رواية لا أصطفي بالحب غيرك الفصل الحادي عشر 11 بقلم فاطمة علي محمد
كان أزيز جوال "ميان" قد بدأ في عزف سيمفونية ارتباك قوي وتوتر مرة أخرى ، لتغمغم بسباب إنجليزي بذيء دائمًا ما كانت تُعيب على "مُهاب" استخدامه، إلا أن استخدامها له الآن بات لا مفر منه وهي تركض خلف أحد المباني المستحدثة مُجيبة بحدة خافتة:
- نعم.
أتاها صوت "صافي" المنكسر بتصنع شديد مُبالغ به :
- أسفة لو كنت ازعجتك باتصالي في وقت زي ده بس أنا كنت حابة أأكد على ميعادنا بكرة.
سحبت "ميان" نفسًا عميقًا وزفرته بحرارة وهي تشد على خصلاتها مرددة بندم آسف:
- أنا أسفة إني احتديت في الكلام ، بس أنا فعلًا كنت هرد عليكِ لقيت "يامن" جه، فاضطريت أقفل على طول.
أتاها صوت "صافي" المرتبك بنبرة متوددة :
- ولا يهمك حبيبتي.. أنا بس خوفت عليكِ لما الخط قفل فجأة.
حركت "ميان" رأسها بنفي كأنها تراها، وهي تردد بكثير من الود الحقيقي :
- ما تقلقيش خالص، وزي ما اتفاقنا تقدري تجي بكرا في ميعادك عادي جدًا.
وتنهدت ببطيء شديد وهي تردد بنبرة تشبعت بكثير من الجدية والتحذير :
- أنا وافقت بس إني أساعدك عشان خاطر ابنك، وكمان لما اتأكدت إن العقار اللي اديتهوني ده مهدئ هيساعدك إنتِ و "يامن" تتكلموا مع بعض بهدوء وتوصلوا لحل وسط.
واستطردت بنبرة أكثر شجن متذكرة صغيرها :
- ياريت أنا كمان ألاقي اللي يساعدني إني أرجع ابني لحضني تاني.
وأنهت الاتصال مطبقة أجفانها بقوة تأسر تلك الدمعة اللعينة التي قد أوشكت على التمرد بوقت أقسمت به أن تقوى وتستقوى بغيابه عنها. تنهدت براحة ناقصة وهي تفتح أعينها تخطو بخطوات واسعة نحو الحافلة التي كانت تظن انها ما زالت بانتظارها، ليدب الرعب بأوصالها، ويرتجف جسدها بقوة وهي تركض نحو الطريق الخاوي المظلم سوى من ضوء القمر المكتمل، لتصيح باستجداء وتوسل :
- ياااااااا.. يا "شريف".
أتاها جوابها مباشر ولحظي، إلا أنه لم يكن مُرادها فأصداء صوتها المدوية بالمكان هي كانت الإجابة القاسية ، لتُزيدها رعبًا وفزعًا.
تضاعفت ارتجافة جسدها مسيطرة على جميع خلاياها، لتحتضنه بكلا ذراعيها بقوة في محاولة بائسة لبث بعض الأمان والاطمئنان لقلبها، كما أنها فقدت السيطرة تمامًا على عبراتها التي انهمرت بلا توقف فقد باتت بصحراء مُخيفة وحدها، لا حائل ولا حصن لها.
شُل تفكيرها للحظات طويلة ولم يُسعفها لأي شيء فقط يصور لها نهايات مأساوية لها ما بين قُطاع طريق وبين وحوش برية ضارية كانت نهايتها كما خُيل لها، ليتضاعف رُعبها وهلعها وتشدد من احتضان جسدها مغمغمة برجاء شديد :
- يارب استرها يارب... أنا الخوف اللي حاسة بيه ده لوحده كفيل يموتني بسكتة قلبية.. نجيني يا رب عشان خاطر أمي وابني دول مالهمش غيري.. ساعدني يارب.
لحظات قليلة وكانت قد تذكرت جوالها، لترفعه نحوها ببارقة أمل لمع شعاعها بقلبها لكنه سرعان ما انطفئ حينما فشلت محاولتها لفتح جوالها الذي نفدت طاقته وفرغت بطاريته تمامًا وأصبح قطعة من حديد لا قيمة لها بالوضع الحالي وكأن المصائب التي تقع على عاتقها ينقصها مصيبة جديدة تحل على رأسها، لتضربه بيدها عدة مرات متتالية وهي تصيح به بغضب كأنه بشري يفهمها ويجب عليه طاعتها :
- افتح بقا..انت كنت شغال لسه دلوقتي..افتح.
والتفتت يمينًا ويسارًا تبحث عن منجى لها قبل أن ترفع لها لملجأها الدائم مرددة بتضرع شديد :
- يا رب.. يا رب أعمل إيه دلوقتي ؟
وعادت بأنظارها ثانية تطوف المكان حولها بنظرات هلعة قد صورت لها حركة كل حجر بالمكان، لتنهار كل قواها محررة أصفاد صوتها الهلع لتصرخ صرخات أكثر رُعبًا وهي تركض يمينًا ويسارًا بفزع قوي، تارة تقتحم الصحراء وتارة أخرى تعود إلى الطريق قبل أن يدب اليأس بقلبها وتزفر بقوة صائحة بتوسل :
- يا رب.
كالمجنونة تتحرك بالمكان تُعيد دورة ركضها إلى الموقع خاصة ذلك المقعد الخشبي الذي كانت تضع عليه أوراقها، لتطرح جسدها خلفه متوارية عن أنظار اللا شيء وقد بدأت تراقب المكان بتفحص شديد وهي ترتجف بقوة متمتمة بتضرع أقوى وهي تكتم شهقاتها :
- يا رب ساعدني.. يا رب ساعدني.
********
بمكتب "مُهاب" بولاية نيوچيرسي مكتب على الطراز الحديث لا يحوي سوي طاولة كبيرة مُحاطة بعشرة من المقاعد، ومكتبة ضخمة بطول الحائط تعج بمئات من كُتب القانون، وخزانة مصفحة تضم أوراقه ومستنداته الخاصة فهذا المكتب لم يتواجد به إلا نادرًا، كان "مُهاب" يجلس قُبالتها بمعالم ارتسمت بريشة الصدمة والمفاجأة وهو يطالع صور مستندات الملكية الخاصة بـ "ميشيل" التي قطبت جبينها مستنكرة هيئته تلك وهي تهتف :
- ما بك سيد "مُهاب"؟! لما كل هذا التدقيق؟
رفع "مُهاب" أنظاره نحوها بحيرة وقلق، ليدنو بها ثانية نحو الأوراق بيده مطوفًا إياها بتمعن وتفحص شديدين، ليُعيد النظر إليها ثانية وهو يزفر زفرة حارة سبقت كلماته الشجنة :
- الوضع خطير للغاية، فجميع التواقيع مزيفة سيدة "ميشيل".
