📁 آخر الروايات

رواية نون حائرة كامله وحصريه بقلم سمر شكري

رواية نون حائرة كامله وحصريه بقلم سمر شكري



الفصل الأول

" إلى متى ستظل العدالة غافلة عنهم، مرتدية نظارات سوداء تمنعها رؤية الحقيقة، و المظلوم ضعيف مغلوب على أمره، يرضخ ولا يجد سند له، مجبر على تقبل الظلم
يعثون فى الارض فسادًا ووحده المظلوم من يدفع الثمن، متى تنقرض تلك النماذج من مجتمعنا، ليأتي اليوم الذي تتحقق فيه العدالة، و أقصد هنا العدالة الحقيقية التى تنصر المظلوم وتعاقب الظالم دون النظر لأي اعتبارات أخرى، دون وساطة، دون محسوبية.
نون "

هكذا أنهت مقالها، لاتعرف عدده فقد أرهقها العد، كثيرًا ما كتبت عن الفساد الذى تفشى فى المجتمع، ولكن دون فائدة، دائما ما تصل إلى نفس النتيجة، من له سلطة ونفوذ دائمًا هو الرابح ولا يهم إن كان هو الظالم أم المظلوم، فالعدالة عمياء بل إنها أصبحت دمية يتلاعب بها ذوي السلطات
زفرت بقوة تفكر فى مصير مقالها، هل سيقبل به رئيسها أم سينهرها خوفًا عليها كما يدَّعى، يكمن ضيقها فى أنها رضخت لرغبته الأخيرة بعدم التصريح بأسماء من تُهاجمهم ويكفى أن تُشير إليهم من بعيد، مجرد رموز و هم عليهم الفهم عملًا بمقولة "اللي على راسه بطحة"
ولكنهم يتصنعون البلاهة حتى لا يُكشف أمرهم وهنا لا يضيع سوى حق المظلوم، ويا للسخرية فهى أيضا تتخفى بقلمها مُختصرة توقيعها " نون"، أهو رضوخًا لرغبة والديها لخوفهم عليها أم أنها تخشى هى أيضًا، ولكن ما الذى تخشاه.. فقدان عملها أم فقدان حياتها؟ نفضت كل تلك الأفكار عن رأسها، ما يهم الآن هو سعيها لنُصرة الضعيف والسعى جاهدة لتحقيق العدالة، ويوما ما تُعلنها صراحة للجميع ( قلم نيرة نصار لا يخشى أحد)

طرقت الباب ودلفت إلى داخل غرفة مكتبه تقابلها نظراته المختلطة ما بين ترقب وخوف، خوفه عليها والذي تراه لا داعي له أم خوفه على مستقبل جريدته، ألقت التحية : صباح الخير يا ريس
ليردها بفتور المعتاد على الأمر : صباح النور يا نيرة
ناولته المقال راجية ربها أن يقبله كما هو دون أن يُطالبها بأي تعديلات، تناوله منها مُتفحصًا إياه ليهز رأسه علامة رضا ولكنه ليس الرضا السامى، ليرفع رأسه إليها يُعلن ما يدور برأسه : انتى مذكرتيش أسماء فعلا بس واضح جدا مين المقصود بكلامك

أتنفجر به الآن أم تترك هذا الحل للنهاية، حاولت تهدئة انفعالاتها لتجيبه : يا فندم أنا نفذت رغبة حضرتك إني أحذف الأسماء، بس حضرتك كده بتلمح انى أحذف المقال من الأساس، ومش هقدر اعمل كده لانى مش هقدر اكتب غير اللى مقتنعة ومؤمنة به، وعمرى ما هتحيز لأي رمز فساد في البلد
قاطعها قائلا : أنا مقلتش تتحيزى، انا بقول بلاش اندفاع الشباب، دا خوف عليكى
إشتد بها الغضب ليأتى دورها لتقاطعه : حضرتك أنا مسئولة عن نفسي ومش خايفة لانى واخدة صف الحق، لكن لو حضرتك خايف يبقى أنا ممكن أقدم استقالتي واشوف اى جريدة تانية انشر فيها بحرية ومن غير خوف
ألقت ما يجيش به صدرها دفعة واحدة دون اعتبار لأى شئ، لم تنتبه إلى تماديها سوى عندما لاحظت الشرر يتطاير من عينيه مع خبطة يديه بعنف على المكتب أمامه ناهرًا إياها : الزمى حدودك يا نيرة واعرفى انك بتكلمى رئيسك
الآن أدركت تسرعها، وتعترف أنها تمادت و تخطت حدودها، وكما تُحتم عليها أخلاقها فلابد من الاعتذار، هدأت نبرة صوتها معتذرة له : أنا آسفة يا أستاذ أحمد، أنا فعلا اتماديت، أنا كل هدفي اننا نقضى على الفساد في البلد لأنه انتشر عشان مفيش حد يقف قصاده، بس الظاهر اني نسيت إنه زى السرطان بيتملك من الجسم لحد ما يقضي عليه، عن اذنك

