رواية أحلام فتاة شرقية كامله وحصريه بقلم ماريان بطرس
(١) ألم وخذلان
يقول نيتشه
المرأة لغز مفتاحه كلمة واحدة الحب
أغلقت آخر حقيبة لها والتفت له بعد أن انهت حزم حقائبها لتجده يقف عاقدًا يديه أمام صدره وزامًا شفتيه بضيق، بينما عيناه تنظر لها بغير رضا.
نظرت له بحزن ثم سحبت الهواء داخل صدرها ودارت بعدها على عقيبها لتقف امامه ناظرة له بابتسامتها الرقيقة والتى تخفى خلفها حزنها قائلة بمرح مفتعل:
_خلاص يا بابتى، انا خلصت
لف وجهه للجهة الأخرى وهو يقول بضيق يوضح كم هو غير راض عن تصرفاتها:
_طيب وانا المفروض اعملك ايه؟؟ اصقفلك مثلًا!! خلاص انتى قررتى ونفذتى لكن آخر همك هو رأيى وقرارى، وكأن كلام الراجل العجوز دة مش تحت خبر عندك.
هرعت جهته تحتضنه بلهفة وهى تتحكم بدموعها لئلا تسيل امامه قائلة برجاء:
_لا يا بابتى، ليه بتقول كدة؟؟ انا عمرى ما فكرت فى إللى انت بتقوله دة، ليه بتقول كدة وانت دنيتى كلها؟؟ انت كلامك أمر بالنسبة لى
احتضن وجهها بين كفيه ليقول بحنو وهو ينظر داخل رماديتيها بحب ورجاء:
_ان كان كلامى أمر بالنسبة لك زى ما بتقولى يبقى ماتسافريش يا لوجين وتسيبينى، بلاش ياروح بابا
ابتسمت فى وجهه قائلة بنعومة:
_طيب والجامعة يا بابتى؟؟ لازم اسافر علشان ألحق السنة من أولها، وحضرتك قولت هتصفى شغلك هنا فى لندن وترجع مصر.
ومادام كدة كدة جاى يبقى انا اسبقك وحضرتك تيجى على مهلك انت و مروان، مش دة كان اتفاقنا؟
انتفض هو صارخا بغضب:
_اه كان اتفاقنا، بس ليه نسافر اصلا؟؟ احنا عايشين هنا من زمان، يبقى نكمل هنا، هنرجع ليه و لمين!!
جعدت لوجين حاجبيها باستهجان لكلماته:
_نرجع ليه؟؟ ولمين؟؟ نرجع لبلدنا يا بابتى، لاهلنا وناسنا، نرجع لأصلنا ولاصحابنا، ولا انت خلاص نسيت؟؟
انتفض صارخا بغضب:
_ اهل مين يا لوجين؟؟ اهلك هنا، وناسك هنا واصلك هنا، انتِ لوجين بنت رجل الاعمال جمال السيوفى والمسئول عن شركات برمجيات الكمبيوتر الكبيرة، وجنسيتك إنجليزية لأنك مولودة هنا، ومامتك كمان كانت إنجليزية، وجدك هنا وجدتك هنا يبقى ليه اصفى دة كله واروح مصر؟؟ انا عايش هنا بقالى اكتر من خمسة وعشرين سنة فى راحة يبقى ليه ارجع؟؟
لازال والدها على ذات الرفض للعودة لوطنه ولا زالت هى حتى هذه اللحظة على ذات العناد والتمسك برأيها، بحق الله طائرتها بعد أقل من ساعة ولا زالوا يتناقشون فى ذات الامر!!
لذا انتفضت تجيبه بضيق:
_وانا يا بابتى؟؟ زى ما ليا جنسية إنجليزية كمان ليا جنسية مصرية أخدتها بمجرد ما اتولدت
ثم اكملت برجاء:
_أرجوك يا بابتى انا عايزة نرجع للدفا إللى فى بلدنا، ولا عاجبك برودة لندن؟؟
تنهد جمال وهو ينظر جهتها، فتاته الصغيرة الجميلة لا تفهم شيء، تعيش على كلمات من حولها ولكنها لا تدرك الحقيقة، لا تدرك حقيقة بلادها الحبيبة، لذا هدر يحاول اقناعها واثنائها عن تفكيرها ويوضح لها ما لا تعرفه:
_اه عاجبنى برودتها، انتِ مش فاهمة حاجة، انتِ هتسيبى ورا ضهرك عز يتمناه اى حد فى مصر، كل إللى هناك يتمنو نص إللى انتِ فيه، يتمنو العيشة دى، والنضافة والحرية دى، يتمنو الراحة والفلوس وراحة البال، الحرية هنا ملهاش مثيل
ثم رفع إصبعه وهو يكمل:
_هنا مفيش حد يقدر يدوسلك على طرف، واذا كان الدفا إللى انتى هتتكلمى عليه دة ناتج عن شيء فهو من الناس إللى نايمة فوق بعض من الزحمة
صمت يهز راسه وهو يكمل بضيق:
_هناك عنين بتنهشك وانتى ماشية، تَدَخّل فى حريتك وخصوصيتك، مقتنعين انك مادام من اهلهم يبقى لازم يعرفو كل حاجة عنك
اعادت لوجين غرتها الذهبية للخلف ثم نظرت له لتقول بعتاب:
_حتى لو كان الدفا دة من الزحمة وفيه تطفل، بس فى الاول والاخر الواحد لاقى حد يسأل عنه، حد يهتم بيه، لاقى ناس حواليك، ناس من لحمك ودمك، ناس مهتمة بيك يا بابتى.
ان وقعت واثق ان مليون واحد يجرى عليك حتى لو ميعرفوش انت مين
صمتت تشير حولها وهى تكمل بضيق:
_ مش هنا!! كل إللى بيشوفك فى مشكلة بيقول مليش دعوة، التطفل دة بهدف الحب والاهتمام،
وفوق ده كله فيه ناس من اصلك، من نفس ثقافتك وتفكيرك وعقليتك ودينك مش حاسس انك نغمة ساذة فى وسط الكل ومحدش فاهمك!! مش فاهمة ازاى انت رافض رجوعنا بعد كل اللى بقوله
ظل جمال ينظر لصغيرته ويستمع لكلامها الفلسفى بسخرية ليهز رأسه يجيبها بتهكم:
_الظاهر كلام مروان أثر عليكِ، وطريقه رأفت جذبتك، ناس عايشة فى عالم المُثل ومش حاسين باللى حواليهم.
علشان كدة على الرغم من حبى لمروان واحترامى ليه ماكنتش عاوزك تتخطبيله؛ علشان عارف طريقة تفكيره هو وابوه
نفت برأسها وهى تقول بدفاع:
_لا يا بابتى، دة مش كلام مروان ولا اونكل رأفت بس، لا دة كلام مامتى الله يرحمها كمان، حضرتك عارف كانت بتحب مصر ازاى واتجوزتك وحبتك لأنك مصرى، ولا نسيت؟؟
نظر لها بحنو وهو يربت على خصلاتها النحاسية وهو يقول بحنين وعيناه تلمعان بالدموع:
_انسى؟؟ انسى ايه بس يا لوجين، رين كانت كل حياتى، حبها إللى حبتهونى إللى كان بيعدى كل الحدود كان بيحيينى، روحها الحلوة ومرحها كانت بتلون دنيتى، كل حاجة فيها كانت حلوة وناعمة.
ثم اكمل بتوضيح وهو ينظر فى عينيها بحنو ابوى صادق:
_وانا ان كنت بعمل كدة فعلشانك خايف عليكِ، هنا أبسط حقوقك إنك تحبى وتتحبى، هنا احلامك بتحلميها علشان تتحقق، هنا حبيبك مش مجرد شخصية بين صفحات كتاب لرواية رومانسية، هنا انتِ عايشة علشان نفسك وعلشان حبيبك وهو كذلك
صمت يتنهد وهو يشرد بعينيه فى الفراغ وهو يكمل بأسى:
_لكن فى دول الشرق عمومًا أحلامك لازم تدفن لانها احلام لفتاة شرقية، أحلامك بتتقال عنها درب من دروب الخيال، بيتقال عنك انك غير واقعية ومش قادرة تعيشى الواقع، انك عايشة زى المراهقين.
أحلامك وحبك وكل إللى بتملكية لازم يتدفن جواكِ، مش هتلاقى الحاجات دى غير فى شخصية من شخصيات رواية مدفونة وسط أوراق كتاب رومانسى، تعيشى معاه رحلة وبمجرد ما يخلص الكتاب ترجعى تانى لارض الواقع.
صمت ليحتضن كتفيها ينظر فى عينيها باسى من كل ما لاقاه اثناء حياته ببلاده وما رآه هناك وقتها:
_هناك انتِ لازم تعيشى الواقع وترضى باللى الراجل يرضى عنك ويديهولك، انتِ بتنسى نفسك وحياتك وبتعيشى بس علشان جوزك وولادك بس هو مش هيعمل كدة.
الراجل فى دول الشرق راجل مش بيعبر عن إللى جواه لانه بيعتبره بيأثر على رجولته
نظرت له لتتساءل بتعجب:
_طيب ما هو انت يا بابتى راجل شرقى، ليه انت مش زيهم؟؟
نظر لها ليقول بألم:
_لانى عمرى ما كنت راضى عن أسلوب الحياة هناك؛ ودة السبب إللى خلانى اعيش هنا وأرفض انى اعيش فى مصر رغم طلبات رين المتكررة؛ لانى عيشت هناك، واتربيت هناك، شوفت ازاى ابويا كان مابيهتمش بمشاعر امى رغم أنها كانت بتعشقه
نظرت له لتقول بابتسامة:
_بس الزمن اتغير يا بابتى، والناس كمان بتتغير، شوف انت مسافرتش من امتى؟
وبعدين كل ده مايهمنيش لان كدة كدة مروان مش زيهم، يبقى خلاص تمام
تنهد بضيق وهو يعلم بأنه لن يستطيع تغيير قرارها؛ فهى ذات رأس يابس كوالدتها، لذا تنهد بتعب وهو يقول بقنوط:
_براحتك يا لوجين... براحتك
ابتسمت بسعادة وهى تقفز لتقبل وجنته صارخة بسعادة٠:
_بحبك يا بابتى، بحبك اوى
ثم استدركت قائلة بلهفة:
_يلا بينا بقى يا بابتى علشان مروان مستنيننا من بدرى علشان يوصلنى المطار.
وعلى ذكر اسمه بهذه السعادة والكب والهيام لم يستطيع جمال التماسك اكثر من هذا لذا، تشدق بضيق غاضب:
_يقطع مروان على سنين مروان مش عاوز اسمع كلمة عنه.. فاهمة؟؟
ضحكت لوجين بنعومة هاتفة من بين ضحكاتها بصدمة:
_غيران !!! معقول جمال بيه السيوفى غيران؟؟!!! ومن مين؟؟ من خطيب بنته!!! ياللعجب
زم مال شفتيه بضيق طفولى ثم تشدق بغيظ:
_ايوة غيران، وكلمة تانية يا لوجين وهحلف انك ما ترجعيش مصر خالص، فاهمة؟؟
تعالت ضحكاتها الناعمة وهى تجيبه برقة محاولة امتصاص غضبه:
_فاهمة فاهمة
ثم مالت على وجنته مقبلة اياها هامسة بحب ورجاء وهى تنظر داخل عينيه برماديتيها الساحرة:
_ننزل بقى؟
ابتسم بتهكم على هذه تصرفاتها قائلا بسخرية:
_ماشى ما هو الموضوع جاى على مزاجك
ابتسمت له بهدوء ولم ترغب فى اىتعليق حتى لا تثير استياءه اكثر
تحركت لتهبط للاسفل لتجد ذلك الشاب الذى يجلس بانتظارهم وهو ينظر أرضا ويفرك يديه بتوتر، ولكنه بمجرد ان سمع صوت ذاك الكعب الانثوى حتى رفع عينيه ينظر لهم ثم رسم وقف وقد ارتسم على ثغره تلك الابتسامة المشبعة بالحب.