هبت "ميشيل" من مقعدها بغضب مستعر وهي تطرق سطح الطاولة بكلتا يديها صائحة باستنكار :
- ما هذا الهراء يا رجل؟! أفقدت عقلك أنت، أم أنك تمزح معي؟
نهض "مُهاب" هو الآخر من مجلسه، وهو يشير بيده نحو أحد الأوراق أمامه مرددًا بجدية :
- أنا لا أمزح بعملي سيدة "ميشيل"، جميع التواقيع على أوراقك تغاير توقيع سيد "كيڨين" المعتمد بجميع البنوك والمؤسسات الحكومية.
ومد يده نحوها بورقة من أوراقها، وورقة أخرى بنموذج لتوقيع "كيڨين" المعتمد وهو يردد بثبات:
- طالعي، واحكمي بنفسك.
تناولت "ميشيل" كلتا الورقتين بيد متحفزة أعصابها، تحدقهما بتمعن شديد مطوفة أنظارها بينهما بمقارنة سرعان ما صدحت باختلاف جوهري طفيف لا ينتبه له إلا قوي الملاحظة، لتصرخ بقوة قابضة يديها على الورقتين بقوة تكورهما بغضب شديد صائحة:
- اللعنة عليك "كيڨين".. أقسم أني سأمزقك إربًا وألقي أجزاءك لكلابي المخلصة.. أبغضك كثيرًا "كيڨين".. أبغضك.
وركضت مغادرة المكتب بتوعد للفتك بـ"كيڨين" وتلقينه درسًا لن ينساه ما حيا، ليزفر "مُهاب" زفرة حارة وهو يُلقي بجسده أعلى المقعد مغمغمًا بتذمر واستياء :
- دونًا عن ستات أمريكا كلها ما يوقعش حظي غير في "ميشيل سميث"، أخطر ست في العالم، اللي لو اكتشفت لعبتي هتقتلني وهو بتشرب كاس نبيد أحمر مخلوط بدمي من غير ما يرفلها جفن.
والتقط هاتفه متنهدًا، ليخبر "كيڨين" بإنجازه لتلك الخطوة الهامة بمخططه، قبل أن يزفر زفرة حارة وهو يستند برأسه بين كلا كفيه مطبقًا أجفانه بقوة متذكرًا صغيره للمرة الأولى.
********
كانت "ميان" بموضعها هذا منذ ما يقارب الثلاثون دقيقة حتى أوشك جسدها على التجمد بموضعه من شدة الارتجاف وإن كانت برودة الطقس طفيفة وتُحتمل، أسنانها تصتك ببعضها البعض، أحداقها تتوارى خلف حجاب من العبرات المتحجرة بمحجريهما، وجهها اتشح بشحوب الموتى، ويدها تجمدت متشبثة بظهر المقعد الذي تتخذه حصنًا وساترًا، تراقب المكان حولها بتحفز شديد وأنفاسٍ تكاد تتباطيء حتى وجدت ظلال متراقصة تقترب منها بعمد وقصد شديدين، تسارعت دقات قلبها بهلع كاد أن يفتك به، تجمدت الصرخة بحلقها، ورفضت الانصياع لأوامرها بالتحرر والانطلاق، تصورات جمة لشخصية هذا الوحش الذي سيقتنصها أكيدًا، تخيلات لجسدها الممزق إربًا، وثيابها البالية جوارها بعدما احتسى دمائها بتلذذ، كل هذا وأكثر يراودها ، لتقترب الظلال، وتقترب حتى باتت على بُعد خطوات قليلة منها، وباتت هيئته أكثر وضوحًا رغم معالم وجهه المهمة التي جاهدت "ميان" لتيبن حقيقتها بلا اي نتيجة.
لحظات وجلس هذا الظل القرفصاء أرضًا يضع شيئًا ما بيده من أشياء يحفر حفرة متوسطة الحجم أرضًا ويجمع بها ما كان بيده حول بعضه كومة واحدة ، كومة سرعان ما سكب عليه سائل نفاذ الرائحة، والتي اخترقت رائحته أنفاس "ميان" ليبدأ عقلها يهمهم بيقين قوي :
- بنزين.. أيوه دي ريحة بنزين.
جاوبتها تلك النيران المشتعلة والتي كشفت عن معالم وجهه كاملة، كاشفة عن بطاقة هويته التي بثت أمان العالم أجمع إلى قلبها ، ليسري ذلك الدفيء بجسدها مُذيبًا جليد روحها التي كادت أن تفارق جسدها قبل لحظات قليلة.
هبت "ميان" من مخبئها مهرولة بوقود قلبها المطمئن نحوه وهي تهتف بلهفة غريق لطوق النجاة :
- "يامن".
استدار "يامن" بجسده نحوها بثبات شديد وهو يستقيم بوقفته نافضًا كلا يديه بالهواء ، ليجدها مندفعة نحوه قاصدة صدره بقوة، تسكنه باطمئنان لم ينجح في محو فزعها وهي تحاوط خصره بذراعيها بتشبث شديد دافنة رأسها بين ثنايا صدره تبكي بنحيب قوي تعالت له شهقاتها، وهي تردد بامتنان :
- الحمد لله إنك هنا أنا كنت هموت من الرعب.
دقات قلبها الهلعة كانت تصرخ لأجلها دقاته الثائرة حتى تلاحمتا سويا وأصبحا قلبًا واحدًا ينبض بجسدين ، فلم يكن منه إلا أنه حاوط كتفيها بذراعيه بقوة ودفئ عجيب ، ممسدًا على خصلاتها بحنو عاشق وله، هامسًا بخفوت جوارها :
- اهدي.. أنا هنا جنبك.. اهدي.
تضاعفت شهقاتها كما تضاعفت عبراتها الممزق لنياط قلبه ، ليمسد على خصلاتها بعشق جارف هامسًا بصوت بث به الكثير الأمان لها :
- "ميان".. اهدي لو سمحتِ.. أنا معاكِ.
تلاقطت أنفاسها المتقطعة وهي تشدد من احتضانه للحظات طويلة حتى هدأت قليلًا وبدأت تدرك أنها ترسو بين ذراعيه وتتخذهما بر الأمان لفزعها ، لتتسع عيناها صدمة، وتبتعد عنه بهدوء محمحمة بخجل وهي تدلك عنقها هامسة :
- أسفة.
تدارك "يامن" هو الآخر الموقف بثبات شديد ، وهو يبتعد عنها خطوة واسعة مرددًا بجدية رخيمة :
- مفيش حاجة.
