رواية بقدر الحب نقتسم الفصل العاشر 10 بقلم فاطمة علي
الفصل العاشر
بموعد الزيارة الأسبوعية كانت "مريم" تجلس بمفردها في غرفة الانتظار بانكسار لأول مرة، فلطالما اعتقدت أن حياتهما سويًا تهمه كثيرًا ، إلا أنها كانت مخطئة في حكمها على البشر لأول مرة فهو لم يكترث لحديثها ذلك ولا لمحاولاتها بالعبور بحياتهما لبر الأمان، أخبرته المكان والموعد إلا أنها وحدها كما كانت دائماً، لتتمرد دمعة خيبة الأمل منزلقة إلى وجنتها تاركة ندبة جديدة بقلبها، تنهدت بقوة تأسر جيش العبرات المندفع وهي تهمس لذاتها محفزة :
- اجمدي يا "مريم" محدش يستاهل دموعك دي، زيارتك دي تخصك إنتِ وبس لازم تِخِفي منه، ومن حبه اللي أمتلك روحك، اجمدي يا "مريم".
ليأتيها صوت مساعدة الطبيبة وهي تردد باسمها بابتسامة عملية جادة :
- أستاذة "مريم" الدكتورة في انتظارك.
تنهدت "مريم" بقوة وحسم وشموخ وهي تنهض من مجلسها ملتقطة حقيبة يدها قاصدة غرفة الطبيبة "صفا".
ولجت "مريم" إلى الداخل ولم تستقبلها "صفا" كعادتها بل كانت تحتل مقعدها بابتسامة واسعة وهي تشير نحو المقعد المقابل لها مرددة بجدية :
- اتفضلِ يا "مريم".
جلست "مريم" بابتسامة خفيفة، لتستطرد "صفا" بود كبير :
- طمنيني.. إيه الأخبار ؟
أومأت "مريم" برأسها برضا وهي تردد :
- الحمد لله، بس أنا عايزة أنهي الجلسات بتاعت "يحيي".
قطبت "صفا" جبينها بدهشة مرددة :
- ليه؟!
أجابتها "مريم" بانكسار قوي غلف أحرفها : - مش هدخل حرب أنا الخسرانة الوحيدة فيها يا دكتورة.
ضيقت "صفا" عيناها بتساؤل هامسة:
- يعني إيه؟.. مش فاهمة
تنهدت "مريم" بأسى مرددة :
- مش مهم الحرب الجاية هتكون أقوى بكتير، هتحتاج مجهود أكبر مني ومن حضرتك.
حركت "صفا" رأسها باستفهام وهي تلهو بقلمها الجاف مرددة بهدوء :
- مش فاهمة يا "مريم" تقصدي إيه بالحرب الجاية ؟
تمردت دمعة حارقة من أحداق "مريم" وهي تردد بوجع قوي :
- هحارب عشان أخف من "يحيي" يا دكتورة، عشان أنساه حتى لو هدوس على قلبي.
لتجد صوت يدوي بأنحاء الغرفة يردد بعتاب قوي :
- عايزة تخفي مني يا "روما"؟
حركت رأسها يمينًا ويسارًا تبحث عنه بلهفة، لتجده يحتل تلك الاريكة بابتسامة عاشقة، لتنهض من مقعدها بعشق جارف وينهض هو أيضاً فيلتقيا سوياً بعتاب عاشق وهي تردد بوجع شديد:
- قلبي وجعني منك يا "يحيى" لو كملت معاك وأنت كده هموت كل يوم وكل...
لم يُمهلها تُكمل كلماتها فأطبق على شفتيها بسبابته مرددًا بفزع عاشق :
- بعد الشر عليكِ يا نبض قلبي.
طوفت معالمه بأشواق عاصفة وهي تُزيل سبابته عنها مرددة ببكاء شديد:
- بحبك قوي يا "يحيى".. بحبك قوي.
وألقت بجسدها بين ذراعيه متشبثة به بقوة وهي تردد بتوسل :
- متسبنيش يا "يحيى" مش هقدر أكمل من غيرك، والله ما هقدر.
حاوطها "يحيى" بذراعيه بعشق وهو يدمغ قبلته على رأسها مرددًا بوعدٍ صادق :
- عمري ما اسيبك لو آخر نفس في عمري.
هنا حمحمت "صفا" بحرج شديد وهي تطرق رأسها أرضًا لينتبه "يحيي" و" ومريم" التي دفنت رأسها بين أضلعه بخجل شديد، لتردد "صفا" بجدية :
- بعد ما أنا واستاذ يحيى اتعرفنا على بعض، ها يا أستاذ" يحيي" نقدر نبتدي الجلسة دلوقتي.
ارتسمت ابتسامة "يحيي" بجدية وهو يربت على كتف "مريم" متجهًا صوب طاولة مكتب "صفا" ليجلسا مرددًا بترحاب :
- أه طبعًا، اتفضلي اسألي كل اللي يخطر على بال حضرتك، أنا مستعد لأي سؤال.
حركت "صفا" رأسها برفض وهي تحتل مقعدها هي الأخرى مرددة :
- أنا هنا عشان أسمعك، وأكيد عشان أناقشك في كل اللي بتقوله، شوف تحب نبتدي منين؟
مط" يحيى" فمه بلامبالاة مرددًا :
- عادي، أي حاجة من هتفرق.
لتستقر أنظاره نحو تلك التي ترمقه مستجدية رفقه بها وبقلبها النابض بأحرف اسمه، ليرسل لها ابتسامة مطمئنة وهو يعود بأنظاره نحو الطبيبة مرددًا بهدوء :
- "نجاة".. أو ده الإسم اللي اديته ليها، ماهي كانت ليا طوق النجاة في أصعب أيام حياتي، إنسانة لا أعرف اسمها ولا شكلها طبطبت عليا وخدت بإيدي في عز ما كنت بغرق.. الموضوع ده ابتدى بعد وفاة أمي بأيام كنت متحطم، يائس، كاره الحياة بدون أمي.. أمي اللي لو كانت طلبت عمري كله كنت اديه ليها بطيب خاطر، أمي اللي قصرت معاها وملحقتش أكون جنبها في آخر أنفاسها في الحياة، اللي معرفش تعبت وهي بتفارق ولا روحها طلعت بسلام، بس أنا متأكد دلوقتي إنها ارتاحت بسلام، ما هي كانت ست مؤمنة، محافظة على كل فرض ونافلة، وبتصوم اتنين وخميس طول السنة، وتزكي وتتصدق، ومع كل ده ربت طفل يتيم لوحدها...
