رواية هنا بقربي الفصل العاشر 10 بقلم الكاتبة سارة القرغولي
الفصل العاشر
اسرعت زهرة تدفعه بكل قوتها وركضت خارج الغرفة ومنها خارج ذلك البيت واطلقت ساقيها للريح، كانت تركض وسط الغابة على غير هدى والمطر ينهمر بغزارة لم تنتبه فتعثرت باحد الاغصان وسقطت حتى تلطخت بالاطيان واوراق النباتات، عرفت انها اصبحت بعيدة عن مرأى أي بشر وبالتأكيد بعيدة عن ذلك الوحش، فأغمضت عينيها
واستسلمت لقدرها وهي تشعر انها قواها خارت وانها بدأت تغيب عن الوعي تدريجياً وهذه البقعة هي محطتها الاخيرة
فتحت عينيها فوجدت انها في مطبخ بيتهم، اتسعت عيناها بدهشة وهي ترى امها جالسة على الطرف المقابل لها على الطاولة وهي تنفث من فمها دخان السيكارة المستقرة بين اصبعيها، اتسعت عينا زهرة تكاد لا تصدق فقالت بلهفة: أمي!.. امي!!
فتحركت شفتا امها قائلة بهدوء: يجب ان تستيقظي!... وانتبهي لأنه لا زال موجوداً!...
كان ذلك الشخص يقف قرب النافذة يشبك ذراعيه امام صدره وهو يراقب المطر المنهمر وقد بدى عليه القلق وعدم الارتياح، فاستدار ينظر خلفه حيث كانت زهرة ممددة على السرير وملابسها ملطخة بالوحل وبقايا اوراق الاشجار فبعد ان تبعها الى الغابة ووجدها فاقدة للوعي قام بإعادتها الى ذلك المنزل
لكنه انتبه الى تحرك شفتيها كأنها همست حرفاً او اثنين، فاقترب ببطئ ينظر لها ويستمع، وقف قرب السرير فتحركت شفتيها بصوت خافت مكتوم اقرب الى الهذيان: امي... امي...
ظل ينظر لها وقد شعر بالشفقة نحوها ولأول مرة يشعر بالحيرة وانه مغلوب على امره فاقد لكل حيلة وارادة،
فاستدار يضع يديه في جيوب بنطاله وعاد يقف قرب النافذة وهو يفكر باتخاذ خطوة اخيرة مرغماً لأجل مساعدتها
خرج من الغرفة واغلق الباب وتناول هاتفه واتصل بأحدهم، وبعد ان اجابوا على اتصاله قال باختصار: هذا انا... سأرسل لكم موقعي، انا بحاجة للمساعدة هنا... تعالوا بأسرع وقت!
وضع هاتفه على الطاولة الخشبية ثم اتجه قرب النافذة، عقد ذراعيه امام صدره مرة اخرى وعيناه تنظر عبر زجاج النافذة امامه بكل هدوء وسكينة بينما المطر ينهمر في الخارج
بعد مدة كان هناك طرق على الباب، ادار المقبض وفتح الباب ونظر للواقفة امامه، كانت امرأة في الثلاثين من العمر شقراء البشرة والشعر، ترتدي السواد، تلف شعرها للاعلى، ظل الاثنان ينظران لبعضهما لثواني، هي عرفت ما به من اول نظرة اما هو فكان يُكابر كي لا يعترف انه بحاجة لمساعدتها، فقالت: هل سنناقش ما حدث على الباب؟!
ففتح الباب اكثر واشار لها بيده بهدوء: ادخلي
دخلت وهي تجول بعينيها في ارجاء المكان بينما اغلق هو الباب وسار يتبعها فقالت: كيف حصل ووصلت الى هذا البيت في عمق الغابة؟!
استدارت دورة كاملة كي تواجهه، فقال بهدوء وهو ينظر للاسفل كأنه يستذكر ما حدث خلال اليومين الماضيين: كنتُ في جولة... ابحث وابحث عمّا يمكنني ايجاده، لكن فجأة نفد ما لدي من ماء وطعام وتقريباً اصبحتُ تائهاً لا اعرف اين انا حتى كدتُ اغرق بفعل الامطار التي لم تتوقف عن الانهمار حتى رفعت منسوب النهر!...