واستدار نحو كومة من فراش الأرض دانيًا منها يلتقط إحداها وأخذ يبسطه بالقرب من النيران التي أشعلها، وجلس أعلاه محاذيًا ساقيه مع صدره، ومحاوطًا إياهما بيديه وهو يحدق بشظايا الأخشاب المتطايرة مع لهب النيران بشرود قوي لم يُخل تركيزه مع كل نظرة وإيماءة منها.
تنهدت "ميان" براحة شديدة وهي تطوف المكان حولها بأنظار ساكنة، استقرت بها أخيرًا نحو "يامن" الشارد وهي تضيق عينيها بتذكر هاتفةً باستنكار :
- إنت إزاي لسه هنا؟!
أجابها "يامن" بهدوء دون أن يرفع أنظاره نحوها :
- أنا اللي المفروض أسألك السؤال ده.. المفروض إنك ركبتي الباص مع فريقك.
تنهدت "ميان" بقوة وهي تهتف بعصبية بعض الشيء:
- أنا روحت أعمل تليفون مهم رجعت لقيتكوا مشيتوا، فضلت أنادي كتير بس للأسف محدش سمعني، وكمان وحاولت أتصل بيك لقيت تليفوني قطع شحن.
- وأنا حبيت أستجم شوية في المكان ده لوحدي.. عشان كده خليت السواق يمشي وقولتله يعدي عليا بعد الشروق عشان يوصلني الأوتيل.
صرح بها "يامن" وهو مازال يضم ساقيه شاردًا بلون النار البرتقالي، لتهتف "ميان" بصدمة كبرى وهي تقترب منه كثيرًا محركة يديها بالهواء :
- يعني أنا هفضل في المكان ده لبعد الشروق؟ لا لا.. اتصل بيه دلوقتي خليه يجي ياخدني، وإنت كمل استجمامك ده براحتك.
مط "يامن" فمه بلامبالاة مرددًا :
- مش هينفع، لأني سيبت موبايلي معاه.. ما كنتش حابب أي حاجة تزعجني وتخرجني من الهدوء ده.
ضيقت "ميان" عينيها بغبطة وهي تردد بتذمر طفولي:
- يعني أنا اللي هزعجك وهخرجك من هدوءك.
تجاهل "يامن" سؤالها هذا وأماء برأسه نحو كومة الفراش مرددًا بهدوء :
- خُدي فرش من دول واقعدي عليه جنب النار.. وياريت بهدوء شديد لو سمحتِ.
تضاعف حنق "ميان" وقررت أن تغادر وتتركه وحده بهذا العذراء حتى تأكله الضباع ، إلا أنها تذكرت رعبها وفزعها ذلك، لتسري بجسدها قشعريرة خفيفة جعلتها تركض نحو الفراش ملتقطة أحدهم، تبسطه مقابل "يامن" وتجلس أعلاه محدقة ذلك اللهب هي الأخرى بشرود أقوى .
دقائق طويلة مضت بصمت مُطبق على الانحاء سوى من أصوات تلك الطبيعة الهادرة؛ حسيس نيرانها، وهفيف رياحها، وصخب أمواجها، لتفر عبرة هاربة من مقلتي "ميان" وهي تتذكر دفء يد صغيرها التي تشبه كثيرًا هذا الدفء الذي استشعرته بعد جليد أثلج قلبها، لتردد باتهام قاسٍ :
- إيه الانتصار العظيم اللي بتفرحوا بيه ده لما تحرمونا من ولادنا؟! لما تكسرونا، وتذلونا عشان بس نشوفهم!. لما تموتونا كل يوم بالبطيء وهما بعيد عن حضننا!.. كده بتحسوا إنكوا ملكتوا أرواحنا، وبقينا سبايا عندكم؟
كان ينصت لها بعدم اكثرات خارجي ينافي نيران ثورته التي تلتهم قلبه بقسوتها، لتستطرد هي حديثها بلوعة:
-تعرف.. أنا طول عمري بكره أبويا عشان سابني أنا وماما لوحدنا واختار يبعد.. بس النهاردة حسيت قد إيه هو كان راجل عظيم.. عظيم قوي، مقدرش يبعد بنت عن أمها.. يمكن لأنه كان متأكد إنه مش هيقدر يربيها لوحده.. كان متأكد إنه عمره ما هيقدر يرعاها، فاختار لها إنها تعيش حياة كاملة حتى لو ظاهريا .. اختار إنه يحبها حتى لو عمره ما قدر يحب أمها .
ابتسم "يامن" ابتسامة جانبية متهكمة وهو يردد بأسي :
- مش يمكن زي ما أبوكِ اختار يحبك أنا كمان اخترت أحب ابني وأحميه من أم فاشلة ومستهترة.. أم كانت السبب إنه يفضل في غيبوبة أربع سنين.. أم حرمت ابنها أنه يعيش طبيعي زيه زي أي طفل في سنه.. احميه من إنسانة حقيرة حرمتني إني أشوف ابني بيكبر قدام عيني.. حرمتني إني أشوفه بيحبي أول مرة.. حرمتني إني أشوفه بيمشي أول خطوة.. حرمتني من حضنه ومن كلمة بابا.. احميه من واحدة حقيرة بتعايرني بيه وبتقولي بكل برود إنها بتعتبره ميت من أول يوم دخل فيه الغيبوبة.
كان يتفوه بتلك الكلمات ودمعاتها تنهمر سيولًا عارمة، سيولًا تدمر كل حصون الصمود والقوة، لتهتف بامتعاض ساخط :
- انت بتقول إيه؟ إزاي أم تقدر تعمل اللي إنت بتقوله ده؟ وليه؟
- إزاي؟ بالسهر والحفلات، الكوافير والمساچ، بالنادي والچيم، بمجلات الموضة وخطوط الأزياء، بالسفر والرحلات.
ليه؟ كانت فاكرة إنها عشان متجوزة "يامن دويدار" تبقى ملكت العالم و الدنيا كلها تحت رجليها، تبقى الدادة والمربية هي اللي تاخد بالها من ابنها وتربيه.
حركت "ميان" رأسها بصدمة وهي تهتف باستنكار :
- طب خلفته ليه؟! كان ممكن تأجل الحمل ده بكل سهولة.
ابتسم "يامن" ابتسامة أكثر تهكمًا وألمًا وهو يردد بوجع مُدمي :
- خلفته عشان يورث "يامن دويدار" اللي كان عامل زي الدينامو ما بيبطلش شغل، من حفلات لأفلام لإعلانات.. " يامن دويدار" نجم الشباك اللي المنتجين كلها بتجري وراه.. "يامن دويدار" اللي وقف على أكبر مسارح العالم ومع أهم نجومها.. "يامن دريدار" اللي كان يقولها صباح الخير بهدية سوليتير، ومساء الخير بتذكرة للمالديف، اللي كان بيعاملها زي ما يحب إن بنته تتعامل..خلفته عشان كل دول، وعشان لو في يوم طلقتها تبقى ضامنة حقها ومطمنة إنه كده كده هيرجع لها.