وتنهد بحرقة مسترسلًا :
- أبويا عمل حادثة ومات وهي حامل بيا في الشهر السابع، تخيلي اللي عاشته وشافته عشان تعمل راجل زيي.
كانت "مريم" تتابع حديثه بعبرات منهمرة كسيل جارف، وبقلب تمزق إربًا، تود أن تضمه إلي صدرها علّها تخفف عنه آلامه وأوجاعه.
بينما كانت "صفا" تتابع حديث "يحيي" وانفعالات "مريم" النفسية استرسل هو بوجع تمكن من أوتاره الصوتية:
- مكنش هين اللي عيشته، ومكنش سهل عليا أعيش من غيرها، فكرت في الانتحار وفشلت، خوفت من ربنا وغضبه، في الوقت ده كانت بتوصلني رسائل كتير على الماسنجر من أكونت اسمه زهرة الصبار وشرد "يحيي" بتلك الأيام.
أيام كان المُخيم الأساسي بها الحزن والوجع، الاشتياق واللوم، اليأس والقنوط، كانت هيئة "يحيي" مثيرة للشفقة فلحيته أطلق لها العنان هي وخصلات شعره ليشكلا نموذجاً حياً لإنسان الغاب البدائي، وثيابه العفنة التي لم يبدلها لأيام طويلة، رائحة بقايا الطعام التي جذبت الحشرات إليها كفيلة أن تسبب اختناق قوي لأي بشري، إلا أنه اعتاد عليها كالهواء المعبأ بدخان سجائره الكثيف.
استلقي "يحيي" بفراش والدته الذي لم يبدله منذ وفاتها ليدوي هاتفه باستلام الرسالة المائة من تلك "زهرة الصبار " زفر زفرة ساخطة وهو يرمق هاتفه بطرف عينه مرددًا بغضب قوي :
- زن زن زن.. ده إنتِ لو مراتي مش هتبعتي كده، أنا هعمل بلوك.
والتقط هاتفه معتدلاً بجلسته وهو يستند بظهره على الوسادة خلفه وقام بحظرها حقاً ومن ثم ألقى هاتفه إلى جواره ثانية.
دقائق قليلة وداعبه فضوله لاستكشاف مضمون تلك الرسائل السابقة فالتقط هاتفه مرة أخرى، وقام بفض سطورها فكانت ما بين رسائل تعزية له، وبين كيف حالك؟ وهكذا.
ابتسم "يحيي" ابتسامة تهكمية وهو يُلقي هاتفه مرة أخرى إلى جواره ويستلقي بفراش والدته غاطًا بسبات عميق.
أيام كالتي تسبقها تمضي ووضع "يحيي" كما هو إلا أنه استشعر ملل يومه، فتلك الإشعارات التي كانت تأتيه كانت له كإشعارات الحياة، كانت تُخبره أنه مازال حيًا، وما زال متواصلًا مع العالم الخارجي الذي رفضه مغلقًا بابه بوجهه، ومنتزعًا شريحة هاتفه هي الأخرى ليصبح بلا تواصل إلا عن طريق مواقع التواصل الإجتماعي.
التقط هاتفه وهو يجلس بغرفة والدته كما حاله دائماً ، واسترخي بالفراش مطوفًا رسائلها السابقة لمرات عديدة، ليهمس بلوم لذاته :
- هي عملت لك إيه عشان تعملها بلوك؟! دي كانت بتسأل عليك بس وإنت كل اللي يربطك بيها صداقة اسميه في عالم افتراضي، لازم تفك البلوك ده.
وألغى بالفعل ذلك الحظر واضعًا الهاتف أمامه بانتظار رسائلها المعتادة إلا أنها لم تفعل ذلك، مط "يحيي" فمه بيأس وهو يردد بتهكم ساخر :
- هتتكلم إزاي وإنت كنت عامل لها بلوك؟! أكيد زعلت منك، أنا هبعتلها آدد تاني.
وبالفعل أرسل لها طلب صداقة منتظرًا ردها عليه بالقبول إلا أنها لم تُعيره أي اهتمام قط، فزفر "يحيي" زفرة قوية وهي يُلقي هاتفه إلى جواره بحنق شديد:
- مش مهم، أنا شاغل بالي ليه؟
والتقط علبة سجائره وقداحته، ليشعل أحدهما نافثًا دخانها بالهواء بغضب شديد تحول إلى لهفة ما أن أتاه إشعار باستلام رسالة منها.
التقط هاتفه بلهفة مستكشفًا رسالتها التي كانت عبارة عن كلمات مقتضبة :
- "آسفة لتطفلي على حياتك".
أطفأ "يحيي" سيجارته بارتباك ليدون لها بابتسامة خفيفة:
- "أنا اللي آسف والله إني عملت بلوك، بس فعلًا مش قادر أتكلم مع حد "
أتاه جوابها برسالة أخرى :
- "البقاء والدوام لله وحده. أنا شوفت نعي ناس أصحابك منزلاه على صفحتك".
كتب لها بأسي : - "ونعم بالله العلي العظيم ".
وتناوبت الرسائل بينهما لساعات طويلة باليوم، تحولت من رسائل عامة إلى رسائل خاصة، بل خاصة جدًا حتى أنها أربكت "يحيي" كثيرًا فبدأ يتهرب منها مرة، ويُجاريها مرة أخرى حتى كادت أن تجذبه لطريق يغضب الله ورسوله، تقوده إلى الخطيئة، قرأ "يحيى" رسالتها الأخيرة بصدمة اتسعت لها أحداقه، وفارت لها الدماء بعروقه ليغمغم بهذيان :
- إيه اللي بتعمله ده؟! ده حرام دي خطيئة.
وانتبه أخيرًا لصدره الذي يعلو ويهبط بقوة، ليُلقي هاتفه أرضًا ، ويركض نحو كيس ملاكمته منهالًا عليه ضربًا حتى خارت قواه.