كان مروان شابًا فى الخامسة والعشرين من عمره تقريبًا، وقد كان من النوع الذى تحب رؤيته؛ فرؤيته وحدها كفيلة بان تدفع السرور لقلبك وتشعرك بالامان والهدوء.
لم يكن مروان يشبه أبطال الروايات أبدًا فلا هو يملك جسد رياضى معضل، ولم يكن عريض المنكبين إنما كان ذو جسد عادى لا نحيفًا ولا ممتلئ، متوسط الطول، ذو عيون عسلية وشعر مجعد حالك السواد
لم يكن شاب خارق الوسامة إنما كان ذو بشرة حنطية هادئة ولكنه مع ذلك كان جذاب جدا، وتكمن جاذبيته فى ملامحه الهادئة، وبشاشته فى التعامل، وتلك الابتسامة التى تزين ثغره دائمًا ورقته فى التعامل، واسلوبه ومشاعره الرقيقة واللطيفة، فهو يستطيع خطف القلوب بطباعه وليس بوسامته.
ابتسم لدى رؤية مدللته واقفة أمامه ليقول وقتها بابتسامة مرحة يخفى خلفها ضيقه لسفرها، وتركها له، وألمه لعدم رؤيتها للفترة القادمة:
_أخيرًا لوجى هانم اتكرمت علينا وقررت تنزل تشوف العبد لله؟ دة انا خللت من القعدة
ثم اقترب منها يهمس بمرح وعيون تلمع بالشقوة والخبث المازح:
_بس كله يهون علشان خاطر جمال العيون
ابتسمت لوجين بحياء بينما وبخه جمال قائلا بغيظ:
_ما تحترم نفسك ياد ولا انا مش مالى عينك
ألتف مروان ينظر جهة جمال ليجيبه بابتسامة مرحة وهو يعيد عينيه جهة هذه التى ستذوب من فرط خجلها:
_لا مالى عينى يا بوس، هى دى فيها كلام؟ بس مين بيشوف القمر على الأرض ومايبديش إعجابه بيه
ثم ألتف جهته يكمل بشقاوة مازحة:
_بقولك ايه يا بوس ما تسيبنى خمس دقايق مع القمر خدلك لفة فى البيت على ما اتامل جماله وبعدين ابقى تعالى
صرخ به جمال بضيق حازم:
_مروان
تعالت ضحكات مروان المرحة وهو يرفع يديه باستسلام قائلا بمرح:
_خلاص يا بوس اني آسف
تنهد ثم نظر بعدها لساعته ليعيد انظاره لهم متشدقا باقتضاب يخفى خلفه الضيق وحزنه:
_طيب يلا علشان اوصلك للمطار، ميعاد الطيارة بتاعتك قرب.
ثم تحرك يركض للخارج حتى لا يظهر ألمه على ملامحه التى اعتاد ان يرسم المرح والسعادة عليها، بينما حل على كليهما الضيق أيضًا، لا يريدون الفراق ولكنه الحل الانسب لهم
______________________
كانت تتحرك داخل الغرفة بملل لتزفر وهى تنظر لساعة يدها؛ فقد تأخر كثيرًا اليوم، ألن يأتى؟؟
امسكت الهاتف لتطلبه بتردد ولكن سرعان ما أنزلت الهاتف عن أذنها، هل سيرد عليها؟ لا تظن، فهو نادرًا ما يجيب اتصالاتها، دائما ما تستشعر تجاهله تجاهها، يقابلها فقط ببرود.
فعلت كل ما تعرف، تبتسم له بنعومة وسعادة، تلقاه بالترحيب والاحضان الحارة، ولكن كل ما يقابلها برود، ماذا تفعل له أيضا؟؟
زفرت الهواء لتتخذ قرارها، أمسكت الهاتف وهى تتصل به جاءها صوت الرنين إلى أن انتهى ولم يجيب، تضايقت نعم ولكنها مع ذلك اعادت الكَرَة مرة أخرى وايضًا ما من مجيب.
ألقت الهاتف على الفراش بغيظ وهى تنظر تجاهه بضيق، إلى متى؟؟
إلى متى سيظل البرود حليفه؟ تعلم انه بارد مع الجميع، ولكن بحق الله هى زوجته من المفترض أن يكون مختلف معها، تركت الغرفة وهاتفها أعلى الفراش لتهبط إلى الأسفل للطابق الأرضي من تلك الفيلا تفكر إنها قد تشغل وقتها بقراءة كتاب ما او مشاهدة التلفاز.
ولكن ما ان هبطت حتى وجدت سببًا آخر للضيق وهى تلك المدعوة بحماتها، فقد كانت تجلس بالردهة تشاهد التلفاز ومندمجة معه تمامًا، حتمً هناك من دعى عليها اليوم لتراها فى هذا الوقت خصيصًا، ولكن أفضل ما بالأمر انها يبدو انها لم ترها فهى تلقى بكل اهتمامها تجاه تلك الشاشة.
تحركت تجاه غرفة المكتب دون حديث ولكن صدمها صوت حماتها هاتفًا ببرود ساخر:
_رايحة فين يا ريم ؟؟
تصنعت ريم الفزع وهى تجيبها بهدوء:
_خضتينى يا طنط امينة، مش تكحى ولا حاجة؟؟
رفعت أمينة حاجبها جهتها وهى تجيبها بتهكم:
_معلش ياروح طنط سلامتك من الخضة يا عنيا، اجيبلك طاسة الخضة يا ضنايا؟
جعدت ريم ما بين حاجبيها وهى تتسائل بجهل وبراءة:
_ايه؟؟ يعنى ايه دى مش فاهمة؟؟
زجرتها أمينة صارخة بغلظة:
_ريم، اتعدلى لاعدلك، بلاش تقصعة ودلع عليا ورحمة ابوكِ
وعلى ذكر سيرة والدها الراحل والحبيب فقد امتلئت عيونها بالدموع ولكنها مع ذلك زفرت الهواء من فمها بضيق تحاول اخراج كل المشاعر السلبية التى تملأ صدرها خلاله.
لا تعلم فعليًا لما تكرهها هذه السيدة هكذا ولكنها مع ذلك اجابتها من بين اسنانها:
_حضرتك كنتِ عاوزانى فى ايه يا طنط؟؟
ضيقت أمينة حدقتيها وهى تجيبها بكبرياء:
_كنتِ رايحة فين السعادى؟؟
نظرت لها ريم وهى تجيبها بضيق:
_رايحة أوضة المكتب
_ليه؟؟
هاقد بدأت وصلة تحقيقات السيدة أمينة والتى تظن ذاتها المحقق كرومبو ذاته على راي صديقتها العزيزة ولكنها مع ذلك اجابتها على مضض:
_اجيب كتاب اقراه اسلى نفسى بيه
أكملت باستفزاز لها كعادتها وكأنها لا ترغب سوى فى اثارة غضبها:
_ليه هو قاسم مجاش؟؟
كزت ريم على اسنانها ثم اجابتها من بين ضروسها:
_ما دمتى قاعدة هنا فأكيد عارفة انه لسة مجاش، ولو جه كنتِ أكيد حسيتى بيه
ابتسمت أمينة ابتسامة مخفية وهى تشمت بها قائلة بتهكم:
_وانتِ ما اتصلتيش بيه؟؟
كزت على أسنانها لدرجة شعورها بأن ضروسها تكاد تتحطم ثم صرخت باهتياج نابع من المها وحزنها على ما يحدث معها وشعورها بالقهر من كل شيء حولها:
_مابيردش اتصلت بيه ومابيردش، يعنى انتِ مش عارفة ابنك انه نادرا لما بيعبرنى، سايبنى فى البيت زى الكنبه وبس، عاوزة منى ايه يعنى؟؟
الأكيد انتِ عارفة كل حاجة، اتصلتى، واتطمنتى، واكيد كمان عارفة اتأخر ليه وهييجى امتى، اما انا...
قطعت كلماتها تبتلع ريقها وهى تشيح بيديها بعشوائية وكانها لا تجد ما يصف به مشاعرها لتقول بعدها بقهر:
_فعمره ماشاركنى فى حاجة من حياته، مجرد جارية مركونة ما يحقلهاش تعرف عنه حاجة، هى بس تاكل وتشرب وتنام زى البهايم.
ثم استدركت مكملة بألم:
_اه ونسيت، وانتِ كمان تتخانقى معاها فى الرايحة والجاية؛ ما لازم انتِ كمان تغيرى دم
انهت كلماتها ثم تركتها بعدها ذاهبة لغرفتها وهى تدق الارض تحت اقدامها بغضب، حتى انها لم تجلب معها ذاك الكتاب الذى هبطت لأجله، تاركة أمينة تبتسم وهى تتمتم بسعادة:
_جدع يا قاسم يا بنى، لازم ماتعرفهاش حاجة، انت راجل والراجل مايخدش إذن النسوان
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تمسك هاتفها تطلب ذلك الرقم وتبكى ولكن ما من مجيب، ستنهار الان لابد من حل، متألمة تريد الحديث مع احدهم ولكن لا يوجد ، زفرت بضيق بينما تسيل دموعها كالشلالات هاتفة بحنق:
_ودى مابتردش ليه إن شاء الله!!
أمسكت الهاتف تريد الاتصال بأحد آخر ولكن أيضًا ما من مجيب، وكأن العالم أجمع اليوم على ألا يسمع لها احدًا، بكت بحرقة واضعة يدها على فاهها مانعة خروج شهقاتها، ثم ارجعت رأسها للخلف ليداهمها سيل ذكريات اليوم، حاولت منعه ولكنه يأبى أن يتركها، حاولت سحب تفكيرها لأى مكان آخر ولكن وجع قلبها يجبرها على ان تعود لذكرياتها، لذا استسلمت وقتها للتذكر
تجلس معه فى ذلك المقهى على البحر بينما يدور بعينه فى المكان بتأفف وضيق، بينما عيناه تأبى الوقوع عليها، ضيقت عيناها ثم نظرت لنفسها بتقييم للتأكد من نفسها ومظهرها للمرة التى لا تعلم عددها اليوم، فهى قد اصابها فقدان الثقة بالنفس بسبب التعامل معه؛ حيث انه فى كل مرة يوجه لها انتقاداته الجديدة، لذا قالت بتوتر:
_فيه ايه يا وليد مالك؟؟ فيه حاجة غلط فى المكان ومش عاجبك؟ تحب نغيره ونروح مكان تانى؟؟
إلتف وليد ينظر لها بسخرية واضحة، ثم تشدق بصوت كالسياط وهو يجلدها ويمزقها بكلماته كالعادة:
_مش مهم المكان، المهم الشخص اللى انتِ معاه
نظرت له بتساؤل قائلة بتعجب:
_ماله الشخص يا وليد؟ انا مش فاهمة تقصد ايه؟؟!!