- يا أخي ملعون أبو الفلوس اللي تخلي أم ترمي ضناها، وأب يهرب من مسئوليته ويعيش لمزاجه.
هتفت بها "ميان" بحرقة قوية، ليجاوبها "يامن" بأسي أكبر:
- تعرفي إن الفلوس برضه هي اللي خليتها تسيبني وتختار الطلاق.
كفكفت "ميان" دمعاتها وهي تزدرد ريقها بمرارة مرددة بتساؤل :
- مش فاهمة.
عدّل "يامن" من جلسته وهو يهز رأسه بلامبالاة مرددًا :
- مش فارقة، أنا عمري ما حبيتها أصلًا.. يمكن أكون كنت شايفها من بره زوجة مناسبة ليا ولمكانتي، لكن لما قربت منها لقيتها أسوأ بكتير من خيالي، بس كانت وقتها حامل في "آدم" فقررت أعاملها بما يرضي الله، وقولت كفاية إنها تكون أم لابني، بس الصراحة كان عندها أم أفعى، كانت هي المسيطرة عليها وهي اللي بتحركها.
انفرجت ابتسامة تهكمية مريرة بثغر "ميان" وهي تردد بشجن :
-هتقولي عليها..ما أنا جربت سمها لحد ما لوث دمى وكان هيتسبب في موتى.
حدقها "يامن" بنظرات حانية محفزة لها لاستكمال حديثها، فاسترسلت بأسي ولم تخذله :
- حب سنتين جامعة.. أو عشان أكون دقيقة إعجاب وحب لاهتمامه بيا، ما أنا كنت شايفاه مليان عيوب واللي بيحب ما بيشوفش عيوب حبيبه.. كنت أقدر أبعد عنه، بس اهتمامه وخوفه عليا ولهفته هما اللي كانوا دايمًا بيرجعوني عن قراري ده.. سنة خطوبة جهزنا فيها كل حاجة مع بعض كل تفصيلة في الشقة كانت اختيارنا سوا، حتى بدلة الفرح أنا اللي اخترتها مع إنه كانت مختار حاجة تانية خالص، بس الصراحة حب يسعدني ويشتري اللي اخترتها، وده طبعًا ما كنش عاجب الست والدته.. فضلت ساكتة وراسمة وش الملاك معانا كلنا، تدلع فيا وتحب فيا وانتي بنتي وحتة مني، يعني خدرتني لحد يوم الفرح الصبح.
قطب "يامن" جبينه بتساؤل مرددًا :
- عملت إيه؟
استطردت "ميان" بنبرة كلها سخرية وتهكم :
- جات الاوتيل وإحنا بنجهز وطلبت منه يمشي معاها ويسيب الفرح.. طبعًا كانت صدمة لينا، حاول يتفاهم معاها ويفهم منها السبب اللي يخليها تعمل كده .. عارف كان ردها إيه؟
حرك رأسه بنفي، لتستطرد هي بحسرة مريرة:
- دي تتخطب ما تتجوزش.
- إيه!
هتف بها "يامن" بصدمة مستنكرًا، لتردد "ميان" بتهكم أقوى :
- قولت نفس الكلمة.. بنفس الصدمة والاستنكار.
- وكانت إجابتها إيه؟
أردف بها "يامن" بفضول نهش قلبه، لتردد "ميان" ساخرة:
- أيوه.. إنتِ واحدة بتفرض سيطرتها على ابني من وإنتِ يدوب خطيبته له أومال هتعملي إيه لما يتقفل عليكم باب واحد؟!
انفرجت بثغره ابتسامة أكثر تهكمًا وسخرية وهو يردد بتساؤل:
- وهو عمل إيه؟
- الصراحة حارب عشاني كتير كتر خيره.. فضل يقنع فيها كتير جدًا يعني أكتر من ربع ساعة تقريبًا، بس هي للأسف ما اقتنعتش، واضطر إنه يعتذر لي ويمشي معاها عشان هو ما بيقدرش على زعلها.
تفوهت بها "ميان" بسخرية، ليجاوبها "يامن" بسخرية أقوى:
- لأ براڨو عليه.. يستحق لقب ذكر اللي في بطاقته.
وتنهد بقوة مستطردًا :
- و إنتِ عملتي إيه؟
أجابته بغضب محتقن أشعل نيرانه في أحداقها، لتنافس انعكاس النار الحقيقية بهما :
- تخيل في بلدنا دي لما عروسة عريسها يسبها يوم فرحها، الكل تفكيره القذر بيروح في اتجاه واحد بس وينزل جلد في البنت وينصب لها المشنقة، ويرجموها بكلامهم ونظراتهم قبل حكم الإعدام ، وعمر ما حد فيهم بيجيب اللوم على الشاب، بالعكس الكل طيب خاطره في نفس الوقت اللي جلدوني فيه، لحد ما وقعت من طولي واستسلمت ليأسي وانكساري.. مش بقولك قدرت تنشر سمها في دمي.. سنة كاملة وأنا رافضة أخرج برة باب البيت، أي حد يخبط على بابنا استحالة أفتح له حتى لو بيستنجد بيا وحتى لو مفيش غيري في البيت ينجده، لحد ما أمي وقعت مني وجالها غيبوبة سكر، والدكتور بتاعها ما كنش موجود في مصر.. يومها جريت بيها زي المجنونة على المستشفى وكان ده من سوء حظي.
هز "يامن" رأسه بتساؤل هامسًا :
- ليه؟
أجابته بامتعاض قوي :
- عشان قابلت "مُهاب" واللي قرر يومها إنه يتجوزني، وعرف إزاي يدخل لـماما ويقنعها بشهامته ورجولته وإنه إزاي هيقدر يحافظ عليّا ويصوني.. وطبعًا مش هقولك على زن الأمهات لما بتكون عايزة تقنعك بعريس.
لتتنهد بقوة مرددةً براحة :
- بس الحمد لله اتطلقت منه .. أو الأصح هو اللي بعتلي ورقة طلاقي.. عقبال ما يبعت لي ابني.. إنت مش عارف نار بُعده عني بتموتني كل يوم إزاي، بس اديني عايشة على أمل اليوم اللي هيرجعلي فيه وبستعد لليوم ده بكل طاقتي، عشان يومها يكون فخور بأمه وأكون انا جديرة بيه.
انفرجت ابتسامة فخر بثغر "يامن" وراها بالتفاتة جانبية وهو يُشير نحو شهاب مارق هاتفًا :
- اتمني أمنية بسرعة.
