رواية هنا بقربي الفصل الحادي عشر 11 بقلم الكاتبة سارة القرغولي
هنا بقربي
الفصل الحادي عشر
كانت ميا في احد غرف المستشفى واقفة في احد الاركان وعلبة المناديل امامها، سحبت منديلاً تنشف دموعها وهي تبكي كالأطفال، لكنها توقفت عن البكاء واسرعت تنظر خلفها وهي تسمع صوتاً مبحوحاً صادراً من اختها زهرة التي كانت ممددة على السرير، اسرعت ميا الى زهرة وقالت بلهفة وعيونها محمرة من البكاء: زهرة! زهرة تكلمي هل حقاً استيقظتِ يا اختي ؟!
فتحت زهرة عينيها ببطئ وقالت بصوت خافت متقطع بينما ميا تخفض رأسها وتقربه من فمها تحاول انن تفهم ما تقول اختها: ميا!... ميا! هل حقاً هذه انتِ؟ في كل مرة اراكِ يكون الامر حلماً لا اكثر!
فقالت ميا بلهفة ورأسها قرب وجه اختها زهرة: هذه انا حبيبتي زهرة وانتِ لستِ في حلم يا عزيزتي!!
ارتجفت شفتا زهرة تحاول استيعاب ما سمعته فقالت بصوتها الخافت وعيونها تفتح قليلا وتغلق تقاوم رغبة للبكاء: اصفعيني براحة يدك كي أتأكد انني لستُ في حلم!
سمعت ميا ما طلبته اختها فأومأت ايجاباً برأسها لتنفيذ الامر فضربت بكفها خد زهرة حتى ادارت وجهها جانباً، جفلت زهرة وشهقت بخوف واعادت وجهها بهدوء تنظر الى ميا وهي ترمش بعينيها تحاول أن تفهم وتقول: لماذا فعلتِ هذا؟!!
رفعت ميا حاجبيها بذهول: ألم تطلبي مني ان اثبت لكِ ان ما ترينه ليس حلماً!!!
فتابعت ميا وهي توشك على معاودة البكاء: زهرة ابي وامي قادمان في الطريق الى هنا! فقط اخبريني اين كنتِ؟ ومن فعل هذا بكِ؟ من قطع ذراعكِ يا اختي كيف حصل لكِ هذا؟!!...
وانهارت ميا بالبكاء ودفنت وجهها بين راحتي يديها حزناً على اختها زهرة التي اكتفت بالصمت واطلقت عينيها تحدق امامها الى لا شيء تحاول استيعاب انها خرجت من ذلك البيت حية تُرزق وان ذلك القاتل لم يقتلها كما فعل مع رفاقها
ثم مرت صورة امير امام عينيها فسالت الدموع على خديها وتمنت لو كان موجوداً معها
تراخت عينا زهرة الى ذراعها المقطوعة فلاحظت الضماد الجديد الموضوع عليها ثم نظرت الى ميا وهي تجفف دموعها وتابعت تقول: الكل بحث عنكم انتِ وامير ورامي وحنين، استعدي لان محقق الشرطة سيأتي اليوم للتحدث معكِ!!
قالت زهرة كأنها تذكرت امراً: من احضرني الى المشفى؟!
ردت ميا: اخبرونا ان أمرأة مجهولة تمكنت من اخفاء ملامحها جيداً اذا لم يتعرف عليها احد، وضعتك عند باب المشفى وانطلقت بسيارتها!... كنتِ في حالة صعبة حين عثروا عليكِ يا اختي! كان جرح ذراعكِ ملتهب وفي مرحلة خطرة لكن اطمئني فقد تم علاجكِ واصبحت افضل حالاً!!..
نظرت ميا الى زهرة التي كانت مخفضة رأسها وهي تنظر الى ذراعها بالضماد وقد بدت حزينة تكتم ألماً داخلها
فقالت ميا بهدوء متسائلة: الا تشعرين انكِ افضل حالاً يا اختي؟!