نظر لها ثم حول انظاره للمكان مرة ثانية متشدقًا بضيق:
_مفيش يا سابين، خلينا نمشى احسن
مطت شفتيها بجهل مجيبة بلا مبالاة من تصرفاته الغريبة اليوم:
_براحتك، اللى انت عاوزه
ابتسم بتهكم وقال وكأنه مُصِّر على جلدها بكلماته:
_ما هو براحتى فعلًا، من امتى وانتى ليكِ رأى؟
نظرت له بضيق ثم قالت بنبرة مترددة:
_فيه ايه يا وليد مالك؟ انت مال كلامك كله الغاز كدة ليه؟؟؟
نظر لها بضيق ليجيبها باقتضاب:
_ مفيش يا سابين، وخلينا نمشى بقى علشان مزعلكيش احسن.
نظرت له بضيق ثم تحدثت بصرامة مستحدثة عليها معه:
_ لا يا وليد، مش متحركة من هنا غير لما اعرف فيه ايه ومال طريقة كلامك كدة، انت كلامك مش عاجبنى ومليان تجريح.
نظر لها ثم قال بملل:
_ يلا يا سابين نمشى علشان لو اتكلمنا هنتخانق
الان فقط تصلب رأسها بعناد، تريد ان تعلم ماذا به، وماذا فعلت له حتى يعاملها هكذا.
حسنًا الان تريد سماعه ومعرفة ماذا به، لذا هتفت قائلة بعناد وانفعال وهى تشيح بيديها امامه بغيظ:
_ لا يا وليد مش متحركة غير لما اعرف فيه ايه، انا مش لعبة فى ايدك، وكمان انا ليا رأى، ورأيى انى هقعد واسمعك
ودلوقتى وقولى... فيه ايه؟؟
هتف وليد بحنق بما جمد اوصالها واوجعها حد الجحيم:
_عايزة تعرفى فيه ايه؟؟ فيه أن انا زهقت، وزهقت اوى كمان، كل شوية تأجيل تأجيل لما خلاص الواحد طهق.
عارفين انكم ناس على أد حالكم، بس مش بالطريقة يعنى إللى تخليكم مش قادرين تجهزو بنتكم بالطريقة دى، مش اختراع هو، اومال لو كنا قولنالكم حاجات أكبر كنتو عملتو ايه؟؟
وبعدين تعالى هنا انتِ يعنى بتعملى ايه؟؟ انتِ بتشتغلى، وباباكى كمان ومش قادرين تجهزو!!
ثم ابتسم ساخرا:
_ قولتلك ميت مرة سيبى الشغل إللى ملوش لازمة دة، بتقبضى منه كام يعنى؟ كلام فاضى والاسم شهادة جامعية ومش عارف ايه وشغلك كله مش بياكل عيش، يعنى ايه يعنى مهندسة ديكور مسارح!! كلام فاضى
هتفت به بغضب وهى تدافع عن ذاتها وكينونتها وعملها الذى تعشقه:
_ أنا مهندسة ديكور مواقع تصوير وحفلات، يعنى شغلى مهم جدا فى الافلام وا...
قاطعها وهو ليرفع يده فى وجهها قائلا بسخرية:
_ بس بس متتحمقيش اوى كدة، مواقع تصوير ايه وكلام فاضى ايه، حوشى حوشى المواقع إللى نازلة ترف علينا، يا بنت دة انتِ محدش يعرفك اصلًا، ما تتنرفزيش اوى كدة، مين بيسيب المعروفين ويختارك انتِ فى السينما ولا غيره؟ انتِ اخرك إللى بتعمليه، تعملى ديكور مسارح بتاع حفلات الأطفال، ونهار ما تترفعى خالص بيبقى حفلات تخرج جامعية، لكن سينما ومسرح ومواقع تصوير لا مش لونك خلاص.
اتسعت عينيها بصدمة من تهكمه وسخريته منها ومن عملها وكينونتها لترفع عيونها المتألمة جهتها وهى تصرخ به هاتفة بحنق:
_ وليد مش طريقة كلام دى، ده شغلى وبحبه، ودى شهادتى
ثم اردفت بعدها بلا مبالاة مفتعلة:
_ وبعدين عاجبك ولا لا مش مهم
ابتسم بسخرية قائلا بلا مبالاة:
_ هنبقى نتكلم فى موضوع الشغل دى بعد الجواز، ده ان حصل أصلًا، لكن دلوقتى عيشي
ضغط فى كلماته على كلمة "ان حصل" وأوضح بها التشكك الكامل ليوصل رسالته لها، اما هى فحركت رأسها جهة اليمين قاطبة حاجبيها بتعجب، ثم تساءلت بخوف:
_ تقصد ايه يا وليد؟ يعنى ايه نتكلم فى الشغل بعدين؟ وايه كلمة ان حصل دى؟
مط شفتيه قائلا ببرود وقال وهو يضرب سبابته على ذقنه علامة التفكير وينظر لها بطرف عينه بلا مبالاة:
_اقصد ايه.. اقصد ايه.......
اقولك انا اقصد ايه، اقصد ان انا زهقت وعاوز حل.
صمت ليلتف جهتها بكليته ينطق بحسم:
_بصى يا بنت الناس، ان ماكنتوش قادرين تجهزو يبقى اشوف حد تانى، ما انا مش هخلل جنبك.
وبعدين يعنى انتِ مش ملكة جمال ولا من حلاوتك اوى علشان اقعد استناكى، اهو فى الاخر كلكم بنات وانتى زى غيرك
ثم قال بجمود بل وبنظرات مشمئزة مقروفة:
_ بالعكس، ممكن غيرك تبقى احلى منك بكتير طبعًا، اما فى الشكل أو فى العقل
ابتسم ساخرا وهو يقول بتهكم:
_ كلكم يا بنات حوا صنف واحد، بتدورو على كلمة حلوة، ولسان معسول، وواحد يمدحكم فى صفات مش فيكم ويطلع بيكم عنان السماء، ويوصف جمال مش موجود، وحب وهمى هيعدى الحدود
مقاتل بارد، كان يعلم ما يقوله فعليًا وكيف يحطها دون ان يرفع اصبعًا واحد جهتها، فقد كان يرشق كلماته لها ببرود غير آبه بمشاعرها كأنثى تلك التى كان يحطمها ويهشمها كالزجاج أسفل قدميه.
نظرت له وهى بالكاد تتماسك لئلا تبكى وهى تتساءل بتخوف وهى تخشى فعليًا اجابته والتى تبدو من البداية انها ستحطم آخر نقطة لها فى ثقتها اانثوية وقلبها:
_انت شايفنى وحشة يا وليد وما القش بيك؟
ابتسم لها بسخرية وقال ببرود جليدى غير آبه لمشطاعرنا وانوثتها:
_مش بس شكلك اللى وحش وما ينفعش، دة كل حاجة فيكِ ماتنفعش، بصى انا واخدك رفقا بيكِ وبأهلك، بس من الاخر انتِ محدش يقبل يتجوزك.
صمت ليضغط على كل حرف يخرج منه بتأكيد:
_ انتِ مابتملكيش اى حاجة، لا شكل، ولا منظر، ولا مستوى مادى او اجتماعى، او حتى شغلانة عالية، او شهادة جامعية كبيرة، او اى حاجة، فخليكِ عارفة كدة يا سابين
نظرت له بصدمة وقد سمعت فى هذه اللحظة صوت تحطم قلبها فعليًا لتنظر له قائلة بصوت متهدج متألم:
_ انت بتقول ايه يا وليد؟ انت شايف انى وحشة للدرجة دى!
مط شفتية بلا مبالاة قائلا ببرود:
_لو كنتِ حلوة كنتِ هتلاقى العرسان طوابير على بايك يتمنى رضاكِ لكن ماجالكيش حد.
لو كنتِ حلوة وواثقة من نفسك كدة كنتِ سبتينى دلوقتى ومشيتى لكن انتِ عارفة انى بالنسبالك عريس لُقطة، الوحيد اللى بصلك وفضل معاكِ، وعارفة انك لو مشيتى وسيبتينى دلوقتى مفيش حد هيبصلك، ويمكن... لا مش ممكن دة اكيد انك هتفضلى عانس طول عمرك، لا وفوق كدة انا عريس كامل مُكمل ومحدش يرفضه وانتِ معندكيش اى حاجة تجذب اى حد ليكِ.
ثم ابتسم ساخرًا:
_دة انتو بيتكم حتى ميفرقش كتير عن عشة الفراخ
الم تقل انه متلاعب جيد؟ نعم هو هكذا وقد تاكدت الان من هذا لذا صمتت .. صمتت وقد زعزع ثقتها بنفسها، هى تعلم انها ليست جميلة، بل انها اقل من مستوى الجمال اقل من المستوى العادى، وايضًا لم يأتى لها اية عرسان وهو الاول وقد اصبح سنها وصل منتصف العشرين من عمرها.
وايضًا إذا رفضته حقنا لكرامتها سيرفض والدها ذلك نظرًا لانه صاحب مستوى مادى جيد اما هم فيعتبرون دون المستوى المادى من الفقراء، وفوق ذلك كلمات والدتها تلك التى لن ترحمها وستجلدها بسياطه خوفا من ان تكون عانس وتبقى معها طول العمر وتكون حديث ومهزئة من كل الناس، فهى ليس لها الان خيار سوى ان تبقى معه، نظرت له بحزن والم نظرا لعدم مراعاته مشاعرها قائلة:
_وانا عاوزة اروح يا وليد، روحنى
ابتسم بسخرية وقال وهو يضغط على كلماته:
_انا قولتلك بلاش اتكلم، انتِ اللى اصريتى على الكلام
هتفت به بكسرة فى صوتها وهى بالكاد تمسك دموعها وتتماسك امامه:
_روحنى يا وليد لو سمحت، انا مش قادرة اتكلم عاوزة اروح.
ثم ضغطت على حروفها قائلة:
_لبيتنا الفقير فى المنطقة الشعبية دى اللى دون المستوى المادى ليك
ابتسم بسخرية متخذا مفاتيحه وهاتفه واشار لها بالذهاب امامه وتحرك لكى يوصلها لمنزلها.
عادت من افكارها تلك متحركة صوب مرآتها المتهالكة التى تقبع داخل احدى زوايا غرفتها القديمة متهالكة الاثاث لتنظر لوجهها
لم تكن سابين دون مستوى الجمال او اى شئ من هذا القبيل فقد طالعها وجهها بشرة قمحية هادئة، عيون سوداء ذات اهداب كثيفة كحصون تحمى تلك الجوهرة السوداء بمنتصفها، شعر حالك السواد طويل الى حدا ما ملامح هادئة ، ناعمة ، بريئة جدا ولكن تشوه روحها وداخلها اشعرها بتشوهها خارجيًا، فوجهها ذابل بشدة من الحزن، وتلك الهالات السوداء التى تحيط عينيها من كثرة البكاء.
تستمع عن سعادة فترة الخطوبة ولكنها لم تجد سوى الحزن فهل ياترى ستجد الحب فى كنفه؟؟!!
احبته؟؟ نعم احبته وتبكى قلبًا احب من لا يستحق، وتبكى ابًا اجبرها على علاقة فاشلة حد الجحيم، تبكى وجهًا تظنه مشوه نظرًا لذلك الحديث.