أسبلت أجفانها وتضرعت إلى المولى بدعاء أن يرد صغيرها إلى أحضانها، لتتنهد براحة أثلجت قلبها بشعور لم تستشعره من قبل، ليدوي صوت "يامن" بسؤالها عن أهدافها وطموحها بمجال عملها، فانقشع ظلام أجفانها المسدلة وهي ترفعها نحوه بابتسامة واسعة.
- نعم.
أتاها صوت "صافي" المنكسر بتصنع شديد مُبالغ به :
- أسفة لو كنت ازعجتك باتصالي في وقت زي ده بس أنا كنت حابة أأكد على ميعادنا بكرة.
سحبت "ميان" نفسًا عميقًا وزفرته بحرارة وهي تشد على خصلاتها مرددة بندم آسف:
- أنا أسفة إني احتديت في الكلام ، بس أنا فعلًا كنت هرد عليكِ لقيت "يامن" جه، فاضطريت أقفل على طول.
أتاها صوت "صافي" المرتبك بنبرة متوددة :
- ولا يهمك حبيبتي.. أنا بس خوفت عليكِ لما الخط قفل فجأة.
حركت "ميان" رأسها بنفي كأنها تراها، وهي تردد بكثير من الود الحقيقي :
- ما تقلقيش خالص، وزي ما اتفاقنا تقدري تجي بكرا في ميعادك عادي جدًا.
وتنهدت ببطيء شديد وهي تردد بنبرة تشبعت بكثير من الجدية والتحذير :
- أنا وافقت بس إني أساعدك عشان خاطر ابنك، وكمان لما اتأكدت إن العقار اللي اديتهوني ده مهدئ هيساعدك إنتِ و "يامن" تتكلموا مع بعض بهدوء وتوصلوا لحل وسط.
واستطردت بنبرة أكثر شجن متذكرة صغيرها :
- ياريت أنا كمان ألاقي اللي يساعدني إني أرجع ابني لحضني تاني.
وأنهت الاتصال مطبقة أجفانها بقوة تأسر تلك الدمعة اللعينة التي قد أوشكت على التمرد بوقت أقسمت به أن تقوى وتستقوى بغيابه عنها. تنهدت براحة ناقصة وهي تفتح أعينها تخطو بخطوات واسعة نحو الحافلة التي كانت تظن انها ما زالت بانتظارها، ليدب الرعب بأوصالها، ويرتجف جسدها بقوة وهي تركض نحو الطريق الخاوي المظلم سوى من ضوء القمر المكتمل، لتصيح باستجداء وتوسل :
- ياااااااا.. يا "شريف".
أتاها جوابها مباشر ولحظي، إلا أنه لم يكن مُرادها فأصداء صوتها المدوية بالمكان هي كانت الإجابة القاسية ، لتُزيدها رعبًا وفزعًا.
تضاعفت ارتجافة جسدها مسيطرة على جميع خلاياها، لتحتضنه بكلا ذراعيها بقوة في محاولة بائسة لبث بعض الأمان والاطمئنان لقلبها، كما أنها فقدت السيطرة تمامًا على عبراتها التي انهمرت بلا توقف فقد باتت بصحراء مُخيفة وحدها، لا حائل ولا حصن لها.
شُل تفكيرها للحظات طويلة ولم يُسعفها لأي شيء فقط يصور لها نهايات مأساوية لها ما بين قُطاع طريق وبين وحوش برية ضارية كانت نهايتها كما خُيل لها، ليتضاعف رُعبها وهلعها وتشدد من احتضان جسدها مغمغمة برجاء شديد :
- يارب استرها يارب... أنا الخوف اللي حاسة بيه ده لوحده كفيل يموتني بسكتة قلبية.. نجيني يا رب عشان خاطر أمي وابني دول مالهمش غيري.. ساعدني يارب.
لحظات قليلة وكانت قد تذكرت جوالها، لترفعه نحوها ببارقة أمل لمع شعاعها بقلبها لكنه سرعان ما انطفئ حينما فشلت محاولتها لفتح جوالها الذي نفدت طاقته وفرغت بطاريته تمامًا وأصبح قطعة من حديد لا قيمة لها بالوضع الحالي وكأن المصائب التي تقع على عاتقها ينقصها مصيبة جديدة تحل على رأسها، لتضربه بيدها عدة مرات متتالية وهي تصيح به بغضب كأنه بشري يفهمها ويجب عليه طاعتها :
- افتح بقا..انت كنت شغال لسه دلوقتي..افتح.
والتفتت يمينًا ويسارًا تبحث عن منجى لها قبل أن ترفع لها لملجأها الدائم مرددة بتضرع شديد :
- يا رب.. يا رب أعمل إيه دلوقتي ؟
وعادت بأنظارها ثانية تطوف المكان حولها بنظرات هلعة قد صورت لها حركة كل حجر بالمكان، لتنهار كل قواها محررة أصفاد صوتها الهلع لتصرخ صرخات أكثر رُعبًا وهي تركض يمينًا ويسارًا بفزع قوي، تارة تقتحم الصحراء وتارة أخرى تعود إلى الطريق قبل أن يدب اليأس بقلبها وتزفر بقوة صائحة بتوسل :
- يا رب.
كالمجنونة تتحرك بالمكان تُعيد دورة ركضها إلى الموقع خاصة ذلك المقعد الخشبي الذي كانت تضع عليه أوراقها، لتطرح جسدها خلفه متوارية عن أنظار اللا شيء وقد بدأت تراقب المكان بتفحص شديد وهي ترتجف بقوة متمتمة بتضرع أقوى وهي تكتم شهقاتها :
- يا رب ساعدني.. يا رب ساعدني.
********
بمكتب "مُهاب" بولاية نيوچيرسي مكتب على الطراز الحديث لا يحوي سوي طاولة كبيرة مُحاطة بعشرة من المقاعد، ومكتبة ضخمة بطول الحائط تعج بمئات من كُتب القانون، وخزانة مصفحة تضم أوراقه ومستنداته الخاصة فهذا المكتب لم يتواجد به إلا نادرًا، كان "مُهاب" يجلس قُبالتها بمعالم ارتسمت بريشة الصدمة والمفاجأة وهو يطالع صور مستندات الملكية الخاصة بـ "ميشيل" التي قطبت جبينها مستنكرة هيئته تلك وهي تهتف :
- ما بك سيد "مُهاب"؟! لما كل هذا التدقيق؟
رفع "مُهاب" أنظاره نحوها بحيرة وقلق، ليدنو بها ثانية نحو الأوراق بيده مطوفًا إياها بتمعن وتفحص شديدين، ليُعيد النظر إليها ثانية وهو يزفر زفرة حارة سبقت كلماته الشجنة :
- الوضع خطير للغاية، فجميع التواقيع مزيفة سيدة "ميشيل".
