📁 آخر الروايات

رواية نون حائرة الفصل الثاني 2 بقلم سمر شكري

رواية نون حائرة الفصل الثاني 2 بقلم سمر شكري


الفصل الثانى

ألقت (نيرة) هاتفها من يدها بحنق، فها هي تحاول الإتصال بصديقتها للمرة الخامسة ولكنها لا تجيب وتعلم أنها إذا حاولت الإتصال بصديقتها الأخرى ستنال توبيخًا هى فى غنى عنه الآن، وعندما حاولت الاتصال بالصديقة الثالثة، وجدت نفسها على قائمة الانتظار
انتبهت إلى صوت طرقات بباب غرفتها متبوعة بصوت والدها يستأذنها فى الدخول، فتحت الباب مستقبلة إياه بإبتسامة باهتة : اتفضل يا بابا
دخل وجلس على طرف الفراش طالبًا منها أن تجلس قبالته وتستمع إليه، تعلم أنه سيبدأ فى تبرير موقف والدتها ويحاول التخفيف من حزنها وامتصاص غضبها
ربت على كتفها : متزعليش من ماما، هى خايفة عليكى ونفسها تطمن عليكي
التمعت الدموع بعينيها واختنق صوتها : بس مش ذنبى، مش ذنبى انى اتجوزت واحد وطلقني بعد كام شهر، مش ذنبى إن كل واحد يتقدملى يبقى عايز يلغي شخصيتي ويخلينى اسيب شغلى اللى بحبه، مش ذنبى انى شفت نماذج كتير تكرهنى فى الجواز

واشتد شعورها بالاختناق وهى تُكمل محاولة كبت دموعها : أنا فاهمة خوف ماما عليا، بس هى بقت قاصدة تجرحنى متخيلة إنها بكده هتقدر تجبرنى على الجواز لمجرد انى اريحها واتعب أنا بعدين عشان مش قادرة ألاقى راحتى، يا بابا أنا مش هكرر تجربة الجواز تانى غير لما الاقى الراجل اللى اقدر استغنى عن كل حاجة عشانه، الراجل اللى أحس معاه بالأمان ويبقى هو كل دنيتي، مش هتجوز اى حد لمجرد إن ماما عايزانى اتجوز
احتضنها والدها مربتا على ظهرها : طيب اهدى بس كده
حاول ممازحتها : طب هتلاقى الراجل دا إزاى يا أستاذة وانتى بقيتى رافضة تقابلى أى عريس
ظهرت ابتسامة خفيفة على شفتيها وهى تجيبه : لما ماما تبطل تقول لهم يفرضو شرط عدم شغلى هقابل صاحب النصيب
كان نصيبها قرصة بسيطة فى وجنتيها من والدها : بلاش تظنى فيها سوء، هى هتقول لهم كده ليه!
اجابته بمرح : يا بابا دا أنا بقيت فاهمة ماما اكتر من نفسى، دا كلهم عندهم نفس الشرط الوحيد انى اسيب شغلى
سألها : يعنى لو العريس موافق انك تشتغلى هتقابليه ؟
فأجابته حزينة : وليد كان موافق انى اشتغل يا بابا، ومع ذلك مقدرناش نكمل مع بعض
الآن أصبح يفهم ما بداخلها من خوف وقلق، فهي لا تريد مجرد زوج ولكنها تريد الأمان، تريده الأب والأخ والحبيب والصديق، تريده كل دنياها
قبَّل جبينها وتركها واعدًا إياها بأن يتحدث مع والدتها بأن تتركها وشأنها حتى يأتى إليها من يستحقها حقًا