توجهت إلى المكتب لتأخذ مقالها لتلقي به فى سلة المهملات كما يفعل الفاسدين بالأخلاق، لكن أوقفها صوته وقد بدأ يستعيد بعضًا من هدوءه :
سيبى المقال يا نيرة واقعدي عايز أتكلم معاكى شويه

رضخت لرغبته فهى لم يعد لديها رغبة فى اثارة المشاكل اليوم، تحولت نبرته إلى نبرة أب حنون يخشى على أحد ابنائه :
انتى بتفكرينى بنفسى زمان، كانت روح الشباب مسيطرة عليا، حاربت و اتحاربت وفى الاخر اتهزمت لأنى كنت بحارب لوحدى، موصلتش لمكانى بسهولة، اتهاجمت كتير، اتهددت واتعرضت لمحاولات قتل، شفت خوف اهلى ومراتي عليا، وشفت خوفي عليهم لو جرالي حاجة وسبتهم
شعرت بما يعتمل داخله من حزن وخوف، ارادت أن تواسيه ولكنه قطع عليها المحاولة مُستكملا حديثه :
أنا بقولك كده عشان لازم تعرفى إن كل اللى بتحبيهم هما نقطة ضعفك اللى أعداءك هيحاربوكى بيها، عشان كده قلتلك خلي كلامك مستتر مش صريح، واللى على راسه بطحة هيتعرف ويقع لوحده لما يحسس عليها، أنا دلوقتى بكلمك كأب خايف عليكى مش رئيس جريدة خايف على نفسه أو على جريدته، والمقال هيتنشر زى ما انتى كتباه، و مصيرك وحياتك فى ايدك انتى
تهورها تحول لغباء، صبت جام غضبها على الشخص الخطأ، يسدى إليها نصيحة خوفا عليها هى من اتهمته بخوفه على مصلحته، شعرت بالحرج ونظرت إلى يديها التى تشابكت أصابعها معتذرة مرة أخرى :
أنا أسفة عاللى حصل منى يا فندم، ووعد هعمل بكلام حضرتك فى مقالاتي الجاية