حرك "يحيي" رأسه بقوة وهو يتنهد بأسي موجهاً أنظاره نحو "صفا" متجاهلًا نظرات "مريم" المصدومة، ليكُمل بجمود : - مقدرتش أمشى معاها الطريق ده خوفت من ربنا ومن غضبه، عشان كده قررت أخرج من عزلتي دي عشان مكنش فريسة سهلة بين ايديها، وفي نفس الوقت أخدت قراري إني لازم أتجوز، مكنتش محدد مين ولا امتى؟ لحد ما شفت "مريم" قدام مدرستها وأنا رايح أقطع الأجازة واستلم شغلي، اعتبرتها إشارة من ربنا، ولقيت نفسي بقولها إني هزورهم بليل. وتجوزنا فعلاً وكانت حياتنا هادية وجميلة، وحبيت "مريم" وبقت كل حاجة في حياتي، لحد اليوم اللي خسرت فيه الطفل وانهارت، وسابتني لوحدي تاني.. قاومت كتير، لكن في الآخر ضعفت، ولقيتها بتمر على بالي في لحظات ضعفي دي، كانت عاملة زي الشيطان اللي بيدخل لينا في لحظة ضعف وقنوط من رحمة ربنا.
وتنهد بقوة أكبر مرددًا بيقين :
- أنا مش مريض يا دكتورة، أنا واحد ضعيف الإيمان ضعيف الإيمان بربنا، بنفسي، بعزيمتي، بحبي لـ "مريم"، بس وعد مني إني أكون أقوى من كده، وأقوى من أي شيطان يدخل حياتنا.
ونهض من مقعده ملتقطًا كف "مريم" يحتضنه بيده بحماية وأمان مرددًا قبل أن يغادرا :
- من هنا وجاي مش هنحتاجك في حياتنا، طول ما ايدنا ساندة بعض مش هحتاج مخلوق يسندنا، بس أكيد هنحتاجك صديقة وأخت.
والتفت نحو "مريم" التي أسرفت في دمعاتها اليوم، ليرفع يدها قرب مضخته الهوجاء هامسًا بعشق متيم: ده اتخلق في الدنيا عشان ينبض باسمك يا "روما" أوعى تخافي في يوم وأنا جنبك.
*********
في إحدى المستشفيات الخاصة
تحديدًا أمام غرفة الولادة، كانت "كريمة" تحتضن حفيدها بقوة وهي ترفع أنظارها نحو خالقها بتضرع داعية:
- يا رب نجيلي بنتي يا رب . يا رب قومها بالسلامة مجبورة الخاطر يارب.
بينما كان "محمد" يجلس محتلًا أحد المقاعد المعدنية وهو يحرك حبات مسبحته بين أنامله ذاكرًا اسم الله الرحيم بقلوب عباده، خرج إليهم الطبيب بمعالم متجهمة، لتركض نحوه "كريمة" بتلهف هاتفة:
- خير يا دكتور بنتي عاملة إيه؟
حرك الطبيب رأسه بأسى مرددًا:
- للآسف الحالة مش مطمئنة ، ولازم تدخل جراحي.
اتسعت عينا "كريمة" صدمة وهي تهتف بفزع :
- قيصرية ليه؟! دي والدة ابنها ده طبيعي.
حرك الطبيب رأسه بآسف وهو يردد بود كبير :
- مش شرط يا حجة، وبعدين مش دي المشكلة.
أجابه "محمد" بثبات حاول التحلي به : - أومال إيه المشكلة يا دكتور؟
تنهد الطبيب بقوة وهو يردد بعملية ودودة: - المشكلة إن الطفلة عندها مشاكل صحية كتير، ولازم تفضل في الحضانة فترة طويلة، وكمان ممكن تحتاج لتدخل جراحي.
ضربت "كريمة" صدرها بقوة صاحبت شهقتها الأقوى، بينما أخذ "محمد" يردد بإيمان قوي :
- لله الأمر من قبل ومن بعد، لله الأمر من قبل ومن بعد.
ربت الطبيب على كتف "محمد" قبل أن يتركهما إلى غرفة العمليات، ليجدا "مريم" تركض إليهما ببكاء قوي وهي تهتف بفزع أقوى :
- أختي فين يا ماما؟ فين "حبيبة" يا ماما؟
احتضنت "كريمة" حفيدها الذي بدأ يبكي بشدة كمن يعلم حقيقة ما تمر به والدته وشقيقته، لتردد بهلع قوي :
- أختك وبنتها حالتهم خطرة يا بنتي، احتمال البنت تحتاج عملية.
أطبق "يحيي" عيناه بأسى لحال أخت زوجته التي لم يراها من قبل، بل كانت علاقته معها ومع زوجها عبر الشبكة العنكبوتية، ليقترب من "محمد" واضعاً بجيب بنطاله مظروفاً منتفخاً بمبلغ كبير من المال سحبه من ماكينة الصرف الآلي أمام المشفى، كاد محمد أن يعترض فاقترب "يحيي" من رأسه مقبلًا إياها باحترام وحب مرددًا :
- أنا ابنك زي "مريم وحبيبة" يا عم "محمد" ربنا يطمنا عليهم يارب.
ربت "محمد" على كتف "يحيي" بشكر وعرفان وهو يردد :
- ربنا يجبر خاطرك يا ابني، إتصل بجوزها وعرفه الوضع عشان يكون معانا في الصورة يا "يحيى".
أومأ "يحيي" برأسه بموافقة مرددًا بود كبير :
- حاضر يا عمى .
واتجه نحو "مريم" التي حملت ابن شقيقتها بعطف كبير محتضنة إياه تهدهد الطفل مرددًا :
- هطلع برة أتصل بـ "حسام"، هنا مفيش شبكة مش هتأخر، لو فيه حاجة اتصلي بيا على طول يا "مريم".
أومأت له "مريم" برأسها بصمت، ليربت على كتفها بدعم مغادرًا وهو يلهو بهاتفه محاولًا التواصل مع "حسام".
خارج المشفى وبعد محاولات عدة أخيرًا أتاه صوت "حسام" الحانق :
- نعم، أفندم يا "يحيي"؟
اشتعل غضب "يحيي" من نبرة "حسام" هذه إلا أنه تدارك الأمر لخطورة الموقف وتعقيده، ليردد بهدوء جاهدًا للتحلي به :
- "حبيبة" بتولد، ووضع البنت مش مطمئن، الدكتور بيقول انها هتحتاج عملية جراحية.
أجابه "حسام" بلامبالاة شديدة :
- انتم معاها وجنبها يا "يحيى"، وأنا عن نفسي هبعت لها فلوس الصبح.
تضاعف غضب "يحيي" وفشل في كبح لجامه ليهتف به موبخاً :
- فلوس إيه اللي بتتكلم عنها؟! بقولك مراتك وبنتك في حالة حرجة تقولي فلوس، ده بدل ما تركب أول طيارة وتنزل تقف جنبهم، عشان لما مراتك تفتح عنيها تلاقيك أول واحد قدامها.