بعد أن رحل والدها، توجهت إلى خزانتها وأخرجت منها ورقة مطوية، يعلوها " قسيمة طلاق" ، مؤرخة بعنوان قارب على العامين، شردت إلى وقتها، استعادت الذكرى المؤلمة حتى وإن كانت هى رغبتها ولكنها تشعر بمرارتها، ضاق صدرها بالحياة معه، فقد كان يعاملها كقطعة أثاث بمنزله، كان بخيل وإن كان البخل المادي فقد كانت ستتحمله أما بخل المشاعر فلم تعد تطيقه، وعندما تحدثت معه كان نصيبها الإهانة التى وصلت حد الضرب، وفجأة يحاول الاعتذار، رفضت وأصرت على طلبها وخاصة بعد ما علمته عنه، فهو التائب العائد إلى ذنبه، نزيل إحدى مصحات علاج الإدمان، وها هو قد يعود إليها، كذب وخدع، هو المذنب وهي الضحية، هو المخادع وهي من دفعت الثمن بحصولها على لقب مُطلقة بعد زواج دام لستة أشهر فقط
نفضت عنها الذكريات والتقطت هاتفها لتحاول الإتصال بصديقتها مرة أخرى وهذه المرة أجابت، لتسارع فى توبيخها : إيه يا زفته سنة عشان تردى
ابتلعت بقية كلماتها عندما تهادى إليها صوت والدة صديقتها الباكي تخبرها بالخبر الصادم : أدم اتوفى يا نيرة
لم تصدق (نيرة) ما سمعته، فكانت صدمة لها، فقد كان يعامل صديقات زوجته كأخ أكبر لهم، سألتها مندهشة : حصل إمتى وازاى يا طنط ؟
أجابتها من وسط بكائها : النهارده وهو راجع من الشغل عمل حادثة بالعربية
فسارعت فى سؤالها : انتو فين دلوقتى يا طنط ؟
أجابتها والدة صديقتها : إحنا فى البيت، نور كانت منهارة ويادوب الدكتور عاطيها حقنة تهديها ونامت
وبعد أن استمعت إلى الإجابة أخبرتها بأنها ستتوجه إليهم فى الحال
سارعت فى ارتداء ملابسها بينما تجري اتصالًا هاتفيًا آخر ليصل إليها صوت صديقتها الذى يشوبه النعاس تصب عليها لعناتها لايقاظها من نومها : حرام عليكى يا نيرة أنا لسه راجعة من نبطشية وعايزة أنام
لتقاطعها قائلة : أدم جوز نور اتوفى يا نسمة، اجهزي بسرعة هعدى عليكى ونروح لها
قفزت (نسمة) من فراشها غير مُصدقة ما سمعته للتو من صديقتها : انتى بتقولى إيه! أنا هجهز حالا وأستناكى
لتسارع هى الأخرى بارتداء ملابسها
**********************
كان يجلس (كمال) بصحبة زوجته (إيمان) بغرفة المعيشة، يعاتبها عما بدر منها من كلمات قاسية تجاه ابنتها، بدى عليها حزنها وهى تبرر موقفها : خايفة عليها يا كمال ونفسى ابقى مطمنة وهى فى بيت راجل يخاف عليها ويحميها
ليرد قائلا : يبقى تسيبيها هى تختار الراجل دا بإرادتها عشان متكررش تجربة فاشلة تاني
قطع عليهم حديثهم اندفاعها من غرفتها مُرتدية ملابس سوداء
تعجبت والدتها من مظهرها فسألتها : انتى رايحة فين كده ولابسة أسود في أسود ليه؟
أجابتها (نيرة) بحزن : أدم جوز نور عمل حادثة بالعربية واتوفى
ظهر الحزن على ملامح والديها، فقد صادفاه في بعض المواقف ويعلمون كم كان شاب مهذب وخلوق
(نيرة) : أنا بستأذنكم هفضل مع نور الليلة، مش هينفع اسيبها لوحدها
فسارعت والدتها قائلة : ايوه طبعا خليكى جنبها، ربنا يرحمه زينة الشباب، و يارب يصبرها هى وبنتها
غادرت متوجهة إلى منزل (نسمة) ليذهبا معًا لمواساة صديقتهم، وفي طريقها رن هاتفها برقم صديقتها (ندى) ، أجابتها بحزن : ايوه يا ندى
(ندى) : كنت بكلم طارق، مال صوتك ؟
أجابتها (نيرة) بحزن : أدم جوز نور اتوفى، أنا هعدي علي نسمة ونروحلها
(ندى) بحزن : لا حول ولا قوة إلا بالله، الله يرحمه، أنا هسبقكم على هناك
