى،
قلبه ينبُض بِعُنف خوفًا على دارين ، صرخ بإعلى صُوته
بهاج : دارين
قربّت منه وحده من المُمرضات : لو سمحتّ لاتصرخ عِندنا مرضى هِنا
ماعبّرها بهَاج ولا إلتفتّ لها حِتى
صعد الدرج ، أقدامه كأنها تطحن الأرضية، صوته يعلو: دارين! أنا بهاج! إطلعي
إنتِ بأمان!
داخل المستشفى، كل شيء مشحون بالخطر ، أصوات الأجهزة الطبية، أزيز الأضواء، خطوات الممرضين المرتعشة، وكل زاوية تشع بالخوف.
+
دارين كانت في سيارة الإسعاف، تتشبث بيد أمها، أنفاسها متقطعة، قلبها يرفرف كأنه يريد الخروج، دموعها تتدحرج بصمت، شعور الموت قريب منها
الهنوف على سريرها، جسدها باهت، رئتها تتحرك بصعوبة تحت الأكسجين، ويد دارين لا تفارق يدها، كأنها تتشبث بالحياة نفسها.
صقّر جلس بجانبها، عيونه مركزة، يراقب كل حركة، كل نفس، وكل ارتجاف، بينما بهاج والجَد يقتربان، يصرخان بأسماءهم، كل خطوة لهم تقرب الأمل أكثر، كل صرخة تحمل التوتر والخوف، كأن العالم كله يتوقف عند لحظة إنقاذهم
السيارة تسير بسرعة، الطريق مظلم وضوء المصابيح الأمامية يقطع الظلام بطريقة تخلي كل ثانية كأنها تدق قلبهم. دارين ماسكة يد أمها بإحكام، عيونها ما تفارق عيُونها ، قلبها يدق بعنف
صقّر ماسك جواله، صوته صار صارم ومستعجل، كأنه يوجّه كل ثانية للحياة أو الموت: الو... السلام عليكم حازم؟ بسرعة لازم الطاقم يكون جاهز!
رد الدكتور حازم بصوت متوتر:
وعليكم السلام دكتور صقّر ، سَلامات وش صايّر؟
صقّر لم يحتمل التأخير، صوته صار مليان قوة وخوف:
حازم، معاي الأم، عندها كسور باليد والرقبة، ونزيف وجرح كبير بالبّطن قريب من الكَبد ، ركّزوا معي ، كل ثانية محسوبة ، حضّروا كل شيء فورًا، المستشفى جاهز لأي طارئ!
دارين تميل على أمها، تحاول تثبتها، جسدها كله يرتجف، عيونها مليانة دموع وخوف، تشعّر بإن المُوت يلاحق أُمها لحظّه بلحظّه كل ثانية كأنها دقيقة رُعب على قَلب دارين
صقّر رفع صوته للطاقم :
المُصابين بنات آل حبيب ! استعدوا فورًا! كل ثانية تحسب... تحركوا بدون أي تأخير!
الدكُتور حازّم توتّر إكثر ، نبّه طاقم الإسعاف تحرك بسرعة، كل واحد يعرف خطورة الوضع
بلّغ الدكتُور حازّم وجهّزو جميع الطاقّم الطُبي ، والجميع يمشُون بٍخطوات سريعه لِخارج المبنى بـ إنتظارهِم
صقّر نظّر لـ مكان النزيف بالبطن المُلتف عليه الشّاش الطُبي ، يمنع أي تفاقم للجرح كُون الجرح ما تعالج تمامًا بِسبب إفعال الدكاتره ، يراقب أي حركة خاطئة
دارين تشد يد أمها بإحكام، خوفها يملأ جسدها كله، كل ثانية تمر كأنها ساعة موت
صقّر يميل على الأم، عينه على كل حركة، كل شهيق، كل كدمة،
دارين شعرت بالعرق على جبينها، كل خفقة قلبها مليانة رعب وخوف على أمها، كل ثانية تمثل الفرق بين الحياة والموت، صقّر جنبها، عيناه مليانة حزم وحماية، كل حركة محسوبة بعناية، وكل ثانية تمثل تهديد للحياة إذا ما تعاملوا بحذر
السيارة تتسارع أكثر، كل مطب صغير يوجع الأم، كل حركة تزيد توتر دارين، كل ثانية فيها خوف من أن يزداد النزيف أو تتفاقم الكسور
دارين تحس بأن كل ثانية تمثل حياة أمها بين أيديهم، دموعها تختلط بالخوف، شعورها محاصر بين الألم والخطر
7
عند الجّد وبهّاج
رفّع الجد جواله بيدين مرتجفتين من القلق، ينقر الأزرار بسرعة كأنه يحاول استدعاء حظه من السماء. كل ثانية تمر وكأنها دهر، وعيناه لا تفارقان الشاشة حتى يظهر الرقم على الطرف الآخر.
ردّ صقّر، صوته مشدود: حنا بالمستشفى، وينكم؟
أجاب صقّر والعرق يتصبب من جبينه: طلعنا من المستشفى، بسيارة إسعاف ومتوجهين داخل الرياض
ارتعش الجد قليلاً وهو يسأل بقلق: بأي مستشفى؟
صقّر بثقة لكن قلبه يرف: بمستشفى عبدالمجيد الخاص
زفّر الجّد بإرتياح : يلا، جايين، جايين ..
قال الجد بسرعة، وأغلق جواله وهو يضعه في جيبه، خطواته تتسارع، وعيونه لا تفارق الطريق وكأن كل ثانية ضياع تكلف حياة
وفجأة، وقف أمامه المدير : كيف تتجرأ، تترك رجالك يفتشون وأنا المدير هنا؟!
غمّز الجد بعين مليئة بالاستفزاز والغضب: تّوك ماشفّت شيء نهايتك بتكون على يد آل حبيب، يا ولد راشد
مشى الجد متجاهلًا المدير، نادى رجاله، تصطفوا حوله بسرعة. أمَر أحدهم بأن يجلب بهاج، ذلك الاسم الذي يسمع صداها كل من في المستشفى
عند بهاج ، صرخته تزلزل الأسماع: دارين!
الممرضة ارتجفت، تحاول الابتعاد بخطوات مترددة، لسانها يلهث: لو سمحت...
لّف عليها بهاج، صوته صار صارمًا وحاد : وين حطيتي زوجتي؟!
تراجعت الممرضة بخوف، وبتلعثم: ما... ما أعرف! مين زوجتك؟
بهاج يرص صفوف أسنانه، عينيه ملتهبتان بالغضب والخوف: دارين!
الممرضة صمتت، قلبها ينبض بسرعة، شعرت بأن الأرض تفتحت تحت قدميها
صّرخ بهَاج بِحده : تكلمّي ! ، المُمرضه بِخوف : ولله ما أعرف و. وحده بهالإسّم ..
وقع نظر بهَاج على أحد رجاله، يصرخ: بهاج، حصلوا دارين
اتسعت عينا بهاج، قلبه يقفز من مكانه، يقترب بخطوات سريعة: كيف؟
ياسر، رجله الموثوق: الجد وصلته مكالمة وعرف مكانهم
هبط بهاج من الدرج بخطوات مسرعة، عينه لا تفارق الجد، الذي كان واقفًا يتحدث مع المدير بصوت منخفض لكنه حاد
بهاج، يلهث: لقوها يا جد؟
أجاب الجد: إيه
كان المُدير وصّل لـ أوَج مراحل غضبّه ، وخطته إنقلبّت عليه رأسًا على عقب قاطعه حبّل إفكاره
: وين؟ ، نطّقها بهاج
نظر الجد للمُدير مرة أخرى، ثم عاد ببصره إلى بهاج، فهم بهاج المقصود: يلا، مشينا
خرج الجد، بخطوات ثقيلة لكنه سريعة، وبهاج بجانبه، نظراتها لا تفارق المدير، غضبها وانفجارها الداخلي واضح. وبالمرة، إقترّب بهاج من المدير ولكّمه بِقوه ، حاول الأمن التدخل، مسكه بهاج ثانية من ياقة ملابسه، دفعه بقوة، ارتطم بالجدار بعنف، كل الاصوات حولهم تتلاشى في دوامة الخوف والغضب
خرج الجميع، الجد وبهاج ورجاله، ركضوا نحو سيارة الإسعاف، كل ثانية كأنها دهّر . كل خطوة مليئة بالخوف من أي تأخير، من أي تهديد، من أي خطأ قد يودي بحياتها.
16
عند عسَاف وجدِان
الليل في الخارج ساكن، لكن الرعب والتوتر كانا يعلو صرخات القلوب. كل رجل من رجالهما مستعد لكل شيء، لكن لا أحد يعرف ما ينتظرهم هناك. كل نفس، كل نظرة، كل حركة، كلها محملة بخطر، بكل مشاعر الخوف، الغضب، الإصرار، والحب الذي لا يعرف التراجع
، عسّاف رفع رأسه، عيناه لا تفارق الطريق، كل حركة في المستشفى وكل سيارات الخارج تحت مراقبته الدقيقة.
وِجدان، قلبها يرتجف، قالت بصوتٍ خافت: هذاهُم ، طلعوا من المستشفى!
ابتسم عسّاف بثقة: أكيد أخذوهم.
زفّرت وِجدان بارتياح، وضعت وجهها بين كفوفها، تبكي بصمت، دموعها على خديها كأنها تنفجر بعد ليلة كاملة من القلق والرعب.
ضحك عسّاف بخفة، محاولة تخفيف التوتر: وشبلاك؟ حصلوهم وبكيتي؟
وِجدان تحركت بارتباك، لكنها ترد بدموع: كانت ليلة صعبة...
عسّاف ينطق محاولًا التخفيف: أفا، النائبة وِجدان محمد آل حبيب، تبكي ؟ لا لا مُو معقوله
ضحكت وِجدان، وهي تطالعه بعينين ما زالتان مليئتين بالخوف: يا ربي.. ما أقدر أبكي مثل الناس!
ضحك عسَاف، وارتفع جووهم قليلاً، لكنه لم يدم طويلاً،
رفع جواله عسّاف يرفع المكالمة بسرعة.
رد الجد بصوت مشدود: هلّا؟
عسّاف: عساهم بخير؟
الجد: إيه بخير... أخذهم صقر بسيارة الإسعاف، داخلين الرياض، ماشين لمستشفى عبدالمجيد
عسّاف عقد حواجبه: وش صاير يا بوي؟
الجد: سالفة طويلة.. أنتم وينكم؟
عسّاف بثقة: هذانا ورا رجالك
الجد: إيه زين... وأحمد وعبدالرحمن ؟ ، عسّاف: مع عبدالمجيد.
أغلق الجد المكالمة
وبِذات اللحظّه اتصل على نواف وكان التوتر والقلق يسيطر على الجميع.
عسّاف: أبشرك يا نواف، هم بخير.
زفّر كل من نواف، جراح، والفيصل، كأن الحياة عادت لهم فجأة. نواف بفرحة لا توصف: يا الله لك الحمد!
عسّاف: حنا متوجهين لمستشفى عبدالمجيد داخل الرياض.
نواف: يلا، حنا وراكم.
+
في الطريق، الجد وبهاج يقودان العملية بدقة متناهية. بهاج يسير في المقدمة، متقدمًا بمسافة تقارب الثلاثة كيلومترات عن رجاله، عيناه تتفحص الطريق المظلم
لمح سيارته الإسعاف من بعيد، ابتسم وقال بصوت منخفض: هذاهُم
الجد: مين؟ ، بهاج: سياره الإسعاف هذاهي قدامنا
طالع الجد بوضوح، الطريق مظلم دامس، كل ظل يمكن أن يخفي خطرًا، كل صوت يثير القلق
أسرع بهاج صوب سياراتهم، يدق البوري بحزم، صدى الصوت يخترق المكان، فزع كل من صقر ودارين.
صقّر بابتسامة مطمئنة: هذا هو جدك وصل.
دارين، قلبها يضرب بعنف، خائفه من فقدان أمها مرة أخرى: يمكن مو هم يمكن رجعوا مرة ثانية يمسكوننا
صقر: لا ياأُمي ، إن شاء الله هُم أنا متأكد.
+
عند بهاج
بهاج يفتح النافذة، يشير بإصبعه حركة دائرية بِمعنى : التفوا حول السيارة
قربوا رجال الجد بِسرعه البّرق ُمسرعين، يتحركون بحذر حول سيارة الإسعاف، يحيطون سيارة الإسعاف من جميع الجهات، كل خطوة محسوبة، كل حركة مدروسة، كأنهم يحيطونها بدرع من الحديد، يحمونها من أي هجوم محتمل ..
الظلام يحيط بهم، لكن العيون مستيقظة، كل إحساس بالخطر محتسب. صوت محركات السيارات، الصدى على الأرض، الدقات السريعة للقلوب، كل شيء يزيد من شعور الرعب والانتظار.