جلست تبكى على تشوه وجهها الذى جعلها فاقدة الثقة وهى تعلم انها اذا تركته لن ينظر لها احد نظرا لانها ليست جميلة على الاطلاق، ولم تكن تعلم تلك المعتوهة انها جميلة وبشدة ولكن حظها اوقعها مع من لا يستحق، مع اشباه الرجال
__________________
كانت تجلس على إحدى المقاعد بمقهى الجامعة، ترتشف من كوب قهوتها وهى تغمض عيناها متلذذة بطعمها الذى تعشقه، فتحت عينيها وهى تعود بناظريها إلى ذاك الكتاب أمامها تلتهم كلماته التهامًا وتقرأه بتركيز شديد.
هذه هى عادتها، لا تستلذ بقراءة الكتاب إلا إذا صاحبه كوب قهوتها، وينساب من سماعات أذنها صوت العندليب الأسمر بصوته الشجى الذى تعشقه، وكلمات أغانيه التى تسحرها وتسحبها لعالم آخر، ومع هذا الكتاب الرائع فهى لا تشعر الآن بالعالم الذى يدور حولها.
اما هو فدار بحدقتيه فى المكان وكانه يبحث عن شخص بعينه ليلفت انتباهه وجودها تجلس على الطاولة، عيناها ستخترق الكتاب أمامها، لا تشعر بما حولها، لا يصدر عنها اية رد فعل سوى ارتشافها للقهوة دون انتباه حقيقى بها وتعديلها لنظارتها الطبية بين الحين والآخر التى أصبحت تسقط عن عيناها نظرا لنحافة وجهها التى استحدثت عليها، ولكنها على كلًا لافتة للانتباه بالفعل بجلستها الهادىة الرائقة، تلك التى تدعوك لتأملها دون شعور منك.
فهى هادئة، ناعمة، وتسبح بعالم آخر غير عالمنا، هى بعالم ذاك الكتاب، أحيانا تبتسم، واحيانا أخرى تتسع مقلتيها بتعجب، واحيانا أخرى تمتلى عيناها بالدموع والحزن
_ طفلة
قالها بتلقائية لما يراه امامه من تأثرها بما تقرئه
ابتسم بعبثيه وهو يتحرك تجاهها ليجلس على المقعد بجوارها ولكن لم يصدر عنها اية رد فعل يُذكر،
زم شفتيه بضيق ولكن سرعان ما ابتسم وهو يسحب أطراف سماعتها من على اذنها يضعها على اذنه وهو يقول بعبثية:
_بتسمعى ايه؟؟
انتفضت من مكانها بفزع من هول المفاجأة بينما ابتسم هو بسماجة قائلا بتهكم:
_ عبد الحليم؟؟!! مش ناوية تغيرى؟؟ هتفضلى عايشة فى الزمن القديم كتير
اتسعت حدقتيها بغضب، واستحال بياضها إلى احمر واصبحت تطلق شرارات بركانية من شدة غضبها، ولكنها على غير المتوقع لم تكلف نفسها عناء الرد بل سحبت سماعتها منه بعصبية ثم وضعت هاتفها داخل حقيبتها ململة اشيائها بغضب للذهاب لينظر لها بتعجب متسائلا بذهول:
_ انِ رايحة فين؟؟!!
لم تكلف نفسها حتى عناء النظر إليه، ليتساءل مرة أخرى وهو ينظر بذهول إلى كمية تلك الكتب التى تحملها ولابد انها تقرأها على الرغم من ثقلها غلى ذراعيها الضعيفة الهشة:
_ ايه؟ هو اذا حضرت الشياطين ذهبت الملائكة؟!!
ولكن ولا اى رد يذكر جهته انما تحركت دون الرد عليه، ليسير خلفها بعصبية وضيق ممزوج بالم طفيف يرفض الاعتراف به.
نعم يعلم سبب غضبها منه، ويعلم أنها محقة، ولكنه حقًا لا يريد الابتعاد، لا يعلم السبب ولكنه حقًا لا يريد الابتعاد هكذا كالاغراب.
عليه ان يقر بأن بها شئ غريب يجذبه جهتها، يجعله يقترب منها بل ويود الالتصاق بها دائمًا؛ يريد الحديث معها، يريد النظر لملامحها الهادئة والبسيطة ومتابعة تصرفاتها البريئة سماع حديثها العشوائى او حتى النظر اليها بصمت اثناء اندماجها فى القراءة، لذا يكفى هذه المهزلة، فهو لا يريد الان سوى التحدث معها فقط.
نعم هو اذاها اكثر من مرة، ولكنها تُصِر على تجاهله، لذا اوقفها وهو يمسكها من مرفقيها بقوة يلفها لتواجهه وعيناه تقدح شرارا غاضبا دون ان يعلم ير هذا الغضب تحديدا،هل هو لتجاهله ام لابتعاده ورفضها حتى للنظر اليه بل ولما هذه يؤلمه اكثر مما يغضبه
تجاهل كل تلك الاسئلة برأسه ليهدر بضيق:
_ فيه ايه يا شروق؟ ماتردى عليا، ولا شيفانى كلب؟؟
عيناها التى رمته بإشمئزاز فقط من تحدثت وهى تنظر له من أعلى إلى أسفل بقرف مُصرة على ذات الموقف بألا ترد؛ لذا ابتسم بعبث وهو يختطف ذاك الكتاب الذى كانت تقرأه منذ قليل وهو ينظر لغلافه رغبة فى اغاظتها واخراجها من صمتها فهو يعلم بان لا شيء بهذا العالم يغضبها سوى التقليل من قيمة كتبها ولكنه بمجرد ان نظر لاسمه حتى قطب حاجبيه متسائلا بتعجب:
_ The Notebook??!!
حول عينيه جهته وقد ارتسمت ابتسامة عابثة على شفتيه وهو يتساءل بنبرة ذات مغزى:
_ هو انتِ لسة بتحبى الرومانسى يا شيرى ولسة عايشة فى الجو دة؟ عبد الحليم وروايات رومانسية وكدة، لسة ماكبرتيش؟؟
لم تأبه لسخريته المبطنة إنما رشقته بسهام عينيها التى تذبح قلبه من كل هذا الغضب والكراهية اللوم التى تنطلق منها، ثم مدت يدها تحاول سحب الكتاب من يده ولكن دون جدوى، لذا وضعت كتبها على الطاولة عاقدة يديها امام صدرها وهى تنظر تجاهه بضيق هاتفة بكبرياء:
_ عاوز ايه يا طارق؟؟
اتسعت ابتسامة طارق وتحولت من تلك العابثة الى اخرى هادئة لطيفة وهو يهمس بلطف:
_ اتكلم معاكِ، يعنى هيبقى ايه يا شيرى؟
_ شروق ... اسمى شروق
قالتها مصححة حديثه، ثم اردفت وهى ترفع أصابعها محذرة بصرامة:
_ وبعدين مفيش بينى وبينك كلام ولا حديت، انا لو هكلم الدنيا كلها انت لا، فأحسنلك ابعد عن طريقى خالص لانى مش طايقة اشوف وشك لانى حاسة انى ببقى هرجع
كلماتها ضربت قلبه فى الصميم وجعلته يتصنم مبهوتا من حديثها فى حين التمعت عيونه بالالم والدموع دون شعور، منذ متى لها هذا الجبروت والصلابة؟ ومنذ متى تكرهه كل هذا الكره لدرجه شعورها بالغثيان بمجرد رؤيته؟
آفاق على اختطافها للكتاب وتحركها للذهاب حينما هتف بها بقوة وبرود محاولا تخفاء المه ووجعه:
_ليه إن شاء الله؟ كنت عملتلك اية يعنى لكل ده؟ ما تكبريش الموضوع يا شروق، احنا حاولنا مع بعض لكن ما نفعناش
التفت تنظر جهته بإشمئزاز وهى تجيبه بقهر وهى بالكاد تمسك دموعها عن أن تسيل:
_لا يا طارق باشا، احنا ماجربناش، انت بس إللى جربت.
جربت ازاى تكسر قلب بنت، وكأن كسر قلوب البنات غاية عاوز توصلها، يعنى ازاى بنت حتى لو ماكنتش جميلة ماتبصش لطارق باشا ابن الحسب والنسب إللى والده بيملك واحدة من أكبر شركات الانتاج السينمائى وعندهم ملايين لا تُعد ولا تُحصى، ازاى بس دة؟؟!!
بدأت دموعها لتسيل على وجنتيها وهى تكمل بوجع وانين قلبها يتفاقم من تذكرها لما فعله بها:
_مجرد دودة كتب او دودة قراية زى ما بيقولو، واخدة الوحدة جانب والكتب صديقة، هى الوحيدة إللى اتراهنت عليها لانها الوحيدة الغير مهتمة بالعالم بتاعكم وللأسف فزت بالرهان وبقلبها، وبعدين كسرته وانت بتوضحلها انها ولا حاجة
شهقت محاولة تنظيم أنفاسها حتى لا تبكى دون أن تأبه لوجودها وسط الجامعة لتكمل بكبرياء أنثى ممزقة:
_ كسرتها وانت بتقولها انها مش اكتر من تسليه، كسرتها وانت بتقولها انها لا ترقى لمستواك ومش دة شكل ولا مستوى البنت إللى ممكن تتجوزها، كسرتها يوم ما عرفتها انها ولا شئ، بس الكسر الأكبر انك كسرتلها ثقتها فى نفسها وكسرت ثقتها فى الناس إللى حواليها.
ثم اردفت وهى تقرب ابهامها من سبابتها وهى تكمل:
_اقولك على سر صغير اد كدة
نظرت بعينيه وهى تواجهه بصرامة وقوة غريبة وهى تخرج مكنونات صدرها تلك التى تضايقها وتجثم على قلبها بشدة:
_الحقيقة انك ولا حاجة، انت جسم ثور وعقل عصفور، واحد فرحان بمركز و بفلوس اهله لكن هو فى الاساس ولا اى حاجة ولا قدر يعمل حاجة انا متأكدة انك لو مسكت شركتكم هتغرقها
اتسعت عينى طارق واهتزت حدقتيه بصدمة من حديثها القوى الذى آلمه بحق ولم يظن انه سيصدر منها هى بالاخص، اما هى فرفعت رأسها بشموخ أنثى مجروحة سعيدة بتسديد ضربة قوية لخصمها وهى تكمل بكلمات كالخنجر المسموم وهى تضغط على كل حرف:
_ حقيقة الأمر يا استاذ طارق انت إللى لا ترقى لتطلعاتى؛ لانك معندكش عقل بالمرة، معرفتك بتساوى صفر، رجولتك زيرو، وانا ما بتكلمش عن ذكوريتك، وثقافتك زحسن تسييرك للامور تحت الصفر علشان كدة انت اللى متلزمنيش.
ثم أضافت وهى ترفع كتابها امامه بسخرية:
_ وعلشان كدة بلاش تتريق علينا أننا بنقرا روايات رومانسية لان احنا بندور فى الروايات دى على رجالة فى زمن فقدنا فيه الرجال، رجالة من البشر زينا مش مجرد ذئاب مفترسة عاوزة تنهش فينا، بنحاول ندور على آدم إللى المفروض أننا اتخلقنا من ضلعه فهو المفروض إللى هيكون احن علينا لاننا منه مش مجرد ذئاب مفترسةعاوزة تنهشنا!!.
قالت كلماتها وتركته يقف مبهوتا ومصدوما بينما ترقرقت عيونه بالدموع من حديثها و ما أصبحت تراه عليه، هل أصبحت تراه ذئب شرس مفترس!!...