ثم استدار يوليها ظهره وتابع وهي تستمع له: اعتقدتُ انها النهاية فقد بدأت افقد قوتي على المواصلة ولم اعد مهتماً في ان اكمل الطريق !... حتى لمحتُ نوراً قادماً من بعيد!
ورفع نظره صوب النافذة وهو يسمع صوت المطر في الخارج: وصلت عند عتبة الباب وفقدت الوعي ولم اشعر بشيء بعدها!
وضع يديه في جيوب بنطاله وهو يخفض نظره للاسفل كأنه يهرب بعينيه من امرٍ ما: عملوا على انقاذ حياتي!!
كف عن الكلام كانت هي تنظر الى ظهره واكتافه المتراخية ورأسه للاسفل فقالت كأنها تكمل كلامه: ثم قمت بقتلهم، اليس كذلك؟!
سمعت كلمة: اجل
خافتة تخرج منه، ظلت تنظر له تدرس حالته برأسها فقالت: لكن ما هذا الذي يبدو عليك الان؟ هل هو ندم ام تأنيب ضمير؟!!
فاستدار هو ببطئ ينظر لها، فتراجعت هي خطوة كأنها شعرت بالخوف والتهديد من نظرته والسطوة البادية عليه بينما كان هو في الداخل في اضعف حالاته فقال بنفس الهدوء والملامح الفاترة: ومتى رأيتني اشعر بندم او تأنيب ضمير من قبل؟!
ابتلعت ريقها ولم تجبه، ظل ينظر لها وبدى انه فقد الشغف فادار وجهه نصف دورة يجول بعينيه حوله ثم قال: يجب ان اغادر هذا المكان! قضيت هنا ما يكفي من الوقت!
قالت كأنها تذكرت امراً: تم الاعلان من قبل رجال الشرطة في التلفاز والجرائد عن اختفاء اربعة من الاشخاص، هل قمت بقتل اولئك الاربعة؟!
ظل ينظر لها ثم قال بعد صمت: ما عدا واحدة!
ضاقت عيناها بعدم فهم فقالت تستوضح: ما عدا واحدة؟!... ولماذا لم تقتلها؟
اكتفى بالصمت وهو ينظر لها كأنه هو نفسه لا يعرف الاجابة
فهمت هي ما به ثم قالت: اين قمت بدفنهم؟
اجاب: عميقا في الغابة، لكن ملابسهم ومتعلقاتهم في الغرفة المجاورة كي لا يتعرف احد على جثثهم!
أومأت برأسها ايجابا: حسناً سنقوم بحرق المكان بأكمله
هز رأسه ببطئ موافقاً ثم قال: قبل كل شيء يجب ان تريها!
دخل الاثنان الى الغرفة حيث كانت زهرة ممددة وسط السرير راقدة بلا حراك، فاقتربت المرأة والقت نظرة فاحصة واسرعت تضع اصبعيها على رقبة زهرة تتحسس النبض
ثم قالت: لا زالت على قيد الحياة!
كان هو واقفاً ينظر لها وقال وقد لاح خيال ابتسامة على وجهه: اخبرتها انها قطة بسبعة ارواح!
فوضعت راحة يدها على جبينها تتحسس الحرارة ثم قالت: انها ساخنة تغلي! حرارتها مرتفعة !
ثم انتبهت الى ذراعها المقطوعة وملفوفة بالضماد فقالت: لابد ان جرحها التهب ويحتاج فوراً الى تعقيم ومداواة!
ثم رفعت نظرها نحوه وقالت : هل انت فعلت هذا؟!
تقصد قطع ذراعها
فقال وهو ينظر للمرأة: لقد استحقت ما اصابها!...
ثم عاد ينظر الى زهرة وقال : لكن الان وانا انظر الى حالها اتمنى لو لم اكن مضطراً الى بتر ذراعها!
ثم قالت المرأة: حسناً اترك الامر لي انا سأتولى ترتيب هذه الفوضى! لكن اولاً عليّ ايصالها الى مشفى مناسب ولن اثير انتباه احد!... ولا تنسى هذا الامر سيكلفك وانت الان مدين لي!
واستدارت تخرج من الغرفة بينما ظل هو صامتاً ينظر الى زهرة مغمضة العينين
التكملة في الفصل القادم