سيارة الإسعاف تسير ببطء تحت الحراسة المشددة، وكأن كل ثانية قد تحمل تهديدًا جديدًا، وكأن كل لحظة قد تُغير مصيرهم بالكامل
1
عند لُجين وبنات العّم
البيت ساكت... لكن السكون هذا ما كان راحة، كان ثِقيل، يخنق.
صوت تنفس لجين وهو متقطع، صوت شهقاتها، كان هو الشي الوحيد اللي يكسر الصمت.
كانت جالسة على طرف السرير، ظهرها منحني، كأنها تحمل جبال على كتفها.
وجهها مدفون بين كفيها، ودموعها تتساقط غزيرة، تحرق بشرتها مثل النار.
شعرها مبعثر، عيونها حمراء ومنتفخة، وكل ما حاولت ترفع راسها تنهار من جديد.
تتمتم بصوت مبحوح، بالكاد ينسمع: لا ، مو صحيح ، دارين ما تتركني ، ما تخليني لحالي ، مستحيل
كل ما قالت "مستحيل"، شهقتها تخنقها أكثر.
كانت تحس صدرها ينضغط، قلبها يتفتت، وكأنها فقدت الهواء مع فقد دارين.
اللحظة اللي دخلوا فيها بنات عمها، شافوا قدامهم صورة موجعة:
إنسانة مو واقفة على رجولها... إنسانة منهارة، كأنها فقدت نصها.
كلهم وقفوا بالباب، دموعهم محبوسة، عجزوا يتحركون.
أول وحدة كسرت الجمود كانت سُهى.
دخلت بخطوات مترددة، بس لما شافت عيون لجين الحمرا، ملامحها المكسورة , دموعها خانتها ركضت لها وجلست عندها، حاولت ترفع وجهها: لجين , لا تسوين في نفسك كذا , يكفي
لكن لجين ما قدرت تسمع.
رفعت راسها فجأة، وعيونها تلمع من كثر الدموع، وقالت بصوت مبحوح يقطع الروح: كيف يكفي؟ ها؟ قولي لي كيف؟ تعرفين هذول مو أي أحد وجايه بكل برود تقولين يكفي!
ميّلت شفتها سُهى بِحزن ، من غضب لُجين عليها
قرّبت منها سُهى والدمُوع تملئ محاجرها انهارت بين يدي سُهى تبكي بصوت عالي، صوتها يمزق جدران الغرفة.
سُهى حضنتها بقوة، دموعها تختلط مع دموع لجين، تحاول تهديها وهي نفسها منهارة: أعرف وجعك ، بس الصبر يا لجين
ديما ما تحملت المنظّر المُحزن إمامها جلست تبكي بصوت عالي، تهز راسها وهي تقول: وش تبي منهم الحياه عشان تاخذّهم بهالشكل!
باقي البنات تبادلوا نظراتهم، ما قدروا يمسكون نفسهم.
كلهم انكسروا في لحظة وحدة، البكاء صار جماعي.
الغرفة امتلأت بأصوات شهقات، نحيب،
لجين كانت أشد وحدة مكسورة.
ضربت صدرها بكفها، وكأنها تحاول تطلع القهر: كإني فـ حلّم وقلبي يتقطّع , مو قادره إستوعب إنهم ماعادّ موجودين
صوتها علا، كان فيه رجاء وكسرة.
وكل صرخة منها تسوي رجّة بقلوبهم.
عيونها ما وقفت دموع، ملامحها منهارة تمامًا، كأنها فقدت الروح اللي كانت تسندها.
بنات عمها تجمعوا حولها، حضنوها من كل الجهات، بس كل وحدة تبكي الثانية.
ما كان فيه أحد أقوى من أحد ، الكل ضعيف، الكل محطم.
لارين وهي تبكي بصوت متقطع: يا رب إنهم بخير يارب الكلام كله كِذب
الغرفة كانت غارقة بالحزن، جدرانها تشهد على انهيار جماعي.
صوت أنفاسهم المختنقة، أصوات بكاءهم العالي، كانت مثل لحن مأساوي ، موسيقى وجع
وفي وسط الانهيار، لجين صرخت من جديد، صرخة مدوية كسرت سكون الليل ، هدّأوها الجميَع بِصدمه وانهارت بلا وعي تقريبًا دموعها جفت من كثر ما بكت، وصوتها انكسر
دخلّت نُوره ، ومنى
وقربّت نُوره تهدي فيها : بسم الله عليك يا أُمي هذا قَضاء وقدر
مُنى والدمُوع تملئ محاجرها على وضعهُم : كل شيء مقدّر ومكتُوب
مسكّت نُوره ترفّع وجه لُجين من حُضنها : لُجين ركزّي معاي ! ولا إحد ردّ لنا خبر
زادّ لُجين بُكاءها إكملّت نوُره وهي تطبطب على وجهها وكإنها تُصحيها كُون لُجين مو بوعيها : هِنا ياماما ركّزي معاي إبوك قال إحتمال يعني مو إكيّد ليش متشائمه يا ماما كِذا
تحولت إنظارها صُوب سُهى ، ديما ، لارين ، سما ، إيلا
: الحين يابناتي بِدال البُكى إلي مابيقدّم ولا بيإخر
صلُو الوترّ وإدعو يكونون بخير وسلامه
ديما لفّت على مُنى وبِبُكاء : ردّو عليكم بشيء
مُنى وبعيُونها المُحمره : لا يامي للحين محد قال شيء مرّت ثلاث ساعات إكيّد بإذن الله عمتكم وبنت عمكم مافيهّم غير العافيه
تفائلو ، وإدعو يكُونون بخير
زفّر الكُل بـ إرتياح يحاولون يتفائلون ويدعُون بـ إنهم بخير
بقت لُجين بين حُضن إمها، ضعيفة، عاجزة، مكسورة.
كأن روحها انسحبت معاها يوم سمعت خبر موت دارين
+
عند عبدالرحمن وعبدالمجيد
وسط ظلام الشارع، سيارة عبدالرحمن كانت تتحرك مُسرعه كل ثانية تمر كأنها دهر، وجو السيارة مشحون بالخوف والثقل. حاول عبدالرحمن الاتصال بالجد، لكن لم يرد، وكل رنة كانت تزيد قلبه توترًا.
التفت إلى عبدالمجيد بنظرة قلقة: نمشي وراهم ولا ندرّي وش السالفة؟!
أحمد يهمس بخوف: يارب... أمي ودارين بخير
عبدالمجيد يحاول تهدئتهم: بخير... بخير إن شاء الله
لكن كان واضح أن هناك شيئًا يحدث، الهاتف لم يرن، ولا أحد يجيب، والهدوء المريب يزداد ضغطًا على كل نفس.
عقد أحمد حواجبه، نظر حوله بعينين متوترة: كأنهم قاعدين يطاوقون حول السيارة.
اشتدت ملامح عبدالرحمن، التفت إلى عبدالمجيد، عيونهم التقت بصدمة :معك؟
عبدالمجيد يحاول السيطرة على الوضع: اهدأ يا عبدالرحمن ، لو الموضوع مثل ما تفكر... كانوا أطلقوا من زمان، ما تشوف الهدوء؟
لكن عبدالرحمن لم يستطع التحكم بغضبه، صوته يملأ السيارة: أكيد هاذي السيارة بنتي وزوجتي فيها! عطني يا عبدالمجيد!
عبدالمجيد بنبرة حازمة: عبدالرحمن! مو ناقصين ، ما نتحرك بدون إذن أبوي !
أحمد بانفعال: يابوي... أكيد هذه السيارة إلي خاطفتهم !
صرخ عبدالرحمن على عبدالمجيد بغضب: وين السلاح يا عبدالمجيد؟!
رد عبدالمجيد محذرًا: عبدالرحمن !!! صل على النبي!
قام عبدالرحمن يفتش داخل درج السيارة، الغضب يخترقه كالنّار،
عبدالمجيد يحاول التهدئة: غُرور ورانا يا عبدالرحمن
لكن عبدالرحمن لا يطيق الانتظار: والله لنهايتهم بتكون على يدي!
تجاهل عبدالمجيد، وواصل البحث، حتى وجد ما كان يبحث عنه. حاول عبدالمجيد الإمساك به، لكن عبدالرحمن كان مشتطًا ووصل إلى أوج غضبه
فتح النافذة، يصوب حُول سياّره الإسعاف لكن الرؤية كانت مشتتة، كل ظل يثير قلبه، كل حركة ممكن أن تكون مصيرية.
عبدالمجيد يحاول تهدئته: كأنها سيارة إسعاف... إصبر يا عبدالرحمن
نظر عبدالرحمن بتركيز، كان قلبه يدق بعنف... السيارة التي أمامه ، سيارة إسعاف.
اتصل عبدالمجيد بعساف بسرعة: وش سيارة الإسعاف إلي قاعدين تحاوطونها؟
رد عساف بصوت مطمئن: السيارة فيها دارين وزوجة عبدالرحمن
صدمه عبدالرحمن، قلبه يكاد يقف، أخذ الهاتف بارتعاش: هم بخير؟ فيهم شيء؟
ضحك عساف مطمئنًا: ما فيهم شيء ، قاعدين ينقلوهم لمستشفى عبدالمجيد ، زفّر عبدالرحمن بارتياح: يا الله لك الحمد
ضحك عبدالمجيد بفرحة: الله يبشرك بالخير
أحمد لم يستطع كتمان شعوره بالفرحة: ياربي لك الحمد ، الحمدلله الحمدلله... هم بخير بخير!
عبدالرحمن ماسك قلبه: عدّت... عدّت
أغلق عبدالمجيد المكالمة، اتصل على خالّد فورًا: الو ، خالد؟
خالد، بجدية: آمرني طال عمرك
عبدالمجيد: جهزوا الطاقم الطبي عند باب المستشفى... خليكُم مستعدين لأي شيء ممكن يصير
خالد: إي، أمرنا الدكتور صقر آل سيف ، نكون مستعدين، وحاليًا قاعدين نجمع الطاقم
لفّ عبدالمجيد إلى عبدالرحمن باستغراب: وش قالكم؟ وش فيهم؟
خالد يجيب بصوت رسمي: بنت آل حبيب الصغيرة بخير حاليًا، أما وضع الأم مستقر مؤقتًا ، كسور باليد والرقبة، ونزيف ، وجرّح زُجاج بالبطّن ،
فرحوا بالبداية لكن توتروا من حالة الهنوف
عبدالمجيد: الصغيرة دارين آل حبيب ، ركزوا عليها لا تنسونها إلا ما تكون متضررة من الحادث
خالد: حنا على أتم الاستعداد .
+
عند ثُريا
كانت ثُريا جالسة في الصالة، يدها ترتجف، عينها لا تفارق الباب وكأن كل حركة خارجه تمثل تهديدًا، قلبها ينبض بسرعة لا توصف. هدّاج وهيثم بجانبها، كل واحد منهما يحمل توتره داخل صدره، لكن يحاولون الظهور هادئين، غير أن الخوف يطفو على وجوههم بلا مجاملة.
في المطبخ، الخالات مجتمعين، كل واحدة تمسك قلبها، البعض يبكي بحرقة، البعض يحاول تهدئة نفسه، لكن الهواء كله مشحون بالخوف والقلق، كل صوت صغير يرفع ضربات القلوب إلى الحد الأقصى.
ثُريا بصوت مملوء بالخوف: الهنُوف ودارين... فيهم شيء؟
هدّاج إلي كان يفكّر ألتفت صُوبها وبصوت يرتجف: هاه؟
هيثم، كأن قلبه يضرب في صدره بعنف: لا ، ما فيهم إلا العافية
ثُريا، بعينين شاخصتين ويدين متشابكتين بإحكام: ليه تأخروا؟
هيثم يجيب، لكن صوته يهتز: اتصلنا عليهم... طلعت سياراتهم معطلة
ثُريا بغضب وكتم دموعها: وش هالعطل بالسيارة ، ياخذ لين الساعة 11 بالليل؟!
هدّاج يحاول التخفيف، لكن الصوت يرتجف: يمديهم بالطريق
ثُريا، بنبرة حادة متوترة: لا تكذبون... أنا حاسّه إن فيهم شيء!
ضحك هيثم محاولة تخفيف الجو، لكن قلبه مازال يدق بسرعة: شدعوه ، تو اتصلنا على الهنُوف تقول إنها جاية
ثُريا بغصة وكتم دموعها: إحلفوا ، ما فيهم شيء غير العافية؟
هيثم يقف صامتًا، كل جسده مشدود، يديه ترتجفان، كل نبضة قلبه تخبره بالخطر المحيط
وكإنهم إبتلعوا إلسنتهّم ، رافضيّن الحلفان على الكَذب
طالعتّ فيهم ثُريا، بصوت مملوء بالقلق والدمُوع تملئ محاجرها : وينهم بناتي؟
هدّاج يهمس وهو يحاول التخفيف: والله يا أمي ، ما فيهم إلا العافية
طالع هيثم بـ هدّاج بِصدمه آشار له هدّاج بالصمت، ثم يضيف: وين البنات؟
خرج هيثم بسرعة نحو المطبّخ قلبه مضطرب، كل خطوة تمثل احتمالية لمفاجأة مفجعة.