هل هذا هو ما اصبح عليه امامها؟؟ حقا!!
_____________
يقول نيتشه
المرأة لغز مفتاحه كلمة واحدة الحب
أغلقت آخر حقيبة لها والتفت له بعد أن انهت حزم حقائبها لتجده يقف عاقدًا يديه أمام صدره وزامًا شفتيه بضيق، بينما عيناه تنظر لها بغير رضا.
نظرت له بحزن ثم سحبت الهواء داخل صدرها ودارت بعدها على عقيبها لتقف امامه ناظرة له بابتسامتها الرقيقة والتى تخفى خلفها حزنها قائلة بمرح مفتعل:
_خلاص يا بابتى، انا خلصت
لف وجهه للجهة الأخرى وهو يقول بضيق يوضح كم هو غير راض عن تصرفاتها:
_طيب وانا المفروض اعملك ايه؟؟ اصقفلك مثلًا!! خلاص انتى قررتى ونفذتى لكن آخر همك هو رأيى وقرارى، وكأن كلام الراجل العجوز دة مش تحت خبر عندك.
هرعت جهته تحتضنه بلهفة وهى تتحكم بدموعها لئلا تسيل امامه قائلة برجاء:
_لا يا بابتى، ليه بتقول كدة؟؟ انا عمرى ما فكرت فى إللى انت بتقوله دة، ليه بتقول كدة وانت دنيتى كلها؟؟ انت كلامك أمر بالنسبة لى
احتضن وجهها بين كفيه ليقول بحنو وهو ينظر داخل رماديتيها بحب ورجاء:
_ان كان كلامى أمر بالنسبة لك زى ما بتقولى يبقى ماتسافريش يا لوجين وتسيبينى، بلاش ياروح بابا
ابتسمت فى وجهه قائلة بنعومة:
_طيب والجامعة يا بابتى؟؟ لازم اسافر علشان ألحق السنة من أولها، وحضرتك قولت هتصفى شغلك هنا فى لندن وترجع مصر.
ومادام كدة كدة جاى يبقى انا اسبقك وحضرتك تيجى على مهلك انت و مروان، مش دة كان اتفاقنا؟
انتفض هو صارخا بغضب:
_اه كان اتفاقنا، بس ليه نسافر اصلا؟؟ احنا عايشين هنا من زمان، يبقى نكمل هنا، هنرجع ليه و لمين!!
جعدت لوجين حاجبيها باستهجان لكلماته:
_نرجع ليه؟؟ ولمين؟؟ نرجع لبلدنا يا بابتى، لاهلنا وناسنا، نرجع لأصلنا ولاصحابنا، ولا انت خلاص نسيت؟؟
انتفض صارخا بغضب:
_ اهل مين يا لوجين؟؟ اهلك هنا، وناسك هنا واصلك هنا، انتِ لوجين بنت رجل الاعمال جمال السيوفى والمسئول عن شركات برمجيات الكمبيوتر الكبيرة، وجنسيتك إنجليزية لأنك مولودة هنا، ومامتك كمان كانت إنجليزية، وجدك هنا وجدتك هنا يبقى ليه اصفى دة كله واروح مصر؟؟ انا عايش هنا بقالى اكتر من خمسة وعشرين سنة فى راحة يبقى ليه ارجع؟؟
لازال والدها على ذات الرفض للعودة لوطنه ولا زالت هى حتى هذه اللحظة على ذات العناد والتمسك برأيها، بحق الله طائرتها بعد أقل من ساعة ولا زالوا يتناقشون فى ذات الامر!!
لذا انتفضت تجيبه بضيق:
_وانا يا بابتى؟؟ زى ما ليا جنسية إنجليزية كمان ليا جنسية مصرية أخدتها بمجرد ما اتولدت
ثم اكملت برجاء:
_أرجوك يا بابتى انا عايزة نرجع للدفا إللى فى بلدنا، ولا عاجبك برودة لندن؟؟
تنهد جمال وهو ينظر جهتها، فتاته الصغيرة الجميلة لا تفهم شيء، تعيش على كلمات من حولها ولكنها لا تدرك الحقيقة، لا تدرك حقيقة بلادها الحبيبة، لذا هدر يحاول اقناعها واثنائها عن تفكيرها ويوضح لها ما لا تعرفه:
_اه عاجبنى برودتها، انتِ مش فاهمة حاجة، انتِ هتسيبى ورا ضهرك عز يتمناه اى حد فى مصر، كل إللى هناك يتمنو نص إللى انتِ فيه، يتمنو العيشة دى، والنضافة والحرية دى، يتمنو الراحة والفلوس وراحة البال، الحرية هنا ملهاش مثيل
ثم رفع إصبعه وهو يكمل:
_هنا مفيش حد يقدر يدوسلك على طرف، واذا كان الدفا إللى انتى هتتكلمى عليه دة ناتج عن شيء فهو من الناس إللى نايمة فوق بعض من الزحمة
صمت يهز راسه وهو يكمل بضيق:
_هناك عنين بتنهشك وانتى ماشية، تَدَخّل فى حريتك وخصوصيتك، مقتنعين انك مادام من اهلهم يبقى لازم يعرفو كل حاجة عنك
اعادت لوجين غرتها الذهبية للخلف ثم نظرت له لتقول بعتاب:
_حتى لو كان الدفا دة من الزحمة وفيه تطفل، بس فى الاول والاخر الواحد لاقى حد يسأل عنه، حد يهتم بيه، لاقى ناس حواليك، ناس من لحمك ودمك، ناس مهتمة بيك يا بابتى.
ان وقعت واثق ان مليون واحد يجرى عليك حتى لو ميعرفوش انت مين
صمتت تشير حولها وهى تكمل بضيق:
_ مش هنا!! كل إللى بيشوفك فى مشكلة بيقول مليش دعوة، التطفل دة بهدف الحب والاهتمام،
وفوق ده كله فيه ناس من اصلك، من نفس ثقافتك وتفكيرك وعقليتك ودينك مش حاسس انك نغمة ساذة فى وسط الكل ومحدش فاهمك!! مش فاهمة ازاى انت رافض رجوعنا بعد كل اللى بقوله
ظل جمال ينظر لصغيرته ويستمع لكلامها الفلسفى بسخرية ليهز رأسه يجيبها بتهكم:
_الظاهر كلام مروان أثر عليكِ، وطريقه رأفت جذبتك، ناس عايشة فى عالم المُثل ومش حاسين باللى حواليهم.
علشان كدة على الرغم من حبى لمروان واحترامى ليه ماكنتش عاوزك تتخطبيله؛ علشان عارف طريقة تفكيره هو وابوه
نفت برأسها وهى تقول بدفاع:
_لا يا بابتى، دة مش كلام مروان ولا اونكل رأفت بس، لا دة كلام مامتى الله يرحمها كمان، حضرتك عارف كانت بتحب مصر ازاى واتجوزتك وحبتك لأنك مصرى، ولا نسيت؟؟
نظر لها بحنو وهو يربت على خصلاتها النحاسية وهو يقول بحنين وعيناه تلمعان بالدموع:
_انسى؟؟ انسى ايه بس يا لوجين، رين كانت كل حياتى، حبها إللى حبتهونى إللى كان بيعدى كل الحدود كان بيحيينى، روحها الحلوة ومرحها كانت بتلون دنيتى، كل حاجة فيها كانت حلوة وناعمة.
ثم اكمل بتوضيح وهو ينظر فى عينيها بحنو ابوى صادق:
_وانا ان كنت بعمل كدة فعلشانك خايف عليكِ، هنا أبسط حقوقك إنك تحبى وتتحبى، هنا احلامك بتحلميها علشان تتحقق، هنا حبيبك مش مجرد شخصية بين صفحات كتاب لرواية رومانسية، هنا انتِ عايشة علشان نفسك وعلشان حبيبك وهو كذلك
صمت يتنهد وهو يشرد بعينيه فى الفراغ وهو يكمل بأسى:
_لكن فى دول الشرق عمومًا أحلامك لازم تدفن لانها احلام لفتاة شرقية، أحلامك بتتقال عنها درب من دروب الخيال، بيتقال عنك انك غير واقعية ومش قادرة تعيشى الواقع، انك عايشة زى المراهقين.
أحلامك وحبك وكل إللى بتملكية لازم يتدفن جواكِ، مش هتلاقى الحاجات دى غير فى شخصية من شخصيات رواية مدفونة وسط أوراق كتاب رومانسى، تعيشى معاه رحلة وبمجرد ما يخلص الكتاب ترجعى تانى لارض الواقع.
صمت ليحتضن كتفيها ينظر فى عينيها باسى من كل ما لاقاه اثناء حياته ببلاده وما رآه هناك وقتها:
_هناك انتِ لازم تعيشى الواقع وترضى باللى الراجل يرضى عنك ويديهولك، انتِ بتنسى نفسك وحياتك وبتعيشى بس علشان جوزك وولادك بس هو مش هيعمل كدة.
الراجل فى دول الشرق راجل مش بيعبر عن إللى جواه لانه بيعتبره بيأثر على رجولته
نظرت له لتتساءل بتعجب:
_طيب ما هو انت يا بابتى راجل شرقى، ليه انت مش زيهم؟؟
نظر لها ليقول بألم:
_لانى عمرى ما كنت راضى عن أسلوب الحياة هناك؛ ودة السبب إللى خلانى اعيش هنا وأرفض انى اعيش فى مصر رغم طلبات رين المتكررة؛ لانى عيشت هناك، واتربيت هناك، شوفت ازاى ابويا كان مابيهتمش بمشاعر امى رغم أنها كانت بتعشقه
نظرت له لتقول بابتسامة:
_بس الزمن اتغير يا بابتى، والناس كمان بتتغير، شوف انت مسافرتش من امتى؟
وبعدين كل ده مايهمنيش لان كدة كدة مروان مش زيهم، يبقى خلاص تمام
تنهد بضيق وهو يعلم بأنه لن يستطيع تغيير قرارها؛ فهى ذات رأس يابس كوالدتها، لذا تنهد بتعب وهو يقول بقنوط:
_براحتك يا لوجين... براحتك
ابتسمت بسعادة وهى تقفز لتقبل وجنته صارخة بسعادة٠:
_بحبك يا بابتى، بحبك اوى
ثم استدركت قائلة بلهفة:
_يلا بينا بقى يا بابتى علشان مروان مستنيننا من بدرى علشان يوصلنى المطار.
وعلى ذكر اسمه بهذه السعادة والكب والهيام لم يستطيع جمال التماسك اكثر من هذا لذا، تشدق بضيق غاضب:
_يقطع مروان على سنين مروان مش عاوز اسمع كلمة عنه.. فاهمة؟؟
ضحكت لوجين بنعومة هاتفة من بين ضحكاتها بصدمة:
_غيران !!! معقول جمال بيه السيوفى غيران؟؟!!! ومن مين؟؟ من خطيب بنته!!! ياللعجب
زم مال شفتيه بضيق طفولى ثم تشدق بغيظ:
_ايوة غيران، وكلمة تانية يا لوجين وهحلف انك ما ترجعيش مصر خالص، فاهمة؟؟
تعالت ضحكاتها الناعمة وهى تجيبه برقة محاولة امتصاص غضبه:
_فاهمة فاهمة
ثم مالت على وجنته مقبلة اياها هامسة بحب ورجاء وهى تنظر داخل عينيه برماديتيها الساحرة:
_ننزل بقى؟
ابتسم بتهكم على هذه تصرفاتها قائلا بسخرية:
_ماشى ما هو الموضوع جاى على مزاجك
ابتسمت له بهدوء ولم ترغب فى اىتعليق حتى لا تثير استياءه اكثر
تحركت لتهبط للاسفل لتجد ذلك الشاب الذى يجلس بانتظارهم وهو ينظر أرضا ويفرك يديه بتوتر، ولكنه بمجرد ان سمع صوت ذاك الكعب الانثوى حتى رفع عينيه ينظر لهم ثم رسم وقف وقد ارتسم على ثغره تلك الابتسامة المشبعة بالحب.