هبت "ميشيل" من مقعدها بغضب مستعر وهي تطرق سطح الطاولة بكلتا يديها صائحة باستنكار :
- ما هذا الهراء يا رجل؟! أفقدت عقلك أنت، أم أنك تمزح معي؟
نهض "مُهاب" هو الآخر من مجلسه، وهو يشير بيده نحو أحد الأوراق أمامه مرددًا بجدية :
- أنا لا أمزح بعملي سيدة "ميشيل"، جميع التواقيع على أوراقك تغاير توقيع سيد "كيڨين" المعتمد بجميع البنوك والمؤسسات الحكومية.
ومد يده نحوها بورقة من أوراقها، وورقة أخرى بنموذج لتوقيع "كيڨين" المعتمد وهو يردد بثبات:
- طالعي، واحكمي بنفسك.
تناولت "ميشيل" كلتا الورقتين بيد متحفزة أعصابها، تحدقهما بتمعن شديد مطوفة أنظارها بينهما بمقارنة سرعان ما صدحت باختلاف جوهري طفيف لا ينتبه له إلا قوي الملاحظة، لتصرخ بقوة قابضة يديها على الورقتين بقوة تكورهما بغضب شديد صائحة:
- اللعنة عليك "كيڨين".. أقسم أني سأمزقك إربًا وألقي أجزاءك لكلابي المخلصة.. أبغضك كثيرًا "كيڨين".. أبغضك.
وركضت مغادرة المكتب بتوعد للفتك بـ"كيڨين" وتلقينه درسًا لن ينساه ما حيا، ليزفر "مُهاب" زفرة حارة وهو يُلقي بجسده أعلى المقعد مغمغمًا بتذمر واستياء :
- دونًا عن ستات أمريكا كلها ما يوقعش حظي غير في "ميشيل سميث"، أخطر ست في العالم، اللي لو اكتشفت لعبتي هتقتلني وهو بتشرب كاس نبيد أحمر مخلوط بدمي من غير ما يرفلها جفن.
والتقط هاتفه متنهدًا، ليخبر "كيڨين" بإنجازه لتلك الخطوة الهامة بمخططه، قبل أن يزفر زفرة حارة وهو يستند برأسه بين كلا كفيه مطبقًا أجفانه بقوة متذكرًا صغيره للمرة الأولى.
********
كانت "ميان" بموضعها هذا منذ ما يقارب الثلاثون دقيقة حتى أوشك جسدها على التجمد بموضعه من شدة الارتجاف وإن كانت برودة الطقس طفيفة وتُحتمل، أسنانها تصتك ببعضها البعض، أحداقها تتوارى خلف حجاب من العبرات المتحجرة بمحجريهما، وجهها اتشح بشحوب الموتى، ويدها تجمدت متشبثة بظهر المقعد الذي تتخذه حصنًا وساترًا، تراقب المكان حولها بتحفز شديد وأنفاسٍ تكاد تتباطيء حتى وجدت ظلال متراقصة تقترب منها بعمد وقصد شديدين، تسارعت دقات قلبها بهلع كاد أن يفتك به، تجمدت الصرخة بحلقها، ورفضت الانصياع لأوامرها بالتحرر والانطلاق، تصورات جمة لشخصية هذا الوحش الذي سيقتنصها أكيدًا، تخيلات لجسدها الممزق إربًا، وثيابها البالية جوارها بعدما احتسى دمائها بتلذذ، كل هذا وأكثر يراودها ، لتقترب الظلال، وتقترب حتى باتت على بُعد خطوات قليلة منها، وباتت هيئته أكثر وضوحًا رغم معالم وجهه المهمة التي جاهدت "ميان" لتيبن حقيقتها بلا اي نتيجة.
لحظات وجلس هذا الظل القرفصاء أرضًا يضع شيئًا ما بيده من أشياء يحفر حفرة متوسطة الحجم أرضًا ويجمع بها ما كان بيده حول بعضه كومة واحدة ، كومة سرعان ما سكب عليه سائل نفاذ الرائحة، والتي اخترقت رائحته أنفاس "ميان" ليبدأ عقلها يهمهم بيقين قوي :
- بنزين.. أيوه دي ريحة بنزين.
جاوبتها تلك النيران المشتعلة والتي كشفت عن معالم وجهه كاملة، كاشفة عن بطاقة هويته التي بثت أمان العالم أجمع إلى قلبها ، ليسري ذلك الدفيء بجسدها مُذيبًا جليد روحها التي كادت أن تفارق جسدها قبل لحظات قليلة.
هبت "ميان" من مخبئها مهرولة بوقود قلبها المطمئن نحوه وهي تهتف بلهفة غريق لطوق النجاة :
- "يامن".
استدار "يامن" بجسده نحوها بثبات شديد وهو يستقيم بوقفته نافضًا كلا يديه بالهواء ، ليجدها مندفعة نحوه قاصدة صدره بقوة، تسكنه باطمئنان لم ينجح في محو فزعها وهي تحاوط خصره بذراعيها بتشبث شديد دافنة رأسها بين ثنايا صدره تبكي بنحيب قوي تعالت له شهقاتها، وهي تردد بامتنان :
- الحمد لله إنك هنا أنا كنت هموت من الرعب.
دقات قلبها الهلعة كانت تصرخ لأجلها دقاته الثائرة حتى تلاحمتا سويا وأصبحا قلبًا واحدًا ينبض بجسدين ، فلم يكن منه إلا أنه حاوط كتفيها بذراعيه بقوة ودفئ عجيب ، ممسدًا على خصلاتها بحنو عاشق وله، هامسًا بخفوت جوارها :
- اهدي.. أنا هنا جنبك.. اهدي.
تضاعفت شهقاتها كما تضاعفت عبراتها الممزق لنياط قلبه ، ليمسد على خصلاتها بعشق جارف هامسًا بصوت بث به الكثير الأمان لها :
- "ميان".. اهدي لو سمحتِ.. أنا معاكِ.
تلاقطت أنفاسها المتقطعة وهي تشدد من احتضانه للحظات طويلة حتى هدأت قليلًا وبدأت تدرك أنها ترسو بين ذراعيه وتتخذهما بر الأمان لفزعها ، لتتسع عيناها صدمة، وتبتعد عنه بهدوء محمحمة بخجل وهي تدلك عنقها هامسة :
- أسفة.
تدارك "يامن" هو الآخر الموقف بثبات شديد ، وهو يبتعد عنها خطوة واسعة مرددًا بجدية رخيمة :
- مفيش حاجة.
واستدار نحو كومة من فراش الأرض دانيًا منها يلتقط إحداها وأخذ يبسطه بالقرب من النيران التي أشعلها، وجلس أعلاه محاذيًا ساقيه مع صدره، ومحاوطًا إياهما بيديه وهو يحدق بشظايا الأخشاب المتطايرة مع لهب النيران بشرود قوي لم يُخل تركيزه مع كل نظرة وإيماءة منها.