دخل عليهم ، إماني تعد القهوة بيد مرتجفة، تصيح بخوف، تهاني تمسك رأسها وتبكي، والمها صامتة لكن عيونها تعكس كل التوتر والقلق.
هيثم، صوته يرتجف: وش فيكم؟
المها، بصوت خافت: رد عليك أحد؟
هيثم: للحين... أمي بدّت تشك
إماني بالبكاء : وش نقول لها؟ الهنُوف سوت حادث ، وما ندري وش فيها للحين؟
هيثم زفّر بضيق، كأن قلبه يعتصر، شايل العبء كله وحده، يكذب على أخواته بحادث بسيط بينما الحقيقة أعنف من أي تصور.
هيثم، بصوت كاد ينفجر: جيبي القهوة يا إماني ، لو يرجع أحبابنا البكاء كنا بكينا من زمان
المها: أبوي اتصل علي فوق خمس مكالمات ، وش أقول له؟
إماني، دموعها تتساقط بلا توقف: يا عمري... أبوي قلبه حس
تهاني بتوتر شديد: لا تقولون له شيء ، هو راجع من سفرته ، وبيجي الصباح ويعرف... وإن شاء الله يكونوا بخير
هيثم، بصوت متوتر ولكنه حازم: جوال أمي أخذته منها بعذّر إنه خرب عشان ما تتصل على خالي محمد ويقُول لها
إماني : خالي محمد ما يقدر يقول لها
المها: بتتصل على عبدالرحمن وأكيد بيقول لها
هيثم، بصوت مشحون بالغضب والخوف: وين البنات؟
إماني، باكية: فوق بالغرفة ، منهارين
هيثم، متشنج من شدة القلق: لاحول ولا قوة إلا بالله من هالناس المتشائمة
رفع جواله، اتصل بعبدالرحمن، والغضّب والخوف يكتسيه
ولمّا رّد صوت عبدالرحمن كان رايق وفرحان ، : هلّا يا
قاطعه هيثم بغضب مكبوت: ولا كأن بنتك وزوجتك عليهم حادث ، ورايحين تكتشفون إذا الجثة جثتهم ولا لا!
عبدالرحمن، مطمئن: اهدأ يا هيثم أبشرك إنهم بخير.
توسعت عيون هيثم، قلبه يكاد يقف من الفرح والارتياح: يا الله لك الحمد ، أخيرًا! فيهم شيء؟
عبدالرحمن: قاعدين ينقلوهم على المستشفى حقنا الخاص
هيثم، مصدوم ومتردد: السبب؟
عبدالرحمن: والله حالياً ما ندري... اللي يدري أبوي وبهاج
هيثم: بنجي
عبدالرحمن: وين تجي ياولد العم؟ خليكم عند عمتي ثُريا ، ولا تدّري عن شيء ، والصبّاح يصير خير
هيثم مستغرب: ليه رحتوا للمستشفى الخاص ، ما فيه مستشفيات حول الحادث؟
عبدالرحمن: إلا فيه... وأنا أخوك بس
بدأ الشك يسيطر على هيثم، قلبه يعتصر: السالفة مو طبيعية ، من البداية الوضع مشكوك فيه إلا ما نعرفه
اشتدت ملامحه، كل نبضة قلب كأنها صرخة: بلغني إذا دارين والهنُوف بخير
أغلق هيثم المكالمة، التوتر والخوف يسيطران عليه، كل ثانية كأنها عقوبة، كل لحظة تمر تزيد خوفه.
رجع إلى المطبخ، صوته يرتجف: أبشركم... هم بخير!
أماني، دموعها تنهال: الحمدلله يا ربي!
هيثم، محاولًا تهدئة نفسه: أماني... قلنا إنهم بخير ، وشبلاك؟
أماني، دموع فرحة مختلطة: دموع فرحة يا هيثَم دموع فرحة!
ضحكت المها، محاولة التخفيف: والله كنت حاسة أنهم بخير ، بس إنتو أوڤر!
تهاني: الحمدلله يا رب ، بروح أقول لريماس وعذب متين من البكاء
ضحك هيثم، قلبه يخف قليلاً: بروح لهم وبطقطق عليهم شوي
ضحكت المها، ابتسامة خفيفة وسط التوتر: هيثم وحركاته
لف هيثم على أماني، إلي دمُوعها تمزج بين الضحك والبكاء: الحين انتِ تضحكين ولا تبكين؟ ما فهمت؟؟
ضحكت أماني وبكت في نفس الوقت، هيثم يضحك ويقترب ليحضنها قلبه يخفف قليلًا من ثقل الخوف الذي كان يسيطر عليه منذ بداية الحادث
صعد هيثم للدور الثاني، دخل غرفة البنات، كان البكاء سيد الغرفة، شهقاتهم تملأ المكان، ملامحهم ذابلة من كثرة البكاء، لكن يحاولون ألا تسمع جدتهم ثُريا.
: سلامات؟ لفّوا عليه الجميع، يمسحون دموعهم، ريمّاس تبكي: سم ياخالي
هيثم يقلد نبرة بكائها، ضحك خافت: سم ياخالي
مايا، بقلق شديد: خالتي ، الهنُوف ودارين بخير؟
هيثم، مطمئنًا: بخيّر بخير!
صرخوا البنات فرحًا، هيثم يضحك ويغمز لهم: شش ، أمي لا تسمعكم!
ضحك الجميع، كل التوتر يتحول إلى فرحة مختلطة بالارتياح، القلب يخف قليلًا بعد لحظات رعب طويلة، دموعهم تتحول من خوف إلى سعادة صافية
4
عند دارين والدُكتور صقر
كانت أروقة المستشفى تلك الليلة أشبه بساحة حرب، خطوات الأطباء تتسابق والنداءات تتعالى في الممرات، وأصوات الأجهزة كأنها نبضٌ صناعي يذكّر الجميع بأن الأرواح معلّقة بخيطٍ رفيع. بين هذا الضجيج، كان الدكتور حازم يخطو بخطواتٍ سريعة، وجهه مشدود، وعينيه تتناوبان بين القلق والتركيز. إلى جواره، رفع الدكتور خالد هاتفه، وصوته خرج متقطعًا من شدّة الارتباك خالد : المدير عبدالمجيد اتصل قال مع المصابين دارين عبدالرحمن آل حبيب
التفت إليه حازم، وكأن الخبر أصابه في مقتل، ثم هتف بحدةٍ أخفى خلفها خوفًا جارفًا: دارين؟ الصغيرة؟ فيها إصابة؟
خالد: حاليًا لا... لكن المدير وصانا ننتبه لها، يقول توها طالعة من حادث
وما إن انتهى من كلماته حتى توقفت سيارة الإسعاف عند المدخل، وكأنها جلبت معها ثِقل الدُنيا اندفع الأطباء والممرضون، وأمر الدكتور صقر بصوتٍ صاخب : انتبهوا نزلوها بحذر!
انزلقت النقالة، وعلى سطحها جسد الهنوف، شاحب كأن الروح تلوّح بالوداع. كانت يد دارين الصغيرة ممسكة بكفّ أمها، أصابعها ترتجف ودموعها تهطل دون توقف، تتشبث بالنظرات في وجوه الأطباء علّها تجد بينهم وعدًا بالأمان. التفتت إلى الدكتور حازم، صوتها خرج كهمسٍ مبحوح : ماما ، بتكون بخير، صح؟
تجمّد حازم لثوانٍ، قلبه يثقل، وكأنه يخشى أن يخون لسانه الحقيقة. ابتلع ريقه بصعوبة، وحاول أن يغزل من الأمل جملةً واهية: بتكون بخير... صدقيني، بإذن الله بتكون بخير
اندفعوا بها نحو غرفة العمليات، وأُغلق الباب في وجه دارين، فمدّت يدها خطوة للأمام، كأنها تستجدي الدخول. لكن يد الدكتور خالد سبقتها، يوقفها بحزمٍ ممزوج بالتوتر : لازم تنتظرين هنا، ما ينفع تدخلين
انهارت على مقعدٍ قرب الباب، وجهها بين كفيها، وبكاؤها انفجر كالنهر الجارف. لم تبكِ حين اصطدمت السيارة، ولم تنهار وسط الحادث، لكن لحظة فُصلت عن أمها. تدفقت دموعها كأنها أول مرة تتذوّق مرارة الفقد. كانت تهمس لنفسها بكلماتٍ متكسّرة
وبصوتٍ واهن: بينقذونها ، أكيد بينقذونها
قلبها يوجعها كمن يُطعن مرارًا، وأنفاسها تتسارع حتى شعرت أن الهواء يخذلها. ظلت تُعاتب نفسها بصمتٍ موجع: لو ما خليتها تسوق ، لو كنت مكانها... ليش أنا مو اللي تأذيت؟
في تلك اللحظة، ركض أبو جزاع وجزاع مع أحد الأطباء في الممر. صوته ارتفع بلهفة: وين دارين آل حبيب؟
أشارت الممرضات إليها. اقترب الطبيب، ركع أمامها، صوته حازم لكنه حنون : دارين... إنتِ بخير؟
لكنها لم تجبه، كانت غارقة في دموعها، كأنها صارت صمّاء إلا لصوت حزنها. كرر الطبيب بنداءٍ أعلى : دارين ركّزي معاي؟
رفعت رأسها ببطء، عيناها حمراوان من كثرة البكاء، ونظرتها مشبعة برجاءٍ يذيب القلوب. في تلك اللحظة، وضع أبو جزاع يده على كتفها،
الدُكتور : تعالي معنا نتطمّن عليك
هزّت رأسها بِرفض قاطّع : لا مابرُوح مكان إلا لما إتأكّد إن ماما بخيّر!الدُكتور : إهلّك جايين ، وأُمك بإيدي آمينه ، لازّم نتأكد إذا إنتِ بخير دارين : مابي أنا بخيّر مافيني شيء
زفّر بِحُزن الدكتور من عِنادها ، آشار له أبو جّزاع بالرحيّل
وهو يربّت عليها بحنو الأب : هوني عليك يا بنتي ، كل شي بيكون زين
دخّل بهاج لـ المُستشفى وإلي ممَر غُرفه العمليات من إخبّرته المُمرضه بـ مكانها وما إن سكنت قليلًا حتى اخترق الممر صوتٌ هائل، صرخة تحمل كل القلق، كل الحب، كل الخوف المكبوت : دااااريــــن!
تجمّد الجميع، والتفتت هي. قلبها عرف الصوت قبل أذنها. رفعت عينيها، وإذا به عند آخر الممر، يركض كمن يطارد روحه الضائعة. ملامحه ممزقة بين الذعر والاشتياق
وقفت دارين مكانها، جسدها يرتجف، شفتها ترتعش، عيناها امتلأتا بالمزيد من الدموع. وحين اقترب، لم يتردد لحظة جذبها إلى صدره بعنفٍ حنون، وكأنه يريد أن يذيبها بداخله ليطمئن أنها لن تضيع منه
انهارت بين ذراعيه، تبكي بلا توقف، وكأن دموعها تُعاتبه على غيابه
وكإنّها تقُول : وينك من زمان
شدها أكثر، صوته مبحوح، قلبه يئن
بهاج : يكفي ، تكفين يا أمي يكفي دموع
لكنها لم تستطع التوقف، وكإنها فقدّت توازنها وجثّت على رُكبتيها، تبكي بِحضنه ، ظلت تبكي كأنها تفرغ في حضنه كل ألمها، كل خوفها، وكل وجع قلبها الذي لم يتحمله أحد سواه.