كان مروان شابًا فى الخامسة والعشرين من عمره تقريبًا، وقد كان من النوع الذى تحب رؤيته؛ فرؤيته وحدها كفيلة بان تدفع السرور لقلبك وتشعرك بالامان والهدوء.
لم يكن مروان يشبه أبطال الروايات أبدًا فلا هو يملك جسد رياضى معضل، ولم يكن عريض المنكبين إنما كان ذو جسد عادى لا نحيفًا ولا ممتلئ، متوسط الطول، ذو عيون عسلية وشعر مجعد حالك السواد
لم يكن شاب خارق الوسامة إنما كان ذو بشرة حنطية هادئة ولكنه مع ذلك كان جذاب جدا، وتكمن جاذبيته فى ملامحه الهادئة، وبشاشته فى التعامل، وتلك الابتسامة التى تزين ثغره دائمًا ورقته فى التعامل، واسلوبه ومشاعره الرقيقة واللطيفة، فهو يستطيع خطف القلوب بطباعه وليس بوسامته.
ابتسم لدى رؤية مدللته واقفة أمامه ليقول وقتها بابتسامة مرحة يخفى خلفها ضيقه لسفرها، وتركها له، وألمه لعدم رؤيتها للفترة القادمة:
_أخيرًا لوجى هانم اتكرمت علينا وقررت تنزل تشوف العبد لله؟ دة انا خللت من القعدة
ثم اقترب منها يهمس بمرح وعيون تلمع بالشقوة والخبث المازح:
_بس كله يهون علشان خاطر جمال العيون
ابتسمت لوجين بحياء بينما وبخه جمال قائلا بغيظ:
_ما تحترم نفسك ياد ولا انا مش مالى عينك
ألتف مروان ينظر جهة جمال ليجيبه بابتسامة مرحة وهو يعيد عينيه جهة هذه التى ستذوب من فرط خجلها:
_لا مالى عينى يا بوس، هى دى فيها كلام؟ بس مين بيشوف القمر على الأرض ومايبديش إعجابه بيه
ثم ألتف جهته يكمل بشقاوة مازحة:
_بقولك ايه يا بوس ما تسيبنى خمس دقايق مع القمر خدلك لفة فى البيت على ما اتامل جماله وبعدين ابقى تعالى
صرخ به جمال بضيق حازم:
_مروان
تعالت ضحكات مروان المرحة وهو يرفع يديه باستسلام قائلا بمرح:
_خلاص يا بوس اني آسف
تنهد ثم نظر بعدها لساعته ليعيد انظاره لهم متشدقا باقتضاب يخفى خلفه الضيق وحزنه:
_طيب يلا علشان اوصلك للمطار، ميعاد الطيارة بتاعتك قرب.
ثم تحرك يركض للخارج حتى لا يظهر ألمه على ملامحه التى اعتاد ان يرسم المرح والسعادة عليها، بينما حل على كليهما الضيق أيضًا، لا يريدون الفراق ولكنه الحل الانسب لهم
______________________
كانت تتحرك داخل الغرفة بملل لتزفر وهى تنظر لساعة يدها؛ فقد تأخر كثيرًا اليوم، ألن يأتى؟؟
امسكت الهاتف لتطلبه بتردد ولكن سرعان ما أنزلت الهاتف عن أذنها، هل سيرد عليها؟ لا تظن، فهو نادرًا ما يجيب اتصالاتها، دائما ما تستشعر تجاهله تجاهها، يقابلها فقط ببرود.
فعلت كل ما تعرف، تبتسم له بنعومة وسعادة، تلقاه بالترحيب والاحضان الحارة، ولكن كل ما يقابلها برود، ماذا تفعل له أيضا؟؟
زفرت الهواء لتتخذ قرارها، أمسكت الهاتف وهى تتصل به جاءها صوت الرنين إلى أن انتهى ولم يجيب، تضايقت نعم ولكنها مع ذلك اعادت الكَرَة مرة أخرى وايضًا ما من مجيب.
ألقت الهاتف على الفراش بغيظ وهى تنظر تجاهه بضيق، إلى متى؟؟
إلى متى سيظل البرود حليفه؟ تعلم انه بارد مع الجميع، ولكن بحق الله هى زوجته من المفترض أن يكون مختلف معها، تركت الغرفة وهاتفها أعلى الفراش لتهبط إلى الأسفل للطابق الأرضي من تلك الفيلا تفكر إنها قد تشغل وقتها بقراءة كتاب ما او مشاهدة التلفاز.
ولكن ما ان هبطت حتى وجدت سببًا آخر للضيق وهى تلك المدعوة بحماتها، فقد كانت تجلس بالردهة تشاهد التلفاز ومندمجة معه تمامًا، حتمً هناك من دعى عليها اليوم لتراها فى هذا الوقت خصيصًا، ولكن أفضل ما بالأمر انها يبدو انها لم ترها فهى تلقى بكل اهتمامها تجاه تلك الشاشة.
تحركت تجاه غرفة المكتب دون حديث ولكن صدمها صوت حماتها هاتفًا ببرود ساخر:
_رايحة فين يا ريم ؟؟
تصنعت ريم الفزع وهى تجيبها بهدوء:
_خضتينى يا طنط امينة، مش تكحى ولا حاجة؟؟
رفعت أمينة حاجبها جهتها وهى تجيبها بتهكم:
_معلش ياروح طنط سلامتك من الخضة يا عنيا، اجيبلك طاسة الخضة يا ضنايا؟
جعدت ريم ما بين حاجبيها وهى تتسائل بجهل وبراءة:
_ايه؟؟ يعنى ايه دى مش فاهمة؟؟
زجرتها أمينة صارخة بغلظة:
_ريم، اتعدلى لاعدلك، بلاش تقصعة ودلع عليا ورحمة ابوكِ
وعلى ذكر سيرة والدها الراحل والحبيب فقد امتلئت عيونها بالدموع ولكنها مع ذلك زفرت الهواء من فمها بضيق تحاول اخراج كل المشاعر السلبية التى تملأ صدرها خلاله.
لا تعلم فعليًا لما تكرهها هذه السيدة هكذا ولكنها مع ذلك اجابتها من بين اسنانها:
_حضرتك كنتِ عاوزانى فى ايه يا طنط؟؟
ضيقت أمينة حدقتيها وهى تجيبها بكبرياء:
_كنتِ رايحة فين السعادى؟؟
نظرت لها ريم وهى تجيبها بضيق:
_رايحة أوضة المكتب
_ليه؟؟
هاقد بدأت وصلة تحقيقات السيدة أمينة والتى تظن ذاتها المحقق كرومبو ذاته على راي صديقتها العزيزة ولكنها مع ذلك اجابتها على مضض:
_اجيب كتاب اقراه اسلى نفسى بيه
أكملت باستفزاز لها كعادتها وكأنها لا ترغب سوى فى اثارة غضبها:
_ليه هو قاسم مجاش؟؟
كزت ريم على اسنانها ثم اجابتها من بين ضروسها:
_ما دمتى قاعدة هنا فأكيد عارفة انه لسة مجاش، ولو جه كنتِ أكيد حسيتى بيه
ابتسمت أمينة ابتسامة مخفية وهى تشمت بها قائلة بتهكم:
_وانتِ ما اتصلتيش بيه؟؟
كزت على أسنانها لدرجة شعورها بأن ضروسها تكاد تتحطم ثم صرخت باهتياج نابع من المها وحزنها على ما يحدث معها وشعورها بالقهر من كل شيء حولها:
_مابيردش اتصلت بيه ومابيردش، يعنى انتِ مش عارفة ابنك انه نادرا لما بيعبرنى، سايبنى فى البيت زى الكنبه وبس، عاوزة منى ايه يعنى؟؟
الأكيد انتِ عارفة كل حاجة، اتصلتى، واتطمنتى، واكيد كمان عارفة اتأخر ليه وهييجى امتى، اما انا...
قطعت كلماتها تبتلع ريقها وهى تشيح بيديها بعشوائية وكانها لا تجد ما يصف به مشاعرها لتقول بعدها بقهر:
_فعمره ماشاركنى فى حاجة من حياته، مجرد جارية مركونة ما يحقلهاش تعرف عنه حاجة، هى بس تاكل وتشرب وتنام زى البهايم.
ثم استدركت مكملة بألم:
_اه ونسيت، وانتِ كمان تتخانقى معاها فى الرايحة والجاية؛ ما لازم انتِ كمان تغيرى دم
انهت كلماتها ثم تركتها بعدها ذاهبة لغرفتها وهى تدق الارض تحت اقدامها بغضب، حتى انها لم تجلب معها ذاك الكتاب الذى هبطت لأجله، تاركة أمينة تبتسم وهى تتمتم بسعادة:
_جدع يا قاسم يا بنى، لازم ماتعرفهاش حاجة، انت راجل والراجل مايخدش إذن النسوان
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تمسك هاتفها تطلب ذلك الرقم وتبكى ولكن ما من مجيب، ستنهار الان لابد من حل، متألمة تريد الحديث مع احدهم ولكن لا يوجد ، زفرت بضيق بينما تسيل دموعها كالشلالات هاتفة بحنق:
_ودى مابتردش ليه إن شاء الله!!
أمسكت الهاتف تريد الاتصال بأحد آخر ولكن أيضًا ما من مجيب، وكأن العالم أجمع اليوم على ألا يسمع لها احدًا، بكت بحرقة واضعة يدها على فاهها مانعة خروج شهقاتها، ثم ارجعت رأسها للخلف ليداهمها سيل ذكريات اليوم، حاولت منعه ولكنه يأبى أن يتركها، حاولت سحب تفكيرها لأى مكان آخر ولكن وجع قلبها يجبرها على ان تعود لذكرياتها، لذا استسلمت وقتها للتذكر
تجلس معه فى ذلك المقهى على البحر بينما يدور بعينه فى المكان بتأفف وضيق، بينما عيناه تأبى الوقوع عليها، ضيقت عيناها ثم نظرت لنفسها بتقييم للتأكد من نفسها ومظهرها للمرة التى لا تعلم عددها اليوم، فهى قد اصابها فقدان الثقة بالنفس بسبب التعامل معه؛ حيث انه فى كل مرة يوجه لها انتقاداته الجديدة، لذا قالت بتوتر:
_فيه ايه يا وليد مالك؟؟ فيه حاجة غلط فى المكان ومش عاجبك؟ تحب نغيره ونروح مكان تانى؟؟
إلتف وليد ينظر لها بسخرية واضحة، ثم تشدق بصوت كالسياط وهو يجلدها ويمزقها بكلماته كالعادة:
_مش مهم المكان، المهم الشخص اللى انتِ معاه
نظرت له بتساؤل قائلة بتعجب:
_ماله الشخص يا وليد؟ انا مش فاهمة تقصد ايه؟؟!!
