اخر الروايات

رواية هنا بقربي الفصل الثاني عشر 12 بقلم الكاتبة سارة القرغولي

رواية هنا بقربي الفصل الثاني عشر 12 بقلم الكاتبة سارة القرغولي


هنا بقربي
الفصل الثاني عشر
بعد قليل توقفت السيارة امام منزلهم، ظلت زهرة تحدق بواجهة المنزل من خلف زجاج النافذة وقد سرت رعشة في اوصالها وقلبها بدأ يرتجف، فقالت ميا تدعوها للتقدم: هيا اختي، لقد وصلنا!
نزلت زهرة ووقفت امام باب المنزل وقد امتلأت عيناها بالدموع وارتجفت ملامح وجهها فانهمرت الدموع على وجنتيها وبدأت تبكي، فقالت ميا تنظر لها تحاول التخفيف عنها: اعلم انكِ اشتقتِ الى بيتنا! عودتكِ لنا سالمة معجزة نحمد الله عليها كل يوم!!
فقالت تحثها على التقدم: هيا عزيزتي هيا!... لابد ان امي بالمطبخ الان! اخبرتني انها ستطبخ غداءاً مميزاً خصيصاً لأجلك!... اما ابي بالتأكيد هو في مكتبه الان يطالع كتاباً جديداً!!
وضعت ميا راحة يدها على ظهر اختها ودفعتها برفق كي تدخل المنزل بينما الدموع تنهمر من عيني زهرة ولم تعلم ميا ان سبب بكاء زهرة هو انها تذكرت آخر مرة خرجت من هذا المنزل حين جاء امير لاصطحابها واتجها معاً الى ذلك المنزل وسط الغابة، ففكرت زهرة مع نفسها: ها انا قد عدت لكن امير لم يعد! كل هذا بسببي انا!!
كانت تبكي وتبكي وهي تدخل عتبة منزل عائلتها وتلعن نفسها وصورة امير وملامحه ترتسم امام عينيها بينما ميا قربها سعيدة مبتسمة بدموع فرح في عينيها
جلست زهرة مع والديها واختها ميا لتناول طعام الغداء، كان الجميع متحمساً امها التي كانت تحمل الملعقة وتملأ الاطباق بما لذ وطاب ثم هناك اباها الذي كان يطرح مختلف الاحاديث التي تثير الفكاهة والضحك بينما ميا تستمع باهتمام وتارة تصفق بيديها من فرط الحماس وتارة اخرى تقهقه ضاحكة،
كانت زهرة تراقب بصمت وعرفت ان ما يفعلونه الان هو فقط كي يصرفوا اهتمامهم وانظارهم عن ذراعها المقطوعة حيث قامت زهرة بلف كم البلوزة حول ذراعها والضماد كان واضحاً، ففكرت: لابد ان شكل ذراعي المقطوع يثير الاشمئزاز والخوف لدى والديّ وميا!!... اعلم جيداً انهم يبذلون جهداً كي يبدو الامر طبيعياً وان حياتنا ستستمر من حيث توقفت كأن شيئاً لم يكن!!
مدت زهرة يدها اليسرى بارتباك جاهدت كي تخفيه بينما البقية كانوا وسط غمرتهم باحاديثهم يختلسون النظر وهي ترفع الملعقة، وتغترف من الصحن امامها وتأكل ببطئ وهدوء، سرى شعور عام من السكينة والارتياح بعد ان اطمئن والداها واختها الى انها قادرة على تناول الطعام بكل سلاسة بيدها اليسرى
خلال ذلك اليوم ظلت زهرة في غرفتها سارحة بأفكارها وهي تشعر انها مفصولة عن نفسها وان حياتها انقسمت الى جزئين، جزء قبل الذهاب الى ذلك المنزل بالغابة وجزء بعد الخروج منه
كانت تحاول تدريب نفسها على الاعتماد كلياً على يدها اليسرى، كانت ميا تراقبها وتختلس النظر وكانت مستعدة لإبداء المساعدة متى ما طلبت منها زهرة ذلك، كانت ميا تتصنع اللامبالاة حين ترى ان امراً استعصى على زهرة لكنها كانت تكتفي بالمراقبة ولا تبادر بتقديم المساعدة الا اذا اشتدت الحاجة او طلبت زهرة ذلك كي لا تُشعرها انها عاجزة وبحاجة للمساعدة
في ذلك اليوم شعرت زهرة انها بحاجة للخروج الى الحديقة، وهناك وقفت وسط الاعشاب الخضراء وشجيرات الورد، رفعت رأسها الى السماء فهبت نسمة هواء باردة ولاحظت ان اشعة الشمس كانت خافتة، فعادت تنظر حولها ولمحت ان احد شتلات الورود التي زرعها والدها قد مالت جانباً وبدى انها ستنقلع من تربتها، هذا المنظر على بساطته اثار حزناً يشوبه الغضب والاستنكار داخل زهرة التي لم يُثر فضولها يوماً زراعة النباتات او العناية بها لكن في ذلك اليوم وعلى غير عادتها جثت مسرعة على ركبتيها