كانت دارين غارقة في حضن بهاج، تبكي وكأن دموعها لا تنتهي، بينما هو يضمها كمن يخشى أن تتبخر من بين ذراعيه. يداه تضغطان على ظهرها، وصدره يعلو ويهبط بأنفاس متقطعة، كل نفس يخرج منه يحمل خوف ساعات تراكمت في داخله
وبينما هي غارقة في بكائها، سمع الجميع وقع خطواتٍ مسرعة إقترّب عبدالرحمّن يهمّس : دارين أُمي
ماكان يشُوف شيء غيّر اليّد الصغيره المُمتلئه بالدّم بعضهّ جاف وبعضه يسيِل ، لانّت ملامحه
ركض نحوها، وعيناه ممتلئتان بدموعٍ حاول أن يخفيها لكّن ماقدر اقترب، وجثا على ركبتيه أمامها، أمسك وجهها بين كفيه المرتجفتين، نظر في عينيها وكأنه يفتش عن أي خدش أو جرح
عبدالرحمن، بصوتٍ مخنوق: أُمي إنتِ بخير؟ فيك شي؟
هزت رأسها نفيًا، لكنها لم تتمالك نفسها؛ انهارت من جديد، ألقت بنفسها في حضنه، تبكي بصوتٍ يقطع نياط القلب. احتضنها بكل قوته، مسح على شعرها، ودموعه سقطت على كتفها دون أن يشعر
إقتربّ عسّاف مسرعًا انحنى بجانبها، ضمها هو الآخر والدمع يبلل صوته : إحنا معك، ما راح نخليك وحدك يا أُمي
وجدان اقتربت، مسحت دموع دارين براحة يد مرتجفة، ثم ضمّتها لصدرها، تبكي معها بصمتٍ موجع كان بكاؤها أشبه باعترافٍ بالعجز،
كأنها تقول: ليتني أقدر أشيل عنك وجعك
ملامّح أحمد لانتّ على مظهر إخته ينظر إليها والدمع يلمع في عينيه جلس قربها، أمسك يدها المرتجفة يشُوف كيف يدّها ترتجّف
حسّ بِعتابها له وآلمها ، وبكاءها إلي يقطّع القلب
9
عند غُرور
دخلت غرور، الفيصل، جراح، ونواف. توقفوا جميعًا عند الباب للحظة
ينظرُون لـ الجّد وعبدالمجيد إلي واقفين يُحادثون صقّر
قربّت منهم غُرور : وين الهنُوف ودارين ؟
آشار لهم عبدالمجيّد ، وذهبُو مُسرعين
صُدموا برؤية دارين محاطة بإعمامها ومليئه يالحزن والانهيار. ماقدرّت تتمالك غُرور نفسها ، مشّت بِخطوات بطيئه والدُموع سالت على خدها ُرغم محاولتها لتماسُك
اقترب نواف منها بخطواتٍ مترددة، ثم جلس أمامها. رفع وجهها بكفيه، قبّل جبينها بخفة، وقال بصوتٍ متماسك رغم رعشته: إنتِ بخير يا أُمي ، هدّي وراه البُكى؟ وأمك بخير. صدقيني لاتبكّين يامي بس بس
لكنها أجهشت بالبكاء أكثر، غرور وقفّت ودهّا تقترب منها لكّنها مُحاطه بـ إعمامها
إقترب الجد ووراه عبدالمجيد دخل للمّمر بخطواتٍ بطيئة، لكن عينيه لم تخفيا الذعر. وحين وقعت عيناه على حفيدته، منهارة بين دموعها انكسر قلبه، وارتجفت ملامحه
اقترب منها وبصُوت خافّت ومكسور : داريـن؟
رفعّت رأسها من حُضن عمها نُواف من سمعّت صُوت جدها
عيُونها تتلفّت تدُور عليه ، وإذا به واقفًا يُطالع بِها بِحُزن
وبمجرد أن رأته وقفّت مُميله ثغرها بِحُزن وكإنها تكتم بُكاءها
إندفعتّ له تحتضّنه بِبُكاء وبكل قُوتها مدّ يديه يُبادلها الحُضن
كطفلةٍ وجدت أخيرًا مأمنها. التصقت به، ودموعها سالت على ثوبه الأبيض، وصوتها خرج متهالكًا: قلبي يوجعني يا جدي
تُوسعّت عيونه من كلامها ، وقلبّه تبعثّر من هالجُمله
إكملّت دارين بِبُكاء وهي تشّد عليه إكثّر : تكفى، لا يقولون إن أمي تُوفت مره ثانيه ، ِتكفى!
ربّت على شعرها ، والحُزن إكتسَاه
كملّت دارين : لا تتركني لحالي ياجّدي أنا في وجهّك لا عاد تخليني
ارتجف جسده، وانهمرت دموعه على خدّه كأنه يريد أن يخفيها عن كل ألم، الجميع واقف مذهول لإُول مره يلمحُون دمُوع محمّد ؟ محمّد إلي مايهّزه شيء ؟ إبتسمّو بِحزن يعرفون أن دارين بالنسبه له مو إي حفيدّه ، كل كلمة منها تصنع يومه ، صحيح حُرم من هالشّي لـ شهّر وكلهُم يحاولون يكابرُون وبالذّات دارين . لكّن محبتهم لبعّض تزيّد يُوم عن يُوم ، وغَـلا دارين عند جدّها غيـر .
مسّح عبدالرحمّن ، وعبدلمجيد ، عسَاف ، نواف ، دمُوعهم بِكفه يدهم
قلوبُهم ماتحملّت مِقدار إلم ومعاناه دارين عارفين إلي عاشّته ماكان سهّل ، رفع رأسه الجّد يهمس : يا رب احفظها ليّ ولا توريني يوم أسود فيها..
في تلك اللحظة الحرجة، فُتح باب غرفة العمليات. خرج الطبيب، وعلى وجهه ملامح جدية جعلت الجميع يتسمرون في أماكنهم. اندفع عبدالرحمن أولهم: بشّر يادكُتور؟
رفع الطبيب رأسه، ثم قال بصوتٍ واضح: الحمد لله ، تجاوزت الخطر
تحُول الممَر كله بالفرحه "الحمد لله"، إندفعّت دارين تحتضّن إحمد إلذي كان خلفها تبكي لكن هذه المرة كانت دموعها أخف، ممزوجة براحةٍ غامرة.
تابع الطبيب: لكن عندها كسر في اليد والرقبة... تحتاج فترة راحة طويلة، ورعاية دقيقة
لم يهتم أحد بتفاصيل الكسور، كل ما يهمهم أنها ما زالت على قيد الحياة. أحمد شد على حُضنه لدارين، بينما بهاج وقف جانبًا، عيناه مثبتتان عليها، وقلبه يتقطع وهو يراها بين أحضان غيره
الممر امتلأ بالدموع، بالدعاء، بالحب الذي جمعهم حول دارين وأمها. كان مشهدًا لا يُنسى، مشهدًا لن يُمحى من ذاكرة أحد
ابتسم الجميع بانفراجٍ أخير، كأن جبلًا انزاح عن صدورهم.
اقترب عبدالرحمن من عسّاف، ضمّه بقوةٍ وهو يهمس بصوتٍ يختنق بالفرحة : الحمد لله... عدّت.
ضحك عسّاف يربّت على ظهر أخيه بقوةٍ تعكس كل الحب: عدّت وأنا أخوك... الحمد لله يا رب
اقتربت وجدان، ضمّت غرور بين ذراعيها، فبادلتها غرور الضحكة المبللة بالدموع: الحمد لله يا رب... ما في فرحة أعظم من هاللحظة
أحمد لـ دارين : أمي قوية يا دارين ، وأنتِ مثلها
ضحكت دارين من بين دموعها، تمسكت به أكثر وكأنها تخشى أن يزول، وكأن حضنه آخر أمان لها
لكن على الطرف الآخر، كان بهاج واقفًا... عينيه لا تفارقها. يتمنى أن يقترب، أن يضمها كما فعل غيره، لكن قدميه مقيدتان بالصمت. كل ما يملكه هو نظرات مشتعلة بالحنين والغيرة
غير أن شيئًا غريبًا لفت انتباهه... وجه أحمد تغيّر فجأة، عيناه اتسعتا بقلق وهو ينظر إلى دارين. تبع بهاج نظره، ليجد أن دارين ما زالت معلقة في حضن أحمد، صامتة على غير عادتها، رأسها مثقل على كتفه كأنها فقدت قوتها
اقترب بهاج بخطواتٍ متسارعة، بينما أحمد يحرّكها برفق، صوته المرتبك يتقطع: دا... دارين؟
لكنها لم تجب. فجأة، جسدها مال بلا وعي
صرخة طفيفه مكتومة خرجت من أحمد وهو يمسكها قبل أن تسقط، وبهاج يندفع ليمد ذراعيه معها. حملاها معًا، وجسدهما يرتجف من الهلع
التفت الجميع دفعة واحدة، وجدان صوتها اخترق الممر: دارين !
ركضت نحوها، وغرور خلفها، بينما القلوب انقبضت في صدورهم. المشهد كان كابوسًا فجائيًا بعد لحظة فرح قصيرة
وضع يده بهاج أسفل قدميها، رفعها قبل إن يُلامس جسدها الإرض بذعرٍ واضح، صوته يهدر بانفعال لا يعرف الصمت: وين الدكاترّه إلي هِنا !
اندفع بعض الممرضين من الغرف، وخلفهم صقر وعبدالمجيد. هرعوا جميعًا نحوها، والذعر يعلو ملامحهم. لم تكن سوى لحظات حتى فتحوا أبواب إحدى الغرف، وبهاج يدخلها بين ذراعيه
دخل عبدالمجيد وصقر معها، والباب أُغلق خلفهم على عجل.
خارج الغرفة، بقي البقية واقفين مذهولين، والذعر يلتهم قلوبهم، كل ثانية تمرّ كأنها دهر.
التفت الجد بعينين تملؤهما الهيبة والخوف نحو أحمد، صوته صارم لكنه يرتجف من الداخل: وش صار؟!
ابتلع أحمد ريقه، صوته متحشرج وهو يواجه الجميع: ضمتني... وفجأة أغمى عليها
ارتجف قلب كل من في الممر. التوتر لفّ المكان، والقلق تسلل في عيونهم كعاصفةٍ لم ترحم أحدًا
3
عند لُجين
كانت لجين جالسة في الجلسات الخارجية، ملامحها ساكنة على غير عادتها. لا دموع، لا صرخات، فقط سكون ثقيل يلفّها كأنها تمثال بشري. أنهت صلاتها وجلست، يديها مطبّقتان في حجرها، وعينيها معلقتان بالبوابة الكبيرة للقصر تنتظر.
كانت تنتظر أي أحد يدخل، أي خبر يقطع هذا الصمت الذي يُذيب قلبها ببطء.
في الخارج، كان سالم جالسًا داخل سيارته. يده تضغط على الجوال مرارًا، يتصل على فارس، ثم بهاج، ثم أعمامه، ولكن لا مجيب. كل نغمة انتظار كانت كالسيف ينغرز في صبره. تنهد بعمق، وألقى رأسه على المقود لثوانٍ، ثم رفع عينيه ليلمحها , لجين.
كانت واقفة قُرب البوابة، ثابتة كأنها في عالم آخر. لا دموع هذه المرة، فقط نظرات شاردة معلقة بالفراغ.
نزل سالم من السيارة، خطواته مترددة، واقترب منها حتى جلس أمامها. ترك بينهما مسافة صغيرة، ثم نطق بصوتٍ هادئٍ متعمد: وش فيك؟
لجين لم تلتفت إليه، لم تعطِه حتى نصف نظرة، عينها مسمّرة على البوابة. خرج صوتها هامسًا، باهتًا، : هم بخير؟
ارتبك سالم، شعر وكأنها تهذي، ملامحها متعبة ووجهها شاحب، فقال بسرعة وهو يحاول السيطرة على قلقه: فيك شي؟ تعبانة؟
لكنها أعادت السؤال نفسه، بصوتٍ أبرد، عيناها ما زالت لا تتحركان عن البوابة: هم بخير؟
4
تنهد سالم، حاول يزرع بعض الطمأنينة رغم أن قلبه لا يملك اليقين: ما أعرف ، بس أكيد إن شاء الله بخير
هزّت رأسها ببطء، ثم خرج صوتها ساكنًا، لكنه حادٌّ في الوقت نفسه: لا تقول شي إنت مو متأكد منه
تجمد سالم في مكانه، نظر إليها بذهول، لم يستوعب كيف تبدو بهذه القوة الممزقة في ذات الوقت. حالتها كانت محزنة، عيناها نصف مغلقتين، وكأنها بين وعي ولا وعي. كان يريد أن يرد عليها، لكن هاتفه رن فجأة.
رفع الجوال بسرعة، ولما لمح الاسم على الشاشة اتسعت عيناه.
فارس
وقف سالم بعيدًا عن الجلسة قليلًا، وكأنه يخشى أن تُسمع الكلمات قبل أن يفلترها. ضغط على زر الاتصال، وصوته خرج متلهفًا: ألو فارس؟وش صّار؟
جاء صوت فارس متسارعًا، ممتلئًا بالأنفاس: إبشرك، تو وصلنا أنا وأبوي وعمي السالم ، عمتي أم أحمد بخير، ودارين تو أغمى عليها، بس يا ولد ، لو تشوف المستشفى كيف مقلوب فوق تحت!
تسارعت أنفاس سالم، وابتسم ابتسامة ارتياح لم يعرف متى غابت عنه: الحمد لله ، الحمد لله يا رب. أهم شي إنهم بخير
فارس : إيه بخير. لا تنسى تبلغ عماتي والبقية
أغلق سالم المكالمة، وأدار نظره عائدًا نحو الجلسة
لكن خطوته تجمدت فجأة.
كانت لجين واقفة. عيناها شاخصتان عليه، وملامحها متوترة. صوته خرج منها كهمسٍ مخيف:
سالم : بسم الله الرحمن الرحيم...