*************************
تكدس المنزل بالنساء المتشحات بالسواد، صوت القرآن يعلو، وتجلس هى بين صديقاتها عينيها منتفخة من كثرة البكاء، لا تدري بم حولها، هي في عالم آخر، فقد فقدت زوجها وحبيب عمرها، كانت لم تكتفِ منه بعد، عاشا معًا ما يقارب الثلاثة اعوام فقط، لم يعرف فيهم الحزن طريقًا إليها، كان سببا دائما فى سعادتها و مرحها ورسم الابتسامة على وجهها، كان الشمعة التى تنير حياتها، والان انطفأت، رحل وتركها لبداية أحزانها تاركًا طفلته التى يفصلها عن إتمام عامها الثاني أربعة أشهر، وعندما وصلت بتفكيرها إلى طفلتها التى فقدت والدها قبل أن تحين لها الفرصة أن تنطق باسمه ازداد بكاؤها وفى نفس اللحظة تهادى إليهم صوت بكاء الصغيرة يعلو من غرفتها معلنًا استيقاظها من نومها، كأن كل واحدة تعلم ما يدور بمكنون الأخرى، فكلتاهما تعاني من الفقد
أخذت (نسمة) صديقتها بين أحضانها محاولة تهدئتها بينما توجهت (نيرة) إلى غرفة الصغيرة لتطمئنها بوجودهم بجوارها
وبعد رحيل جميع النساء، ظللن بجوارها يجبرنها على تناول بعض الطعام حتى تستطيع أن تقف على قدميها من أجل طفلتها، كانت تنفذ طلباتهم بآلية كأنها جسد لا روح فيه، بعدما إنتهت من طعامها اصطحبت طفلتها إلى غرفتها محتضنة إياها تستمد منها الأمان الذي افتقدته بوفاته، دموعها تجري أنهارًا على وجنتيها، لا تستطيع استيعاب ما تمر به إلى الآن ، تفكر فيما تخبئه لها الأيام
******************
جلس (طارق) برفقة صديقه (هاني) بأحد المقاهي، يبدو على ملامحه الشرود، لقد كان غارقًا بتفكيره فيم ينوي التحدث مع (ندى) بشأنه، انتشله صوت صديقه من تفكيره : إيه يا بنى، سرحان فى إيه كده ؟
أجابه (طارق) بشرود : أبدا مفيش
سأله (هاني) : إنت اتكلمت مع ندى ؟
زفر (طارق) مجيبا إياه : لسه، جوز صاحبتها اتوفى، وطبعا راحت لصاحبتها ومعرفناش نتقابل
(هاني) : طب كويس، كده قدامك فرصة عشان تفكر تانى وتراجع نفسك
صرخ به (طارق) : أنا خلاص قررت، ومش هرجع في كلامي، أنا هفاتح ندى فى الموضوع وهى ليها حرية الاختيار
بدا الغضب جليا بصوت (هاني) : بس إنت كده تبقى بتظلمها
شرد (طارق) قليلًا يفكر بكلامه ولكنه سرعان ما أجابه : لا طبعا، أنا كده بخيرها، يعنى مش هجبرها على وضع معين
تنهد (هاني) فهو يعلم أنه لا فائدة من الكلام معه : عالعموم براحتك يا صاحبي، وياريت مترجعش تندم على قرارك
رحل (هاني) وترك (طارق) غارقًا بتفكيره ولكنه ظل يقنع نفسه بأن ما سيفعله هو الصواب
****************************
تعالى رنين هاتفها فسارعت إلى إغلاق صوته حتى لا يزعج من ظننتهم غارقات في النوم بجوارها، أجابت بصوت هادئ تلك الممرضة التى تطالبها بسرعة حضورها إلى المشفى لحاجتهم إليها بغرفة العمليات.
بدلت ملابسها وبربتة بسيطة على ذراع صديقتها (نيرة) ، ارادت اعلامها بضرورة رحيلها : نيرة، أنا لازم أروح المستشفى، كلمونى ومحتاجينى فى العمليات
لتجيب الأخرى سريعًا دليل استيقاظها : ماشى يا نسمة، روحي انتي شغلك يا حبيبتى، وأنا هفضل هنا مع نور أنا وندى و هاخد اجازة من الشغل
نظرت (نيرة) الى هاتفها فوجدت الساعة تخطت الثانية صباحًا بثمان دقائق فخاطبت صديقتها التي كانت تهم بفتح الباب : خدى بالك من نفسك يا نسمة
اهدتها ابتسامة طفيفة وتوجهت إلى عملها
************************
كانت تقف وحيدة، يحيطها السكون المخيف، أكثر ما تكرهه بعملها هو اضطرارها إلى الخروج في أوقات لا تناسب
كثيرا ما كانت تطلب من والدها اصطحابها ولكن إن اتصلت به الآن ليأتى لإيصالها ستتأخر على عملها
تعالى رنين هاتفها مرة أخرى فأجابته : ايوه يا أمل جاية فى الطريق
فقد كانت هذه الممرضة تؤكد عليها ضرورة حضورها
انتظرت مرور سيارة أجرة وعندما فقدت الأمل قررت أن تسير لأول الشارع علها تجد مبتغاها سريعًا
كانت تتلفت حولها خائفة من السكون الذي يلفها ولكنها كانت غافلة عن من لمحها وترصدها، لتشعر فجأة بمن يكتفها ويكمم فمها لتغيب عن الوعي دون إرادة منها


مكتبة حواء
مكتبة حواء
موقع مكتبة حواء هو منصة إلكترونية عربية متخصصة في نشر الروايات والقصص، ويستهدف بشكل أساسي محبي الأدب الرومانسي والاجتماعي، مع حضور قوي لاهتمامات القرّاء.
تعليقات