ولم تعلم ان اختها ميا كانت تراقبها عبر زجاج النافذة، بينما بدأت زهرة تحفر بيدها وتحاول تثبيت الشتلة لكن واجهت صعوبة وهي تعمل بيد واحدة، لكنها لم تستسلم وحاولت انجاز العمل كأي شخص يملك يدين اثنين، لاحظت ميا ان اختها جاثية على ركبتيها منهمرة بالعمل الذي بدى انها لم تكمل منه شيئاً وهي تبذل جهداً مضاعفاً بلا نتيجة فعرفت انها تحاول ان تثبت لنفسها انها لا ينقصها شيء وتستطيع مواصلة حياتها واداء نشاطاتها المعتادة بلا تأثر، لكن الشتلة استمرت بالميلان ولم تستطع زهرة بأي حال من تثبيتها عميقاً في التربة، لذلك استشاطت غضباً وبكت بهستيريا وهي تقتلع الشتلة وتضرب بها على الارض يميناً ويساراً
سالت الدموع من عيني ميا واختارت ان تكتفي بالمراقبة لأنها علمت اذا تدخلت ستزيد احزان اختها وان من الافضل ان تصدق زهرة ان لا احد مطلع على حجم المأساة والمعاناة التي تعيشها وسط غضب عارم ينهش روحها وعقلها، وبعد ان خفتت نوبة غضبها نهضت ورفعت رأسها الى السماء ولاحظت انها تلبدت بالغيوم الداكنة وعلى وشك ان تمطر، فابتلعت زهرة ريقها ودارت عيناها حولها في ارجاء الحديقة وقد دب خوفٌ شديد داخلها لان هذا الطقس مشابه تماماً للأمطار التي هطلت على الغابة وهذا اثار ذكرى ذلك المنزل وسط الغابة وما دار به من احداث
سارت زهرة واتجهت الى الداخل، حين وصلت الى الصالة سمعت صوت اختها تتحدث على الهاتف وهي تقول: ألا يمكن لهذا الامر ان ينتظر قليلاً؟! اختي متعبة نفسياً وجسدياً يكفي ما مرت به!
فاقتربت زهرة متسائلة بحذر وقلق: ما الامر ميا؟ مع من تتكلمين؟
ظلت ميا ممسكة بسماعة الهاتف والحزن بادٍ عليها وكم كانت ترغب ان تغلق سماعة الهاتف وينتهي معها كل شيء
جلست الاثنتان فقالت ميا باختصار كي لا تتُعب زهرة: كان ذلك محقق الشرطة، انه يطلب ذهابك الى مركز الشرطة للادلاء بافادتك وباسرع وقت!!
اكتفت زهرة بالصمت وعرفت مهما حاولت تأجيل الامر فلابد ان يحين وقت يجب ان تتحدث فيه عمّا حصل في ذلك المنزل
فاتجهت في صباح اليوم التالي الى مركز الشرطة وحين اخبرتهم بأسمها ادخلوها فوراً الى غرفة التحقيق
جلست هناك تنتظر وكانت تحاول ان تُهدئ انفاسها وخفقان قلبها، رفعت نظرها الى ذلك الشخص الذي دخل الغرفة واغلق الباب بهدوء وهو يرحب بها، فاتخذ مكانه وجلس على الطرف المقابل لها، نظر لها نظرة مطولة وكانت هي ايضا تنظر له لاحظت انه بشوش الملامح مشرق الوجه مبتسم هادئ النبرة، وهذا كله قادها كي تهدأ قليلاً لكنه انتبه الى رجفة يدها وارتعاشة اصابعها وهي ترفع راحة يدها وتعيد خصلات شعرها جانباً، كان ينتظر رؤية يدها المقطوعة لكنها اخفتها تحت الطاولة، تفهم هو ما بها فقال يفتح الحوار معها: آنسة زهرة، كُتب لكِ عمر جديد! وانت المحظوظة بين رفاقكِ الذين قضوا نحبهم هناك في الغابة!!
سرت رعشة على ملامح زهرة وقالت بصوت مرتجف من فرط المشاعر: انا لا اعتبر نفسي محظوظة! بل العكس!!
استغرب المحقق ولم يفهم ما تقصد فقال: ماذا تعنين؟!
فرفعت يدها المقطوعة وقد لفت كم البلوزة حولها تخفي شكلها او ما تبقى منها وقالت بسخرية مرّة: ألا ترى هذه؟!
لاحظ المحقق انها توشك على البكاء فحاول تدارك الامر لكنه القى نظرة فاحصة على ذراعها بينما اسرعت هي تعيدها اسفل الطاولة كأنها تخجل من شكلها فقال: ما رأيكِ ان تبدأي بالسبب الذي دفعكِ الى الذهاب الى ذلك المنزل!
ظلت زهرة تنظر له بصمت وهي ناقمة على كل ما حولها فقالت تستجمع ما لديها من هدوء وصبر: ذهبت لحضور حفل خطوبة اثنان من الاصدقاء!



الثالث عشر من هنا
تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close