قاطعته لُجين : مين اتصل عليك؟ بهاج، صح؟
هز رأسه نفيًا بسرعة: لا... فارس
لم تتحرك ملامحها، لكن صوتها جاء أبطأ، أعمق: طيب... وش صار على عمتي الهنوف ودارين؟
اقترب منها خطوة، ثم ابتسم بصدق: إبشرك بخير ، قومي بلّغي عماتي والبقية
لحظة صمتٍ قصيرة وقعت بينهما.
عينا لجين اتسعتا فجأة، كأنها لا تصدق ما سمعت. خطوة تراجعت للخلف، وجهها ممتلئ بالذهول: معقولة؟ بخير؟
ضحك سالم بخفة: وش فيكِ واقفة مصدومة كذا؟ صفنتي!
لكن لجين لم تجبه. ابتسمت ابتسامة مشبعة بعدم التصديق، ثم انطلقت تركض داخل القصر
دخلت، وأنفاسها متسارعة، حتى وقعت عيناها على وجد، واقفة في وسط الصالة، تتلفت حولها بتوترٍ حادّ، تبحث عن أي خبر
صرخت لجين وهي تركض باتجاهها: عمتي وجد... عمتي وجد!
تجمدت وجد في مكانها، وجهها ممتلئ قلقًا، رفعت يديها للسماء وهي تردد : بسم الله الرحمن الرحيم عسى خيّر يا رب
لكن لجين أمسكت بيديها بقوة، قفزت فرحًا وعيناها تلمعان
تصرخ بفرح : هم بخير ، بخييير!
تجمعت الدموع في عيني وجد، وصرخة فرحة خرجت منها دون أن تشعر. ضمت لجين إلى صدرها بقوة، تبكي وتضحك في آن واحد.
اقتربت العمات وزوجاتهم بسرعة، قلوبهن تخفق بشدة:
إحداهن: وش صاير؟ وش هالصراخّ؟
ردت وجد وهي تبكي وتضحك في نفس اللحظة
وجد: الهنوف ودارين بخير!
شهقت نورة، وضمت يدها لفمها، ثم لم تتمالك نفسها: أخيرًا ، يا الله لك الحمد!
انفجرت فرحة في المكان. صرخات عالية ملأت أرجاء القصر، دموع الفرح سالّت من أعيُن النساء، يعانقن بعضهُم بلهفةٍ شديدة، كأن كل واحدة تحاول أن تطمئن الأخرى بأن الكابوس انتهى.
حتى العاملات في القصر لم يتمالكُو أنفسهُم دموعهم انهمرت،
وكأنهُم جزء من العائلة تمامًا.
نزلوا البنات من غرفهن بخطوات سريعة، ملامحهم مرتبكة، مو فاهمين سر هذه الضحكات
اقتربت سُهى بقلق، نظرت باستغراب للجميع : هم بخير... صح؟
لم تنتظر طويلاً. فاطمة أسرعت إليها، ضمّتها بين ذراعيها وقالت بصوتٍ يغلبه البكاء والضحك معًا: الهنوف ودارين بخير!
صرخت سهى بفرحٍ طفولي، قفزت في حضن فاطمة تبكي ضاحكة.
التفتت بقية البنات حول بعضهم يصرخون ويضحكون ودموعهم تتساقط.
ضحكاتٌ ودموع امتزجت، عناقٌ جماعي جعل الصالة تهتز من شدته.
كانت لحظة نقية، كأن القصر كله تنفس من جديد بعد اختناق طويل.
+
عند بهاج
انفتح باب الغرفة ببطء، وخرج عبدالمجيد يتبعه صقر.
كانت العيون كلها معلقة في وجيههم، صمت ثقيل خيّم على المكان
تقدّم الجد بخطوة، صوته خرج مرتجف وهو يحاول يخفي خوفه:
وش صار؟ ، تنهد عبدالمجيد، نظر للجميع ثم قال بنبرة مطمئنة: حاليًا ما فيها شيء الحمد لله. يمكن صدمة... أو خوف، وعدّت. بس لازم بعد خمس أيام نرجّع ونكشف عليها من جديد، نتأكّد
ارتفعت أصوات الحاضرين متداخلة: الحمد لله... الحمد لله
الجد ودموعه تلمع في عينيه: نجّت... نجّت بنتنا
كأن الكلمات أزاحت ثِقلًا عن صدورهم، تنفسوا بارتياح جماعي
لكن بهاج لم يصبر، صوته خرج وهو يقترب خطوة: أقدر أدخل عندها؟
أومأ عبدالمجيد برأسه بالإيجاب. لم يتردد بهاج، يسير نحو الغرفة بخطواتٍ متسارعة، والعيون كلها تلاحقه بصمت.
تأمل عبدالمجيد ملامحه وهو يدخل الغرفة، ثم التفت نحو كريم وأشار له: كريم ، خذ أحمد للقصر. وانتبهوا له، وخِذُو بالكم زين
تدخل أحمد على الفور، صوته يصرّ على البقاء: بجلس عندهم بتطمن عليهم بنفسي
لكن الجد قطع عليه الكلام بحدةٍ هادئة،
: تأكدت إنهم بخير... وش تبي بعد؟ يلا يا فارس، خذه وروحوا للقصر
صمت أحمد، ما قدر يعارض. أمسك فارس بذراعه برفق، وبدأ يسحبه للخارج، بينما عيونه ما تفارق باب الغرفة.
خرج الاثنان، بعدها، تحركت الخطوات الثقيلة باتجاه غرفة الاجتماعات في المستشفى، الغرفة الخاصة بعبدالمجيد
دخل أبو جزاع أولًا، ثم تبعه صقر، جزاع، وجدان، غرور، نواف، سلطان، سالم، عبدالرحمن، عبدالمجيد نفسه، عبدالله، عبدالعزيز، جراح، والفيصل. حتى عساف كان بينهم، وكل واحد يجلس بترتيبٍ متوتر، ملامحهم مشدودة وكأنهم داخل معركة.
جلس الجد في صدر المجلس، رفع نظره على أبو جزاع مباشرة، وصوته خرج حادًّا، جاد : أبو جزاع ، وش صار ساعة الحادث؟
ساد الصمت فجأة. كل واحد من الجالسين صمت، عيونهم تحولت كلها صوب أبو جزاع. كانت اللحظة ثقيلة، كل كلمة ستحدد مسار الحقيقة.
جلسوا يستمعون بكل انتباه، كأن أنفاسهم متعلقة بإجابته.
وبعّد ساعه من الحدّيث
وقف الجد في الغرفة، صوته صار حاد وعميق: سُلطان... اسمع زين! صقر، جزاع، وأبو جزاع شاهدين على كل شيء بالحاث. أبو راشد ما راح يترككم لازم تتشّدد الحراسة عليهم، وتجلُسون في مكان آمن هاليُومين
رفع يده، كل كلمة من كلامه تقطع المكان: بيُوتهم كلها لازم تكون متطاوقة بالكامل، رجالنا حولهم ، أي غفلة، أي هروب، أي تهديد ، لا تسامحوا
عبدالرحمنّ بِغضب طفيف : ما أتُوقع فيه مكان آمن عليهم كثّر قصرنا
يجلسُون فيه هاليُومين ، إليّن نحّل الموضوع
نظّر الجّد فـ عبدالرحمَن : صادّق القصّر آمن مكان حاليًا .
سُلطان أومأ برهبة، يعرف ثقل المسؤولية: تم يابوي
وقّف كُل من نواف وغرُور
غُرور : أنا ونواف بنرُوح لـ مكان الحادّث لازم نكتشّف إذا الحادّث كان مُدبر مع إنه ميّه بالميّه كذا ، والبقيه إخذُوا حَذركّم!
عبدالمجيد : إبُوي رُوح للقصر إرتاح واضّح إنك تعبان
وقّف الجّد : الحمدللّه عدا هاليُوم بخيّر
عسَاف : إي ولله الحمدلله لُولا الله ثُم أبو جزاع وجزاع
الله العالّم وش صّار .
الجّد إبتسّم بِتعب : إلي سُويتوه هاليُوم عيال آل حبيب إستحاله ينسُونه
وربّت على كتّف صقر : يلا يا سُلطان
مشُى صقر ، وجزّاع وأبُو جزاع مع سُلطان
وخرّج نواف وغُرور مُسرعين
وبقي الجّد وعساّف ووِجدان ، وآمر الجميع بالخُروج
وبدأُو يتبادلُون الإحاديّث
+
عند عبدالمجيد وعبدالرحمن
كان عبدالمجيد واقف بجانب عبدالرحمن في ممر المستشفى، الجو مشحون، والقلق واضح على ملامحهم.
التفت عبدالرحمن بغضبٍ مكتوم، صوته خرج حادًّا:
عبدالرحمن: ولد راشد ، وش غايته؟ وش يبي يوصل له؟
رد عبدالمجيد بنبرة هادئة لكنه متيقظة: بنعرّف بكرا. أهم شيء الحين وأنا أخوك ، اضبط أعصابك. الحقّ ما يضيع، والقانون بياخذه
لكن عبدالرحمن ما كان قادر يهدأ، النار في صدره أكبر من أي طمأنة. قبض يده بقوة وقال بعزم: حق زوجتي ، وحق بنتي إن ما أخذته منهم، ما أكون ولد محمد!
اقترب منه عبدالمجيد خطوة، صوته أشد هذه المرة: عبدالرحمن... إنضبط. يعرفُون من حِنا ! وبكرا نبداء ناخّذ إفاداتهم، وكل شي بيوضح لنا حبة حبة. لا تخلي عصبيتكّ تسبّق عقلك نسيّت من إنت؟
وقف عبدالرحمن صامت لوهلة، عيونه فيها نار لكن قلبه يتقلب من الداخل. نظر لأخيه، ثم هز رأسه ومشى بخطوات ثقيلة باتجاه غرفة الهنوف
فتح الباب بهدوء، ودخل.
أول ما وقعت عينه على زوجته الممددة على السرير، صدره انقبض
وقف عند الباب لحظة، يتأملها بوجهٍ شاحب، وندم ينهش قلبه. كل المشهد اللي صار يمر قدامه كشريط: كيف كان مجرد خطة حقيرة وكيف بنعمة الله وستر رحمته نجوا منها بأعجوبة.
اقترب ببطء، عيناه معلقتان بوجهها الهادي. وقف عند رأسها، صوته خرج مبتسمًا ابتسامة ذابلة، ممزوجة بالدمع والتعب : الحمد لله لك يا رب ، الحمد لله
جلس بجانبها على الكرسي، يمد يده قريب منها وكأنه يستجدي دفء
ظل يراقب تنفسها الهادئ، ينتظرها تصحى وتفتح عيونها وتطمنه، لكن الوقت طال.
الإنهاك سيطر عليه. ملامحه ذابلة من التعب، جفونه تقاوم النوم، لكن روحه منهكة
أسند رأسه للخلف، وعيناه معلقة فيها آخر لحظة... قبل أن يذوب في غفوة ثقيلة، نايم على الكرسي بجوارها :
يا رب، لا تحرمني منهم
+
عند نواف وغُرور
غرور ونواف وصلوا لمكان الحادث، السيارة محترقة جزئيًا والدخان يملأ الجو، لكن الحرارة كانت لا تزال تداعب وجوههم. الشرطة منتشرة حول الموقع، تحافظ على الحواجز وتمنع أي أحد من الاقتراب.
غرور رفعت تصاريحها الرسمية وأشارت للضابط: أنا رئيسة المفوضين، نحتاج الاقتراب لتفتيش السيارة وفحص موقع الانفجار
الضابط فحص الوثائق وقال بحذر: تحت إشرافكم تقدُرون تقربون ، لكن المكان باقي خطر
نواف وقف إلى جانب غرور، عيناه تتحركان بين بقايا السيارة: مالاحظ أحد أي أسلاك أو شيء غريب تحت السيارة؟
أجاب الضابط: كان فيه أسلاك صغيرة، لكن الانفجار دمّر معظمها. ما قدرنا تحديد أي جهاز مزروع
غرور ركبت عينيها على الحطام، صوتها هادئ وحازم: أي خطوة محسوبة. ندرس كل أثر قبل نلمس أي شيء
نواف اقترب بحذر من أسفل السيارة، عيناه على الأسلاك المحترقة والقطع المعدنية الملتوية : الانفجار كان متعمد! هاذي البقايا تثبت أنه تم زرع شيء تحت السيارة
غرور أخرجت أدوات الفحص، ركعت بحذر، كل حركة محسوبة: كل خطوة هنا تحت إشرافي. أي خطأ ممكن يفقدنا دليل مهم
الضابط عند الحاجز أومأ لهم بالإشارة، وفتح الطريق تحت إشراف غرور، وكل خطوة نحو السيارة كانت مليئة بالتوتر. الدخان والحرارة المتبقية جعلوا المكان يبدو أكثر خطورة، وكأن الخطر ما زال يراقبهم من كل زاوية.