أجابه "حسام" بسخرية :
- أنا مش شغال في طابونه يا "يحيي"، أنا شغال في شركة انترناشونال وعليا العين لترقية كبيرة، مينفعش في عز ما الشركة شايفاني مدير أقولهم بعد إذنكم هنزل مصر عشان مراتي بتولد.
هتف به "يحيي" بغضب أقوى :
- مدير إيه وزفت إيه؟ بقولك بنتك هتحتاج جراحة، يعني احتمال كبير تحتاج نقل دم.
وزفر زفرة قوية مستطردًا بسخرية:
- بس البعيد معندوش دم.
وأنهى الاتصال معه وقد بدأ يلعنه بقوة، ليجد معشوقته خلفه وقد انسابت عبراتها أنهارًا، فأي جحود هذا الذي يملكه "حسام"؟! وأي قلبٍ هذا الذي يملكه "يحيى"؟!.. "يحيي" الذي لم يتركها لحظة واحدة أثناء اجهاضها لطفلهما، الذي غفا تحت أقدامها ليلة كاملة، الذي أقسم لها أنها ابنته ، وحبيبته، وزوجته بل عالمه أجمع.
تنهد "يحيي" بحزن وهو يُزيل دمعاتها بسبابته مرددًا بحنو:
- كفاية يا"روما" على الأقل عشان مامتك وباباكِ، كفاية يا حبيبتي .
ألقت جسدها بين ذراعيه وقد آن أوان استسلامها لذلك الانهيار الذي قاومته كثيرًا ، لتردد بنحيب قوى:
- أنا خايفة على أختي قوي يا "يحيي".
شدد من احتضانها بقوة وهو يردد بثقة :
- بإذن الله هتكون كويسة يا حبيبتي، وتقوم لنا بالسلامة هي وبنتها.
تنهدت "مريم" بقوة وهي تدعو برجاء :
- يا رب يا يحيى.
********************
علي الجانب الآخر
أغلق محمد الخط وهو يقوم بتغيير مسار السيارة، نظرت له سحر بقلق وهي تقول : في إيه يا محمد؟
محمد وهو ينظر لها بوجه متوتر ويقول : مفيش حاجة يا حبيبتي، خير إن شاء الله.
سحر يتعجب شديد: طيب ليه غيرت طريق البيت؟ ومين اللي اتصل؟!
محمد بجدية : ده استقبال مستشفى.....لازم نروح بسرعة.
سحر وهي تقول بصوت مرتعش : ليه؟!
محمد بجدية وهو يمسك بيدها بقوة ليبث لها القوة : والدك عمل حادثة وحاليًا في المستشفى.
سحر برعب حقيقي ودموع : بابا؟
محمد بسرعة : متخافيش إن شاء الله بسيطة، متقلقيش إنتِ بس.
نظرت أمامها بشرود تام ومشاعرها مختلطة، ما بين خوف، وقلق، ورعب من أن تفقده، نعم هي غاضبة منه وحزينة مما فعله مع والدتها ولكنه أولًا وأخيرًا والدها وتحبه تخشاه وتخاف منه، ولكن تحبه من داخلها مهما حدث هو كل ما تبقى لها من أهلها، نعم قاسي القلب ولكن هي، لم تستطع كرهه رغم ما فعله معها فقط الغضب والخوف منه هو ما كانت تشعر به بداخلها، دعت من كل قلبها أن لا تفقده.
أخيرًا وصلوا إلى المستشفى وبعد السؤال عنه، علموا إنه فارق الحياة بعد وصوله إلى المشفى بقليل،
انهارت سحر وسقطت بين يد زوجها فاقدة الوعي.
مرت عدة أيام والحزن مسيطر عليها، كانت تجلس في غرفتها بمنزل والدها في تلك الشقة التي قضت فيها أجمل الأيام والليالي مع والديها، لم يكن والدها في كل الأوقات قاسيا بل كانت هناك الكثير من اللحظات الجميلة بينهم، بكت بقوة، رحلوا عنها ولم تعد باقية منهم سوا تلك الذكريات الجميلة في عقلها،
فاقت من شرودها على دخول والدة زوجها التي جلست الي جانبها وهي تمرر يدها بحب على رأسها مرددة آيات من القرآن الكريم.
الأم بعد قليل: لما مات أبو محمد وقتها كنت حاسة إني مش هقدر أكمل، وإن حياتي وقفت، بس بعد يوم واتنين الحياة مشت لإن الموت علينا حق وكلنا رايحين، بس الفراق هو الصعب.
سحر بحزن : مبقاش ليا حد.
الأم بعتاب وهي تضمها إلى صدرها : واحنا روحنا فين؟ اوعي تقولي كده إنتِ عندي زي إسراء بالظبط واحنا معاكِ وجنبك وربنا يقدرنا ونعوضك ولو جزء صغير.
سحر بحب: ربنا يحفظكم ليا.
في تلك اللحظة دخلت إسراء ويتبعها محمد : إيه يا ست سحر هتفضلي كدة كتير؟ والله أوقف رجيم.
سحر بابتسامة : لأ، كله إلا كدة احنا ما صدقنا.
محمد بجدية : هنروح بيتنا؟
سحر بهدوء: أيوة نقفل الشقة هنا وبعدها نرجع بيتنا.
الأم وهي تشير إلى إسراء : يله بينا احنا نخرج نظبط كل حاجه برة على ما سحر تجهز.
خرجت الأم وابنتها بينما ارتمت هي بين أحضان زوجها فهو الآن كل حياتها عاوزة انسى كل حاجه، عاوزة حياتنا تكون كويسة.
محمد بحب: إن شاء الله.
سحر بحزن : أنا عمري ما كرهت بابا يا محمد، أنا زعلانه عليه قوي.
محمد بهدوء وحنان : ادعيلهم يا حبيبتي، هما دلوقتي محتاجين الدعاء.
سحر : الله يرحمهم ويغفر لهم ويسكنهم فسيح جناته.
محمد : آمين يارب العالمين.
سحر بحب : عارف إن المرة دي هروح معاك وأنا راضية وحابه نكون سوا، مش خايفة من اللي جاي، مستعدة أبدًا حياتنا بحب ومن غير خوف من اي حاجة.
محمد وهو ينظر لها ويقبل مقدمة رأسها : أوعدك إني عمري ما هخذلك أبدًا ، وإني هعمل كل اللي أقدر عليه عشان تكونِ سعيدة.
بعدها وقف محمد وهو يمد يده إليها وعلى وجهه ابتسامة مشجعة محبة : يلا بينا.