تنهدت "ميان" براحة شديدة وهي تطوف المكان حولها بأنظار ساكنة، استقرت بها أخيرًا نحو "يامن" الشارد وهي تضيق عينيها بتذكر هاتفةً باستنكار :
- إنت إزاي لسه هنا؟!
أجابها "يامن" بهدوء دون أن يرفع أنظاره نحوها :
- أنا اللي المفروض أسألك السؤال ده.. المفروض إنك ركبتي الباص مع فريقك.
تنهدت "ميان" بقوة وهي تهتف بعصبية بعض الشيء:
- أنا روحت أعمل تليفون مهم رجعت لقيتكوا مشيتوا، فضلت أنادي كتير بس للأسف محدش سمعني، وكمان وحاولت أتصل بيك لقيت تليفوني قطع شحن.
- وأنا حبيت أستجم شوية في المكان ده لوحدي.. عشان كده خليت السواق يمشي وقولتله يعدي عليا بعد الشروق عشان يوصلني الأوتيل.
صرح بها "يامن" وهو مازال يضم ساقيه شاردًا بلون النار البرتقالي، لتهتف "ميان" بصدمة كبرى وهي تقترب منه كثيرًا محركة يديها بالهواء :
- يعني أنا هفضل في المكان ده لبعد الشروق؟ لا لا.. اتصل بيه دلوقتي خليه يجي ياخدني، وإنت كمل استجمامك ده براحتك.
مط "يامن" فمه بلامبالاة مرددًا :
- مش هينفع، لأني سيبت موبايلي معاه.. ما كنتش حابب أي حاجة تزعجني وتخرجني من الهدوء ده.
ضيقت "ميان" عينيها بغبطة وهي تردد بتذمر طفولي:
- يعني أنا اللي هزعجك وهخرجك من هدوءك.
تجاهل "يامن" سؤالها هذا وأماء برأسه نحو كومة الفراش مرددًا بهدوء :
- خُدي فرش من دول واقعدي عليه جنب النار.. وياريت بهدوء شديد لو سمحتِ.
تضاعف حنق "ميان" وقررت أن تغادر وتتركه وحده بهذا العذراء حتى تأكله الضباع ، إلا أنها تذكرت رعبها وفزعها ذلك، لتسري بجسدها قشعريرة خفيفة جعلتها تركض نحو الفراش ملتقطة أحدهم، تبسطه مقابل "يامن" وتجلس أعلاه محدقة ذلك اللهب هي الأخرى بشرود أقوى .
دقائق طويلة مضت بصمت مُطبق على الانحاء سوى من أصوات تلك الطبيعة الهادرة؛ حسيس نيرانها، وهفيف رياحها، وصخب أمواجها، لتفر عبرة هاربة من مقلتي "ميان" وهي تتذكر دفء يد صغيرها التي تشبه كثيرًا هذا الدفء الذي استشعرته بعد جليد أثلج قلبها، لتردد باتهام قاسٍ :
- إيه الانتصار العظيم اللي بتفرحوا بيه ده لما تحرمونا من ولادنا؟! لما تكسرونا، وتذلونا عشان بس نشوفهم!. لما تموتونا كل يوم بالبطيء وهما بعيد عن حضننا!.. كده بتحسوا إنكوا ملكتوا أرواحنا، وبقينا سبايا عندكم؟
كان ينصت لها بعدم اكثرات خارجي ينافي نيران ثورته التي تلتهم قلبه بقسوتها، لتستطرد هي حديثها بلوعة:
-تعرف.. أنا طول عمري بكره أبويا عشان سابني أنا وماما لوحدنا واختار يبعد.. بس النهاردة حسيت قد إيه هو كان راجل عظيم.. عظيم قوي، مقدرش يبعد بنت عن أمها.. يمكن لأنه كان متأكد إنه مش هيقدر يربيها لوحده.. كان متأكد إنه عمره ما هيقدر يرعاها، فاختار لها إنها تعيش حياة كاملة حتى لو ظاهريا .. اختار إنه يحبها حتى لو عمره ما قدر يحب أمها .
ابتسم "يامن" ابتسامة جانبية متهكمة وهو يردد بأسي :
- مش يمكن زي ما أبوكِ اختار يحبك أنا كمان اخترت أحب ابني وأحميه من أم فاشلة ومستهترة.. أم كانت السبب إنه يفضل في غيبوبة أربع سنين.. أم حرمت ابنها أنه يعيش طبيعي زيه زي أي طفل في سنه.. احميه من إنسانة حقيرة حرمتني إني أشوف ابني بيكبر قدام عيني.. حرمتني إني أشوفه بيحبي أول مرة.. حرمتني إني أشوفه بيمشي أول خطوة.. حرمتني من حضنه ومن كلمة بابا.. احميه من واحدة حقيرة بتعايرني بيه وبتقولي بكل برود إنها بتعتبره ميت من أول يوم دخل فيه الغيبوبة.
كان يتفوه بتلك الكلمات ودمعاتها تنهمر سيولًا عارمة، سيولًا تدمر كل حصون الصمود والقوة، لتهتف بامتعاض ساخط :
- انت بتقول إيه؟ إزاي أم تقدر تعمل اللي إنت بتقوله ده؟ وليه؟
- إزاي؟ بالسهر والحفلات، الكوافير والمساچ، بالنادي والچيم، بمجلات الموضة وخطوط الأزياء، بالسفر والرحلات.
ليه؟ كانت فاكرة إنها عشان متجوزة "يامن دويدار" تبقى ملكت العالم و الدنيا كلها تحت رجليها، تبقى الدادة والمربية هي اللي تاخد بالها من ابنها وتربيه.
حركت "ميان" رأسها بصدمة وهي تهتف باستنكار :
- طب خلفته ليه؟! كان ممكن تأجل الحمل ده بكل سهولة.
ابتسم "يامن" ابتسامة أكثر تهكمًا وألمًا وهو يردد بوجع مُدمي :
- خلفته عشان يورث "يامن دويدار" اللي كان عامل زي الدينامو ما بيبطلش شغل، من حفلات لأفلام لإعلانات.. " يامن دويدار" نجم الشباك اللي المنتجين كلها بتجري وراه.. "يامن دويدار" اللي وقف على أكبر مسارح العالم ومع أهم نجومها.. "يامن دريدار" اللي كان يقولها صباح الخير بهدية سوليتير، ومساء الخير بتذكرة للمالديف، اللي كان بيعاملها زي ما يحب إن بنته تتعامل..خلفته عشان كل دول، وعشان لو في يوم طلقتها تبقى ضامنة حقها ومطمنة إنه كده كده هيرجع لها.
- يا أخي ملعون أبو الفلوس اللي تخلي أم ترمي ضناها، وأب يهرب من مسئوليته ويعيش لمزاجه.