قطع الأسلاك الملتوية، المعدن المحترق، وحتى الفتحات في الأسفل كلها كانت دلائل على جهاز مزروع انفجر مسبقًا.
نواف أشار إلى فتحة صغيرة في المعدن: هنا , مكان تركيب القنبلة سواء بزر عن بعد أو حساس ضغط , الانفجار دمّر الجهاز، لكن أثره باقي.لازم نوثق كل شيء ونجمع الأدلة بدقة
غرور رفعت رأسها، عينها مركزة، صوتها هادئ:
كل أثر هِنا يحكي لنا القصة يا أبُو راشد
إبتسّم نواف بِخُبث : إشّم ريحه نِهايتّه ..
+
عند بهاج
كان غاّفي ، ونائم على يّد دارين ، وماسكها بإحكام
خايّف تروح منه ، فتحّت دارين عيُونها
بِبِطء ، تشّتت عندها الرؤيه قليلًا ، تنظّر للمكان إلي هي فيه بُتعبّ
طاحّت عيُونها على بهَاج ، رفعّت حاجبها بـ إستغراب
ماتشُوف مين هو ، كُونه نايم على يدها
تحركّت تُبعد يدها ، فّز بهَاج وفّزت معاه
دارين بِتعب : بسم الله ، بهَاج بِقلق : فيك شيء؟
دارين : لا بس إنت ماسك إيدّي بقوه
إنزّل نظره على يدينها ، يشُوف يده كيف ماسكه يدها بإحكام
بعّد يدينه عنها : وجعتّك؟ ، هزّت رإسها بـ النفّي
وسعّت إنظارها بِصدمه من تذكّرت، وخوف تنطق بِتلعثم : أُمي وينها ، لازم إروح أشوفها ، هي بخير فيها شيء ، تحرّكت ناويه تقُوم
لكن إستُوقفها بهَاج بإستغراب : أُمك بخيّر إهدّي
طالعّت بالمُغذي الملتف على يدها ، ناويه تخلّعه
مسكها بهَاج : وشبلاك يابنت ، دارين بِغصه : أبي أُمي
مسك كتفها بهَاج يرجعّ يستلقي بها على السّرير : يا أُمي لاحقّه عليها هي بخيّر مافيها إلا العافيه
هزّت رأسها بـ لا ، وشفايفها رجفّت : تكذُبون علي نفس المره إلي قبّل
بهَاج بـ إستغراب من خُوفها : محّد يكذب عليك يا أُمي ، ولله إنها بخيّر
سمعتي إنتِ الدكتُور ، هدّي .
هدّأت رجفتها
تطالّع بعيُونه بِضُعف ، لإول مره يشُوف العيُون إلي تجذّبه
بهالحُزن ، والكسّر ، من غيّر لايحس بهاج ، طبّع قُبله على جبينها
: لاتخافيّن ياعيّن بهَاج ، أنا معاكَ
ورجّع يجلس بِهدوء على مقعّده ، تطالع حُولين الغُرفه بِتوتر ،
وشافته ماسّك يدها : ليشّ ماسك يدي
همّس بهَاج : مابيّك تُروحين عني ، سمعتّه دارين
: وين برُوح أنا هِنا ، ضبّط نفسه يزفّر بـ إرتياح : مابسإلك عن إلي صّار اليُوم وإتعبك ، جيعانه؟
هزّت راسها بـ نعم ، : وش مشتهيه؟
إبتسّم يُلطف الجُو : لاتقُولين قهوه ، ميلّت ثُغرها تكتم ضحكتها
لكن خانتّها غُمازاتها ، ضَحك بهاج
دارين : جيب إي شيء ، بس يكُون خفيف
بهَاج : مِثل؟ ، دارين : سلطّه أو صح .. مُمكن بيتزا
بهاج يُؤشر على إنفه : إبشرّي على هالخشّم
خرّج من المُستشفى ، يتصّل على واحّد من رِجال الجّد إلي واقفيّن خارج المستشفى ، يُوصيه يجيب الطّلب
بعّد ٥ دقايق دخّل ومعاه المُمرضه ، فتحت عيُونها دارين بـ إستغراب
قربّت تاخذ إبرّه ، ومشّت بِخطواتها صُوب دارين
جلّس بهاج على كُرسيه ، يُنظر إليها
بلعّت ريقها دارين ،
تنظر لـ الإبره إلي المُمرضه تجهزها ، نظر بهاج فيها بإستغراب
ورجع يناظر إلي تطالع فيه ، وكانت الإبره وكانت تنظُر وعيُونها مليانه خُوف لكن تحاول تخفيه بـ ثباتها
وقف بهاج : يلا يا أُمي جيبي يّدك ، قرب كُل من بهاج والمُمرضه
أخذ يدها بهَاج ، وتقدّمت المُمرضه ، تحدد مكان وضع الإبره
إبتسمت المُمرضه : لاتخافين خفيفه على فكره
إبتسمت دارين بِخوف ، تحاول ماتبيّن إنها تخاف من الإبره
ومن قربّت الإبره صُوب يدها ، بعدت دارين بِخوف : لا لا مابي مابي
كتّم بهَاج ضحكته : تخافيّن من إبره ؟
دارين : ما أخاف! ، بهاج : وإلي تسِوينه وش يُسمى؟
قرب يدها من المُمرضه ، بعدّتها دارين إكثر بخوف
: ماله داعي يانيرس أنا بخير ، المُمرضه : ياقلبي ضروري
عشان تكُونين بخير ، دارين بِتعلثم : لا لا م. مابي مو إجباري الموضوع! ، قرب بهاج منها بِشكل إرعب دارين
وبإبتسامه خُبث ، قرب يطبّع قُبله بِالقُرب من ثغرها
تصنمتّ دارين ، وتوسعت إعيُونها بِذهول من فعلته
كانت قُبلته ثابته لّم يتحرك إستمّر يُقبلها بهدُوء مُهلكّ
مسّك يدها ، وقربها من النيرّس ، كتمت ضحكتها المُمرضه
تُلاحظ هدُوء دارين ، إغمضّت دارين عيُونها بِخوف
كانت تظّن قُبلته بِتكون بِمكان ثاني لِوهله ..
دخّلت المُمرضه الإبّره ودارين باقي هادئه ، وبهاج مُستمر
على قُبلته إلي بعثّرت دارين ، فتحت دارين عيُونها
من إستُوعبت الموضوع ، تبتعّد عنه : وش سُويت إنت
طالع فيها وهُو مُبتسم ، يُمرر لِسانه على شفايفه
بإبتسامه مُنتصر ، ولّف على المُمرضه يشُوفها من إنتهّت
بهاج امسك يّد دارين : شُوفي كيف دخلّنا فيك الإبره بِدون لاتحسين
طالعت دارين بيدها بِصدمه ، كيف ؟ وشلون ماحسّت
رِجع يجلّس , وثبّت إنظاره عليها بِتأمّل لشكلها اللطيّف
رجعتّ تستلقي بِتعب ، تناظر السقف بهدُوء
: وش تفكرّين فيه ؟ ، نطقها بهاج من نظّر لِملامحها الحزيّنه
لفّت عليه دارين : طفشّانه زهقت بطلع!
بهاج : لا ، دارين بحُزن : بس بتمشى بالممر وأشوف ماما وإرجع بالله عليك , بهَاج : شُوفي حالتّك أول يابنت الحلال مايصيّر
بُكرا تطلعين وتشُوفين أِمك
عقدّت حاجبها بِغضب من عِناده : طيب طفشانه وش إسوي ؟
بهاج : نامي ، دارين : إي وين إكلي وراه ماتروح تجيبه
بهاج : إرسلتهم يجيبونه ، طالعّت فيه من فوق لتحت : وراه مارحت إنت؟ ، بهاج : تبيني إروح عنك؟ بتخافين
دارين : إي بالله عليك ، ومابخاف ليه أخاف
بهاج : ياكثّر كلامك ، تبين تلعبين بجوالي ؟
دارين : وشفيّه جوالك ؟ ، بهاج : بُبجي ، وإلي تحبينه تابعيه
على بال مايجي الأكل ، دارين : اوكِ
طلعّ هاتفه من جيبه ، يفتحه ويمّده لها
دارين : بتصّل على لُجين ، أومأ بهاج بالموافقه
إتصّلت دارين على لُجين ، لكن جوال لُجين رّن بِجيب بهاج
طالعّت بـ إستغراب ، بهاج وهُو يخرج الهاتف : صّح جوال لُجين معاي ، دارين : وراه
بهَاج : ماعرفّنا إن فيه حادث إلا من رِساله الطوارئ إلي جت
إبتسمَت دارين : أتذكّر حطيتها هي وأحمد
وأمي لـ جهة الطوارئ ، بس ماتُوقعت يجي يُوم ويجيهم رِساله
بهَاج : كيف السياره إحترقّت ؟
دارين رفعت إكتافها بِعدم معرفه
دارين : معاك رقّم سُهى ؟ ، بهاج : لا
دارين : بتصّل على عمتي نُوره إجل
نوره إلي كانت جالسّه
بِصاله النساء ، ومعها لُجين وبنات العّم ، والعنُود
جالسّين يُوزعون عليهم أكل لإجل ياكلُون طول اليوم ما أكلو شيء
فزّت لُجين تطالع بـ أُمها إلي رّن جوالها
رفعَته نوره : بهاج بهاج يتصّل!
العنود بِتلعثم : ردّي ردّي ، سُهى : إفتحي السبيكر عمتي
فتحت نوره المُكالمه ، تضغّط ع السبيكر
نطقّت دارين : الو عمتي نُوره ؟ ، فّز الجميع من سمع صُوتها
مسكّت قلبها نوره ، تهمّس بالحمدلله قلبها تطّمن بالكامل
نوره : يا أُمي إنتِ بخير ، فيك شيء
إبتسّمت دارين : لا الحمدلله مافيني شيء
نُوره : الهنُوف بخير؟ ، دارين : ايوا ماما بخير
نُوره : يالله لك الحمّد ، الحمدلله ع السلامه ياماما ولله إنّي شفت الحياه يُوم سمعت صوُتك يارُوح عمتّك
ضحكّت دارين : الله يسلمّك ، يابعّد عُمري عمتي
يطالع بهاج في محبوبته ومُبتسم على علاقتهمُ الحلُوه
تُكمل دارين : ماعليّك أمر عمتي عطيني لُجين هي عندّك
أخذّت لُجين الجوال من أُمها بِلهفه وخُوف
سُهى : أنا بعدّك يالُجين عطيني بكلمها ! ، لارين : لا أنا أنا بكلمها قبلكم
العنود : يابنات إهدُو بنسمع دارين
قاطعتهم لُجين : ألو دارين
دارين : هلّا لُجين كيفك؟
قاطعتها لُجين بِبُكاء : حسبنا إنك توفيتي يادارين إنتِ بخير !
دارين : أنا بخيّر الحمدلله ، إبتسم الجميع ، يشكَرون ربهم
صرخّت لُجين بِخوف : وينك يا دارين! اختفيتِ عنّا كأننا جدار من جدران القصر، لا حسّ ولا خبر! حتى اتصال ما تفكرين فينا! وش ذا الطبع الإناني؟
تلاشّت إبتسامه دارين حزّنت من صراخها عليها
إلي فيها مكفيها ، كانت بِتُكمل لُجين
لكن دارين إغلقّت المُكالمه بِوجهها
طالعّت لُجين بالمُكالمه ، : الو الو دارين
سُهى بِحده : تُو طالعه من حادّث وأول شخّص إتصلّت عليه من بين الكُل إنتِ وبِدال لاتواسينها تعاملينها بهالطريقه!
ديما : أوكِ نعرف إنك متضايقه بس ماتجرحينها كِذا
ما إتصلّت بهالوقت إلا إنها تحتاجكّ يالُجين
نُوره مُقاطعتًا لـ ديما وبغضب على لُجين : الله لايبارك فيك وأنا أُمك ، بنت عمك تو نجّت بِفضل الله من الحادث وبدال ما تتحمدّين لها على السلامه تسوين كِذا ،
إخذّت الجُوال نُوره من يّد لُجين بِغضب ، تخرّج خارج القسّم وتدخل لِغُرفتها ، طاحّت إنظارها وهي تشُوف بهَاج رجّع يتصل ..
1
عنّد الجد
دخّل للقصرّ وملامّح الحزن تجتاح وجهه ، شافتّه لُجين من بعيد يمشي ناوي صعُود الدرج ، فزّت بِصُوت عالي : جّدي جدي
تُوقف الجد ينظر لها : سمعت إن عمتي الهنُوف ودارين بخير صح؟
الجد : الحمدلله عدّت بخير ، إبتسمت لُجين : الحمدلله ، طيب عادي أروح لهم ؟
قاطعها الجّد بِحده : نِهائيًا !