سحر وهي تمسك بكف يده وتنظر له بثقة : يلا بينا.
*******************
بموعد الزيارة الأسبوعية كانت "مريم" تجلس بمفردها في غرفة الانتظار بانكسار لأول مرة، فلطالما اعتقدت أن حياتهما سويًا تهمه كثيرًا ، إلا أنها كانت مخطئة في حكمها على البشر لأول مرة فهو لم يكترث لحديثها ذلك ولا لمحاولاتها بالعبور بحياتهما لبر الأمان، أخبرته المكان والموعد إلا أنها وحدها كما كانت دائماً، لتتمرد دمعة خيبة الأمل منزلقة إلى وجنتها تاركة ندبة جديدة بقلبها، تنهدت بقوة تأسر جيش العبرات المندفع وهي تهمس لذاتها محفزة :
- اجمدي يا "مريم" محدش يستاهل دموعك دي، زيارتك دي تخصك إنتِ وبس لازم تِخِفي منه، ومن حبه اللي أمتلك روحك، اجمدي يا "مريم".
ليأتيها صوت مساعدة الطبيبة وهي تردد باسمها بابتسامة عملية جادة :
- أستاذة "مريم" الدكتورة في انتظارك.
تنهدت "مريم" بقوة وحسم وشموخ وهي تنهض من مجلسها ملتقطة حقيبة يدها قاصدة غرفة الطبيبة "صفا".
ولجت "مريم" إلى الداخل ولم تستقبلها "صفا" كعادتها بل كانت تحتل مقعدها بابتسامة واسعة وهي تشير نحو المقعد المقابل لها مرددة بجدية :
- اتفضلِ يا "مريم".
جلست "مريم" بابتسامة خفيفة، لتستطرد "صفا" بود كبير :
- طمنيني.. إيه الأخبار ؟
أومأت "مريم" برأسها برضا وهي تردد :
- الحمد لله، بس أنا عايزة أنهي الجلسات بتاعت "يحيي".
قطبت "صفا" جبينها بدهشة مرددة :
- ليه؟!
أجابتها "مريم" بانكسار قوي غلف أحرفها : - مش هدخل حرب أنا الخسرانة الوحيدة فيها يا دكتورة.
ضيقت "صفا" عيناها بتساؤل هامسة:
- يعني إيه؟.. مش فاهمة
تنهدت "مريم" بأسى مرددة :
- مش مهم الحرب الجاية هتكون أقوى بكتير، هتحتاج مجهود أكبر مني ومن حضرتك.
حركت "صفا" رأسها باستفهام وهي تلهو بقلمها الجاف مرددة بهدوء :
- مش فاهمة يا "مريم" تقصدي إيه بالحرب الجاية ؟
تمردت دمعة حارقة من أحداق "مريم" وهي تردد بوجع قوي :
- هحارب عشان أخف من "يحيي" يا دكتورة، عشان أنساه حتى لو هدوس على قلبي.
لتجد صوت يدوي بأنحاء الغرفة يردد بعتاب قوي :
- عايزة تخفي مني يا "روما"؟
حركت رأسها يمينًا ويسارًا تبحث عنه بلهفة، لتجده يحتل تلك الاريكة بابتسامة عاشقة، لتنهض من مقعدها بعشق جارف وينهض هو أيضاً فيلتقيا سوياً بعتاب عاشق وهي تردد بوجع شديد:
- قلبي وجعني منك يا "يحيى" لو كملت معاك وأنت كده هموت كل يوم وكل...
لم يُمهلها تُكمل كلماتها فأطبق على شفتيها بسبابته مرددًا بفزع عاشق :
- بعد الشر عليكِ يا نبض قلبي.
طوفت معالمه بأشواق عاصفة وهي تُزيل سبابته عنها مرددة ببكاء شديد:
- بحبك قوي يا "يحيى".. بحبك قوي.
وألقت بجسدها بين ذراعيه متشبثة به بقوة وهي تردد بتوسل :
- متسبنيش يا "يحيى" مش هقدر أكمل من غيرك، والله ما هقدر.
حاوطها "يحيى" بذراعيه بعشق وهو يدمغ قبلته على رأسها مرددًا بوعدٍ صادق :
- عمري ما اسيبك لو آخر نفس في عمري.
هنا حمحمت "صفا" بحرج شديد وهي تطرق رأسها أرضًا لينتبه "يحيي" و" ومريم" التي دفنت رأسها بين أضلعه بخجل شديد، لتردد "صفا" بجدية :
- بعد ما أنا واستاذ يحيى اتعرفنا على بعض، ها يا أستاذ" يحيي" نقدر نبتدي الجلسة دلوقتي.
ارتسمت ابتسامة "يحيي" بجدية وهو يربت على كتف "مريم" متجهًا صوب طاولة مكتب "صفا" ليجلسا مرددًا بترحاب :
- أه طبعًا، اتفضلي اسألي كل اللي يخطر على بال حضرتك، أنا مستعد لأي سؤال.
حركت "صفا" رأسها برفض وهي تحتل مقعدها هي الأخرى مرددة :
- أنا هنا عشان أسمعك، وأكيد عشان أناقشك في كل اللي بتقوله، شوف تحب نبتدي منين؟
مط" يحيى" فمه بلامبالاة مرددًا :
- عادي، أي حاجة من هتفرق.
لتستقر أنظاره نحو تلك التي ترمقه مستجدية رفقه بها وبقلبها النابض بأحرف اسمه، ليرسل لها ابتسامة مطمئنة وهو يعود بأنظاره نحو الطبيبة مرددًا بهدوء :
- "نجاة".. أو ده الإسم اللي اديته ليها، ماهي كانت ليا طوق النجاة في أصعب أيام حياتي، إنسانة لا أعرف اسمها ولا شكلها طبطبت عليا وخدت بإيدي في عز ما كنت بغرق.. الموضوع ده ابتدى بعد وفاة أمي بأيام كنت متحطم، يائس، كاره الحياة بدون أمي.. أمي اللي لو كانت طلبت عمري كله كنت اديه ليها بطيب خاطر، أمي اللي قصرت معاها وملحقتش أكون جنبها في آخر أنفاسها في الحياة، اللي معرفش تعبت وهي بتفارق ولا روحها طلعت بسلام، بس أنا متأكد دلوقتي إنها ارتاحت بسلام، ما هي كانت ست مؤمنة، محافظة على كل فرض ونافلة، وبتصوم اتنين وخميس طول السنة، وتزكي وتتصدق، ومع كل ده ربت طفل يتيم لوحدها...