هتفت بها "ميان" بحرقة قوية، ليجاوبها "يامن" بأسي أكبر:
- تعرفي إن الفلوس برضه هي اللي خليتها تسيبني وتختار الطلاق.
كفكفت "ميان" دمعاتها وهي تزدرد ريقها بمرارة مرددة بتساؤل :
- مش فاهمة.
عدّل "يامن" من جلسته وهو يهز رأسه بلامبالاة مرددًا :
- مش فارقة، أنا عمري ما حبيتها أصلًا.. يمكن أكون كنت شايفها من بره زوجة مناسبة ليا ولمكانتي، لكن لما قربت منها لقيتها أسوأ بكتير من خيالي، بس كانت وقتها حامل في "آدم" فقررت أعاملها بما يرضي الله، وقولت كفاية إنها تكون أم لابني، بس الصراحة كان عندها أم أفعى، كانت هي المسيطرة عليها وهي اللي بتحركها.
انفرجت ابتسامة تهكمية مريرة بثغر "ميان" وهي تردد بشجن :
-هتقولي عليها..ما أنا جربت سمها لحد ما لوث دمى وكان هيتسبب في موتى.
حدقها "يامن" بنظرات حانية محفزة لها لاستكمال حديثها، فاسترسلت بأسي ولم تخذله :
- حب سنتين جامعة.. أو عشان أكون دقيقة إعجاب وحب لاهتمامه بيا، ما أنا كنت شايفاه مليان عيوب واللي بيحب ما بيشوفش عيوب حبيبه.. كنت أقدر أبعد عنه، بس اهتمامه وخوفه عليا ولهفته هما اللي كانوا دايمًا بيرجعوني عن قراري ده.. سنة خطوبة جهزنا فيها كل حاجة مع بعض كل تفصيلة في الشقة كانت اختيارنا سوا، حتى بدلة الفرح أنا اللي اخترتها مع إنه كانت مختار حاجة تانية خالص، بس الصراحة حب يسعدني ويشتري اللي اخترتها، وده طبعًا ما كنش عاجب الست والدته.. فضلت ساكتة وراسمة وش الملاك معانا كلنا، تدلع فيا وتحب فيا وانتي بنتي وحتة مني، يعني خدرتني لحد يوم الفرح الصبح.
قطب "يامن" جبينه بتساؤل مرددًا :
- عملت إيه؟
استطردت "ميان" بنبرة كلها سخرية وتهكم :
- جات الاوتيل وإحنا بنجهز وطلبت منه يمشي معاها ويسيب الفرح.. طبعًا كانت صدمة لينا، حاول يتفاهم معاها ويفهم منها السبب اللي يخليها تعمل كده .. عارف كان ردها إيه؟
حرك رأسه بنفي، لتستطرد هي بحسرة مريرة:
- دي تتخطب ما تتجوزش.
- إيه!
هتف بها "يامن" بصدمة مستنكرًا، لتردد "ميان" بتهكم أقوى :
- قولت نفس الكلمة.. بنفس الصدمة والاستنكار.
- وكانت إجابتها إيه؟
أردف بها "يامن" بفضول نهش قلبه، لتردد "ميان" ساخرة:
- أيوه.. إنتِ واحدة بتفرض سيطرتها على ابني من وإنتِ يدوب خطيبته له أومال هتعملي إيه لما يتقفل عليكم باب واحد؟!
انفرجت بثغره ابتسامة أكثر تهكمًا وسخرية وهو يردد بتساؤل:
- وهو عمل إيه؟
- الصراحة حارب عشاني كتير كتر خيره.. فضل يقنع فيها كتير جدًا يعني أكتر من ربع ساعة تقريبًا، بس هي للأسف ما اقتنعتش، واضطر إنه يعتذر لي ويمشي معاها عشان هو ما بيقدرش على زعلها.
تفوهت بها "ميان" بسخرية، ليجاوبها "يامن" بسخرية أقوى:
- لأ براڨو عليه.. يستحق لقب ذكر اللي في بطاقته.
وتنهد بقوة مستطردًا :
- و إنتِ عملتي إيه؟
أجابته بغضب محتقن أشعل نيرانه في أحداقها، لتنافس انعكاس النار الحقيقية بهما :
- تخيل في بلدنا دي لما عروسة عريسها يسبها يوم فرحها، الكل تفكيره القذر بيروح في اتجاه واحد بس وينزل جلد في البنت وينصب لها المشنقة، ويرجموها بكلامهم ونظراتهم قبل حكم الإعدام ، وعمر ما حد فيهم بيجيب اللوم على الشاب، بالعكس الكل طيب خاطره في نفس الوقت اللي جلدوني فيه، لحد ما وقعت من طولي واستسلمت ليأسي وانكساري.. مش بقولك قدرت تنشر سمها في دمي.. سنة كاملة وأنا رافضة أخرج برة باب البيت، أي حد يخبط على بابنا استحالة أفتح له حتى لو بيستنجد بيا وحتى لو مفيش غيري في البيت ينجده، لحد ما أمي وقعت مني وجالها غيبوبة سكر، والدكتور بتاعها ما كنش موجود في مصر.. يومها جريت بيها زي المجنونة على المستشفى وكان ده من سوء حظي.
هز "يامن" رأسه بتساؤل هامسًا :
- ليه؟
أجابته بامتعاض قوي :
- عشان قابلت "مُهاب" واللي قرر يومها إنه يتجوزني، وعرف إزاي يدخل لـماما ويقنعها بشهامته ورجولته وإنه إزاي هيقدر يحافظ عليّا ويصوني.. وطبعًا مش هقولك على زن الأمهات لما بتكون عايزة تقنعك بعريس.
لتتنهد بقوة مرددةً براحة :
- بس الحمد لله اتطلقت منه .. أو الأصح هو اللي بعتلي ورقة طلاقي.. عقبال ما يبعت لي ابني.. إنت مش عارف نار بُعده عني بتموتني كل يوم إزاي، بس اديني عايشة على أمل اليوم اللي هيرجعلي فيه وبستعد لليوم ده بكل طاقتي، عشان يومها يكون فخور بأمه وأكون انا جديرة بيه.
انفرجت ابتسامة فخر بثغر "يامن" وراها بالتفاتة جانبية وهو يُشير نحو شهاب مارق هاتفًا :
- اتمني أمنية بسرعة.
أسبلت أجفانها وتضرعت إلى المولى بدعاء أن يرد صغيرها إلى أحضانها، لتتنهد براحة أثلجت قلبها بشعور لم تستشعره من قبل، ليدوي صوت "يامن" بسؤالها عن أهدافها وطموحها بمجال عملها، فانقشع ظلام أجفانها المسدلة وهي ترفعها نحوه بابتسامة واسعة.