عقدّت حواجبها لُجين : وراه؟ ، الجد : لاتناقشيّن وليه سهرانه مو المفروض ذا وقّت نُوم !
لُجين : ياجّدي كيف يجيني النُوم وو..
قاطعها الجّد : لُجين! للغُرفه
إنصدمت لُجين من إسلُوب جدها الحاد ، وبِتوتر
مشّت من أمامه مُسرعه صوب غرفتها بِخُوف
صعّد الجد لـ الدُور الثالث ، ودخّل غُرفه بهَاج ودارين
دخل لِقسم الملّابس ، يأخّذ شنطه صغيره
يقُوم بِفتحها ، ويُناظر بالدُولاب الشفاف الإسّود
وفتح جِهة ملابس دارين ، يأخذ لها لِباس على ذُوقها المُعتاد
تغيرّه لِبُكرا
يعرف إنها تكرّه الجلسه بـ المُستشفى لِمده طُويله ، وبيكون بُكرا يوم طويل وراها .
6
عند بهاج ونُوره
مدّت دارين الهاتف لـ بهَاج وملامح الحُزن تكتسي وجهها
ماسمّع غير إن أحّد صرخ عليها ، والواضح إنها لُجين
أخّذ الجوال يخرج لـ خارج الغُرفه ، يتّصل بـ أُمه
ردّت عليه نُوره مُسرعه : الو بهاج أبوي
بهَاج : هلا يامي ، نُوره : عسى مازعلّت دارين ؟
بهَاج بِحده طفيفه : لُجين متى ناويه تعقّل ؟ البنت مالها عشر دقايق صاحيه
وإتصلّت على لُجين وما أسمّع غير صُوت صراخها
على دارين من تحت الجوال ؟ وش قالت لها ؟
نُوره : هاوُشتها من خُوفها على دارين بس كإن بنتي دارين ضاّق صدرها ولُجين يابوي طُول اليوم بُكى وأعصابها تعبانه
إهّم شيء إنتبه على دارين
بهَاج : جّدي ماجاكم؟
نُوره : لا ماشفّته ، لكن بِذات اللحظه إلتفتت على الشخّص إلي دخل للغُرفه وكان
السالم ، تُكمل : الظاهر إنهم وصلوا هذاهو إبُوك جاء
يلا يابوي إكلمّك بعدين ، إغلق بهَاج المُكالمه
وجاته مُكالمه من رِجاله بـ إن الأكل وصل .
نزّل لـ الإسفّل
+
عند نُوره والسالم
نُوره قربت من السالم المُتعب : وش إلي صّار وكيف صار الحادث؟
السالم جَلس على الكنبه ، يعتصّر مؤخره رقبته بإلم : بِدل لا تسألين عن أحوال زُوجك ، تسألين عن الحادث؟
إبتسّمت نُوره ، تُقدم له الماء : وراه نسأل عنك؟ هذاك بخيّر ولله الحمد
طالع فيها بِطرف عينه وضحكّت : كيف حاّل إبو بهّاج؟
إبتسامه تسللّت على شفتيه : الحين سألتي؟
ضحكّت نُوره بِلُطف ، : الحادّث مُدبر يانوره
نطّقها السآلم بِملامح غَضب
توسعّت إعيُون نوره ، إلي كانت خايفه منه صّار وإلي كانت شاكه فيه من البدايه ، أكمل السالم : أول شيء كان حادث ، جينا حصلنا السياره تحترق ، قالو مافيها أحد ووصلت لهم مكالمه
بِنفس عُمر دارين وأم أحمد ، ولما رحنا كانت عايله غيّر
فجأه يجينا إتصّال إنهم كانوا بـ أقرب مستشفى خاص
قريب من الحادث ، على إننا تواصلنا معهم بس قالو ماعندهم أحد بهالإسم ، صقر أخو أم أحمد كان موجود
نُوره بـ إستغراب : إيش جابه؟
السالم : كان يشتغلّ عندهم ، دخلوا عليه واحد من الأطباء قال لهم المدير آمرنا إن نُوقف نعالجها ، وبعد نّص ساعه بالضبَط تكون متوفيه تمامًا ، شهقّت نُوره بخوف : ماعندّهم رحمه! دارين وش صار عليها
السالم زفر بِضيق : قالو لها إن أمها توفت ، صقّر كان يقول كلامه والغصّه بحلقه ، رُوح عمها جالسه تبكي لحالها وماعندها أحد
قال هالجُمله ، والغصّه فيه ، يُكمل كلامه : دارين نجّت يانوره بإعجوبه ، كانُو ناويين يخطفونها ويقتلُونها ، وبهالتُوقيت يكُونون متصلين علينا يعلنُون وفاتهم طبيعي ، يضبطُون لنا كم عذّر وتمشي علينا ، لولا الله ثُم صقر
ما كان شفناهم عايشين ، ويوم وصلنا كانت أم أحمد بِغرفه العمليات
ودارين أُغمى عليها
بكّت نوره وكإن إلي كتمته ماقدّرت تتجاوزه ، صُعقت من إلي سمعته
وإلي مرّوا فيه لحالهم : وشبلاك يابنت الحلال؟
نطقها وعلى وجهه الهلع من بُكاءها ، : طُول اليوم أحاول آواسي الكل وأصبّرهم ، بس ماتُوقعت إن إلي يحتاج المواساه كِثّر بنتي دارين
كملت وهي تشهّق : وش شعورها وكيف كيف بتتخطى المُوضوع بهالبساطه؟ وهي أكثّر شخص تأثر بهالحادث ؟ حنا همنّا وين ودارين وين ، قرّب منها السالم يحتضّنها : بنت جدّها إنقذّت أُمها
وماتركتها إبدًا ، ويُوم عرفت إن أُمها عايشه قامت تدافّع عن أُمها بِكل قُوتها ولا إستسلمّت إلينّ ما تأكدّت وسمعت إن أمها بخيرّ
زاد بُكاء نوره ، : عساهّم بخير الحين ؟
نطقتّها نوره وهي تمسّح دمُوعها ، السالم : بخيّر بخير
دارين مافيها إلا العافيه ، وأم إحمّد كسّر باليد
ورقبتها فتره وتتحسن
رفعت رأسها نُوره من حضّن السالم : متأكّد دارين مافيها شيء؟
السالم : إيه الحمدلله ، بس بعد كم يوم لازّم تروح ونتأكد إكثّر إنها بخير ..
+
عند بهَاج
صعّد ودخّل لـ الغُرفه
لكن رفع حاجبه بِذهُول ، دارين مو مُوجوده !
زادّت دقات قلبه ، وضع الأكل وركّض مُسرع يدُور بالممَرات
يدورها وهُو يصُوت على إسمّها
لمحها من بعيّد ، خارجه من غُرفه أمها
وتمّشي وهي مُتمسكه بالجدار
قرب منها بهَاج بِحده طفيفه وملاّمح مُظلمه : أنا ماقّلت لك لا تطلعين!
كانت بتتكلم دارين لكن قاطعها بهَاج وهُو يحتضنّها
يُخبئ وجهه بِعنقها ويدينه تلتّف حُول ظهرها بِشده
وكإنه يخّاف يفقدها مره أُخرى ، تحتّ إستغراب دارين من تصرُفاته إبتعّد
ينحني يضّع يده إسفل ظهرها والأُخرى إسفل رجُولها
يرفّعها بِلُطف ، دارين : أعرف إمشّي وراه تشيلني؟
بهَاج وهُو يمشي مُتوجه بِها لـ الغُرفه : أنا ماقلت لك لاتطلعين من الغُرفه ليش طلعتي؟ ، دارين : ما إرتحّت إلا لما شفّت ماما
بهَاج : ماقلّت لك إنها بخير ماتفهميّن؟
دارين : لازّم أشُوف بعيني ، فتح مقبّض الباب : وعسّى ما إرتحتي؟
إبتسمّت دارين من تذكرّت المُوقف ، شافت أبُوها جالّس بالكرسي بالقُرب من سرير الهنُوف ماسّك يدها ونائم .
قطعّ تفكيرها بهّاج وهُو يضعها على السرير : وراك تتبسمّين؟
طالعتّ فيه دارين : ولا شيء
ضغّط بهاج على الجرّس ، ودخلت المُمرضه مُسرعه
بهَاج : إرجعي ركبيه لها ، فكّته عنها
إقتربّت المُمرضه تُعيد تركيب المُغذي لها ، وخرجّت
مّد لها بهَاج الإكلّ ، يؤكلها : عندّي يديّن
بهَاج : أفتحي فمّك خلصيني ، زفّرت بِملل من تصرُفاته
تفتح فمها وإستمّر بهاج يؤكلها ، إلا إن إنتهّت
دارين : بس شبعتّ ، بهّاج ما إكلتّي إلا ٢ كملي الثالثه
دارين : ماقدّر ، إغلّق البيتزا يضعها جانبًِا
ويأخذ مناديل يُمسح فمّها فيه ، ضحكت دارين
عقّد حواجبه بهاج ، إكملتّ دارين : شُوي شُوي على هالدّلع المُفاجئ
بديت تبهرنّي ، إبتسامه تسللّت على ملامحه
إستمّر يُمسح فمها ، ويمّد لها الماء يُشربها منه
بعد ما إنتهت إغلّق علبه الماء
: بعديلي ، نطّقها بهَاج وهُو يطالع فيها بِجديه
دارين بـ إستغراب : مافهمت؟
بهَاج : بعديلي بنّام جمبك ، أخرجّت دارين ضحكه صدمه
: معتُوه إنت؟ ، بهَاج : إنتبهي لـ كلامّك وإبعدّي
حاول يُبعدها بهَاج بِدون لا يؤلمها ، وإقترّب يجلّس بِجانبها
ضحكت دارين : ياربي لك الصبّر ، لفّت عليه : عسى ما السرير وسعّك ؟ ، بهَاج : إيه وسعني ، وش تقصدّين؟
إكملّت دارين تضحك ، بهَاج ضحك بِصدمه : إنهبلتي إنتِ؟
: لا بس ترا على شُوي وبطيّح ، رُوح نام على الكنب واسّع وأريح لك
إعتدّل بهاج بِجلسته يضّع يده خلّف رأسها
ويضعّ يده الأُخرى على خُصرها يقربها ناحيته وهو ينطق : وعشان يُوسعلنا السريّر ، لازم ننام كذا
إكمّل بعد ما ثبتها رفعت عيُونها تطالع فيه : وش حادّك ؟ تضايقني كذا إنت ، بهّاج : بالعكّس كلنا مرتاحين كِذا ، وعشّان ماتجي المُمرضه وتحط لك الإبرّه مره ثانيه
دارين : شّدخل؟ ، بهّاج : نامي يامي نامي
نطقّها وهو يبُوس رأسها ، توترت دارين من قُربه
تشعّر بـ إنفاسه على رأسها ، ويّده المُلتفه حُول خصرها ومُمسكه بيدها
لكن ماتكّذب إنها تحسّ بالإمان بِقربه ، وحنانه عليها اليُوم كان غيّر وكإنه كبّر بعينها ..
بعد مُده نِصف ساعه
دخل الجّد غُرفه دارين وبيده شنطه صغيره
رفع حاجبّه بِذهُول من إلذيّن أمام ناظريه
دارين وسّط حِضن بهّاج
عرّف إنها فكره بهّاج ، لكن إلي صدمه دارين كانت تُبادله الحضّن
وبِملامح إرتياح وكإنها تشُوف فيه الأمان ، لمعّت عيُونه على منظرهم
اللطيف ، وضع الشنطه بِهدوء على الكنبّه وخرّج من الغُرفه
قابّل عبدالمجيد يُدور بالممرات ، طالعُو بِبعض بـ إستغراب
الجّد : عبدالمجيد ؟
عبدالمجيد بِذات اللحظه : إبُوي ؟
قرب منه عبدالمجيد : مو المفرُوض ترتاح يابوي ؟
الجّد : كيف إرتّاح وإعدائي حاولوا يقتلُون بناتي؟
مشى بالممَر الجد
عبدالمجيد يمشي بِجانبه : القانُون بُكرا بياخذ حقنا ، مالّه داعي نتدخّل شخصيًا ، الواضح إنهم مو ناويين على خيّر
نزّل الجّد مُتوجه لِباب الخارجي للمستشفى
الجد : كلمّت نواف كان منشغل ، بس إلي قاله إن كانت فيه قُنبله مزروعه تحت السياره
وعشان كذِا صار الإنفجار
عبدالمجيد : ما إستغربت ، يسُوون كل شيء
الجّد : مايشفِي غليلي إلا لمّا إدمرهم!
خرّج الجد من المُستشفى ونار الغضّب داخله
كيف تجرأو يسُوون كل ذا ..