وتنهد بحرقة مسترسلًا :
- أبويا عمل حادثة ومات وهي حامل بيا في الشهر السابع، تخيلي اللي عاشته وشافته عشان تعمل راجل زيي.
كانت "مريم" تتابع حديثه بعبرات منهمرة كسيل جارف، وبقلب تمزق إربًا، تود أن تضمه إلي صدرها علّها تخفف عنه آلامه وأوجاعه.
بينما كانت "صفا" تتابع حديث "يحيي" وانفعالات "مريم" النفسية استرسل هو بوجع تمكن من أوتاره الصوتية:
- مكنش هين اللي عيشته، ومكنش سهل عليا أعيش من غيرها، فكرت في الانتحار وفشلت، خوفت من ربنا وغضبه، في الوقت ده كانت بتوصلني رسائل كتير على الماسنجر من أكونت اسمه زهرة الصبار وشرد "يحيي" بتلك الأيام.
أيام كان المُخيم الأساسي بها الحزن والوجع، الاشتياق واللوم، اليأس والقنوط، كانت هيئة "يحيي" مثيرة للشفقة فلحيته أطلق لها العنان هي وخصلات شعره ليشكلا نموذجاً حياً لإنسان الغاب البدائي، وثيابه العفنة التي لم يبدلها لأيام طويلة، رائحة بقايا الطعام التي جذبت الحشرات إليها كفيلة أن تسبب اختناق قوي لأي بشري، إلا أنه اعتاد عليها كالهواء المعبأ بدخان سجائره الكثيف.
استلقي "يحيي" بفراش والدته الذي لم يبدله منذ وفاتها ليدوي هاتفه باستلام الرسالة المائة من تلك "زهرة الصبار " زفر زفرة ساخطة وهو يرمق هاتفه بطرف عينه مرددًا بغضب قوي :
- زن زن زن.. ده إنتِ لو مراتي مش هتبعتي كده، أنا هعمل بلوك.
والتقط هاتفه معتدلاً بجلسته وهو يستند بظهره على الوسادة خلفه وقام بحظرها حقاً ومن ثم ألقى هاتفه إلى جواره ثانية.
دقائق قليلة وداعبه فضوله لاستكشاف مضمون تلك الرسائل السابقة فالتقط هاتفه مرة أخرى، وقام بفض سطورها فكانت ما بين رسائل تعزية له، وبين كيف حالك؟ وهكذا.
ابتسم "يحيي" ابتسامة تهكمية وهو يُلقي هاتفه مرة أخرى إلى جواره ويستلقي بفراش والدته غاطًا بسبات عميق.
أيام كالتي تسبقها تمضي ووضع "يحيي" كما هو إلا أنه استشعر ملل يومه، فتلك الإشعارات التي كانت تأتيه كانت له كإشعارات الحياة، كانت تُخبره أنه مازال حيًا، وما زال متواصلًا مع العالم الخارجي الذي رفضه مغلقًا بابه بوجهه، ومنتزعًا شريحة هاتفه هي الأخرى ليصبح بلا تواصل إلا عن طريق مواقع التواصل الإجتماعي.
التقط هاتفه وهو يجلس بغرفة والدته كما حاله دائماً ، واسترخي بالفراش مطوفًا رسائلها السابقة لمرات عديدة، ليهمس بلوم لذاته :
- هي عملت لك إيه عشان تعملها بلوك؟! دي كانت بتسأل عليك بس وإنت كل اللي يربطك بيها صداقة اسميه في عالم افتراضي، لازم تفك البلوك ده.
وألغى بالفعل ذلك الحظر واضعًا الهاتف أمامه بانتظار رسائلها المعتادة إلا أنها لم تفعل ذلك، مط "يحيي" فمه بيأس وهو يردد بتهكم ساخر :
- هتتكلم إزاي وإنت كنت عامل لها بلوك؟! أكيد زعلت منك، أنا هبعتلها آدد تاني.
وبالفعل أرسل لها طلب صداقة منتظرًا ردها عليه بالقبول إلا أنها لم تُعيره أي اهتمام قط، فزفر "يحيي" زفرة قوية وهي يُلقي هاتفه إلى جواره بحنق شديد:
- مش مهم، أنا شاغل بالي ليه؟
والتقط علبة سجائره وقداحته، ليشعل أحدهما نافثًا دخانها بالهواء بغضب شديد تحول إلى لهفة ما أن أتاه إشعار باستلام رسالة منها.
التقط هاتفه بلهفة مستكشفًا رسالتها التي كانت عبارة عن كلمات مقتضبة :
- "آسفة لتطفلي على حياتك".
أطفأ "يحيي" سيجارته بارتباك ليدون لها بابتسامة خفيفة:
- "أنا اللي آسف والله إني عملت بلوك، بس فعلًا مش قادر أتكلم مع حد "
أتاه جوابها برسالة أخرى :
- "البقاء والدوام لله وحده. أنا شوفت نعي ناس أصحابك منزلاه على صفحتك".
كتب لها بأسي : - "ونعم بالله العلي العظيم ".
وتناوبت الرسائل بينهما لساعات طويلة باليوم، تحولت من رسائل عامة إلى رسائل خاصة، بل خاصة جدًا حتى أنها أربكت "يحيي" كثيرًا فبدأ يتهرب منها مرة، ويُجاريها مرة أخرى حتى كادت أن تجذبه لطريق يغضب الله ورسوله، تقوده إلى الخطيئة، قرأ "يحيى" رسالتها الأخيرة بصدمة اتسعت لها أحداقه، وفارت لها الدماء بعروقه ليغمغم بهذيان :
- إيه اللي بتعمله ده؟! ده حرام دي خطيئة.
وانتبه أخيرًا لصدره الذي يعلو ويهبط بقوة، ليُلقي هاتفه أرضًا ، ويركض نحو كيس ملاكمته منهالًا عليه ضربًا حتى خارت قواه.
حرك "يحيي" رأسه بقوة وهو يتنهد بأسي موجهاً أنظاره نحو "صفا" متجاهلًا نظرات "مريم" المصدومة، ليكُمل بجمود : - مقدرتش أمشى معاها الطريق ده خوفت من ربنا ومن غضبه، عشان كده قررت أخرج من عزلتي دي عشان مكنش فريسة سهلة بين ايديها، وفي نفس الوقت أخدت قراري إني لازم أتجوز، مكنتش محدد مين ولا امتى؟ لحد ما شفت "مريم" قدام مدرستها وأنا رايح أقطع الأجازة واستلم شغلي، اعتبرتها إشارة من ربنا، ولقيت نفسي بقولها إني هزورهم بليل. وتجوزنا فعلاً وكانت حياتنا هادية وجميلة، وحبيت "مريم" وبقت كل حاجة في حياتي، لحد اليوم اللي خسرت فيه الطفل وانهارت، وسابتني لوحدي تاني.. قاومت كتير، لكن في الآخر ضعفت، ولقيتها بتمر على بالي في لحظات ضعفي دي، كانت عاملة زي الشيطان اللي بيدخل لينا في لحظة ضعف وقنوط من رحمة ربنا.