نظر لها ثم حول انظاره للمكان مرة ثانية متشدقًا بضيق:
_مفيش يا سابين، خلينا نمشى احسن
مطت شفتيها بجهل مجيبة بلا مبالاة من تصرفاته الغريبة اليوم:
_براحتك، اللى انت عاوزه
ابتسم بتهكم وقال وكأنه مُصِّر على جلدها بكلماته:
_ما هو براحتى فعلًا، من امتى وانتى ليكِ رأى؟
نظرت له بضيق ثم قالت بنبرة مترددة:
_فيه ايه يا وليد مالك؟ انت مال كلامك كله الغاز كدة ليه؟؟؟
نظر لها بضيق ليجيبها باقتضاب:
_ مفيش يا سابين، وخلينا نمشى بقى علشان مزعلكيش احسن.
نظرت له بضيق ثم تحدثت بصرامة مستحدثة عليها معه:
_ لا يا وليد، مش متحركة من هنا غير لما اعرف فيه ايه ومال طريقة كلامك كدة، انت كلامك مش عاجبنى ومليان تجريح.
نظر لها ثم قال بملل:
_ يلا يا سابين نمشى علشان لو اتكلمنا هنتخانق
الان فقط تصلب رأسها بعناد، تريد ان تعلم ماذا به، وماذا فعلت له حتى يعاملها هكذا.
حسنًا الان تريد سماعه ومعرفة ماذا به، لذا هتفت قائلة بعناد وانفعال وهى تشيح بيديها امامه بغيظ:
_ لا يا وليد مش متحركة غير لما اعرف فيه ايه، انا مش لعبة فى ايدك، وكمان انا ليا رأى، ورأيى انى هقعد واسمعك
ودلوقتى وقولى... فيه ايه؟؟
هتف وليد بحنق بما جمد اوصالها واوجعها حد الجحيم:
_عايزة تعرفى فيه ايه؟؟ فيه أن انا زهقت، وزهقت اوى كمان، كل شوية تأجيل تأجيل لما خلاص الواحد طهق.
عارفين انكم ناس على أد حالكم، بس مش بالطريقة يعنى إللى تخليكم مش قادرين تجهزو بنتكم بالطريقة دى، مش اختراع هو، اومال لو كنا قولنالكم حاجات أكبر كنتو عملتو ايه؟؟
وبعدين تعالى هنا انتِ يعنى بتعملى ايه؟؟ انتِ بتشتغلى، وباباكى كمان ومش قادرين تجهزو!!
ثم ابتسم ساخرا:
_ قولتلك ميت مرة سيبى الشغل إللى ملوش لازمة دة، بتقبضى منه كام يعنى؟ كلام فاضى والاسم شهادة جامعية ومش عارف ايه وشغلك كله مش بياكل عيش، يعنى ايه يعنى مهندسة ديكور مسارح!! كلام فاضى
هتفت به بغضب وهى تدافع عن ذاتها وكينونتها وعملها الذى تعشقه:
_ أنا مهندسة ديكور مواقع تصوير وحفلات، يعنى شغلى مهم جدا فى الافلام وا...
قاطعها وهو ليرفع يده فى وجهها قائلا بسخرية:
_ بس بس متتحمقيش اوى كدة، مواقع تصوير ايه وكلام فاضى ايه، حوشى حوشى المواقع إللى نازلة ترف علينا، يا بنت دة انتِ محدش يعرفك اصلًا، ما تتنرفزيش اوى كدة، مين بيسيب المعروفين ويختارك انتِ فى السينما ولا غيره؟ انتِ اخرك إللى بتعمليه، تعملى ديكور مسارح بتاع حفلات الأطفال، ونهار ما تترفعى خالص بيبقى حفلات تخرج جامعية، لكن سينما ومسرح ومواقع تصوير لا مش لونك خلاص.
اتسعت عينيها بصدمة من تهكمه وسخريته منها ومن عملها وكينونتها لترفع عيونها المتألمة جهتها وهى تصرخ به هاتفة بحنق:
_ وليد مش طريقة كلام دى، ده شغلى وبحبه، ودى شهادتى
ثم اردفت بعدها بلا مبالاة مفتعلة:
_ وبعدين عاجبك ولا لا مش مهم
ابتسم بسخرية قائلا بلا مبالاة:
_ هنبقى نتكلم فى موضوع الشغل دى بعد الجواز، ده ان حصل أصلًا، لكن دلوقتى عيشي
ضغط فى كلماته على كلمة "ان حصل" وأوضح بها التشكك الكامل ليوصل رسالته لها، اما هى فحركت رأسها جهة اليمين قاطبة حاجبيها بتعجب، ثم تساءلت بخوف:
_ تقصد ايه يا وليد؟ يعنى ايه نتكلم فى الشغل بعدين؟ وايه كلمة ان حصل دى؟
مط شفتيه قائلا ببرود وقال وهو يضرب سبابته على ذقنه علامة التفكير وينظر لها بطرف عينه بلا مبالاة:
_اقصد ايه.. اقصد ايه.......
اقولك انا اقصد ايه، اقصد ان انا زهقت وعاوز حل.
صمت ليلتف جهتها بكليته ينطق بحسم:
_بصى يا بنت الناس، ان ماكنتوش قادرين تجهزو يبقى اشوف حد تانى، ما انا مش هخلل جنبك.
وبعدين يعنى انتِ مش ملكة جمال ولا من حلاوتك اوى علشان اقعد استناكى، اهو فى الاخر كلكم بنات وانتى زى غيرك
ثم قال بجمود بل وبنظرات مشمئزة مقروفة:
_ بالعكس، ممكن غيرك تبقى احلى منك بكتير طبعًا، اما فى الشكل أو فى العقل
ابتسم ساخرا وهو يقول بتهكم:
_ كلكم يا بنات حوا صنف واحد، بتدورو على كلمة حلوة، ولسان معسول، وواحد يمدحكم فى صفات مش فيكم ويطلع بيكم عنان السماء، ويوصف جمال مش موجود، وحب وهمى هيعدى الحدود
مقاتل بارد، كان يعلم ما يقوله فعليًا وكيف يحطها دون ان يرفع اصبعًا واحد جهتها، فقد كان يرشق كلماته لها ببرود غير آبه بمشاعرها كأنثى تلك التى كان يحطمها ويهشمها كالزجاج أسفل قدميه.
نظرت له وهى بالكاد تتماسك لئلا تبكى وهى تتساءل بتخوف وهى تخشى فعليًا اجابته والتى تبدو من البداية انها ستحطم آخر نقطة لها فى ثقتها اانثوية وقلبها:
_انت شايفنى وحشة يا وليد وما القش بيك؟
ابتسم لها بسخرية وقال ببرود جليدى غير آبه لمشطاعرنا وانوثتها:
_مش بس شكلك اللى وحش وما ينفعش، دة كل حاجة فيكِ ماتنفعش، بصى انا واخدك رفقا بيكِ وبأهلك، بس من الاخر انتِ محدش يقبل يتجوزك.
صمت ليضغط على كل حرف يخرج منه بتأكيد:
_ انتِ مابتملكيش اى حاجة، لا شكل، ولا منظر، ولا مستوى مادى او اجتماعى، او حتى شغلانة عالية، او شهادة جامعية كبيرة، او اى حاجة، فخليكِ عارفة كدة يا سابين
نظرت له بصدمة وقد سمعت فى هذه اللحظة صوت تحطم قلبها فعليًا لتنظر له قائلة بصوت متهدج متألم:
_ انت بتقول ايه يا وليد؟ انت شايف انى وحشة للدرجة دى!
مط شفتية بلا مبالاة قائلا ببرود:
_لو كنتِ حلوة كنتِ هتلاقى العرسان طوابير على بايك يتمنى رضاكِ لكن ماجالكيش حد.
لو كنتِ حلوة وواثقة من نفسك كدة كنتِ سبتينى دلوقتى ومشيتى لكن انتِ عارفة انى بالنسبالك عريس لُقطة، الوحيد اللى بصلك وفضل معاكِ، وعارفة انك لو مشيتى وسيبتينى دلوقتى مفيش حد هيبصلك، ويمكن... لا مش ممكن دة اكيد انك هتفضلى عانس طول عمرك، لا وفوق كدة انا عريس كامل مُكمل ومحدش يرفضه وانتِ معندكيش اى حاجة تجذب اى حد ليكِ.
ثم ابتسم ساخرًا:
_دة انتو بيتكم حتى ميفرقش كتير عن عشة الفراخ
الم تقل انه متلاعب جيد؟ نعم هو هكذا وقد تاكدت الان من هذا لذا صمتت .. صمتت وقد زعزع ثقتها بنفسها، هى تعلم انها ليست جميلة، بل انها اقل من مستوى الجمال اقل من المستوى العادى، وايضًا لم يأتى لها اية عرسان وهو الاول وقد اصبح سنها وصل منتصف العشرين من عمرها.
وايضًا إذا رفضته حقنا لكرامتها سيرفض والدها ذلك نظرًا لانه صاحب مستوى مادى جيد اما هم فيعتبرون دون المستوى المادى من الفقراء، وفوق ذلك كلمات والدتها تلك التى لن ترحمها وستجلدها بسياطه خوفا من ان تكون عانس وتبقى معها طول العمر وتكون حديث ومهزئة من كل الناس، فهى ليس لها الان خيار سوى ان تبقى معه، نظرت له بحزن والم نظرا لعدم مراعاته مشاعرها قائلة:
_وانا عاوزة اروح يا وليد، روحنى
ابتسم بسخرية وقال وهو يضغط على كلماته:
_انا قولتلك بلاش اتكلم، انتِ اللى اصريتى على الكلام
هتفت به بكسرة فى صوتها وهى بالكاد تمسك دموعها وتتماسك امامه:
_روحنى يا وليد لو سمحت، انا مش قادرة اتكلم عاوزة اروح.
ثم ضغطت على حروفها قائلة:
_لبيتنا الفقير فى المنطقة الشعبية دى اللى دون المستوى المادى ليك
ابتسم بسخرية متخذا مفاتيحه وهاتفه واشار لها بالذهاب امامه وتحرك لكى يوصلها لمنزلها.
عادت من افكارها تلك متحركة صوب مرآتها المتهالكة التى تقبع داخل احدى زوايا غرفتها القديمة متهالكة الاثاث لتنظر لوجهها
لم تكن سابين دون مستوى الجمال او اى شئ من هذا القبيل فقد طالعها وجهها بشرة قمحية هادئة، عيون سوداء ذات اهداب كثيفة كحصون تحمى تلك الجوهرة السوداء بمنتصفها، شعر حالك السواد طويل الى حدا ما ملامح هادئة ، ناعمة ، بريئة جدا ولكن تشوه روحها وداخلها اشعرها بتشوهها خارجيًا، فوجهها ذابل بشدة من الحزن، وتلك الهالات السوداء التى تحيط عينيها من كثرة البكاء.
تستمع عن سعادة فترة الخطوبة ولكنها لم تجد سوى الحزن فهل ياترى ستجد الحب فى كنفه؟؟!!
احبته؟؟ نعم احبته وتبكى قلبًا احب من لا يستحق، وتبكى ابًا اجبرها على علاقة فاشلة حد الجحيم، تبكى وجهًا تظنه مشوه نظرًا لذلك الحديث.