7
صباحًا 6:30am
تسللت أشعة الشمس بخفة إلى غرفة بهـاج، انعكست على وجهه المتعب. فتح عينيه ببطء، حواجبه معقودة وكأن النوم لم يأتِ بالراحة التي يحتاجها. التفت إلى جانبه، متوقعًا أن يرى دارين غارقة في نومها، لكنه فوجئ بالفراغ. قلبه انقبض فجأة. جلس معتدلًا على السرير، يبحث بعينيه حول الغرفة.
لمح حقيبتها مفتوحة على الكنبة، والملابس مبعثرة بوضوح، وكأنها كانت تبدل ملابسها قبل قليل
صوت بهـاج خرج قلقًا مرتفعًا: دارين؟
نهض يطرق باب دورة المياه: أمي ، إنتِ بخير؟ دارين، افتحي الباب
ما أعطته جَواب
صوته أصبح أكثر جدية : ترا بفتح الباب
مد يده إلى المقبض وفتحه بعجلة، لكن الصدمة لاوجود لها
شعر بأن قلبه سقط في مكانه. خرج من الغرفة خطواته متسارعة، أنفاسه تتلاحق وقف أمام غرفة الهنوف، طرق الباب
من الداخل، كان عبدالرحمن يجلس بجانب زوجته التي استيقظت قبل ربع ساعة فقط وتناول فطورها بهدوء. رفع عبدالرحمن رأسه من صوت الطرقات: ادخل يا بوي ، بهاج : أنا بهاج
عبدالرحمن : ادخل
فتح الباب بخطوات سريعة، عيونه تبحث بلا وعي عن دارين
لمح عمته الهنوف، ابتسم رغم توتره يصّد بالنظر عنها
بهـاج: الحمد لله على السلامة أم أحمد
ابتسمت الهنوف بوجه باهت لكنه مطمئن:
الهنوف : الله يسلمك يا بوي. تعال ليه واقف على الباب؟ قرب
أجابها بهـاج بصوت متعجل، عيناه تفر من المكان: لا جيت أسلم عليك وبمشي
قطبت الهنوف حاجبيها باستغراب: وينها دارين؟ ما شفتها معك؟
ارتبك بهـاج، ابتلع ريقه: نايمة... يلا أنا أستأذن
وخرج مسرعًا، خطواته تكشف قلقًا أكبر مما يحاول إخفاءه.
عبدالرحمن بقي يتأمله للحظة، ثم نظر لزوجته التي همست بقلق: كأنه متوتر؟ في شي صاير؟
عبدالرحمن إبتسّم يطمنها وعلى ملامحه الإستغراب : لا، مو صاير شي. كملي فطورك
كان بهـاج يسير في الممرات بخطوات متسارعة، ملامحه مشدودة، وصدره يعلو ويهبط من القلق. لمح سالم يقترب من بعيد، يلوح له بيده
سالم: وشبلاك؟ كأنك ضايع؟
ضحك بخفة يحاول بها تلطيف الجو : عسى ما زوجتك بخير؟
اقترب بهـاج، صوته جاد بشكل مبالغ فيه: ما شفتها؟
ضحك سالم باستغراب: لا، توّي جاي. تلقاها بغرفتها
تجمد بهـاج، نظرته ثاقبة: لا إحلّف؟ تستهبل أنت؟
استغرب سالم: وش السالفة، بهاج؟
لم يرد، بل لمح عبدالمجيد قادمًا، فاتجه نحوه بخطوات متسارعة، وسالم يلاحقه مندهشًا : عمي ، شفت دارين؟
توقف عبدالمجيد، نبرة صوته جادة : مو بغرفتها؟
صوت بهـاج خرج حادًا، مليئًا بالخوف: مو بغرفتها ، ولا عند أمها!
في تلك اللحظة، دخل الجد والسآلم إلى المستشفى.
الجد: وش السالفة؟
أجاب عبدالمجيد بوجه مشدود: دارين... مو بالمستشفى
شهق الجّد ، بِصدمه : وين بترُوح ؟ إلا مانلقاها هِنا
بهّـاج : لازم نشوف الكاميرات!
تحرك الجميع مسرعين نحو غرفة المراقبة. فتح عبدالمجيد الباب وأمر الرجل المسؤول بصرامة: شوف تسجيل الكاميرا عند البوابة الرئيسية. الساعة 6:00 , جلس الجميع أمام الشاشة، قلوبهم تخفق بسرعة.
وفجأة ظهرت دارين ، متنكرة بكاب أسود ونظارة تخفي نصف ملامحها لإجّل الدكاتره ورِجال الجّد مايعرفُونها
الجد: هذي هي! دارين نفسها
اقتربت الصورة أكثر، أظهرت أن أحدهم استوقفها ، الجّد : هذا ، ما كأنه غيّث؟
انفجر بهـاج بغيّره مكبوته : مين غيث؟!
أجاب الجد بجدية: ولد جراح
رد عبدالمجيد بسرعة وهو يتابع التسجيلات : إي والله... راحت معاه
تسمرت عيونهم على الشاشة، حيث ظهرت دارين وهي تخفي خلف ظهرها عصا طويلة حادة.
شهّق الجد بِصدمه ، والجميّع توتر : لعبت على غيث!
نطقها الجّد وفي صُوته الصَدمه والخُوف
صوت سالم ارتفع، ممزوجًا بالذهول: يعني وين رايحة؟
لكن الجد قاطعه بصارمة : رايحة لمستشفى ولد راشد!
صُدم بهاج يشّد على قبضته لـ يده : ليه تروح؟ وش تبي منهم؟!
السالم : حاولوا يقتلون أمها ويخطفونها ، ورايحة تتضارب معاهم؟! البنت انجنت رسمي!
أجاب عبدالمجيد بحدة: ما بتسكت إلا لما تجرّم فيهم ، لازّم نلحقها
خرج عبدالمجيد مسرعًا، ولحقه الجميع.
رفع الجد هاتفه واتصل بغيث بصوت غاضب: غيّث!
غيث مستغرب : آمرني
الجد: دارين معك؟
نظّر غِيث صُوب المرآه ينظّر لـ دارين ، وبُصوت خافت : إيه
الجد: وين بتروح؟
غيث: للمستشفى بعيّد شوي، تبي تاخذ جوالها من عندهم
صرخ الجد: إرجع فورًا! دارين رايحة تبي تجرّم فيهم
ارتبك غيث: شلون؟ ما فهمت؟
لكن فجأة شهق، بعدما شعر بملقط جراحي يطوق عنقه من الخلف همست دارين بصوت حاد، مليء بالغضب المكبوت: قفّل المكالمة، ولا قتلتك ورميتك بالشارع! ، حاول غيث تهدئتها، صوته مذعور: دارين، استهدي بالله! ، لكنها قاطعته دارين: قفّل... ولا خلّيت دمك يغّرق الطريق .. من الطرف الآخر، سمع الجد صوتها بوضوح
صرخ : دارين! ياويّلـك لو ترُوحين إرجعّي خلينا نتفاهم
لكن المكالمة انقطعت فجأة
تجمد الجد في مكانه، صوته خرج محطمًا: إنجنت رسمي ، مو بعقلها هالبنت!
اقتربوا خوال دارين بسرعة، ومعهم وجد وغرور ونواف والفيصل.
جراح: وش صاير يا خالي؟ وراه تصارخ؟
مسك الجد رأسه بيده، قلبه يحترق. يعرف أن دارين إذا ماقدرّت تمسك أعصابها ، ممكن ترتكب جريمة لا تُغتفر.
التفت لغرور
الجد: دارين ، رايحة لولد راشد
غرور بِعلو صوت ملامحها ممتلئة بالرعب : وشو؟! كيف كذا؟!
تدخل جراح، صوته فيه غضب وخوف: وش بتسوي هناك؟ وش تبي؟
همس نواف بصدمة : يعني ، تعرف الموضوع؟
أومأ الجد برأسه
الجد بِحده : إيه ، تعرف!
وجدان بِغضب : القضية كذا ، انقلبت فوق تحت
ركض بهـاج نحو سيارته، سالم وراءه، وغضّب بهّاج سيطّر عليه تمامًا الجد صرّخ بِحده : ولدك الغبي لعبت عليه بكلمتين ، ورايح معها للمستشفى!
اقتربت وجدان : يابوي لازم نلحق عليها. لو وصلّت لهم نهايتها بتكون بالسجن ، ومحكوم عليها بالإعدام!
تحرك الجميع، سياراتهم تتزاحم أمام المستشفى.
أما الجد ، فوقف في مكانه لحظة، قلبه يرتجف، عيناه معلقتان بالسماء : يا رب ، لا تخليني أفقدها بغلطة ما لها رجعة
+
عند بهّاج
انطلقت السيارة بسرعة جنونية، صوت المحرك يعلو مع كل ضغطة من بهاج على دواسة البنزين.
الطريق أمامهم يمرّ كالبرق، لكن داخله ، الوقت كان يتباطأ.
سالم يلتفت إلى بهـاج، صوته مليء بالذهول والخوف : بنت عبدالرحمّن ، إنجنّت رسميًا!
قبض بهـاج على المقود بقوة، عروقه بارزة، عيناه مُشتعلة : أقل شيء تسويه ، تكسر المستشفى على راسهم !
زفر سالم بحدة، يحاول يسيطر على غضبه : وولد الحرام ، بيستغل النقطة لصالحه! وبيقلبها علينا
في لحظة انفجار، ضرب بهاج المقود بيده بقوة، صوته خرج صرخة ممزوجة بالغضب واليأس : ماهي صاحيهّ هالبنت ! أنا بنجن !! ولحالها بعد
ضغط أكثر على البنزين صوته اهتز وهو يصرخ، يرّص على أسنانه :
لو أخذوها ؟ لو قتلوها ؟ محد درى عنها ! تضيع، تختفي، ولا أحد يلقى لها أثر!
التفت إليه سالم بسرعة، متوتر لكنه حاول يثبّت صوته : اهدأ إن شاء الله نلحق عليها قبل ما تسُوي شيء
بهاج ضرب بيده على المقود مرة ثانية، أخرّج صرخـه غضب
أنفاسه حادة عيناه مثبتة على الطريق ، لكن قلبه يَشتعل بالغضَب والخُوف
4
عند دارين وغيِث
كان صوت أنفاس غيث يتسارع، يحاول يثبّت صوته وهو يرجوها : دارين ، إنتِ الحين أعصابك منهارة خلينا نرجع ون
لكن صرخت عليه فجأة، صرخة شقت صمته : ما فيه رجعة ! ما فيه إلا لما آخـذ حق أمي!
ارتجف صوته، حاول يلف الطريق، ويضيّع اللفهّ بحيث يطُول بالمشي ويلهّيها لكن الحديد البارد ضغط على رقبته، الملقط الجراحي ارتسم على جلده ، دارين : تلعب علي إنت؟! ، لاتلف يمين الطريق يسار!
في المراية، انعكس وجهها ، ماكانت دارين اللي يعرفها، بل ملامح فتاة نذّرت لنفسها للانتقام
عيناها تشتعل بالغضّب ونار الإنتقّام
دارين بحدة : إسرع! المستشفى قدامك ، لا تجرّب تمشي بطيء!
كانت حافظّه كل تصرُفاته . ومامشتّ عليها لعبتّه
توقفت السيارة أمام البوابة الكبيرة، اهتز صدرها بالأنفاس الثقيلة وضغطت على الملقط ثم خبأته ِبُبطء في جيب الجاكيت
مدت يدها للعصا الطويلة الحادة ، قبضت عليها كأنها سلاح
إغلقت الباب الخلفي وفتحت الباب الإمامي بعنف، إنحنت تنظر إليه ببرودٍ : مو ضروري تنزل ، بصفّي حسّاب وإرجع
كان بينطّق لكّن دارين أغلقت الباب الأمامي بقوة تُقاطعه جعلته في صّدمه
جلس غيث يلهث، عيناه تتبعها وهي تبتعد : هذي مو دارين؟ هذي شي ثاني ، هالبنت مجنونة جد!
كل خطوة كأنها تُدق مسمارًا في نعش خصومها
نزّل خلفها غِيث يلحقها بِدون لاتنتبه
رفعت العصا ببطء , لحظة سكون مطبق سيطر على المكان، حتى الريح توقفت كأنها تراقب
وفجأه رمّت بالعصا بِقوه على الزجاج الشفاف، انفجر الزُجاج وتناثرت شظاياه في الهواء القطع الصغيرة لمعَت تحت ضوء الشمس، كأنها وابل من رصاص مُتطاير
شهق المرضى في صالة الاستقبال، صرخ بعضهم، الممرضات جمدوا مكانهم، والأرض امتلأت بالزجاج المحطم
غيث ينظّر للمُوقف بعينان متسعتان بدهشة مرعوبة
أما دارين ، فقد وقفت وسط الركام، وعيناها تبرقَ بجنون
وكإنها جايه تقُول إنها ما دخلت المستشفى كزائرة ،
بل كقاضية، جاية تحمل حكمها بنفسها !
كانت كأنها تُعلن الحرب والبوابة المحطمة ما كانت إلا بداية .
+