وتنهد بقوة أكبر مرددًا بيقين :
- أنا مش مريض يا دكتورة، أنا واحد ضعيف الإيمان ضعيف الإيمان بربنا، بنفسي، بعزيمتي، بحبي لـ "مريم"، بس وعد مني إني أكون أقوى من كده، وأقوى من أي شيطان يدخل حياتنا.
ونهض من مقعده ملتقطًا كف "مريم" يحتضنه بيده بحماية وأمان مرددًا قبل أن يغادرا :
- من هنا وجاي مش هنحتاجك في حياتنا، طول ما ايدنا ساندة بعض مش هحتاج مخلوق يسندنا، بس أكيد هنحتاجك صديقة وأخت.
والتفت نحو "مريم" التي أسرفت في دمعاتها اليوم، ليرفع يدها قرب مضخته الهوجاء هامسًا بعشق متيم: ده اتخلق في الدنيا عشان ينبض باسمك يا "روما" أوعى تخافي في يوم وأنا جنبك.
*********
في إحدى المستشفيات الخاصة
تحديدًا أمام غرفة الولادة، كانت "كريمة" تحتضن حفيدها بقوة وهي ترفع أنظارها نحو خالقها بتضرع داعية:
- يا رب نجيلي بنتي يا رب . يا رب قومها بالسلامة مجبورة الخاطر يارب.
بينما كان "محمد" يجلس محتلًا أحد المقاعد المعدنية وهو يحرك حبات مسبحته بين أنامله ذاكرًا اسم الله الرحيم بقلوب عباده، خرج إليهم الطبيب بمعالم متجهمة، لتركض نحوه "كريمة" بتلهف هاتفة:
- خير يا دكتور بنتي عاملة إيه؟
حرك الطبيب رأسه بأسى مرددًا:
- للآسف الحالة مش مطمئنة ، ولازم تدخل جراحي.
اتسعت عينا "كريمة" صدمة وهي تهتف بفزع :
- قيصرية ليه؟! دي والدة ابنها ده طبيعي.
حرك الطبيب رأسه بآسف وهو يردد بود كبير :
- مش شرط يا حجة، وبعدين مش دي المشكلة.
أجابه "محمد" بثبات حاول التحلي به : - أومال إيه المشكلة يا دكتور؟
تنهد الطبيب بقوة وهو يردد بعملية ودودة: - المشكلة إن الطفلة عندها مشاكل صحية كتير، ولازم تفضل في الحضانة فترة طويلة، وكمان ممكن تحتاج لتدخل جراحي.
ضربت "كريمة" صدرها بقوة صاحبت شهقتها الأقوى، بينما أخذ "محمد" يردد بإيمان قوي :
- لله الأمر من قبل ومن بعد، لله الأمر من قبل ومن بعد.
ربت الطبيب على كتف "محمد" قبل أن يتركهما إلى غرفة العمليات، ليجدا "مريم" تركض إليهما ببكاء قوي وهي تهتف بفزع أقوى :
- أختي فين يا ماما؟ فين "حبيبة" يا ماما؟
احتضنت "كريمة" حفيدها الذي بدأ يبكي بشدة كمن يعلم حقيقة ما تمر به والدته وشقيقته، لتردد بهلع قوي :
- أختك وبنتها حالتهم خطرة يا بنتي، احتمال البنت تحتاج عملية.
أطبق "يحيي" عيناه بأسى لحال أخت زوجته التي لم يراها من قبل، بل كانت علاقته معها ومع زوجها عبر الشبكة العنكبوتية، ليقترب من "محمد" واضعاً بجيب بنطاله مظروفاً منتفخاً بمبلغ كبير من المال سحبه من ماكينة الصرف الآلي أمام المشفى، كاد محمد أن يعترض فاقترب "يحيي" من رأسه مقبلًا إياها باحترام وحب مرددًا :
- أنا ابنك زي "مريم وحبيبة" يا عم "محمد" ربنا يطمنا عليهم يارب.
ربت "محمد" على كتف "يحيي" بشكر وعرفان وهو يردد :
- ربنا يجبر خاطرك يا ابني، إتصل بجوزها وعرفه الوضع عشان يكون معانا في الصورة يا "يحيى".
أومأ "يحيي" برأسه بموافقة مرددًا بود كبير :
- حاضر يا عمى .
واتجه نحو "مريم" التي حملت ابن شقيقتها بعطف كبير محتضنة إياه تهدهد الطفل مرددًا :
- هطلع برة أتصل بـ "حسام"، هنا مفيش شبكة مش هتأخر، لو فيه حاجة اتصلي بيا على طول يا "مريم".
أومأت له "مريم" برأسها بصمت، ليربت على كتفها بدعم مغادرًا وهو يلهو بهاتفه محاولًا التواصل مع "حسام".
خارج المشفى وبعد محاولات عدة أخيرًا أتاه صوت "حسام" الحانق :
- نعم، أفندم يا "يحيي"؟
اشتعل غضب "يحيي" من نبرة "حسام" هذه إلا أنه تدارك الأمر لخطورة الموقف وتعقيده، ليردد بهدوء جاهدًا للتحلي به :
- "حبيبة" بتولد، ووضع البنت مش مطمئن، الدكتور بيقول انها هتحتاج عملية جراحية.
أجابه "حسام" بلامبالاة شديدة :
- انتم معاها وجنبها يا "يحيى"، وأنا عن نفسي هبعت لها فلوس الصبح.
تضاعف غضب "يحيي" وفشل في كبح لجامه ليهتف به موبخاً :
- فلوس إيه اللي بتتكلم عنها؟! بقولك مراتك وبنتك في حالة حرجة تقولي فلوس، ده بدل ما تركب أول طيارة وتنزل تقف جنبهم، عشان لما مراتك تفتح عنيها تلاقيك أول واحد قدامها.