اكتفت زهرة بالصمت وسالت الدموع باردة على وجهها الشاحب بينما ميا تنظر لها وتشعر بالقلق على حالها
وبعد قليل انضم لهما والدا زهرة، احتضنوها وبكوا جميعاً وكان بالنسبة ل زهرة لقاءاً حزيناً لا سرور فيه
كانت ترى الدموع في عيني امها ولم تعتقد يوماً ان امها ممكن ان تقلق او تحزن لأجلها وكانت ترى اباها متعب الروح ذابل الملامح وهو يخلع نظاراته الطبية ويمسح بكفيه الدموع التي سالت من عينيه
قرأت زهرة في عيون والديها السكينة بعد اعصار عصف بروحهم وقرأت الامتنان في وجوههم لعودتها اليهم لكن لم يستطع احد ان يغض البصر عن يدها المقطوعة فكانوا يتحدثون قليلا لتلطيف الجو وزهرة تستمع لهم بهدوء ثم يعم صمت مطبق وبدى ان فكرة واحدة تدور في رأسهم جميعاً وهو كيف ستكمل زهرة حياتها بإعاقتها هذه... شابة في مقتبل العمر بذراع واحدة كيف ستكمل حياتها؟
هذا ما دار في رأس ابيها وامها بينما كانت هي مخفضة نظرها سارحة بلا شيء
بعد ايام من العلاج حان موعد مغادرة زهرة المشفى، كانت اختها ميا سعيدة متحمسة وهي تساعدها على الصعود الى السيارة التي انطلقت بهم الى المنزل، كانت زهرة جالسة قرب النافذة وقد بدت نظراتها الى الطريق خاوية باهتة استغربت ميا ذلك فقالت: اختي، ما بكِ؟ ألستِ سعيدة بعودتكِ الينا سالمة؟!
التفتت زهرة تنظر لها وقالت بصوت خافت: وهل ابدو لكِ سالمة؟!
ثم عادت تنظر عبر النافذة، شعرت ميا ان قلبها استحال قالباً من الجليد فقالت: لماذا هذا التشاؤم زهرة؟! انا هنا معكِ ولن اترككِ حتى نجتاز هذه المحنة معاً !!
ظلت ميا تنظر الى زهرة تنتظر ردها لكن زهرة كانت صامتة كالأموات، سالت دمعتان حارتان من عيني ميا فأسرعت بمسحهما وقالت تبتلع ريقها: مرت اوقات مظلمة عليّ انا وابي وامي وقد استسلمنا بعد عناء البح عنكِ الى فكرة انكِ قد تكونين فارقتِ الحياة! لكنن السؤال هو بأي طريقة! وفي أي مكان وضعتِ رأسكِ! وهل كنتِ وحيدة ساعتها؟!!... جميع هذه الاسئلة ظلت تنهش رؤوسنا!... قضينا اياماً لا ننام ولا نأكل ولا نشرب!... حتى اتصلوا بنا ادارة المشفى واخبرونا بوجودك عندهم!
مرت دقيقة صمت وزهرة تنظر عبر زجاج النافذة قربها بينما تابعت ميا وقد رقت ملامحها وهي تتذكر زياد: زياد كان معي طوال تلك المحنة! حتى انه بكى معي وذرف الدموع لأجلك!...
ثم تنبهت ونظرت جانباً كأنها تذكرت شيئاً وقالت: لا اعلم حقاً لكن اشعر انه اصبح اقرب الي بعد ان فقدناكِ!... ظل بقربي ومعي ولم يتركني لحظة!...
ثم نظرت الى زهرة وتابعت: على قدر الخوف والالم الذي شعرت به وانا اجهل مصيركِ يا اختي لكن الشيء الوحيد الجميل الذي ساعدني على الاجتياز هو قرب زياد مني! لم اعتقد انه ممكن ان يخفي داخله هذا الكم من الاحساس بالمسؤولية والعطف اتجاهي!
ردت زهرة وهي تحاول ان تختم الحديث وقد بدأت تشعر بالصداع: حسناً ميا هذا جيد !
التكملة في الفصل القادم