ظل كلام رئيسها يتردد صداه بعقلها طوال طريق عودتها للمنزل، واضعة والديها نصب أعينها وخوفهما الدائم عليها، والدتها دائما ساخطة من إلتحاقها بمجال الصحافة خاصة عندما بدأت تكتب فى قضايا المجتمع والفساد الذى تفشى به وتحاول إقناعها بالتوجه إلى الكتابة بمجال الفن وإن لزم الأمر فالمطبخ لا ضرر به، أما والدها فهو بين شقي الرحى، يحثها على التمسك بالأخلاقيات وفى ذات الوقت يحذرها خوفًا عليها
نفضت تلك الافكار من رأسها كما اعتادت بمجرد أن أخرجت مفاتيحها لتدلف إلى منزلها، تقابلها ابتسامة والدتها التى تصل ما بين أذنيها، تلك الابتسامة التى لا تظهر سوى فى وقت واحد، لم تكد الفكرة تصل إلى عقلها حتى صرحت بها والدتها :
كويس إنك جيتى بدرى عشان تلحقى تجهزي نفسك
بعد هذه الجملة تأكدت لها شكوكها، أرادت الهرب توجهت إلى غرفتها وتعللت بأنها مرهقة وتريد النوم ولكن والدتها قطعت عليها كل السبل : بصى المرة دى مش هتعرفى تهربى، هتقابلى العريس يعنى هتقابليه
استدارت إلى والدتها محاولة تهدئة نفسها حتى لا تفقد السيطرة على نفسها كما فعلت اليوم أمام رئيسها : يا ماما انتى ليه مش عايزة تفهمينى، انا مش بفكر فى الجواز
لتصرخ بها والدتها غاضبة : و هتفكرى فيه إمتى إن شاء الله! انتى مش واخدة بالك انك قربتى على 30 سنة، ولا تكونى نسيتى إنك مطلقة ومش كل يوم والتانى هيجيلك عريس
: كفاية يا ايمان
صرخ بها زوجها عندما لاحظ أن غضبها جعلها تُصرح بما ستندم عليه لاحقا لأنها لا تدرك الان مدى جرحها لابنتها
نظرة منه إليها كانت كفيلة ليرى احتقان وجهها والدموع تتلألأ في عينيها فخاطبها بلين قائلا : ادخلى ارتاحى انتى يا نيرة، وأنا هعتذر للراجل وابلغه الرفض
كأنها كانت بانتظار كلمات والدها لتهرول الى غرفتها وما أن اغلقت بابها حتى انفجرت دموعها التي كانت تكبتها منذ قليل، إذا كان هذا هو تفكير والدتها، فكيف ينظر إليها الآخرون
و بالخارج كان والدها يوبخ زوجته عما بدر منها، ولكنها لغضبها من نفسها عما تلفظت به من كلمات كانت سبب فى جرح لابنتها آثرت الاختلاء بنفسها فذهبت إلى حجرتها هى الأخرى
******************************
وقفت أمام المرآة، تعيد تجربة ثوب زفافها مرة أخرى، ذلك الثوب الأبيض الذى يضيق من الصدر وينزل يلف حنايا جسدها ليبدأ بالاتساع قليلا بداية من ركبتيها، قماش من الستان ذو أكمام طويلة وتتبعثر عليه بعض الورود الصغيرة لتعطيه مظهر كلاسيكى هادئ
كانت تتلفت حولها لتتأكد من أنه لا يوجد خطأ به، نادت على والدتها لتأخذ برأيها
أتتها والدتها ضاحكة : دى المرة الكام كده ؟ ارحمي نفسك يا ندى
أجابتها (ندى) بعبوس مزيف : ماشي يا ماما، انتي مش مقدرة القلق اللي أنا فيه، الفرح بعد اسبوعين و خايفة اتخن وأتفاجئ يوم الفرح إن الفستان ضيق عليا
احتضنتها والدتها قائلة : خلاص متزعليش انا بهزر معاكي، وبعدين هتتخني إزاي هو انتي بتاكلي من الأساس
توترت (ندى) : خايفة يا ماما وقلقانة وكل ما الفرح يقرب بحس بتوتر أكتر
هدأتها والدتها : اى عروسة بتبقى كده، خليكى انتى هادية واتغذى كويس ونامى كويس عشان يبقى وشك منور يوم الفرح
قاطع حديثهم رنين هاتف ندي ونظرة واحدة إلى شاشته كانت كفيلة برسم الابتسامة على وجهها، فشاكستها والدتها : أظن دلوقتي أطلع بره وأخد الباب ورايا
قبَّلت وجنة والدتها و انتظرت رحيلها من الغرفة ثم أجابت الإتصال : السلام عليكم
سمعت رد خطيبها من الطرف الأخر : وعليكم السلام، ازيك يا ندى، أخبارك إيه ؟
ندى : الحمد لله
لاحظت نبرة التوتر بصوته وتردده في الحديث فسألته : طارق، انت كويس، صوتك متغير
استجمع شجاعته وأخبرها : بصراحة فيه موضوع عايز أكلمك فيه بقالي فترة، إيه رأيك نتقابل ؟
اجابته بتوجس : تمام، نتقابل بكره
(طارق) : خلاص هعدي عليكي بكره ع الساعة 7 إن شاء الله
أغلقت الهاتف وجلست تفكر في الموضوع الذي يجعله بهذا التوتر، ثم نفضت عنها أفكارها وقامت بتغيير ملابسها
*********************************
اليوم هو يوم التجمع العائلي بمنزل والديها، تقف بالمطبخ برفقة والدتها لإنهاء تحضير الغداء قبل عودة أزواجهن من أعمالهم
وقفلت (نور) تتذوق المكرونة البشاميل التى أعدتها خصيصا لزوجها لحبه الشديد لها من يدها، تناهى إلى مسامعها صوت رنين هاتفها فذهبت لتجيب واتسعت ابتسامتها لرؤية رقم زوجها يضئ شاشته، فأجابته بمرحها المعتاد : كالعادة بتتصل عشان تقولى وحشتينى وأنا أقولك انت وحشتنى اكتر
تلاشت ابتسامتها واختفى مرحها عندما تسرب إلى أذنيها صوت آخر غير صوت زوجها :
حضرتك مدام أدم عبدالحميد ؟
اجابته بتوجس وخوف : ايوه
لتأتيها الضربة القاضية : البقاء لله



مكتبة حواء
مكتبة حواء
موقع مكتبة حواء هو منصة إلكترونية عربية متخصصة في نشر الروايات والقصص، ويستهدف بشكل أساسي محبي الأدب الرومانسي والاجتماعي، مع حضور قوي لاهتمامات القرّاء.
تعليقات