أجابه "حسام" بسخرية :
- أنا مش شغال في طابونه يا "يحيي"، أنا شغال في شركة انترناشونال وعليا العين لترقية كبيرة، مينفعش في عز ما الشركة شايفاني مدير أقولهم بعد إذنكم هنزل مصر عشان مراتي بتولد.
هتف به "يحيي" بغضب أقوى :
- مدير إيه وزفت إيه؟ بقولك بنتك هتحتاج جراحة، يعني احتمال كبير تحتاج نقل دم.
وزفر زفرة قوية مستطردًا بسخرية:
- بس البعيد معندوش دم.
وأنهى الاتصال معه وقد بدأ يلعنه بقوة، ليجد معشوقته خلفه وقد انسابت عبراتها أنهارًا، فأي جحود هذا الذي يملكه "حسام"؟! وأي قلبٍ هذا الذي يملكه "يحيى"؟!.. "يحيي" الذي لم يتركها لحظة واحدة أثناء اجهاضها لطفلهما، الذي غفا تحت أقدامها ليلة كاملة، الذي أقسم لها أنها ابنته ، وحبيبته، وزوجته بل عالمه أجمع.
تنهد "يحيي" بحزن وهو يُزيل دمعاتها بسبابته مرددًا بحنو:
- كفاية يا"روما" على الأقل عشان مامتك وباباكِ، كفاية يا حبيبتي .
ألقت جسدها بين ذراعيه وقد آن أوان استسلامها لذلك الانهيار الذي قاومته كثيرًا ، لتردد بنحيب قوى:
- أنا خايفة على أختي قوي يا "يحيي".
شدد من احتضانها بقوة وهو يردد بثقة :
- بإذن الله هتكون كويسة يا حبيبتي، وتقوم لنا بالسلامة هي وبنتها.
تنهدت "مريم" بقوة وهي تدعو برجاء :
- يا رب يا يحيى.
********************
علي الجانب الآخر
أغلق محمد الخط وهو يقوم بتغيير مسار السيارة، نظرت له سحر بقلق وهي تقول : في إيه يا محمد؟
محمد وهو ينظر لها بوجه متوتر ويقول : مفيش حاجة يا حبيبتي، خير إن شاء الله.
سحر يتعجب شديد: طيب ليه غيرت طريق البيت؟ ومين اللي اتصل؟!
محمد بجدية : ده استقبال مستشفى.....لازم نروح بسرعة.
سحر وهي تقول بصوت مرتعش : ليه؟!
محمد بجدية وهو يمسك بيدها بقوة ليبث لها القوة : والدك عمل حادثة وحاليًا في المستشفى.
سحر برعب حقيقي ودموع : بابا؟
محمد بسرعة : متخافيش إن شاء الله بسيطة، متقلقيش إنتِ بس.
نظرت أمامها بشرود تام ومشاعرها مختلطة، ما بين خوف، وقلق، ورعب من أن تفقده، نعم هي غاضبة منه وحزينة مما فعله مع والدتها ولكنه أولًا وأخيرًا والدها وتحبه تخشاه وتخاف منه، ولكن تحبه من داخلها مهما حدث هو كل ما تبقى لها من أهلها، نعم قاسي القلب ولكن هي، لم تستطع كرهه رغم ما فعله معها فقط الغضب والخوف منه هو ما كانت تشعر به بداخلها، دعت من كل قلبها أن لا تفقده.
أخيرًا وصلوا إلى المستشفى وبعد السؤال عنه، علموا إنه فارق الحياة بعد وصوله إلى المشفى بقليل،
انهارت سحر وسقطت بين يد زوجها فاقدة الوعي.
مرت عدة أيام والحزن مسيطر عليها، كانت تجلس في غرفتها بمنزل والدها في تلك الشقة التي قضت فيها أجمل الأيام والليالي مع والديها، لم يكن والدها في كل الأوقات قاسيا بل كانت هناك الكثير من اللحظات الجميلة بينهم، بكت بقوة، رحلوا عنها ولم تعد باقية منهم سوا تلك الذكريات الجميلة في عقلها،
فاقت من شرودها على دخول والدة زوجها التي جلست الي جانبها وهي تمرر يدها بحب على رأسها مرددة آيات من القرآن الكريم.
الأم بعد قليل: لما مات أبو محمد وقتها كنت حاسة إني مش هقدر أكمل، وإن حياتي وقفت، بس بعد يوم واتنين الحياة مشت لإن الموت علينا حق وكلنا رايحين، بس الفراق هو الصعب.
سحر بحزن : مبقاش ليا حد.
الأم بعتاب وهي تضمها إلى صدرها : واحنا روحنا فين؟ اوعي تقولي كده إنتِ عندي زي إسراء بالظبط واحنا معاكِ وجنبك وربنا يقدرنا ونعوضك ولو جزء صغير.
سحر بحب: ربنا يحفظكم ليا.
في تلك اللحظة دخلت إسراء ويتبعها محمد : إيه يا ست سحر هتفضلي كدة كتير؟ والله أوقف رجيم.
سحر بابتسامة : لأ، كله إلا كدة احنا ما صدقنا.
محمد بجدية : هنروح بيتنا؟
سحر بهدوء: أيوة نقفل الشقة هنا وبعدها نرجع بيتنا.
الأم وهي تشير إلى إسراء : يله بينا احنا نخرج نظبط كل حاجه برة على ما سحر تجهز.
خرجت الأم وابنتها بينما ارتمت هي بين أحضان زوجها فهو الآن كل حياتها عاوزة انسى كل حاجه، عاوزة حياتنا تكون كويسة.
محمد بحب: إن شاء الله.
سحر بحزن : أنا عمري ما كرهت بابا يا محمد، أنا زعلانه عليه قوي.
محمد بهدوء وحنان : ادعيلهم يا حبيبتي، هما دلوقتي محتاجين الدعاء.
سحر : الله يرحمهم ويغفر لهم ويسكنهم فسيح جناته.
محمد : آمين يارب العالمين.
سحر بحب : عارف إن المرة دي هروح معاك وأنا راضية وحابه نكون سوا، مش خايفة من اللي جاي، مستعدة أبدًا حياتنا بحب ومن غير خوف من اي حاجة.
محمد وهو ينظر لها ويقبل مقدمة رأسها : أوعدك إني عمري ما هخذلك أبدًا ، وإني هعمل كل اللي أقدر عليه عشان تكونِ سعيدة.
بعدها وقف محمد وهو يمد يده إليها وعلى وجهه ابتسامة مشجعة محبة : يلا بينا.
سحر وهي تمسك بكف يده وتنظر له بثقة : يلا بينا.
*******************