جلست تبكى على تشوه وجهها الذى جعلها فاقدة الثقة وهى تعلم انها اذا تركته لن ينظر لها احد نظرا لانها ليست جميلة على الاطلاق، ولم تكن تعلم تلك المعتوهة انها جميلة وبشدة ولكن حظها اوقعها مع من لا يستحق، مع اشباه الرجال
__________________
كانت تجلس على إحدى المقاعد بمقهى الجامعة، ترتشف من كوب قهوتها وهى تغمض عيناها متلذذة بطعمها الذى تعشقه، فتحت عينيها وهى تعود بناظريها إلى ذاك الكتاب أمامها تلتهم كلماته التهامًا وتقرأه بتركيز شديد.
هذه هى عادتها، لا تستلذ بقراءة الكتاب إلا إذا صاحبه كوب قهوتها، وينساب من سماعات أذنها صوت العندليب الأسمر بصوته الشجى الذى تعشقه، وكلمات أغانيه التى تسحرها وتسحبها لعالم آخر، ومع هذا الكتاب الرائع فهى لا تشعر الآن بالعالم الذى يدور حولها.
اما هو فدار بحدقتيه فى المكان وكانه يبحث عن شخص بعينه ليلفت انتباهه وجودها تجلس على الطاولة، عيناها ستخترق الكتاب أمامها، لا تشعر بما حولها، لا يصدر عنها اية رد فعل سوى ارتشافها للقهوة دون انتباه حقيقى بها وتعديلها لنظارتها الطبية بين الحين والآخر التى أصبحت تسقط عن عيناها نظرا لنحافة وجهها التى استحدثت عليها، ولكنها على كلًا لافتة للانتباه بالفعل بجلستها الهادىة الرائقة، تلك التى تدعوك لتأملها دون شعور منك.
فهى هادئة، ناعمة، وتسبح بعالم آخر غير عالمنا، هى بعالم ذاك الكتاب، أحيانا تبتسم، واحيانا أخرى تتسع مقلتيها بتعجب، واحيانا أخرى تمتلى عيناها بالدموع والحزن
_ طفلة
قالها بتلقائية لما يراه امامه من تأثرها بما تقرئه
ابتسم بعبثيه وهو يتحرك تجاهها ليجلس على المقعد بجوارها ولكن لم يصدر عنها اية رد فعل يُذكر،
زم شفتيه بضيق ولكن سرعان ما ابتسم وهو يسحب أطراف سماعتها من على اذنها يضعها على اذنه وهو يقول بعبثية:
_بتسمعى ايه؟؟
انتفضت من مكانها بفزع من هول المفاجأة بينما ابتسم هو بسماجة قائلا بتهكم:
_ عبد الحليم؟؟!! مش ناوية تغيرى؟؟ هتفضلى عايشة فى الزمن القديم كتير
اتسعت حدقتيها بغضب، واستحال بياضها إلى احمر واصبحت تطلق شرارات بركانية من شدة غضبها، ولكنها على غير المتوقع لم تكلف نفسها عناء الرد بل سحبت سماعتها منه بعصبية ثم وضعت هاتفها داخل حقيبتها ململة اشيائها بغضب للذهاب لينظر لها بتعجب متسائلا بذهول:
_ انِ رايحة فين؟؟!!
لم تكلف نفسها حتى عناء النظر إليه، ليتساءل مرة أخرى وهو ينظر بذهول إلى كمية تلك الكتب التى تحملها ولابد انها تقرأها على الرغم من ثقلها غلى ذراعيها الضعيفة الهشة:
_ ايه؟ هو اذا حضرت الشياطين ذهبت الملائكة؟!!
ولكن ولا اى رد يذكر جهته انما تحركت دون الرد عليه، ليسير خلفها بعصبية وضيق ممزوج بالم طفيف يرفض الاعتراف به.
نعم يعلم سبب غضبها منه، ويعلم أنها محقة، ولكنه حقًا لا يريد الابتعاد، لا يعلم السبب ولكنه حقًا لا يريد الابتعاد هكذا كالاغراب.
عليه ان يقر بأن بها شئ غريب يجذبه جهتها، يجعله يقترب منها بل ويود الالتصاق بها دائمًا؛ يريد الحديث معها، يريد النظر لملامحها الهادئة والبسيطة ومتابعة تصرفاتها البريئة سماع حديثها العشوائى او حتى النظر اليها بصمت اثناء اندماجها فى القراءة، لذا يكفى هذه المهزلة، فهو لا يريد الان سوى التحدث معها فقط.
نعم هو اذاها اكثر من مرة، ولكنها تُصِر على تجاهله، لذا اوقفها وهو يمسكها من مرفقيها بقوة يلفها لتواجهه وعيناه تقدح شرارا غاضبا دون ان يعلم ير هذا الغضب تحديدا،هل هو لتجاهله ام لابتعاده ورفضها حتى للنظر اليه بل ولما هذه يؤلمه اكثر مما يغضبه
تجاهل كل تلك الاسئلة برأسه ليهدر بضيق:
_ فيه ايه يا شروق؟ ماتردى عليا، ولا شيفانى كلب؟؟
عيناها التى رمته بإشمئزاز فقط من تحدثت وهى تنظر له من أعلى إلى أسفل بقرف مُصرة على ذات الموقف بألا ترد؛ لذا ابتسم بعبث وهو يختطف ذاك الكتاب الذى كانت تقرأه منذ قليل وهو ينظر لغلافه رغبة فى اغاظتها واخراجها من صمتها فهو يعلم بان لا شيء بهذا العالم يغضبها سوى التقليل من قيمة كتبها ولكنه بمجرد ان نظر لاسمه حتى قطب حاجبيه متسائلا بتعجب:
_ The Notebook??!!
حول عينيه جهته وقد ارتسمت ابتسامة عابثة على شفتيه وهو يتساءل بنبرة ذات مغزى:
_ هو انتِ لسة بتحبى الرومانسى يا شيرى ولسة عايشة فى الجو دة؟ عبد الحليم وروايات رومانسية وكدة، لسة ماكبرتيش؟؟
لم تأبه لسخريته المبطنة إنما رشقته بسهام عينيها التى تذبح قلبه من كل هذا الغضب والكراهية اللوم التى تنطلق منها، ثم مدت يدها تحاول سحب الكتاب من يده ولكن دون جدوى، لذا وضعت كتبها على الطاولة عاقدة يديها امام صدرها وهى تنظر تجاهه بضيق هاتفة بكبرياء:
_ عاوز ايه يا طارق؟؟
اتسعت ابتسامة طارق وتحولت من تلك العابثة الى اخرى هادئة لطيفة وهو يهمس بلطف:
_ اتكلم معاكِ، يعنى هيبقى ايه يا شيرى؟
_ شروق ... اسمى شروق
قالتها مصححة حديثه، ثم اردفت وهى ترفع أصابعها محذرة بصرامة:
_ وبعدين مفيش بينى وبينك كلام ولا حديت، انا لو هكلم الدنيا كلها انت لا، فأحسنلك ابعد عن طريقى خالص لانى مش طايقة اشوف وشك لانى حاسة انى ببقى هرجع
كلماتها ضربت قلبه فى الصميم وجعلته يتصنم مبهوتا من حديثها فى حين التمعت عيونه بالالم والدموع دون شعور، منذ متى لها هذا الجبروت والصلابة؟ ومنذ متى تكرهه كل هذا الكره لدرجه شعورها بالغثيان بمجرد رؤيته؟
آفاق على اختطافها للكتاب وتحركها للذهاب حينما هتف بها بقوة وبرود محاولا تخفاء المه ووجعه:
_ليه إن شاء الله؟ كنت عملتلك اية يعنى لكل ده؟ ما تكبريش الموضوع يا شروق، احنا حاولنا مع بعض لكن ما نفعناش
التفت تنظر جهته بإشمئزاز وهى تجيبه بقهر وهى بالكاد تمسك دموعها عن أن تسيل:
_لا يا طارق باشا، احنا ماجربناش، انت بس إللى جربت.
جربت ازاى تكسر قلب بنت، وكأن كسر قلوب البنات غاية عاوز توصلها، يعنى ازاى بنت حتى لو ماكنتش جميلة ماتبصش لطارق باشا ابن الحسب والنسب إللى والده بيملك واحدة من أكبر شركات الانتاج السينمائى وعندهم ملايين لا تُعد ولا تُحصى، ازاى بس دة؟؟!!
بدأت دموعها لتسيل على وجنتيها وهى تكمل بوجع وانين قلبها يتفاقم من تذكرها لما فعله بها:
_مجرد دودة كتب او دودة قراية زى ما بيقولو، واخدة الوحدة جانب والكتب صديقة، هى الوحيدة إللى اتراهنت عليها لانها الوحيدة الغير مهتمة بالعالم بتاعكم وللأسف فزت بالرهان وبقلبها، وبعدين كسرته وانت بتوضحلها انها ولا حاجة
شهقت محاولة تنظيم أنفاسها حتى لا تبكى دون أن تأبه لوجودها وسط الجامعة لتكمل بكبرياء أنثى ممزقة:
_ كسرتها وانت بتقولها انها مش اكتر من تسليه، كسرتها وانت بتقولها انها لا ترقى لمستواك ومش دة شكل ولا مستوى البنت إللى ممكن تتجوزها، كسرتها يوم ما عرفتها انها ولا شئ، بس الكسر الأكبر انك كسرتلها ثقتها فى نفسها وكسرت ثقتها فى الناس إللى حواليها.
ثم اردفت وهى تقرب ابهامها من سبابتها وهى تكمل:
_اقولك على سر صغير اد كدة
نظرت بعينيه وهى تواجهه بصرامة وقوة غريبة وهى تخرج مكنونات صدرها تلك التى تضايقها وتجثم على قلبها بشدة:
_الحقيقة انك ولا حاجة، انت جسم ثور وعقل عصفور، واحد فرحان بمركز و بفلوس اهله لكن هو فى الاساس ولا اى حاجة ولا قدر يعمل حاجة انا متأكدة انك لو مسكت شركتكم هتغرقها
اتسعت عينى طارق واهتزت حدقتيه بصدمة من حديثها القوى الذى آلمه بحق ولم يظن انه سيصدر منها هى بالاخص، اما هى فرفعت رأسها بشموخ أنثى مجروحة سعيدة بتسديد ضربة قوية لخصمها وهى تكمل بكلمات كالخنجر المسموم وهى تضغط على كل حرف:
_ حقيقة الأمر يا استاذ طارق انت إللى لا ترقى لتطلعاتى؛ لانك معندكش عقل بالمرة، معرفتك بتساوى صفر، رجولتك زيرو، وانا ما بتكلمش عن ذكوريتك، وثقافتك زحسن تسييرك للامور تحت الصفر علشان كدة انت اللى متلزمنيش.
ثم أضافت وهى ترفع كتابها امامه بسخرية:
_ وعلشان كدة بلاش تتريق علينا أننا بنقرا روايات رومانسية لان احنا بندور فى الروايات دى على رجالة فى زمن فقدنا فيه الرجال، رجالة من البشر زينا مش مجرد ذئاب مفترسة عاوزة تنهش فينا، بنحاول ندور على آدم إللى المفروض أننا اتخلقنا من ضلعه فهو المفروض إللى هيكون احن علينا لاننا منه مش مجرد ذئاب مفترسةعاوزة تنهشنا!!.
قالت كلماتها وتركته يقف مبهوتا ومصدوما بينما ترقرقت عيونه بالدموع من حديثها و ما أصبحت تراه عليه، هل أصبحت تراه ذئب شرس مفترس!!...
هل هذا هو ما اصبح عليه امامها؟؟ حقا!!
_____________
